2.9 مليار دولار عجز ميزان المدفوعات اللبناني في النصف الأول من 2026

سجّل ميزان المدفوعات في لبنان عجزاً بقيمة 2.9 مليار دولار أميركي خلال النصف الأول من عام 2026، ليضع حداً لثلاث سنوات متتالية من الفوائض الدفترية التي أعلن عنها مصرف لبنان، وسعى من خلالها إلى ترسيخ انطباع وهمي أن القطاع المالي والمصرفي اللبناني نجح في استقطاب تدفقات مالية ورؤوس أموال جديدة، وكأنه بدأ يتعافى من أزمته، في حين أن الفوائض المعلنة لم تكن في الواقع إلا انعكاساً لارتفاع سعر الذهب العالمي.

ما يعادل 76% من «فوائض» ميزان المدفوعات التي أعلنها مصرف لبنان في 2024 و2025 لم تكن سوى ارتفاعاً دفترياً في قيمة احتياط الذهب الممنوع التصرّف به. ومع تراجع سعر الذهب في الأسواق العالمية، انقلبت الحيلة: عجز 2.9 مليار دولار في النصف الأول من 2026.

lebanon-balance-deficit

لماذا هو مؤشّر مهم؟

يقيس ميزان المدفوعات الحصيلة النهائية لمعاملات المقيمين في البلد مع غير المقيمين، في خلال فترة محدّدة، شهراً أو سنة. 

يرصد مجمل الأموال التي تدخل إلى البلد وتخرج منه، بأي عملة كانت ولأي غرض كان: التجارة، خدمة الديون الخارجية، التحويلات، الاستثمار، تدفقات النقد والذهب، هروب الرساميل والودائع... إلخ.

إذا سجّل الميزان فائضاً، فهذا يعني أنّ الأموال التي دخلت إلى البلد فاقت الأموال التي خرجت منه، والعكس صحيح إذا سجّل عجزاً. لذلك يُعدّ مؤشراً أساسياً على متانة الوضع المالي والاقتصادي للبلد وقدرته على تأمين حاجاته من العملات الأجنبية.

يحتسب مصرف لبنان هذا الميزان من التغيّر في صافي الموجودات الأجنبية لديه ولدى المصارف التجارية. وبالتالي، أي تغيير في طريقة احتساب هذه الموجودات ينعكس مباشرة على نتيجة ميزان المدفوعات المُعلنة.

منذ الاستقلال وحتى عام 2010، سجّل ميزان المدفوعات اللبناني فوائض سنوية، باستثناء سنوات قليلة متفرّقة. وقد اعتُبر ذلك في حينه «معجزة» النموذج الاقتصادي اللبناني.

لكن اعتباراً من عام 2011، تقلّصت التدفقات المالية الى لبنان وبدأت الرساميل والودائع الكبيرة بالهروب إلى الخارج. تزامن ذلك مع استمرار تزايد الاستيراد وارتفاع خدمة الديون الخارجية، بما فيها ودائع غير المقيمين وتوظيفات المضاربين. 

بلغ المجموع التراكمي لعجوزات ميزان المدفوعات بين 2011 و2022 نحو 34.5 مليار دولار. إلا أن مصرف لبنان أدخل تعديلات على طريقة الاحتساب، ما أتاح له الإعلان عن فوائض في السنوات الثلاث التالية، بلغ مجموعها التراكمي 28 مليار دولار بين 2023 و2025. 

كيف تلاعب مصرف لبنان بالأرقام؟ وكيف ارتدّت الحيلة عليه؟

اعتباراً من كانون الثاني/يناير 2024، بدأ مصرف لبنان يحتسب الذهب ضمن موجوداته الأجنبية. وصار كل ارتفاع في سعر الذهب عالمياً يُترجَم فائضاً دفترياً في ميزان المدفوعات، من دون دخول أي دولار فعلي إلى البلد. كون هذه الأرباح غير محقّقة، طالما أن القانون رقم 42 لعام 1986 يمنع التصرّف باحتياط الذهب.

وفق بيانات المصرف المركزي، أضاف ارتفاع قيمة الذهب في ميزانية مصرف لبنان نحو 19.9 مليار دولار إلى ميزان المدفوعات في عامي 2024 و2025. هذا يعادل أكثر من 76% من مجموع الفوائض المُعلنة في هذين العامين، والبالغ نحو 26 مليار دولار.

لكنّ حيلة سعر الذهب المحاسبية ارتدّت على المصرف المركزي. في نهاية شباط/فبراير 2026، كان مصرف لبنان لا يزال يُعلن فائضاً تراكمياً بنحو 7.7 مليار دولار. خلال الأشهر الأربعة التالية، تراجع سعر الذهب بنحو 24%، فانقلب الفائض إلى عجز بنحو 2.9 مليار دولار في نهاية حزيران/يونيو. أي أنّ الميزان خسر أكثر من 10.5 مليار دولار في أربعة أشهر.

المصدر: بيانات مصرف لبنان

    محمد الخنسا

    محرّر في مجلة «صفر».