نازحون من 11 بلدة حدودية يعانون في إنجاز معاملاتهم الشخصية
لا تقتصر معاناة القرى الجنوبية جراء العدوان الإسرائيلي على فقدان المساكن وسبل العيش وتضرّر البنى التحتية وغياب الأمن، بل تمتد إلى حرمان سكانها من الوصول السهل إلى الخدمات الحكومية، وكأنهم مواطنون على هامش الدولة. وتتجلى هذه المعاناة في عجز عدد كبير من عائلات 11 بلدة وقرية جنوبية عن إنجاز معاملاتها الرسمية بيسر، إذ تضطر إلى تحمّل مشقة الانتقال من الجنوب إلى بيروت لاستصدار إخراج قيد أو الحصول على وثائق الولادة والوفاة، بعدما أدّى العدوان الإسرائيلي إلى تعطّل العمل في دائرة نفوس ميس الجبل.
تضطر أعداد كبيرة من العائلات في جنوب لبنان أن تتحمّل كلفة الانتقال إلى بيروت، لإنجاز معاملاتها الشخصية، من إصدار إخراجات القيد إلى استحصال وثائق الولادة والوفاة، بعدما أدّى العدوان الإسرائيلي إلى تعطّل العمل في دائرة نفوس ميس الجبل، التي تضم سجلات نحو 100 ألف مواطن من 11 بلدة وقرية حدودية أو قريبة من الحدود، ونقل أعمالها إلى العاصمة.
كيف بدأت القصة؟
منذ اندلاع حرب الإسناد، تعذّر مواصلة العمل في دائرة نفوس ميس الجبل، ما استدعى تأمين مقرّ بديل لموظفي الدائرة لمتابعة أعمالهم، ونقل سجلات النفوس منها حفاظاً عليها من الاعتداءات الإسرائيلية. وبعد 4 أو 5 أشهر من البحث عن بديل، جرى تخصيص قاعة المحكمة العقارية في زبدين مركزاً مؤقتاً لدائرة النفوس.
بعد اندلاع الحرب الأخيرة، لم تعد زبدين بمنأى عن المخاطر، شأنها شأن سائر بلدات ومدن الجنوب، ما دفع إلى نقل سجلاتها إلى وزارة الداخلية في منطقة الحمرا ببيروت. ومنذ ذلك الحين، يتناوب موظفان فقط من دائرة نفوس ميس الجبل على العمل في المقر الجديد، فيما لا يتوافر مكان مخصّص للمخاتير، وقد أُجبر بعض المخاتير القادمين من الجنوب على إنجاز المعاملات في المقاهي القريبة.
على الرغم من هدوء الجبهة، وتسوية أوضاع معظم دوائر النفوس في الجنوب، لا تزال الحمرا مركزاً لعمليات دائرة نفوس ميس الجبل، ويضطر الموظفَان الاثنان إلى الانتقال من مكان سكنهما في الجنوب إلى الحمرا لأداء مهامهما.
من المتأثرين من هذه المشكلة؟
من بين نحو 100 ألف شخص مسجّلين في دائرة نفوس ميس الجبل، كان 70% يقيم فعلياً في البلدات الـ11 قبل الحرب، فيما يعيش آخرون في الضاحية الجنوبية لبيروت أو خارج لبنان.
بعد الحرب، أصبحت 7 من البلدات الـ11 داخل ما يُعرف بالخط الأصفر، فيما بقيت البلدات الأخرى عرضة للاعتداءات الإسرائيلية. ودفع ذلك الكثير من العائلات للنزوح إلى أقضية صور والنبطية وصيدا وغيرها، واختار بعضها البقاء في مناطق قريبة من بلداتهم الأصلية.
ويُعد هؤلاء النازحين إلى مدن وبلدات جنوب لبنان، ولا سيما أولئك الذين فقدوا مصادر رزقهم بسبب الحرب، الأكثر تضرراً من نقل عمل الدائرة إلى بيروت، إذ يضطرون إلى تكبّد كلفة إضافية من الوقت والمال للوصول إلى العاصمة.
ما حجم الأكلاف والمعاناة التي يتكبّدها الأهالي اليوم؟
لإتمام المعاملات الشخصية للأهالي يحصل واحد من أمرين.
- يضطر صاحب المعاملة إلى التوجّه شخصياً إلى بيروت، ما قد يكلّفه في بعض الحالات نحو 50 دولاراً، ولا سيما إذا كان قادماً من قرية بعيدة، وتتراوح الكلفة بين تعرفة النقل بسيارات الأجرة والباصات أو استهلاك الوقود ورسوم موقف سيارات، فضلاً عن خسارة يوم عمل.
- يتوجه صاحب المعاملة إلى مختار قريب من مكان سكنه أو نزوحه، وينتظر حتى يجمع المختار عدداً كافياً من المعاملات، ليجعل الرحلة إلى بيروت مُجدية مادياً، ما قد يستغرق أياماً. ويضيف ذلك أكلافاً إضافية، قد تجعل ثمن المعاملة في النهاية ضعف ما كان عليه قبل الحرب.
المعاملة التي كانت تكلف صاحبها مليون ليرة قبل الحرب قد تكلّف أكثر من 20 دولار اليوم.
في الحالتين، لا يُسمح لصاحب المعاملة أو المختار بدخول وزارة الداخلية، بل يسلّم أوراقه إلى الدركي عند مدخل المبنى، ثم ينتظر لوقت طويل إلى حين إنجاز معاملته.
ما مطلب الأهالي؟
يطالب الأهالي القريبون من قراهم الأصلية بأن تصبح الدوائر الرسمية متاحة لهم مجدداً، ما يشجعهم على الصمود في أرضهم ويثبّت وجود الدولة.
ويطالبون بمعالجة أوضاعهم أسوةً بباقي دوائر النفوس في الجنوب، بعدما استؤنف العمل في دوائر صور وجويّا، فيما خُصّص في صيدا مركز لسجلات نفوس بنت جبيل، وتُستكمل حالياً أعمال إعادة تأهيل دائرة النفوس في النبطية.
وتقترح بعض العائلات والمخاتير تخصيص مركز قريب في الجنوب، كصيدا مثلاً، ليكون نقطة وسط بين بيروت والجنوب، لتتوزّع أعباء التنقل بشكل عادل بين النازحين في الجنوب وسكان بيروت وضواحيها المسجّلة نفوسهم في دائرة ميس الجبل.
وقد تصاعدت هذه المطالب مع بداية العام الدراسي، وحاجة العائلات إلى استصدار إخراجات قيد لأولادها.
المصدر: شهادات من أهالي ومخاتير البلدات المعنية