ضرائب
الحكومة اللبنانية تزعم تطبيق مبدأ «لملوّث يدفع» لتجعل «المستهلك يدفع»
قرّر مجلس الوزراء تعليق العمل بالمرسوم رقم 3214 تاريخ 15/6/2026، الذي تضمن رسوماً جمركية بنسب تتراوح بين 1% و3% على بعض السلع المستوردة المنتجة للنفايات. ولكن تعليق العمل بهذا المرسوم لإعادة درس النسب، لا يعالج القضية التي أثارها، والمتعلّقة بتحويل مبدأ «الملوّث يدفع» إلى «المستهلك يدفع» عبر فرض رسوم جمركية على السلع الاستهلاكية تحت اسم «رسوم بيئية» مخصصة لتمويل إدارة النفايات مركزياً.
لا يهدف مبدأ «الملوّث يدفع» إلى «جباية الإيرادات»، بل إلى تغيير سلوك المنتج والمستهلك عبر تحميل سعر السلعة الكلفة البيئية والصحّية. وهذا عكس ما تقوم به الحكومة اللبنانية.
يدفع المستهلك عادة سعراً يعكس الكلفة الخاصة لسلعة ما: المواد الأولية، اليد العاملة، النقل، هامش الربح…
لكن إنتاج هذه السلعة واستهلاكها يرتّب أيضاً كلفة اجتماعية: تلوث الهواء، نفايات متراكمة، أمراض تنفسية، تدهور تربة…
وهذه الكلفة الإضافية يتحمّلها المجتمع ككل لاحقاً، لا منتج السلعة ولا مستوردها ولا مستهلكها.
لذلك، يتم تداول السلعة بيعاً وشراءً بسعر أقل من كلفتها الحقيقية، لأن جزءاً من الكلفة أُحيل إلى طرف ثالث غائب عن المعادلة، وهو المجتمع، أو الأجيال القادمة، أو البيئة...
يهدف مبدأ «الملوّث يدفع» إلى تصحيح السعر ليعكس الكلفة الحقيقية الكاملة للسلعة.
تُضاف إلى السعر قيمة تساوي بالضبط حجم الضرر الاجتماعي الحدّي، الذي تسببه كل سلعة عند الإنتاج والنقل والاستهلاك.
لذلك، لا يُفرض الرسم بشكل تعسفي أو كنسبة موحّدة، بل بما يتناسب مع حجم الضرر الفعلي لكل سلعة على حدة.
مثلا، سلعة تُنتج نفايات سامة يجب أن تحمل رسماً أعلى من سلعة تُنتج نفايات قابلة للتحلل العضوي السريع.
كما أن سلعة غالية تولّد نفايات أو تلوّث قليل يترتب عليها رسماً أقل من سلعة رخيصة تولّد نفايات وتلوث أكبر، لأن المعيار هو الأثر البيئي لا قيمة المبيع.
وهذا عكس ما فعلته الحكومة اللبنانية، التي فرضت رسوماً بنسب ثابتة على السعر (1-3% بحسب نوع السلعة)، ما يجعل هذه الرسوم متطابقة بنيوياً مع ضريبة استهلاك لا مع رسم بيئي مرتبط بحجم النفايات الفعلي.
حين يرتفع سعر السلعة تناسبياً مع حجم التلوّث أو النفايات التي تولّدها، يصبح هناك حافز اقتصادي مباشر (لا أخلاقي ولا تنظيمي) لتقليص هذه النفايات أو إحلال سلع أقل ضرراً.
هنا يكمن الشرط الجوهري لتطبيق مبدأ «الملوّث يدفع»، أي أن تتوافر بدائل أقل تلويثاً يسهل الوصول إليها.
لذلك يجب عدم تطبيق هذا المبدأ على نطاق واسع وموحّد، من دون تمييز بين سلع لها بدائل وأخرى ليست كذلك، ولا سيما في أسواق غير تنافسية مثل لبنان.
ويجب عدم فرض رسوم نسبية موحدة على السلع، ولا سيما السلع الأساسية التي تستنزف حصة أكبر من دخل الأسرة الفقيرة بالمقارنة مع الأسر الغنية.
ويجب إزالة العلاقة الملتبسة بين الهدف السلوكي والهدف التمويلي:
حين يصبح الرسم مصدر تمويل للحكومة، تتراجع الحوافز لتقليص حجم التلويث فعلياً، لأن ذلك يعني تقليص الإيرادات نفسها. هذا تناقض بنيوي في قرارات الحكومة اللبنانية.
المصدر: المرسوم رقم 3214 تاريخ 15/6/2026، قرار مجلس الوزراء اللبناني، 29/6/2026