هكذا دواليك
محرقة الشرق الأوسط
خيار ترامب لهندسة الخروج الآمن من مأزق هرمز
لا يخفي ترامب اعتماده نَكْثَ العهود استراتيجيةً لإدارة حملاته السياسية، سواء في الداخل الأميركي أو في العلاقات الدولية. فهو يضحّي بأقرب المقرّبين إليه وأكثر المخلصين له، في سبيل الحفاظ على صورته كرئيس قوي يحقّق المستحيل وينتقل من نصر إلى آخر.
على المستوى الدولي، أسّس الرجل مفهومه لإدارة العلاقات الخارجية على استراتيجية الإنقلاب على ما سبق، سواء لجهة الاتفاق المتعدّد الأطراف مع إيران، أو العلاقة مع حلف الناتو، أو روسيا وأوكرانيا، أو سياسات التجارة الدولية.
وفي هذا السياق، ينبغي فهم تناقضات موقفه من مذكرة التفاهم مع إيران؛ إذ انتقل من الدفاع الشرس عنها قبل التوقيع، إلى المجاهرة بشتم نتنياهو وتحقيره بسبب اعتراضه عليها، ثمّ إلى اعتبارها خسارة كبرى لإسرائيل والإدارة الأميركية معاً. وبعد أقل من أسبوع على التوقيع، عاد ترامب لينقضها في محاولة لتفخيخ مسارها التطبيقي، حين أرسل وزير خارجيته ماركو روبيو في زيارة إلى المنطقة.
روبيو وتفخيخ مذكرة التفاهم
هدفت الزيارة إلى تفريغ مضمون البند الخامس من مذكرة التفاهم المتعلّق بإدارة مضيق هرمز خلال فترة التفاوض الممتدة على 60 يوماً. وبالمحصلة، نجح روبيو في نقل الخلاف بشأن إدارة المضيق من أزمة سياسية واقتصادية تسبّبت بها رعونة الإدارة الأميركية في الحرب التي أطلقتها، وعدم إدراكها للواقع الجيوسياسي لإيران، إلى مشكلة خلافية مباشرة بين إيران ودول الخليج العربي، تنذر بالتحوّل إلى حرب إقليمية مدمّرة. ذلك أن القدرات الدفاعية والهجومية لواشنطن، على الرغم من قوّتها وتطوّرها التكنولوجي، أثبتت محدوديتها العملياتية، إذ لا مجال لتحقيق تغيير ميداني مباشر في موازين القوى أو تغيير نظام الحكم في إيران عبر القصف الجوي. كما سقط، إلى حدّ كبير، وهم احتلال أجزاء من الضفة الإيرانية المشرفة على المضيق.
نجح روبيو في نقل الخلاف بشأن إدارة المضيق من أزمة سياسية واقتصادية تسبّبت بها رعونة الإدارة الأميركية في الحرب التي أطلقتها، وعدم إدراكها للواقع الجيوسياسي لإيران، إلى مشكلة خلافية مباشرة بين إيران ودول الخليج العربي
وتزامنت الزيارة أيضاً مع إعلان سلطنة عُمان نيتها إطلاق ممر بحري موازٍ للممر الرئيسي الذي تشرف عليه إيران في مياهها الدولية. ولم تأتِ فكرة الممر العُماني لإعادة تفسير البند الخامس، بل كجزء من خطة روبيو للانقضاض على ما تضمنته المذكرة بشأن إدارة المضيق خلال فترة الستين يوماً، وبالتالي سحب أحد أهم ركائز الهدنة الهشّة أصلاً من التداول. ويُضاف إلى ذلك نجاحه في وأد فكرة المؤتمر الإقليمي الذي كان سيجمع إيران ودول مجلس التعاون الخليجي والعراق. وكانت السعودية قد أبدت نيتها التحضير لهذا المؤتمر بهدف البحث والتفاهم على معايير إدارة حركة الملاحة في مضيق هرمز. واللافت أن ولي العهد السعودي تغيّب عن حضور اجتماعات قمة الدول السبع، التي انعقدت في فرنسا في حزيران/يونيو الماضي، في مؤشر إضافي على تعقيد المشهد.
ولا يمكن الحديث عن نتائج جولة روبيو التخريبية من دون الإشارة إلى تصريحات ترامب نفسه، الذي كرّر الحديث عن نيّته فرض «إتاوات» مقابل الحماية الأمنية للملاحة الدولية في المضيق. كما لا يمكن إلا أن نلحظ عودة الإشتباك الحوثي - السعودي. وهكذا، سعت إدارة ترامب، منذ اليوم التالي لتوقيع المذكرة، إلى خلق واقع ميداني يناقض الفهم العام لها. فالمذكرة التي اعتبرها كثيرون فرصة تاريخية للسلام، كانت في الوقت نفسه تمثل الحد الأدنى من المكاسب للإيرانيين و«اللاهزيمة» للإدارة الأميركية، وهو ما لم يستطع ترامب وإدارته تحمّله. وبالمحصلة، وجدت الدول الخليجية نفسها في مواجهة مباشرة مع إيران. ومع تصاعد وتيرة «الاشتباك التفاوضي» مع الأميركيين، عادت دول المنطقة لتتحمّل، في بنيتها المدنية والاقتصادية والاستثمارية، العبء المباشر لحرب لم تخترها، ومذكرة تفاهم لم تصغها، وقرار بالعودة إلى إطلاق النار لم تُستشر فيه، ليصبح أهون الخيارات مُرّاً في ظل الحاجة إلى تفادي الدخول في حرب إقليمية كارثية، واستيعاب تحولات الاشتباك التفاوضي الأميركي–الإيراني.
العراق وسوريا ولبنان: هلال الاحتراب الطائفي
على الضفة الأخرى من الشرق الأوسط، وتحديداً في المنطقة التي كانت تُسمى بـ«الهلال الشيعي» (العراق، ولبنان، وسوريا)، تواصل الإدارة الأميركية سعيها إلى تحويل تبعات حربها على إيران إلى حروب بينية، سواء على مستوى العلاقات بين الدول أو بين الدول والجماعات، مستثمرةً في ذلك محركات الاحتكاك الطائفي والإثني والعابر للحدود.
في العراق، تفرض واشنطن فيتو على اسم رئيس الوزراء، فتختار من تريد كجزء من استراتيجيتها للحفاظ على السيادة العراقية، وتحدّد ديناميات استعادة الدولة لـ«سيادتها» الشاملة والناجزة. وفي الوقت نفسه، تقدّم الغطاء السياسي الكامل لإسرائيل، التي أسّست قاعدة جوّية في صحراء العراق، واستعملتها رأسَ جسرٍ جوياً ومنطلقاً لعملياتها خلال الحرب على إيران.
ولا تكتفي الإدارة بالتدخلات الدبلوماسية الناعمة، أو حتى الخشنة. فقد نصب ترامب بنفسه، وعلى الهواء مباشرة، أفخاخاً لعلي الفالح الزيدي، رئيس الحكومة العراقية، حين طلب منه التعليق، بالإيجاب، على اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس. وكانت إجابة رئيس الوزراء كافية، لو أتت لتجاري ترامب في مسعاه، لتشكّل أحد أبرز محرّكات النزاع العراقي–العراقي، ولتغرق الحكومة الجديدة في خطر دوامة من التجاذبات السياسية الداخلية.
أما في سوريا، فتعاني البلاد، تارةً، من فوضى التنظير السياسي وسلوكيات توم برّاك الدونكيشوتية، وتارةً أخرى من الاحتلال الإسرائيلي وسياسة القضم الاستراتيجي لأجزاء واسعة من الجنوب السوري. وقد وصلت مساحة المناطق التي ضمّتها إسرائيل إلى نحو 235 كيلومتراً مربعاً، مع تسجيل أكثر من 800 نقطة توغل في العمق السوري، وصل أقصاها إلى نحو 20 كيلومتراً من العاصمة دمشق. وتُضاف هذه المنطقة إلى الجولان، الذي صرح ترامب نفسه، في كانون الأول/ديسمبر 2025، بأنه «منحه» لإسرائيل، من دون أن يدرك قيمته الحقيقية، التي قُدرت بتريليونات الدولارات.
أما على الجانب اللبناني، فتبقى تصريحات ترامب المتكرّرة بشأن توكيل مهمة القضاء على حزب الله وترسانته العسكرية للرئيس السوري أحمد الشرع أبرزَ استثمارٍ للإدارة الأميركية في ديناميات الحروب البينية. فهذا التوكيل يخلق صراعات متشابكة بين لبنان وسوريا، وبين سوريا وحزب الله، وقد يستدرج، حكماً، نزاعاً بين سوريا وقوات الحشد الشعبي في العراق، وفي الخلفية نزاعاً شرساً بين الحكومة العراقية وفصائل الحشد.
تبقى تصريحات ترامب المتكرّرة بشأن توكيل مهمة القضاء على حزب الله وترسانته العسكرية للرئيس السوري أحمد الشرع أبرزَ استثمارٍ للإدارة الأميركية في ديناميات الحروب البينية
وترامب، في هذه التصريحات، لا يتحدّث بلغة الجاهل بالماضي الحديث والأليم للعلاقات اللبنانية–السورية، ولا بلغة المستشرق التقليدي، وإنما بلغة رجل أعمال ينتهج منطق «النيوليبرالية الإداروية» إطاراً عاماً للحوكمة، في الداخل والخارج. فمن وجهة نظره، عليه اختيار الوسيلة الأقل تكلفة لحل أي مشكلة تعترض إنتاجية سياساته. ولما أيقن أن الخيار العسكري الإسرائيلي مكلف عملياتياً ومحدود القدرة، واصطدم بجدار آخر شبيه بوهم إسقاط النظام الإيراني عبر الغارات الجوية، وجد في تكليف الرئيس السوري بهذه المهمة الخيار الأمثل، متجاهلاً تبعاتها الكارثية على المنطقة.
هكذا، تبحث إدارة ترامب مرةً جديدة عن تحويل الحرب التي بدأتها إلى أزمة إقليمية–إقليمية. وفي لبنان تحديداً، لا يردعها حتى خطر دفع البلاد نحو احتراب أهلي شامل، بعد أن نجحت في تحييد إسرائيل عن المشهد العسكري المباشر، وضمنت لها وجودها في منطقة عازلة خالية من السكان، مفرغة من مقومات الحياة، تمارس فيها أحد أكثر أشكال العنف الإبادي بصورة منهجية، مستهدفةً البيوت والأسواق والأشجار والقلاع الأثرية.
وفي هذا السياق، يعود روبيو ليتصدّر المشهد من جديد، في محاولة للالتفاف على البند الأول من مذكرة التفاهم، والدفع بمسار تفاوضي ثنائي خاص بلبنان. وهو مسار مصون وسيادي للدولة اللبنانية، لا ينازعها عليه أحد، ولا يشاركها فيه أحد. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل تمثل المصلحة اللبنانية العليا حقاً بوصلة وزارة الخارجية الأميركية وأجهزتها الدعائية؟
ويكمل روبيو في محاولات الاستثمار في ديناميات الاحتكاك العنفي بين لبنان وسوريا حين يقدم في تصريحاته الأخيرة الغطاء الأميركي المباشر لأي تحرك عسكري قد تقدم عليه القوات السورية المتواجدة على الحدود مع لبنان بالدرجة الأولى والمحاذية لمناطق سكانية لبنانية تمثل عمقاً استراتيجياً للبيئة الحاضنة لحزب الله. وكأننا لم نتعلم مما حصل في جبل العلويين والسويداء ولم نتعظ مما أصاب الايزيديين في العراق.
لا منتصرون ولا مهزومون... وبالتأكيد لا ناجون!
من إيران ومضيق هرمز، مروراً بدول الخليج العربي، وصولاً إلى العراق وسوريا ولبنان، تسعى إدارة ترامب، بشكل حثيث، إلى إعادة إنتاج الحرب التي أطلقتها في 28 شباط/فبراير الماضي بوصفها حرباً إقليمية داخلية بين دول وجماعات المنطقة، لتكون فيها شريكاً مضارباً يبيع السلاح، ويبيع الحماية، ويبيع وهم النجاة، ويبيع الحق في الحياة.
وإذا ما نجحت هذه الاستراتيجية، فستكون محرقةً للشرق الأوسط تتحول بها الحرب الاميركية الإسرائيلية على إيران الى مجموعة من الحروب الإقليمية المتوازية على خطوط الاشتعال المختلفة في المنطقة. هي إستراتيجية نقل المخاطر والتكلفة المرتفعة للحرب الى أطراف خارجبة تماماً كما يتصرف العقل النيولبرالي في إعادة هندسة عمليات الإنتاج لخفض الأكلاف وتحقيق مستوى مرتفع من العوائد عبر تصدير الشق العملياتي لوكلاء خارجيين. هكذا، نحن اليوم نواجه، كمجتمعات مُجبرة على الإنخراط في سلاسل إنتاج الحروب الأميركية «الناجحة»، خطر إنفلاش رقعة الحرب على جبهات متعددة؛ الخليج وإيران، العراق والكويت، السعودية واليمن، العراق وسوريا، سوريا ولبنان. كما لا يمكننا أبدا تحييد خطر ما قد ينتجه الإشتعال الإقليمي من مخاطر قد يكون لها أثارها السلبية حتى على العلاقات داخل مجلس التعاون الخليجي. تعيد إستراتيجية تصدير الأزمة، هذه، العلاقة بين دول وجماعات المنطقة الى أعلى درجات الإشتباك الإقليمي وتعيد علاقة المنطقة مجتمعة مع الإمبراطورية الأميركية إلى ما قبل مرحلة الاستقلال ونشوء الدولة الوطنية. فهي، في جوهرها، حرب على فكرة الدولة الوطنية، بكل تدرجاتها، تهدف إلى إرساء نموذج الإدارات الوظيفية التشغيلية إطاراً حوكماً. في الوقت عينه، تنجح هذه الخطة في تحييد شبه كلّي لإسرائيل عن المشهد الإشتعالي في حين تستمر في الإمعان في تأزيم المشهد الإبادي في نسختيه الفلسطينية واللبنانية. كما، قد لا ينجو منها حتى جوهر الإتفاقات الإبراهيمية التي لا نعلم اليوم كيف سيكون مستقبلها بغض النظر عن تقييمها سلباً أم إيجاباً.
وإذا ما «نجحت» إدارة ترامب في مسعاها هذا، وإذا ما نجح روبيو في إطباق رؤيته لإدارة العلاقات الدولية، كما فصّلها في مؤتمر ميونيخ الأخير، وإذا ما رسا الأمر على خيارات برّاك، فإن ذلك سيكون وبالاً على الجميع، وستُفتح أبواب الجحيم، لعقد من الزمن على الأقل، بغية إعادة إرساء الحكم الأميركي المطلق على الشرق الأوسط كجزء من مشروع إعادة ترميم عظمة أميركا وفلسفة فكرة ال MAGA.
ما نحتاجه اليوم هو القطع مع الصمت المريب تجاه هذه الرؤية التدميرية، وإنتاج صوت إقليمي مشترك يرفض الدفع بالمنطقة نحو حرب لم تخترها ولا تريدها. وهذا يتطلب، حكماً، مراجعة نقدية لمجمل العلاقات السابقة بين إيران والدول العربية من جهة، وبين الحكومات والأطراف المسلحة غير الحكومية من جهة أخرى، ولا سيما في لبنان وسوريا والعراق. كما يتطلب استثماراً استراتيجياً في تطوير طرائق تفادي الاحتكاكات المدمرة وتفكيك محركاتها الخارجية والداخلية. هذا الزمن يتطلب سكب الماء البارد على الرؤوس الحامية فأين محركات التبريد الإقليمية والوطنية؟ هذا هو استثمارنا الإستراتيجي.