bab el mandab

ماذا يعني استهداف باب المندب لأسواق النفط العالمية؟

اقترب سعر النفط من 100 دولار للبرميل، وعادت الحرب إلى الاشتعال، وبرزت نقطة اختناق جديدة هي باب المندب. حالياً، تتجه أنظار العالم بأسره إلى هذا المعبر الضيق في البحر الأحمر. لماذا؟ وماذا يعني ذلك؟ 

لنفكّك المشهد. 

يمثّل باب المندب نقطة اختناق لتدفقات النفط أصغر من مضيق هرمز ولكنها تحمل ثقلاً كبيراً

يبلغ عرض باب المندب 32 كيلومتراً، ويقع بين اليمن وجيبوتي، عند المدخل الوحيد إلى البحر الأحمر من المحيط الهندي، فيما يسيطر انصار الله في اليمن على إحدى ضفتيه. يعبر المضيق ما بين 12% و15% من التجارة العالمية المنقولة بحراً، بقيمة تزيد على تريليون دولار سنوياً، إلى جانب 30% من حركة الحاويات العالمية، بحسب مجلس العلاقات الخارجية الأميركي. وتمرّ عبره شحنات النفط والحبوب والأسمدة والخامات والمعادن والإلكترونيات وقطع السيارات، وكلها مدخلات أساسية لسلاسل الإمداد العالمية. أما في قطاع الطاقة، فتبدو أرقامه محدودة بالمقارنة مع هرمز، فبحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية يعبره نحو 4.2 ملايين برميل يومياً، في مقابل 21 مليون برميل عبر مضيق هرمز. 

منذ شباط/فبراير، بات هذا المضيق يحمل جزءا من تدفقات هرمز بالإضافة إلى تدفقاته المعتادة. فعندما أغلقت إيران هرمز، حوّلت السعودية جزء من خامها إلى ينبع عبر خط أنابيب الشرق–الغرب، الذي يعبر شبه الجزيرة، ثم شحنته جنوباً. وارتفعت الصادرات المارة بباب المندب من 240 ألف برميل يومياً في حزيران/يونيو الماضي إلى 3.5 ملايين في الشهر نفسه من العام الحالي، وبات هذا الطريق ينقل نحو 75% من صادرات السعودية بحسب منصّة كبلر وإذا أُغلق باب المندب، فلن يبقى أمامها أيّ منفذ لتصدير النفط.

في نيسان/أبريل الماضي، هدّد مسؤولون إيرانيون الملاحة في البحر الأحمر ردّاً على الحصار البحري الأميركي. وقال مستشار للمرشد الأعلى الإيراني إن غرفة القيادة الموحّدة لجبهة المقاومة تنظر إلى باب المندب كما تنظر إلى هرمز، بوصفه ورقة أخرى في يد إيران لخنق الاقتصاد العالمي. ومع تجدّد الضربات الأميركية على إيران، وردّاً على استهداف مطار صنعاء، خرق الحوثيون هدنة عام 2022 وحوّلوا البحر الأحمر إلى جبهة في الحرب الأوسع بين الولايات المتّحدة وإيران.

لماذا عاد النفط إلى 100 دولار؟

في الشهر الماضي، ظل خام برنت قريباً من 70 دولاراً للبرميل، على الرغم من إغلاق مضيق هرمز وبدء أكبر اضطراب مسجّل في الإمدادات. هل كان ذلك نتيجة تراجع الطلب؟ لم يكن الأمر كذلك. كانت السوق تمتص صدمة كارثية، وتخلص إلى أن منظومة الإمدادات قادرة على مواصلة احتواء تداعياتها. يصعب التأكد من صحة هذا الاستنتاج، لكننا نعرف العوامل الأربعة التي جعلت ذلك ممكناً، وهي إعادة توجيه الخام السعودي عبر ينبع، والإفراج عن كميات من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية في الولايات المتّحدة وأوروبا واليابان، والسحب من المخزونات الصينية عوضاً عن تجديدها، وتراجع مشتريات الوقود لدى المستهلكين في الاقتصادات الكبرى.

مثّل كل عامل من هذه العوامل حاجزاً يخفّف أثر الصدمة، فيما أدّى عاملان منها معظم هذا الدور قبل أن يفقدا فاعليتهما. تتعرض ينبع الآن للهجوم، ووصل الاحتياطي النفطي الاستراتيجي للولايات المتّحدة إلى أدنى مستوى له منذ عام 1983 وفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية. والجدير بالذكر أن واشنطن أتاحت، بعيداً من الأضواء، استمرار تسوية معاملات الخام الروسي الخاضع للعقوبات وتمويل شحناته من آذار/مارس إلى حزيران/يونيو. ما أسهم في الحفاظ على تدفق الإمدادات العالمية.

يعود تحرّك أسعار النفط هذا الأسبوع إلى تعرّض المسار البديل عن هرمز للهجوم، وهو ينبع. وتبقى كميات النفط المعرّضة للخطر هناك محدودة بالمقارنة مع هرمز، لكن المسار البديل بات يواجه نقطة اختناق خاصة به. وتعزو «بلومبرغ إيكونوميكس» إلى إيران وانصار الله قرابة نصف الارتفاع في أسعار النفط منذ كانون الثاني/يناير.

1

وتغيّر هذا الأسبوع (20-25/7/2026) ما يجري تحت سطح الأسعار. ففي العادة، يكون البرميل المقرّر تسليمه بعد 6 أشهر أغلى من البرميل المتاح اليوم. لكن المعادلة انقلبت هذا الأسبوع، وبدأ المشترون دفع مبالغ إضافية للحصول على النفط فوراً. إنهم لا يتحوّطون من نقص لاحق، وإنما يواجهون نقصاً الآن.

من يدفع الثمن؟

تأتي آسيا في مقدمة المتأثرين. يمر عبر باب المندب نحو 6 ملايين برميل يومياً من الخام المتجه إلى القارة، يأتي ثلثاه من السعودية. وبحسب منصة «كبلر»، تعتمد الهند على المضيق في أكثر من نصف وارداتها من النفط الخام، تليها الفيلبين بنسبة 37%، ثم باكستان بنسبة 36%، وكوريا الجنوبية بنسبة 31%، واليابان بنسبة 28%.

لكن الكلفة لا تقتصر على هذه البلدان، لأن النفط يُسعَّر عالمياً، وستتحمّل كل دولة كلفة ما يحدث في باب المندب حتى إن لم تمر ناقلاتها عبره. وتعمل الآلية على النحو الآتي.

2

وبذلك، تنتقل الصدمة من المضيق إلى جميع البلدان المستوردة. وتستوعبها الدول التي تملك حيّزاً مالياً، فيما تلجأ الدول التي تفتقر إليه إلى الاقتراض للحفاظ على إمدادات الطاقة. أما الصين، أكبر مشترٍ للنفط في العالم، فما زالت تتفادى أثر الصدمة بالسحب من مخزوناتها النفطية.

هل يوجد طريق بديل؟

تقع قناة السويس على الطرف الآخر من البحر الاحمر، ويمكن للسفن الموجودة في البحر الأحمر الخروج شمالاً في أي وقت، ولهذا يوصف المضيق غالباً بأنه أقل إحكاماً من هرمز. لكن السويس وباب المندب يقعان عند طرفي الممر نفسه، وعلى كل ما ينتقل بين أوروبا وآسيا عبورهما. فالسويس مخرج للسفن الموجودة أصلاً داخل البحر الأحمر، وليست طريقاً للالتفاف على المشكلة.

وقناة السويس هي أيضاً البوابة الأضيق، إذ تعجز أكبر ناقلات النفط عن عبورها بكامل حمولتها. ولهذا أُنشئ خط أنابيب «سوميد»، الذي يعبر مصر من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط، ويتيح للناقلات العملاقة تفريغ جزء من حمولتها، والمرور عبر السويس بحمولة أخف، ثم إعادة تحميل النفط على الجانب الآخر وفق مجلس العلاقات الخارجية الأميركي.

3

لذلك، يبقى الطريق حول أفريقيا هو البديل الحقيقي. فالالتفاف حول رأس الرجاء الصالح يضيف 7,000 كيلومتر إلى الرحلة، ويستغرق بين 10 و14 يوماً إضافياً، ويمرّ بموانئ في الجنوب الأفريقي لا تستطيع استيعاب هذا الحجم من حركة الملاحة. هل يمكن استخدامه؟ بالتأكيد، لكنه أكثر كلفة وأطول زمناً، وسيعطّل سلاسل الإمداد العالمية بصورة مباشرة وشديدة.

بينما كانت سفن سعودية تتعرض للهجوم، مرّت ناقلتا نفط عملاقتان تحملان الخام السعودي من دون استهداف. وكلتاهما مملوكة لجهات صينية وتعمل بطاقمين صينيين. وهذا يوضح أن الحوثيين لا يغلقون المضيق، وإنما يختارون من يعبره. وهو سلاح أشد دهاءً، لأن هجماتهم غير الانتقائية على الملاحة في العام 2023 استدعت إرسال تحالف بحري دولي.

لذلك، يستهدف الحوثيون حتى الآن السفن السعودية وحدها، وربما يوسّعون هجماتهم قريباً إلى سفن حلفاء الولايات المتّحدة. وهذا خيار أكثر أماناً سياسياً، لأن الرهان يقوم على أن الآخرين، ما داموا يحصلون على شحناتهم، لن يخاطروا بالدخول في المواجهة.

الجبهة الثالثة

تتجه الأنظار حالياً إلى باب المندب، لكن إمدادات النفط العالمية تواجه ضغوطاً أخرى تثقل القطاع. فقد استهدفت أوكرانيا في الأسبوع الماضي سفناً روسية في البحر الأسود، على طريق يحمل النفط الكازاخي بالإضافة إلى الروسي.

هرمز وباب المندب والبحر الأسود. ثلاثة مسارات يعبرها نحو نصف النفط العالمي المنقول بحراً، وتخضع جميعها للصراع في الوقت نفسه. وتنقل هذه الحال القوة الفعلية إلى عدد قليل من الدول التي تملك النفط وتستطيع مواصلة تصديره، بينما يُترك الآخرون أمام الأسعار التي تفرضها.

نُشر هذا المقال على مدوّنة «World Debriefed» في 25 تموز/يوليو 2026، وترجم إلى العربية ونشر على موقع «صفر» باتفاق مع الكاتبة.

    سيلين بطيش

    خبيرة جيو-اقتصاد، حائزة على شهادة الماجستير من جامعة جونز هوبكنز (SAIS) واشنطن في الاقتصاد الدولي والاقتصاد السياسي. عملت سابقاً كمحلّلة أبحاث في الاقتصاد الكُلّي لدى صندوق النقد الدولي وغطّت منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا جنوب الصحراء. تعمل حالياً مستشارة مستقلة في المخاطر الجيوسياسية والتحليل الاقتصادي الكلّي، كما أسست منصة «World Debriefed»، وهي نشرة متخصّصة في الجغرافيا السياسية والاقتصاد الكلّي والأسواق العالمية.

    سري أبو المنى

    أستاذ فلسفة في التعليم الثانوي، وطالب ماجيستير في الفلسفة