هل توسّعت مظلّة التأمينات الاجتماعية في مصر فعلاً؟
تستعرض هيئة التأمينات الاجتماعية في مصر وجود 13.8 مليون مؤمّن عليه بوصفه مؤشّراً على اتّساع الحماية الاجتماعية. لكن الأرقام الرسمية تكشف أن عدد المؤمّن عليهم لم يواكب توسّع سوق العمل، وأن نسبة المشتركين في التأمينات تراجعت إلى 37.7% من العاملين بأجر في عام 2025، فيما بقي نحو 13.7 مليون عامل بأجر خارج المنظومة. وهذا يعني أن ملايين المصريين يعملون لسنوات من دون أن تتراكم لهم حقوق تأمينية تحمي دخلهم عند التقاعد أو العجز، فيما لا يضمن الحد الأدنى للمعاشات دخلاً يكفي لمواجهة أعباء المعيشة.
ننشر هذا التدقيق في الأرقام الرسمية تضامناً مع الزملاء في منصة «متصدقش»، الذين اعتقلتهم السلطات المصرية في استهداف للصحافة وحقّ الناس في الوصول إلى المعلومات. إن اعتقال الصحافيين لن يوقف كشف الحقائق أو مساءلة السلطة عن سياساتها وقراراتها. وسنواصل، مع زملائنا، تفنيد الروايات الرسمية وكشف ما تخفيه الأرقام.
المزاعم
أعلن رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي في مصر، جمال عوض، خلال منتدى مصر 2026، أن عدد المؤمّن عليهم بلغ 13.8 مليون شخص. وعرض هذا الرقم في سياق استعراض إنجازات الهيئة واتّساع مظلّة الحماية الاجتماعية.
لكن هل تعكس هذه الأرقام اتّساع الحماية التأمينية للعاملين في مصر فعلاً؟
الوقائع
التأمينات الاجتماعية هو نظام يقوم على الاشتراكات، ويوفّر حقوقاً للمشمولين به عند التقاعد والعجز والوفاة وإصابات العمل والمرض والبطالة. يشمل النظام العاملين بأجر، وأصحاب الأعمال، والعاملين لحسابهم الخاص، والعمالة غير المنتظمة، والمصريين العاملين في الخارج.
بلغ عدد العاملين داخل مصر نحو 32.02 مليون شخص في عام 2025، بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. يُضاف إليهم نحو 5 ملايين عامل مصري في الخارج، وفقاً لتصريحات وزير العمل حسن ردّاد في عام 2026.
وبذلك، يصل مجموع العاملين إلى نحو 37 مليون شخص، في حين لا يتجاوز عدد المؤمّن عليهم 13.8 مليوناً، وهو ما يعادل 37.3% فقط من مجمل العاملين.
داخل مصر، ارتفع عدد العاملين من 27.94 مليون شخص عام 2022 إلى 32.02 مليوناً عام 2025، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامّة والإحصاء، أي بزيادة نحو 4.08 ملايين عامل، أو 14.6% خلال 3 سنوات.
لكن هذه الزيادة لم تترافق مع توسّع مماثل في عدد المؤمّن عليهم. فقد انخفض عددهم من 13.72 مليون شخص في حزيران/يونيو 2023 إلى 13.63 مليوناً في حزيران/يونيو 2024، وفق بيانات الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي التي أوردها البنك الدولي. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2026، أعلن جمال عوض بلوغ العدد نحو 13.8 مليون شخص، أي بزيادة لا تتجاوز 0.6% عن حزيران/يونيو 2023.
أكثر من ذلك، يظهر مسح القوى العاملة أن نسبة العاملين بأجر المشتركين في التأمينات الاجتماعية تراجعت من 43.4% في عام 2022 إلى 37.7% في عام 2025، أي بانخفاض 5.7 نقاط مئوية، علماً أن النسبة الأكبر تتركّز لدى القطاع الخاص.
ملاحظة: لا يمثّل رقم 5 ملايين جميع العاملين المصريين في الخارج، بل العاملين في البلدان التي تغطيها مكاتب التمثيل العمّالي، وتشير بعض الدراسات إلى أن العدد الفعلي قد يكون أكبر.
النتائج
يؤدّي غياب الاشتراك في التأمينات الاجتماعية إلى عدم احتساب سنوات العمل غير المسجّلة ضمن مدة الاشتراك اللازمة لاستحقاق المعاش التقاعدي، ما يعرّض ملايين العاملين لخطر فقدان الدخل عند التقاعد أو العجز، ويحدّ من حقوقهم التأمينية عند التعرّض للمخاطر التي يفترض أن يغطيها النظام.
وحتى من يحصلون على معاش تقاعدي لا يضمن لهم النظام بالضرورة دخلاً كافياً. ففي عام 2026، بلغ الحد الأدنى للمعاش الجديد 1,755 جنيهاً شهرياً، بحسب الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، أي ما يعادل 21.9% فقط من الحد الأدنى للأجور الحكومية البالغ 8,000 جنيه منذ تموز/يوليو 2026. ويكشف هذا التفاوت محدودية الدخل الذي يوفّره الحد الأدنى للمعاش مقارنةً بالحد الأدنى للأجر.
تمتد فجوة الحماية إلى التأمين الصحّي. فبحسب مسح القوى العاملة لعام 2025، لم يكن 66.3% من العاملين بأجر مشتركين فيه. وتكشف بيانات منظمة الصحة العالمية أن الأسر المصرية سدّدت مباشرة من جيوبها 57.2% من إجمالي الإنفاق الصحّي الجاري في عام 2023، ما يبيّن حجم الأعباء الصحية التي تتحمّلها الأسر.
وهكذا، تكشف البيانات الرسمية أن سنوات من العمل قد تنتهي من دون معاش أو حماية تأمينية كافية، خصوصاً أن التغطية التأمينية لم تواكب توسّع سوق العمل، وأن غالبية العاملين بأجر لا يشتركون في التأمينات الاجتماعية، فيما لا تضمن الحدود الدنيا للمعاشات دخلاً يقارب حتى الحد الأدنى للأجور.