هل التزمت الحكومة المصرية بموجبات الدستور في الإنفاق على التعليم؟
يكفل الدستور المصري مجّانية التعليم، ويلزم الحكومة بتخصيص ما لا يقلّ عن 4% من الناتج القومي الإجمالي للإنفاق عليه. لكن حصّة التعليم من الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 3.9% في عام 2014 إلى 1.5% في موازنة 2025/2026، فيما تعاني المدارس عجزاً بمئات آلاف المعلّمين والفصول الدراسية، وتتحمّل الأسر كلفة متزايدة لتعليم أبنائها عبر الدروس الخصوصية والرسوم المدرسية. وبدلاً من معالجة هذا العجز بزيادة الإنفاق العام، تتوسّع الحكومة في إشراك القطاع الخاص في التعليم. فكيف تحوّل التعليم من حقّ دستوري تكفله الدولة إلى عبء مالي تتحمّله الأسر؟
ننشر هذا التدقيق في الأرقام الرسمية تضامناً مع الزملاء في منصة «متصدقش»، الذين اعتقلتهم السلطات المصرية في استهداف للصحافة وحقّ الناس في الوصول إلى المعلومات. إن اعتقال الصحافيين لن يوقف كشف الحقائق أو مساءلة السلطة عن سياساتها وقراراتها. وسنواصل، مع زملائنا، تفنيد الروايات الرسمية وكشف ما تخفيه الأرقام.
المزاعم
تنص المادة 19 من الدستور المصري على أن «التعليم إلزامى حتى نهاية المرحلة الثانوية أو ما يعادلها، وتكفل الدولة مجّانيته بمراحله المختلفة في مؤسّسات الدولة التعليمية، كما تلتزم بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للتعليم لا تقل عن 4% من الناتج القومى الإجمالي، تتصاعد تدريجياً حتى تتفق مع المعدلات العالمية».
لو التزمت الحكومة بتخصيص 4% من الناتج القومي الإجمالي للتعليم، لكان عليها إنفاق نحو 694 مليار جنيه، استناداً إلى الناتج القومي لعام 2025 الصادر عن البنك الدولي، بدلاً من 315 مليار جنيه خصّصتها في موازنة 2025/2026، ما يعني أن المخصّصات الحالية لا تغطّي سوى 45.4% من الحدّ المطلوب، ويجب زيادتها بنحو 120.3% لبلوغه.
الوقائع
لم تخالف الحكومة الدستور فحسب، بل خفّضت حصّة الإنفاق على التعليم بوتيرة مُضطردة منذ عام 2014، ووصلت في موازنة 2025/2026 إلى 1.5% من الناتج المحلّي فقط، أي أقل من ربع الحدّ الدستوري.
بلغت مخصّصات التعليم في السنة المالية الأخيرة نحو 315 مليار جنيه، أي نحو 4.7% من مجمل الإنفاق العام، وهي أدنى حصّة من إنفاق الموازنة منذ عام 2019 على الأقل، وفق تحليل هيومن رايتس ووتش في كانون الثاني/يناير 2026.
وتراجعت هذه المخصّصات بالقيمة الحقيقية نحو 10% عن السنة المالية 2024/2025. وباتت أقلّ بنسبة 39% عن مستواها في السنة المالية 2013/2014.
يقدّر متوسّط الإنفاق العام على التعليم في الشريحة الدنيا من البلدان المتوسّطة الدخل بنحو 3.4% من الناتج المحلي الإجمالي، أي أكثر من ضعف إنفاق الحكومة المصرية.
النتائج
نظام تعليم يفتقر إلى مئات آلاف المعلّمين والفصول، وتلاميذ يتعلّمون في 11 سنة ما يعادل 6 سنوات، وأسر تموّل بنفسها «مدرسة موازية» من الدروس الخصوصية.
التعليم المجاني في الدستور ليس مجانياً في سياسات الحكومة.
الأسر التي لديها أبناء في المدارس أنفقت في 2019 نحو 10.4% من دخلها على التعليم، قبل موجات التضخّم وتعويم الجنيه (هيومن رايتس ووتش).
نحو 40% من إنفاق الأسر على التعليم يذهب إلى الدروس الخصوصية، مقابل 31.9% للرسوم والمصاريف المدرسية، وفق الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. وقد اتجهت الحكومة المصرية إلى ترخيص أنشطة الدروس الخصوصية بعد محاولات منعها، وفرضت الضريبة عليها. وباتت الدولة هنا تعترف بالسوق الموازية وتتقاسم إيرادها بدل أن تستعيد وظيفة المدرسة.
لا تستطيع الأسر الأفقر تحمّل الدروس، فتفقد المدرسة جدواها لأبنائها ويصبح التسرّب «خياراً عقلانياً»، وفق ورقة Arab Reform Initiative عن أمن الدخل والتعليم.
تجاهر الحكومة بسياسة خصخصة التعليم وتسليعه كحل للأزمة، وهي تخطّط لرفع حصّة القطاع الخاص من التلاميذ إلى 15% بحلول 2030 مقابل نحو 12.7% اليوم، ورفع حصته في سوق التعليم إلى 20%.
أي أن العجز في الفصول والمعلّمين يُعالَج جزئياً بنقل كلفته إلى الأسر القادرة.