هل الدين العام المصري تحت السيطرة حقّاً؟

 

تروّج الحكومة المصرية لانخفاض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بوصفه دليلاً على نجاح سياساتها المالية. لكن هذا المؤشّر خادع، إذ أن قيمة الدين الحكومي ارتفعت بنسبة 15%، وتضخّمت مدفوعات الفوائد حتى تجاوزت مجمل الإيرادات الضريبية، فيما يستنزف سداد الدين موارد الموازنة على حساب الأجور والخدمات العامة والإنفاق الاجتماعي. فهل الدين المصري تحت السيطرة فعلاً، أم أن الأرقام تخفي تفاقم أعبائه؟
ننشر هذا التدقيق في الأرقام الرسمية تضامناً مع الزملاء في منصة «متصدقش»، الذين اعتقلتهم السلطات المصرية في استهداف للصحافة وحقّ الناس في الوصول إلى المعلومات. إن اعتقال الصحافيين لن يوقف كشف الحقائق أو مساءلة السلطة عن سياساتها وقراراتها. وسنواصل، مع زملائنا، تفنيد الروايات الرسمية وكشف ما تخفيه الأرقام.

المزاعم

انخفض الدين العام (دين أجهزة الموازنة) كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بمعدّل 2.1 نقطة مئوية في السنة المالية 2025-2026.

1

تقدّم الحكومة المصريّة هذا المؤشّر بوصفه إنجازاً مهمّاً من إنجازاتها، ودليلاً على نجاعة سياساتها المالية. فهل هذا صحيح؟

الوقائع

لم تنخفض قيمة الدين الحكومي، بل بالعكس، ارتفعت بنسبة 15%، إلا أنّ نسبة هذا الدين من الناتج هي التي انخفضت، نتيجة ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بالأسعار الجارية بنسبة 18%، أي أنّ نسبة نمو الناتج كانت أكبر من نسبة نمو الدين.

غير أن نمو الناتج الاسمي بنسبة 18% لا يعني أن مصر أنتجت سلعاً وخدمات أكثر بهذه النسبة، إذ أن النمو الحقيقي لم يتجاوز 4.6%، في حين ارتفعت أسعار الناتج بسبب التضخّم (معامل انكماش الناتج) بنسبة 12.8%، لذلك يشكّل ارتفاع الأسعار المكوّن الأكبر من نمو الناتج الاسمي.

عند احتساب النمو الحقيقي من دون ارتفاع الأسعار الناتج، فإن نسبة الدين سترتفع في الواقع من 82.4% إلى 92.9% من الناتج.

النتائج

صحيح أن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي المصري انخفضت نتيجة تضخم الناتج وارتفاع الأسعار، إلا أن قيمة الدين ارتفعت، وتفاقم عبء الفوائد، وازدادت حاجات التمويل، وبقيت مخاطر استدامة المديونية مرتفعة. 

المؤشر الذي تحتفي به الحكومة يتحسن، بينما تتدهور مؤشرات أكثر اتصالاً بقدرة الموازنة على تصحيح الأجور الحقيقية وتمويل النفقات الاجتماعية والخدمات والاستثمارات العامّة.

2

تجاوزت مدفوعات الفوائد مجمل الإيرادات الضريبية في الموازنة، وبلغت نحو 109.4% منها. أي أن الضرائب والرسوم كلّها، التي يسددها السكان على حساب أجورهم وأرباحهم واستهلاكهم، لم تعد تكفي لخدمة الدين الحكومي.

باتت الفوائد تعادل 4.4 أضعاف الأجور والتعويضات في الموازنة، و2.4 أضعاف الدعم والمنح والمنافع الاجتماعية، و6.9 أضعاف الاستثمار.

3

    رندة قوّاص

    طالبة جامعية.