موجة التأميم الجديدة: 239 مليار إلى 544 مليار دولار قيمة الأصول التي جرى تأميمها في العقد الأخير
تعمد حكومات كثيرة في الدول الرأسمالية الكبرى إلى الاستحواذ على شركات خاصّة وأصول وموارد بوتيرة لم يشهدها العالم منذ 50 عاماً. وبحسب مقال لنيكولا مولدر، أستاذ التاريخ الحديث في جامعة كورنيل»، بعنوان «موجة التأميم الجديدة»، نشر في عدد حزيران/يونيو من مجلّة «التنمية والتمويل» الصادرة عن «صندوق النقد الدولي»، تقدّر قيمة التأميمات المنفّذة بين عامي 2016 و2026 بما لا يقل عن 239 مليار وصولاً إلى 544 مليار دولار، مدفوعة بحالة التنافس الجيوسياسي، واضطرابات سلاسل التوريد، وأمن الطاقة والموارد، والتحول نحو الطاقة المتجدّدة، والرغبة بالسيطرة على المعادن والقطاعات الاستراتيجية. ويتوقّع الكاتب أن تعيد هذه التأميمات ترتيب الأنماط طويلة الأمد للتجارة والاستثمار الدوليين مع تبنّي مزيد من الحكومات سياسات اقتصادية تدخّلية.
التأميم في مواجهة التشظي الجيو-اقتصادي
يُظهر التاريخ أن الدول تلجأ إلى التأميم عندما تعجز الأسواق عن إدارة الأزمات أو حماية المصالح الاستراتيجية.
تمثل الموجة الحالية رابع موجة كبرى من التأميم خلال المئة عام الماضية. انطلقت في أعقاب الأزمة المالية العالمية عام 2008، ونمت منذ أواخر العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، لأسباب مختلفة:
- استجابة لصدمات عالمية في الطلب والعرض، مثل جائحة كوفيد-19 والارتفاع الحاد في أسعار السلع الأساسية بعد الغزو الروسي لأوكرانيا.
- معالجة تحديات التغير المناخي عبر تأميم المعادن اللازمة للتقنيات المتجدّدة.
- اعتبارات الأمن القومي ورغبة الحكومات في السيطرة على الموارد التي تُعد حيوية للمنافسة الاستراتيجية.
جرى تأميم ما بين 239 مليار دولار و544 مليار دولار من الأصول بين عامي 2016 و2026.
- استحوذت حكومة ألمانيا على شركات طاقة كهربائية.
- سيطرت حكومة فرنسا على أكبر حوض لبناء السفن في أوروبا.
- أمّمت بريطانيا شركات السكك الحديد وصناعة الصلب.
- صادرت روسيا أكثر من 48 مليار دولار من الموانئ والمصانع والشركات منذ غزو أوكرانيا.
- استحوذت الولايات المتحدة على حصة ملكية مُهيمنة في الشركة المحلية الوحيدة المنتجة للعناصر الأرضية النادرة.
ويتزايد عدد الدول التي تستحوذ على الموارد مثل الليثيوم والذهب واليورانيوم والنيكل وحتى زيت النخيل.
شهد القرن الماضي 3 موجات كبرى من التأميم
الموجة الأولى
الكساد الكبير وانهيار النظام المالي في ثلاثينيات القرن العشرين
حالت هذه التأميمات دون الإفلاسات ومنحت الحكومات مزيداً من الاستقلالية في صنع السياسات.
- أمّمت الولايات المتحدة نحو ثلث رأس المال المالي.
- أصبحت أكثر من نصف رؤوس الأموال المصرفية في ألمانيا مملوكة للدولة.
- أمّمت إيطاليا 20% من الأصول الصناعية والمالية الخاصة.
- أمّمت فرنسا صناعة الطائرات والسكك الحديدية.
- أمّمت بريطانيا مناجم الفحم.
الموجة الثانية
بناء اقتصادات ما بعد الحرب العالمية في أواخر أربعينيات القرن العشرين
كانت هذه الموجة أوسع من حيث القطاعات، وأكثر منهجية من حيث التطوير الاقتصادي، ودفعت النمو الاقتصادي السريع في الاقتصادات المتقدمة.
- أمّمت بريطانيا بنك إنكلترا وقطاعات الطيران والفحم والهاتف والنقل والكهرباء والغاز والحديد والصلب.
- استحوذت فرنسا على بنك فرنسا والمؤسسات المالية الخاصة التي كانت تحتفظ بـ80% من الودائع المصرفية، إضافة إلى قطاعات الفحم والكهرباء والهاتف وعدد من الصناعات الكبرى.
- شهدت الأرجنتين والنمسا والبرازيل وتشيكوسلوفاكيا والهند وإندونيسيا وإيران وإيطاليا واليابان ودول أوروبا الشرقية تأميمات مماثلة.
الموجة الثالثة
صدمات النفط وإنهاء الاستعمار في سبعينيات القرن الماضي
كانت هذه الموجة أوسع نطاقاً وأطول أمداً وشملت موارد أعلى قيمة. فقد شجّع نجاح التأميمات المبكرة اقتصادات جديدة خارجة من الاستعمار على اتباع تدخلات مماثلة.
- تسارعت وتيرة الاستحواذ على الأصول بعد نهاية نظام بريتون وودز وأزمة النفط عام 1973، وبلغت ذروتها عام 1975 عندما نفّذت 28 دولة 83 عملية بمعدل عملية كل 4 أيام تقريباً.
- بين عامي 1971 و1980 أمّمت الاقتصادات النامية ما لا يقل عن 26 مليار دولار من الأصول المملوكة لأجانب، أي ما يعادل 11% من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في العالم النامي عام 1980.
المصدر: صندوق النقد الدولي، مجلة التنمية والتمويل، عدد حزيران/يونيو 2026.