هكذا دواليك
الإمبراطورية والخوارزمية ورأس المال: هندسة حروب المستقبل
في ظلال الـ MAGA
في أيلول/سبتمبر الماضي، انشغل العالم بتحذير أطلقه جاك كوكسون، الباحث في مجال التدريب المسبق لنماذج الذكاء الاصطناعي، من مخاطر التسارع في تطوير هذه الأنظمة، وتحديداً تلك القادرة على تحسين نفسها ذاتياً، في مقابل محدودية قدرة البشر على فهم سلوكها ومسارات تطوّرها والتحكّم بها. وجاء تحذيره وإعلانه الاستقالة من مهامه البحثية احتجاجاً، في سياق أوسع، بعد أن كشفت شركتا OpenAI وAnthropic عن أدلّة تثبت نجاح برمجيات ذكاء اصطناعي في اختراق قواعد الأمن السيبراني والوصول إلى أنظمة تشغيلية لمؤسّسات أخرى من دون الحصول على التصاريح اللازمة. وأكّدت Anthropic لاحقاً أنها راجعت نحو 481 مليون سجلّ محادثة ضمن عمليات التقييم والاختبار، بحثاً عن حوادث مماثلة.
هل بدأت الآلات الذكية تتمرّد على صانعيها البشر؟ لسنا بالضرورة في هذه المرحلة، ولا داعي للاندفاع نحو سيناريوهات الديستوبيا، أقلّه حتى الآن. لكن تحذير كوكسون يدفعنا إلى إعادة النظر في فهمنا لأدوات الذكاء الاصطناعي، بعيداً من استخداماتها اليومية بوصفها مساعدين شخصيين متاحين باستمرار، ومصدراً للدعم النفسي والمهني والتقني. فماذا يحدث لحياتنا إذا أصبحت هذه الأنظمة قادرة على اتخاذ سلسلة من القرارات وتنفيذها، والولوج إلى بنى تحتية تشغيلية من دون تدخّل بشري؟ وماذا لو طوّرت نفسها بما يحصّن قراراتها من السيطرة البشرية؟ لطالما حضرت فكرة تمرّد المخلوق على خالقه في الماورائيات التي تحكم حياتنا إلى حدّ بعيد. فقد رفض إبليس السجود لآدم فلُعن إلى الأبد، وتمرّد آدم بدوره وأكل التفاحة فطُرد من نعيم الجنّة. الأسئلة كثيرة، لكن طرحها يبقى مشروعاً.
في الجهة المقابلة، تعامل الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع هذه المخاوف بمزيج من السخرية والاستخفاف، وركّز على الدور الذي يمكن أن تؤدّيه الشركات الأميركية العاملة في هذا المجال في خدمة مشروعه الإمبراطوري لاستعادة عظمة أميركا. فترامب، المدفوع بشعار «يجب أن نصل أولاً قبل الآخرين»، لا يُعير المساءلة القيمية أو الأخلاقية أو حتى القانونية أي اعتبار. ويعيدنا السباق مع الصين، تحديداً على عسكرة الذكاء الاصطناعي، إلى التنافس الأميركي السوفياتي على استعمار الفضاء الخارجي والوصول إلى سطح القمر، والذي حكم العالم لأكثر من 3 عقود في القرن العشرين.
إنها محاولة لفرض ما يمكن تسميته «القومية التكنولوجية»، حيث يصبح التطوّر التكنولوجي مكوّناً محورياً في خدمة مشروع القوّة والسيادة والتنافس الدولي
في هذا السياق، أطلق وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث، في نهاية أيلول/سبتمبر 2026، مجموعة من المبادرات التي تستكمل مشروع الإدارة لإعادة بناء قوّة الجيش الأميركي على مرتكزين: التوجيه الديني، الذي سبق أن تناوله هيغسيث في الكثير من مداخلاته، وعسكرة الذكاء الاصطناعي. وشملت هذه المبادرات إنشاء «قيادة الحرب المؤتمتة» (Autonomous Warfare Command)، التي ستتدخّل في مختلف قطاعات الجيش، إلى جانب المشروع الأبرز المسمّى «ميريديان» (Meridian).
تتمثّل مهمّة القيادة الجديدة في مأسسة البنية التحتية للأسلحة والقدرات القتالية المؤتمتة، وتحويلها إلى إطار قائم بذاته داخل منظومة الجيش الأميركي، يمتلك القدرة على التحكّم بمختلف الوسائل القتالية الموزّعة على قطاعاته واستخدامها. وبذلك، تخضع الروبوتات العسكرية والمسيّرات والأنظمة الاستخبارية المؤتمتة لقيادة واحدة تتجاوز الهيكل التنظيمي للجيش الأميركي.
حدّد هيغسيث هدف إنشاء هذه البنية القيادية ومأسستها بالتمهيد للتوسّع في اعتماد أنظمة الحرب المؤتمتة والروبوتات العسكرية، والدخول في عصر الذكاء الخارق، أو ما فوق البشري، لضمان التفوّق الأميركي في مختلف أشكال الحروب المقبلة. وهو بذلك يعيد تشكيل العلاقة بين القوّة العسكرية وقطاع التكنولوجيا. فالمسألة تتجاوز تخفيف القيود البيروقراطية والإدارية لتسهيل استحواذ الجيش على التكنولوجيا المتطوّرة وعسكرتها، إلى إعادة تحديد مسار التطوّر التكنولوجي وأولوياته وفق متطلّبات العسكرة.
هذا التوجّه ليس جديداً. فقد نشأ وادي السيليكون نفسه على قاعدة التعاون بين الجامعات والبنتاغون وروّاد الأعمال. لكن قطاع التكنولوجيا الأميركي شهد خلال العقود الماضية نمواً متعاظماً، مكّنه من التحوّل إلى قطب أساسي في المشهد الأميركي العام. وفي هذا السياق، تأتي رؤية هيغسيث ومبادراته التنفيذية لترجمة مانيفستو «بالانتير»، الذي صدر قبل أشهر ودعا صراحة مجتمع التكنولوجيا إلى خدمة التفوّق العسكري الأميركي.
إنها محاولة لفرض ما يمكن تسميته «القومية التكنولوجية»، حيث يصبح التطوّر التكنولوجي مكوّناً محورياً في خدمة مشروع القوّة والسيادة والتنافس الدولي، فيما تشير عسكرة التكنولوجيا إلى توظيف هذه القدرات في الأغراض العسكرية. ويتداخل المفهومان من دون أن يتطابقا.
مشروع ميريديان
أُطلق مشروع «ميريديان» بموجب مذكرة أصدرها بيت هيغسيث، شدّد فيها على أن التفوّق العسكري الأميركي غير المسبوق، مستشهداً بسلسلة من العمليات العسكرية التي امتدّت من فنزويلا إلى إيران في عهد ترامب، يجب ألّا يحول دون مواصلة تطوير القدرات القتالية الأميركية وتعزيز قدرتها على الفتك. وتزداد أهمّية هذا التوجّه في ظلّ التطوّر السريع للذكاء الاصطناعي والأتمتة والطاقة والروبوتات والتكنولوجيا البيولوجية وغيرها من المجالات.
يحدّد هيغسيث هدف المشروع بما يتجاوز الدفاع عن المصالح الأميركية، ليجعله خطوة تأسيسية لاتخاذ كل ما يلزم لضمان استمرار الهيمنة الأميركية على العالم، وفق التعبير الذي تستخدمه الصياغة الرسمية للمشروع (To maintain global dominance). ولتحقيق ذلك، يسعى المشروع إلى استشراف طبيعة البيئات العملياتية للحروب المستقبلية، وتطوير الأدوات والتقنيات اللازمة للتحكّم بها والتأثير في مساراتها.
في هذا الإطار، جرى التعاقد مع 3 شخصيات بارزة تدور في الفلك الأيديولوجي والسياسي للإدارة الأميركية الحالية. أوّلها إيلون ماسك، أحد أبرز الحلفاء السياسيين المباشرين لتيّار MAGA، واللاعبين الرئيسيين في عسكرة التكنولوجيا، من خلال شركة «سبيس إكس» (SpaceX) وخدمات الإنترنت الفضائي التي توفّرها منظومة «ستارلينك» (Starlink). أمّا الشخصية الثانية فهي بالمر لوكي، مؤسّس شركة «أندوريل» للصناعات العسكرية (Anduril Industries)، التي تنتشر أنظمتها البرمجية وأسلحتها في عدد من جبهات القتال النشطة، ولا سيّما أوكرانيا وإيران، وترتبط بمشاريع وتعاون وثيق مع مجمّع الصناعات التكنولوجية العسكرية في إسرائيل. وتستعدّ الشركة، وفق المعطيات المتاحة، لافتتاح فرع في إسرائيل يديره قائد سابق لسلاح الجو الإسرائيلي. والشخصية الثالثة هي نيوت غينغريتش، الرئيس السابق لمجلس النواب الأميركي وأحد أبرز القيادات التاريخية في الحزب الجمهوري.
وبحسب موقع شركة «ميتري» (MITRE)، المكلّفة بصياغة المشروع وإدارته، يفترض إنجاز المهمّة خلال 120 يوماً، بتكليف من وزارة الحرب الأميركية، وبالتعاون مع مجموعة من الأكاديميين وروّاد الأعمال والقيادات المنتمية إلى مجتمع التكنولوجيا. ويتقدّم هؤلاء جو لونسديل (Joe Lonsdale)، الشريك المؤسّس لشركة «بالانتير» (Palantir)، التي تشكّل إحدى المرجعيات الفكرية والتكنولوجية الأساسية للمشروع.
وتتبنّى «بالانتير» توجّهات سياسية يمينية محافظة، ودعت في مانيفستو خاص إلى تسريع عسكرة الذكاء الاصطناعي. كما تؤدّي دوراً أساسياً في دفع هذا التوجّه الاستراتيجي، بما توفّره من تقنيات لتحليل البيانات وأنظمة لدعم القرار وقدرات برمجية تستخدمها المؤسّسات الأمنية والعسكرية.
وتزداد محورية «بالانتير» عند النظر إلى العلاقات الوثيقة التي تربط الشخصيات الثلاث التي استقطبها هيغسيث ببيتر ثيل (Peter Thiel)، الشريك المؤسّس للشركة ورئيس مجلس الإدارة. فقد شارك ثيل إيلون ماسك في تأسيس شركة «باي بال» (PayPal) للتحويلات المالية، ولا تزال تربطهما علاقات وثيقة. وكان أيضاً، من خلال شركة رأس المال المخاطر التابعة له، من أوائل المستثمرين في «أندوريل»، ويؤدّي دوراً محورياً في توجيه مسارها الاستراتيجي، ما يجعله من أبرز الشخصيات المؤثّرة في المسيرة المهنية لبالمر لوكي.
يمكن قراءة مشروع «ميريديان» بوصفه انتقالاً من استخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب إلى إعادة تنظيم الحرب نفسها حول الذكاء الاصطناعي والأتمتة ضمن منظومة تسعى إلى تعظيم قدرات الفتك
تتجاوز هذه العلاقات المجالين التكنولوجي والاستثماري إلى دوائر السلطة السياسية في واشنطن. فقد كان ثيل من أبرز الداعمين لهيغسيث خلال مسار تعيينه وزيراً للحرب، وارتبط اسمه بدعم شخصيات جمهورية نافذة، من بينها نيوت غينغريتش. كما أدّى لفترة طويلة دور «المرشد» لنائب الرئيس الحالي جي دي فانس، الذي عمل لسنوات في إحدى شركات رأس المال المخاطر التابعة لثيل.
من هنا، يتجاوز مشروع «ميريديان» تطوير القدرات العسكرية الأميركية، ليمهّد لإعادة تنظيم العلاقة بين السلطة السياسية ورأس المال التكنولوجي ومجمّع الصناعات العسكرية. وتكمن المفارقة في أن وزارة الحرب الأميركية كلّفت الشركات المورّدة للتكنولوجيا تحديد احتياجاتها العسكرية، ما يفتح الباب أمام تضارب المصالح، وهو من أبرز سمات ولاية ترامب الثانية، ويمنح هذه الشركات دوراً أساسياً في صياغة استراتيجيات الدفاع الوطني بما يتلاءم مع مشاريعها الاستثمارية التوسّعية ورؤيتها التكنولوجية العسكرية.
هنا يبرز التقاطع العضوي بين الخطاب الأيديولوجي لـ«بالانتير» والتحوّل المؤسّسي الذي تفرضه إدارة ترامب على أساليب الحوكمة واتخاذ القرار داخل البيروقراطية الأميركية. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة مشروع «ميريديان» بوصفه انتقالاً من استخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب إلى إعادة تنظيم الحرب نفسها حول الذكاء الاصطناعي والأتمتة، ضمن منظومة تسعى إلى تعظيم قدرات الفتك وتحسين سلسلة القتل التي يتحكّم بها صنّاع القرار العسكري والسياسي في الولايات المتحدة، بما يضمن استمرار هيمنتهم على العالم، تماماً كما أوضح هيغسيث في مذكّرته.
ما بعد عسكرة الذكاء الاصطناعي
في قلب هذا التحوّل، يتشكّل مجمّع تكنولوجي عسكري جديد يتجاوز توفير الخدمات التقنية وتوريد الأسلحة، ليسهم في هندسة حروب المستقبل وفق أولوياته وأجندته السياسية، وصولاً إلى تصميم البيئة التي تُتخذ ضمنها قرارات الحرب والسلم. وفي هذا السياق، تتحوّل الخوارزميات وبرمجيات الذكاء الاصطناعي إلى أدوات فاعلة بحدّ ذاتها، تندمج في سلاسل القتل والفتك التي يعتمد عليها الجيش الأميركي.
ويعكس ما أعلنه هيغسيث في أيلول/سبتمبر الماضي مساراً لإعادة تشكيل البنية العسكرية الأميركية، تصبح فيه الخوارزميات والبيانات والأنظمة الذاتية والشركات المنتجة لها مكوّنات أساسية في منظومة الحوكمة العسكرية، ضمن نظام بيئي تكنولوجي عسكري متكامل (Ecosystem).
ضمن هذا المسار، يمثّل «ميريديان» المهمّة الاستشارية التي أُوكلت إلى شخصيات قيادية داعمة للإدارة، فيما تشكّل «قيادة الحرب المؤتمتة» البنية القيادية العسكرية التي يُفترض أن تتولّى تعميم هذا التوجّه في مختلف القطاعات. ويتضمّن إعلان هيغسيث أيضاً مشروعاً لإعادة بناء القواعد العسكرية الأميركية الكبرى وفق نموذج الجيل الجديد من القواعد العسكرية، إلى جانب مشروع «الحصن الأميركي»، بما يعيد تشكيل البنية التحتية العسكرية في الولايات المتحدة بصورة متكاملة.
هكذا، تصبح عسكرة الذكاء الاصطناعي مجرّد تفصيل ضمن المشروع الإمبراطوري لإدارة ترامب. فقد تجاوزت هذه العسكرة مرحلة الاحتمالات المستقبلية والسيناريوهات الافتراضية، وأصبحت جزءاً من واقع الصراعات العسكرية التي نعيشها، من جبهات لبنان وغزة إلى الحرب على إيران. وهذا ما يطرح أسئلة عن حدود السيطرة البشرية على سلاسل القتل، وكيفية توزيع المسؤوليات بين البشر والآلات. فمن يتحمّل مسؤولية قرار استهداف مدرسة ميناب، مثلاً، في اليوم الأوّل من الحرب على إيران؟ ومن يتحمّل مسؤولية أوامر القتل المباشر التي تنفّذها المسيّرات المؤتمتة في غزة وجنوب لبنان؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، علينا النظر إلى التداخل العضوي بين الإنسان والآلة، اللذين يشكّلان معاً المكوّنات التشغيلية لسلاسل القتل. فداخل هذه المنظومة البشرية الآلية المتكاملة، تتراجع الحدود الفاصلة بينهما، وتُسخّر قدراتهما لتعزيز قدرة الجيش الأميركي على الفتك والهيمنة. ويشبه هذا التحوّل، إلى حدّ بعيد، طريقة عمل منظومات القتل الإسرائيلية في غزة وجنوب لبنان، مع مراعاة الفارق الهائل في الحجم والقدرات بين المنظومتين الأميركية والإسرائيلية.
ضمن هذه المنظومة، يؤدّي الإنسان والآلة، كما الأهداف والشعارات والشعوب نفسها والمؤسّسات الديمقراطية وقيمها وحقوق الإنسان ومنظومة العدالة الدولية، أدواراً وظيفية متباينة في خدمة المشروع الإمبراطوري الجديد الذي يختصره ترامب بشعار «استعادة عظمة أميركا».
وتقدّم التطوّرات الأخيرة في أوكرانيا مثالاً على هذه الديناميات. فشركة «ستارلينك»، بتحكّمها في خدمات الاتصال ونقل البيانات، تمتلك القدرة على التأثير في القدرات العملياتية للجيش الأوكراني. وقد أثار استخدام هذه القدرة وتقييدها تساؤلات عن مدى استقلال القرارات العسكرية للدول عن شركات التكنولوجيا الخاصة، وحدود خضوع هذه الشركات للحسابات السياسية للإدارة الأميركية. ويتّضح البعد السياسي للمسألة أكثر عندما تتقاطع القرارات التقنية مع الخلافات بشأن الحرب والتسويات والعلاقات مع روسيا، بما فيها المقترحات المتعلّقة بتصدير الديزل الروسي وتأثيرها المحتمل في الأسعار داخل السوق الأميركية عشية الانتخابات النصفية.
هكذا، يصبح تحديد المسؤوليات أكثر تعقيداً من مجرّد معرفة الشخص الذي أصدر الأمر أو الآلة التي نفّذته. فنحن أمام ما يمكن تسميته «إمبريالية 2.0»، وهي صيغة من الهيمنة تقوم على ضمان السيطرة على مسار تطوير قدرات حوسبية متقدّمة، ودمجها عضوياً في مراكز القيادة والسيطرة البشرية.
من هذا التقاطع بين الدولة ورأس المال التكنولوجي والمؤسّسة العسكرية، تتبلور ملامح «القومية التكنولوجية العسكرية»، أي المشروع الذي يسعى إلى دمج التفوّق التكنولوجي في مفهوم الأمن القومي، وإخضاع تطوير التكنولوجيا واستخداماتها للأولويات الاستراتيجية والعسكرية
ينتج من هذا التداخل ما يمكن وصفه بمنظومة تكنولوجية عسكرية شبيهة بـ«السايبورغ»، تتكامل فيها المكوّنات البشرية والتكنولوجية، ويتداخل الذكاء البشري مع القدرات الحاسوبية والآلية، إلى درجة يصعب معها الفصل بينها على المستوى التشغيلي. ويتجاوز هذا التكامل تسريع اتخاذ القرارات وتحسين كفاءة العمليات، ليعيد تنظيم آليات الاستهداف والقتل وتوزيع الأدوار والمسؤوليات داخل المنظومة العسكرية.
يتكامل هذا التحوّل التقني مع مكوّن أيديولوجي وسياسي يبدأ من «مشروع 2025»، الذي وضع إطاراً سياسياً وإدارياً لولاية ترامب الثانية، ويتقاطع مع رؤية أليكس كارب، المؤسّس المشارك لشركة «بالانتير»، كما عرضها في كتابه «الجمهورية التكنولوجية».
وتندرج هذه الرؤية ضمن توجّه أوسع تسعى «بالانتير» إلى ترسيخه عبر خطابها ومواقفها وانتشارها الأخطبوطي في دوائر السياسة والأمن والعسكر في واشنطن. ويقوم هذا التوجّه على إعادة تحديد العلاقة بين التكنولوجيا والدولة والقوّة العسكرية، بما يرسم طبيعة اصطفاف قطاعات من وادي السيليكون إلى جانب إدارة ترامب.
من هذا التقاطع بين الدولة ورأس المال التكنولوجي والمؤسّسة العسكرية، تتبلور ملامح ما يمكن تسميته «القومية التكنولوجية العسكرية»، أي المشروع الذي يسعى إلى دمج التفوّق التكنولوجي في مفهوم الأمن القومي، وإخضاع تطوير التكنولوجيا واستخداماتها للأولويات الاستراتيجية والعسكرية للدولة. وهذا ما يدفعنا إلى مساءلة مشروع «ميريديان» بوصفه مؤشّراً محتملاً إلى تحوّلات أعمق في تنظيم القوّة الأميركية، تتجاوز تحديث القدرات العسكرية.
في هذا السياق، لا تفترض الهيمنة الأميركية بالضرورة التخلّي عن السيطرة المباشرة على الأرض، وإنما توسّع أدواتها لتشمل إعادة تشكيل البنى التحتية القانونية والحقوقية والاقتصادية التي تنظّم العلاقات بين الدول. ويظهر ذلك، وفق هذا المنظور، في العلاقات التي تسعى إدارة ترامب إلى إعادة صياغتها مع كندا ودول حلف شمال الأطلسي، حيث تتحوّل التبعية الاقتصادية والتكنولوجية، إلى جانب أدوات الضغط السياسي، إلى وسائل لإعادة ترتيب موازين القوّة من دون اللجوء بالضرورة إلى الاحتلال المباشر.
وبالتوازي، يسعى المجمّع التكنولوجي الأميركي إلى تعزيز سيطرته على البنى التحتية للعالم الرقمي، بما يعيد تعريف شركات التكنولوجيا الأميركية بوصفها مكوّناً أساسياً من مكوّنات القوّة الناعمة الأميركية، إلى جانب دورها المباشر في سلاسل الرصد والاستهداف والفتك التي تعتمد عليها العمليات العسكرية.
فعندما سعت إدارة ترامب الأولى إلى الحدّ من انتشار شركة «هواوي» الصينية، استخدمت أدوات تنظيمية واقتصادية وتقنية، شملت تقييد وصول الشركة إلى خدمات وبرمجيات أميركية أساسية، ومنها خدمات «غوغل». ويكشف هذا المثال كيف يمكن توظيف الاعتماد التكنولوجي المتبادل وتحويله إلى أداة للضغط الجيوسياسي.
وينطبق منطق مشابه، وإن اختلفت آلياته وسياقاته، على خدمات الإنترنت الفضائي التي توفّرها «ستارلينك»، واكتسبت أهمّية استراتيجية في سياقات الصراع في أوكرانيا وإيران ولبنان وغزة. فهذه الخدمات تتجاوز كونها بنية اتصالات محايدة، لتصبح جزءاً من البيئة العملياتية التي تعتمد عليها الجيوش والجهات المدنية، فيما يبقى قرار إتاحتها أو تقييدها مرتبطاً، بدرجات متفاوتة، بالشركة المشغّلة والاعتبارات السياسية والتنظيمية المحيطة بها.
هنا تبرز مفارقة أساسية: قد تتوزّع السيطرة التشغيلية على البنى التحتية الرقمية بين جهات متعدّدة، لكن التحكّم بالوصول إليها أو تعديل شروط استخدامها يبقى مصدراً مهمّاً للنفوذ.
وينسحب الأمر نفسه على خدمات الحوسبة السحابية التي أصبحت جزءاً من البنية التحتية للعمليات العسكرية والاستخباراتية، بما فيها العمليات الإسرائيلية في غزة وجنوب لبنان. فهذه الخدمات تتجاوز تخزين البيانات ومعالجتها، لتوفّر القدرات الحاسوبية اللازمة لتشغيل أنظمة التحليل والاستهداف وإدارة العمليات. ومع اندماج هذه البنى في المنظومة العسكرية، تتراجع الحدود التقليدية بين القطاعين التكنولوجي المدني والعسكري، ويصبح التحكّم بالبنية التحتية الرقمية أحد مكوّنات القوّة الجيوسياسية.
من هنا، تتجاوز المسألة عسكرة الذكاء الاصطناعي إلى تحوّل أعمق، تصبح فيه التكنولوجيا والبيانات والبنى التحتية الرقمية عناصر تأسيسية في تنظيم القوّة العسكرية وإعادة إنتاج الهيمنة. وفي هذا الإطار، تساعدنا «القومية التكنولوجية العسكرية» على فهم التقاطع بين الدولة ورأس المال التكنولوجي والعقيدة العسكرية، فيما توفّر «إمبريالية 2.0» إطاراً أوسع لتحليل انعكاسات هذا التقاطع على علاقات القوّة العالمية.