جرس إنذار: عالم اليوم ليس أكثر أماناً في مواجهة الجوائح الصحّية

نشر «مجلس الرصد العالمي للتأهب»، وهو هيئة مستقلة أسستها منظمة الصحة العالمية والبنك الدولي، تقريراً بعنوان: «عالم على حافة الهاوية». وهو يرصد عقداً كاملاً من حالات الطوارئ الصحية الدولية، من إيبولا في غرب أفريقيا إلى كوفيد-19 وصولاً إلى جدري القرود، ويدقّ ناقوس الخطر من استمرار التراجع في الدفاعات الصحّية العالمية والمحلية أمام الجوائح والفاشيات والأمراض المعدية، مشيراً إلى أن المشكلة ليست علمية أو تقنية وإنما جوهرها سياسي.

ظهور الأمراض المعدية لم يعد حوادث استثنائية نادرة

  • رصدت منظمة الصحة العالمية حالات طوارئ صحية في عام 2024 تعادل ضعف عدد الحالات التي رصدتها في عام 2015.
  • في عام 2021، شكّلت الأمراض المعدية نحو 23% من الوفيات عالمياً، بالمقارنة مع 15% في عام 2015. 
  • لولا جائحة كوفيد-19، كانت ستتراجع نسبة الوفيات التي تتسبّب بها الأمراض المعدية إلى 11%. 

تتزايد حالات الطوارئ الصحية في ظل ظروف وعوامل تخص الاقتصاد السياسي: تغيّر المناخ، تدهور النظم البيئية، التوسّع الحضري، تحوّل الزراعة، حركة البشر، والنزاعات المسلحة…

كل أزمة تترك النظام الصحي أضعف

تفشي وباء إيبولا منذ 10 سنوات، كشف عن الثغرات الخطيرة في منظومة الاستجابة الصحية العالمية. وتفشي جائحة كوفيد-19 قبل 6 سنوات، كشف عن تحوّل تلك الثغرات الخطيرة إلى كارثة عالمية.

الاستنتاج الذي تدعمه الأدلة: 

على الرغم من امتلاك العالم اليوم تقنيات أفضل للرصد والوقاية والاحتواء، إلا أنه أكثر هشاشة مما كان.

  • في خلال إيبولا وكوفيد-19، تراجع الوصول إلى رعاية ما قبل الولادة بنحو 40%، لأن الخدمات الأساسية تنهار عندما يتحوّل النظام كله إلى الاستجابة الطارئة.
  • تعطّل التلقيح في خلال كوفيد-19 قد يؤدّي إلى 49 ألف وفاة إضافية بين 2020 و2030. 
  • وصلت لقاحات جدري القرود إلى البلدان الفقيرة المتضرّرة بعد 24 إلى 27 شهراً، واستغرق وصول لقاحات كوفيد-19 17 شهراً.

لا تنتهي الجائحة بانتهاء ذروتها، بل تتركُ ندوباً بنيوية في الأنظمة الصحية، تجعلها أعجز عن مواجهة الموجة التالية.

  • سيكلّف كوفيد-19 الاقتصاد العالمي أكثر من 50 تريليون دولار من الناتج المحلي الإجمالي الفائت بين عامي 2020 و2030.
  • في المقابل، تراجعت المساعدات الإنمائية الصحية إلى مستويات لم تُسجَّل منذ عام 2009.
  • وأثقلت الديون المتراكمة كواهل الحكومات، وضيّقت سياسات التقشّف القاسي هامش مناوراتها المالية. 

العالم يدفع ثمن الجوائح بعد وقوعها، لكن الحكومات ترفض تمويل الوقاية منها. 

يأتي التمويل عند وقوع الكارثة فقط، وبعد الصدمة، تعود الحكومة إلى عاداتها القديمة:  خدمة نظام اقتصادي بات يمثل خطراً على حياة الناس.

المصدر: مجلس الرصد العالمي للتأهب، تقرير بعنوان «عالم على حافة الهاوية»، 2026

    أنيس الجرماني

    طبيب متخصّص في الطبّ الداخلي وباحث في سياسات الأنظمة الصحّية