لبنان يزرع محاصيل عدّة أكثر مما يستهلك، فلماذا يستورد معظم غذائه؟
لا يفتقر لبنان إلى الإنتاج الزراعي بقدر ما يعاني اختلالاً في تركيبته. إذ يسجّل فائضاً في عدد من المحاصيل الموجّهة نحو التصدير مثل الفواكه، في مقابل عجز كبير في سلع أساسية في الاستهلاك المحلي، فضلاً عن فجوة بين ما يُزرع وما يُصنّع ويُستهلك محلياً.
هذه البنية ليست وليدة اليوم. فمنذ منتصف القرن الماضي، توسّعت زراعات موجّهة للتصدير إلى أسواق المنطقة والخليج، فيما ظل النظام الغذائي المحلي يعتمد بقوة على الاستيراد. ومع ضعف الترابط بين الزراعة والتصنيع الغذائي، واعتماد الزراعة وجزء من الصناعة نفسها على مدخلات مستوردة، لا تتحوّل الوفرة الزراعية تلقائياً إلى أمن غذائي.
يحقّق لبنان فائضاً في عدد كبير من المحاصيل الزراعية، ويقترب من الاكتفاء في محاصيل أخرى، لكنه يبقى شديد الاعتماد على الخارج لتأمين غذائه. فبحسب تقييم لمنظومة الغذاء أعدّته الفاو، تأتي نحو 80% من السعرات الحرارية المستهلكة في لبنان من الاستيراد.
وراء هذه المفارقة ثلاث فجوات:
- ما نزرعه لا يطابق دائماً ما نستهلكه
- وما نزرعه لا يتحوّل بالضرورة إلى غذاء مصنّع محلياً
- وحتى ما ننتجه محلياً يعتمد جزئياً على مدخلات مستوردة.
الفجوة الأولى: ماذا نزرع؟
أي أن المشكلة ليست نقصاً عاماً في الزراعة بل اختلالاً في تركيبة الإنتاج:
فائض في محاصيل كثيرة، وخصوصاً الفواكه، مقابل عجز حادّ في الحبوب والبقول وبعض المنتجات الأساسية.
هذا الاختلال ليس جديداً، إذ تأثرت تركيبة الإنتاج الزراعي اللبناني تاريخياً بفرص الربح والتصدير إلى الأسواق الخارجية، ولم تتشكّل وفق حاجات الاستهلاك المحلي وحدها.
الفجوة الثانية: ماذا نصنّع؟
اختيار ما نزرعه ليس سوى جزء من المشكلة. فحتى عندما ننتج محلياً، لا يتحوّل هذا الإنتاج بالضرورة، أو بما يكفي، إلى غذاء مصنّع محلياً.
الميزان الزراعي لا يساوي الميزان الغذائي. الأول يقيس المنتجات الزراعية الطازجة أو الأولية، فيما يشمل الثاني المنتجات المصنّعة أيضاً.
لذلك يمكن للبنان أن يقترب من الاكتفاء في مواد أولية مثل البطاطا أو الحليب أو البندورة، فيما تشير منظمة العمل الدولية إلى أنه يبقى مستورداً صافياً للأغذية المصنّعة.
تقع المشكلة بين المزرعة والمصنع، إذ يبقى التصنيع الزراعي محدوداً نسبياً ولا يستوعب سوى جزء من المنتجات الزراعية غير المباعة أو سريعة التلف.
المصادر: منظمة العمل الدولية، «إتاحة فرص خلق وظائف لائقة في قطاع البستنة في لبنان»؛ منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو)، «خارطة طريق قطاع الصناعات الزراعية والغذائية في لبنان».
الفجوة الثالثة: بماذا ننتج؟
حتى الصناعة والزراعة المحلّيتين لا تعملان بمدخلات محلية بالكامل.
تعتمد منظومة الغذاء اللبنانية بدرجة كبيرة على المدخلات والبذور والمواد والتجهيزات المستوردة، بحسب الفاو، أي أن الاعتماد على الخارج لا يبدأ عند استيراد الغذاء النهائي، بل قد يبدأ في مراحل سابقة من السلسلة:
هكذا يمكن أن يحمل المنتج صفة «صنع في لبنان»، فيما تبقى أجزاء أساسية من كلفته وسلسلة إنتاجه مرتبطة بالخارج.
التوازن يبدأ من إعادة وصل الزراعة والصناعة بالغذاء
هذه الفجوات الثلاث لا تعني أن الحل هو محاولة إنتاج كل ما يستهلكه لبنان محلياً. فبعض المنتجات، وخصوصاً الحبوب والبقول، ستبقى بحاجة إلى الاستيراد في ظل شروط الإنتاج الحالية.
لكن تحسين التوازن الزراعي يتطلّب إعادة تركيب السلسلة كلها:
ماذا نزرع؟ ماذا نصنّع منه؟ ماذا نستهلك؟ ماذا نصدّر؟ وماذا يبقى منطقياً أن نستورده؟
هذا يعني زيادة إنتاج السلع التي يمكن تقليص العجز فيها، وربط الزراعة بالصناعات الغذائية، وتحسين التخزين والتسويق والتوزيع، ورفع القيمة المضافة للمنتجات المحلية، والاستفادة من فوائض التصدير للمساهمة في تغطية كلفة المنتجات التي يصعب إنتاجها محلياً بكفاية.
المصادر: المركز اللبناني للبحوث والدراسات الزراعية، «مساهمة الزراعة اللبنانية في الأمن الغذائي للبلاد»، 2026؛ منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو)، «خارطة طريق قطاع الصناعات الزراعية والغذائية في لبنان»؛ البنك الدولي، دراسة عن القطاع الزراعي في لبنان.