عين على الصندوق
العودة إلى الوصفة التقشفية القديمة
لم تكن الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين عادية هذا العام، فقد كشفت مشاهدها عن الاتجاه الذي يسلكه الصندوق، وعن حال المجتمع المدني الذي يلتئم حوله. وطغت على اجتماعات بانكوك، التي انعقدت بين 12 و17 تشرين الأول/أكتوبر، مفارقة حضور الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران بتداعياتها، وغيابها عن الخطابات التي تناولت هذه التداعيات. فقد ألقت الحرب بثقلها على الاقتصاد العالمي، ولا سيّما الاقتصادات المستوردة للطاقة، وعلى قطاع الذكاء الاصطناعي، لكن خطابات الصندوق والمسؤولين والمجتمع المدني تجنّبت تسمية أطرافها أو تحديد من أشعلها، وتعاملت معها كما لو كانت كارثة طبيعية يتعيّن على الجميع التكيّف معها، إلى جانب ظاهرة طبيعية أخرى تتمثّل في «السوبر إل نينيو».
المشهد الأول: إلى التقشّف دُر
كعادتها، تستبق المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجييفا، الاجتماعات السنوية بخطاب يحدّد توجّهاتها قبل انعقادها بأيام. ففي 7 تشرين الأول/أكتوبر، ألقت خطاباً أمام كلية الإدارة العامة في سنغافورة، حذّرت فيه من أن ارتفاع أسعار الطاقة، نتيجة الصدمة التي تسبّبت بها «الحرب في الشرق الأوسط»، يعيد إشعال الضغوط التضخّمية، ولا سيما مع ارتفاع أسعار الأسمدة والغذاء. وقد دفعت هذه التطوّرات المصارف المركزية الكبرى، خصوصاً في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان، إلى رفع أسعار الفائدة، ما زاد الإنفاق العام لمواجهة تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة وكلفة خدمة الدين العام.
ووفق صندوق النقد الدولي، تأتي صدمة «الحرب في الشرق الأوسط» بعد سلسلة من الصدمات التي بدأت بالجائحة، ثم «الغزو الروسي لأوكرانيا»، والموجة التضخّمية التاريخية التي تلته، وصولاً إلى «التوتّرات التجارية». وفي أدبيات الصندوق، لا مجال للإشارة إلى مسؤولية الولايات المتحدة عن هذه التوتّرات. وقد استنفدت معظم دول العالم، منذ عام 2020، هوامشها المالية في الاستجابة لهذه الصدمات، ما يجعلها، بحسب الصندوق، عاجزة عن استخدام أدوات المالية العامة، مثل الدعم وخفض الضرائب الاستهلاكية وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، لمواجهة الأزمة الراهنة من دون تأجيج أزمة الديون ومفاقمة الأوضاع.
وبناءً عليه، يطالب الصندوق الدول بخفض إنفاقها الآن، وتقنين الحماية من تداعيات أزمة الطاقة الناتجة عن «حرب الشرق الأوسط»، عبر تحديد الفئات التي تستحقّ هذه الحماية. وتشدّد جورجييفا على ضرورة أن تنفّذ جميع الدول إجراءات التقشّف، ولا سيما الدول المرتفعة الدخل التي بالغت في مراكمة ديونها قياساً إلى ناتجها المحلي.
وما يزيد الطين بلّة أن صندوق النقد الدولي كان قد أنجز، قبل أسابيع من اجتماعات بانكوك، مراجعة لسياساته المتعلّقة بتصميم البرامج وشروطها، أي للمعايير التي يعتمدها في إعداد برامج الإقراض وتحديد السياسات التي يفرضها على الدول المقترضة. وأفضت هذه المراجعة إلى توصية تقضي بتقديم إجراءات الضبط المالي إلى المراحل الأولى من البرامج. وهذا يعني أن موظّفي الصندوق سيطلبون من الحكومات، باستثناء حالات خاصة، تنفيذ الإجراءات التقشّفية الأساسية منذ بداية البرنامج، وعلى الأرجح خلال سنته الأولى، بعدما اعتادوا في السنوات الأخيرة توزيع هذه الإجراءات على مراحل.
يعيد هذا التوجّه الصندوق إلى عقيدة الصدمة التي ميّزت برامج التكييف الهيكلي في الثمانينيات والتسعينيات، وتسبّبت بكوارث اقتصادية واجتماعية في الكثير من البلدان، من بينها بلدان عربية. ويأتي هذا التحوّل نتيجة ضغط أميركي واضح، إذ ترى الولايات المتحدة أن الصندوق انحرف عن دوره التأديبي تجاه البلدان التي تمرّ بأزمات مالية، بعدما بدأ يهتمّ بقضايا المناخ والإنفاق الاجتماعي وغيرها.
في المحصّلة، يقول الصندوق للدول، وخصوصاً تلك التي ستلجأ إليه طلباً للقروض، إن لا خيار أمامها سوى التقشّف لمواجهة تداعيات الحرب الأميركية على إيران وسياسات ترامب التجارية، فيما يرفض تحميل الولايات المتحدة أي مسؤولية عنها. وفي الوقت نفسه، يبشّر الصندوق ومديرته بأن الاقتصاد العالمي أثبت صموده أمام هذه الأزمات، وأن توقّعات النمو لم تتغيّر، بفضل التقدّم المحرز في إنتاجية قطاع الذكاء الاصطناعي. وهنا أيضاً، تتماهى أولويات الصندوق تماماً مع أولويات الولايات المتّحدة، على الرغم من أن وزير الخزانة الأميركي تغيّب عن الاجتماعات السنوية للمرة الأولى منذ أكثر من 20 عاماً.
المشهد الثاني: عجز المجتمع المدني
في المقلب الآخر، بقي المجتمع المدني أسير نضال استعراضي من جهة، وتطبيع سافر من جهة أخرى. وقد تجلّى ذلك في مشاهد فرعية عديدة.
مشهد القمّة المضادّة: خلال النصف الأول من أسبوع الاجتماعات السنوية، نظّمت جهات من جنوب شرق آسيا، بدعم من منظّمات مجتمع مدني دولية وإقليمية، قمّة مضادّة تخلّلتها لقاءات نسوية. وجمعت القمّة ممثّلي هذه المنظمات للاحتجاج على صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، و«الاحتفال بنضالات الناشطين على الأرض»، وبناء التضامن بين التنظيمات والأفراد من مختلف أنحاء العالم. ارتفعت خلال القمّة النداءات الراديكالية الداعية إلى مواجهة هاتين المؤسّستين وتفكيكهما. لكن ما إن انتهت، حتى انتقل نحو نصف المشاركين فيها إلى فعاليات الاجتماعات السنوية التي تنظّمها المؤسّستان اللتان دعوا إلى اقتلاعهما. وهكذا، تحوّلت الفعاليات «النضالية» على هامش الاجتماعات إلى أنشطة هامشية بالفعل، تتيح تفريغ طاقة احتجاجية مكبوتة من جهة، وتؤدّي وظيفة اجتماعية من جهة أخرى.
مشهد المحاكمة: بالتزامن مع القمّة المضادّة، وفي فندق آخر من فئة 3 أو 4 نجوم، علماً بأن القمّة المضادّة انعقدت في فندق أيضاً، نُظّمت «محاكمة شعبية» لصندوق النقد والبنك الدوليين. والفكرة ليست مبتكرة، بل تكاد تصبح مملّة من فرط تكرارها، إذ عُقدت آخر محاكمة مماثلة على هامش اجتماعات مراكش في عام 2023. يأتي ناشطون ميدانيون من بلدان الجنوب خصيصاً إلى بانكوك للإدلاء بشهاداتهم عن الأضرار التي ألحقتها مؤسّسات «بريتون وودز» ببلدانهم، فيما يتولّى أكاديميون ينتقدون الرأسمالية النيوليبرالية دور القضاة. يدلي الناشطون بشهاداتهم، ويصدر القضاة حكمهم بإدانة صندوق النقد والبنك الدوليين، ويخلصون، بطبيعة الحال، إلى ضرورة تفكيك المؤسّستين. وما إن تنتهي المحاكمة، حتى يسارع الأكاديميون والناشطون إلى الالتحاق بفعاليات الاجتماعات السنوية، على بُعد أميال قليلة من موقع المحاكمة، ليرفعوا أصواتهم من داخل القاعات ضدّ السياسات المُجحفة التي تنتهجها المؤسّستان.
مشهد لقاء مديرة الصندوق مع مؤسّسات المجتمع المدني: تشرح المديرة العامة للصندوق لماذا ينبغي للدول أن تتقشّف، وأن تتّخذ حكوماتها القرارات المؤلمة ولكن الصائبة، ثم تطمئن الجميع إلى أن الاقتصاد العالمي لا يزال صامداً أمام صدمة «الحرب في الشرق الأوسط». وبعد انتهاء خطابها، تفتح المجال أمام أسئلة الحاضرين. قد يتوقّع المرء أن يوجّه ممثّلو المجتمع المدني أسئلة قاسية إلى مديرة إحدى أقوى المؤسّسات المالية الدولية، التي تتحكّم بمصير بلدان واقتصادات بأكملها. وقد يتوقّع أن يسألوها لماذا ينبغي للدول أن تتقشّف وللناس أن يعانوا لأن الولايات المتّحدة وإسرائيل قرّرتا مهاجمة إيران؟ ولماذا يصف الصندوق الحرب في أوكرانيا بأنها «غزو روسي»، فيما لا يجرؤ على تسمية أيّ طرف من أطراف الحرب على إيران؟ أو لماذا ينفّذ الصندوق تعليمات البيت الأبيض بهذا القدر من الصراحة؟ لكن المفاجأة جاءت من طبيعة الأسئلة التي طرحها ممثّلو المجتمع المدني، إذ تمحورت حول تعزيز الشفافية، وزيادة مشاركة النساء في سوق العمل، ودعم القطاع الخاص، ولا سيما المؤسّسات الصغيرة والمتوسّطة، وغيرها من المواضيع التي أضاءت عيني المديرة العامة حماساً للإجابة عنها.
اختُتمت الاجتماعات السنوية بمظاهرة هزيلة، فاق فيها عدد عناصر الشرطة عدد المحتجّين، فيما عادت وفود الدول خالية الوفاض، باستثناء تعليمات التقشّف. وبذلك، استكمل صندوق النقد الدولي عودته إلى الثمانينيات، وبدأ يخلع ثوب التغيير الذي ارتداه منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008. ويبقى أن نترقّب كيف سيترجم هذا التحوّل في البرامج التي يجري الاتفاق عليها اليوم، وتلك التي ستُبرم مستقبلاً.