لماذا نهتمّ جميعاً باللامساواة؟
- يرى بعض الاقتصاديين أن التفكير في التوزيع لا طائل منه، بل ربما يحمل شرّاً مستتراً. ينظر كثيرون إلى المسائل التوزيعية بوصفها تشتيتاً، ومجاملةً للشعبوية، وإهداراً للوقت يفضي إلى نتائج هدّامة: فكلّ نزاع حول الحصص يقلّص حجم الكعكة نفسها ويجعل الجميع أفقر مما كانوا.
- حين يقول المرء إنه يهتم بالفقر، فهو يرسم خطاً عند مستوى دخل ما، على نحو اعتباطي، ويجعل كل ما يقع دونه مؤثراً في رفاهه، ويترك ما فوقه بلا أثر، إلا إذا أصاب دخله هو.
يُقلّل كثير من الاقتصاديين من أهمية اللامساواة، فإذا ارتفعت دخول الجميع، من يهتم إن ارتفعت اللامساواة أيضاً؟ وبجادلون على أن العبرة في تخفيف الفقر لا غير. غير أن هذه الملاحظة تكشف أن اللامساواة تمسّنا جميعاً، وأن ادّعاء الاكتفاء بالانشغال بالفقر مع غضّ الطرف عن اللامساواة ينطوي على تناقض داخلي.
يرى بعض الاقتصاديين أن التفكير في التوزيع لا طائل منه، بل ربما يحمل شرّاً مستتراً. ينظر كثيرون إلى المسائل التوزيعية بوصفها تشتيتاً، ومجاملةً للشعبوية، وإهداراً للوقت يفضي إلى نتائج هدّامة: فكلّ نزاع حول الحصص يقلّص حجم الكعكة نفسها ويجعل الجميع أفقر مما كانوا. لذلك يدعون إلى ترك الجدل جانباً والانصراف إلى العمل والاستثمار لتكبير الكعكة بدل تقاسمها. وقد عبّر اقتصاديان معروفان عن هذا الموقف. يكتب مارتن فيلدستين في كلمته الافتتاحية في مؤتمر مجلس الاحتياطي الفيدرالي حول اللامساواة (1998a، 1998b، وبصيغة شبه مطابقة في 1999) أنه لا موجب للقلق ما دام دخل الجميع يرتفع: «أودّ أن أؤكد أنه لا يوجد ما يعيب تحسّن رفاه الأثرياء أو زيادة اللامساواة الناتجة [حصراً] عن ارتفاع الدخول العليا» (1999، 35–36). كما كتب روبرت لوكاس في التقرير السنوي لعام 2003 الصادر عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس: «من بين النزعات التي تضرّ بالاقتصاد السليم، تُعدّ أكثرها إغراءً، وفي رأيي أشدّها سُمّية، النزعة إلى التركيز على مسائل التوزيع» (لوكاس 2003).
في صيغته التي تميل إلى السفسطة، لا يُعدّ هذا القول نادراً. وعلى مدى أكثر من 20 عاماً من العمل على قضايا اللامساواة، سمعته يتكرّر مراراً. في مطلع تسعينيات القرن الماضي، استبعد أحد كبار الباحثين الاقتصاديين في البنك الدولي مقترحي لدراسة اللامساواة في الدول ما بعد الشيوعية، معتبراً أن هذه الدول عانت من مساواتية مفرطة وغير رشيدة، وأن اتّساع اللامساواة، بما يعكس عوائد أعلى للفئات الأكثر إنتاجية، يُعدّ تطوراً إيجابياً ينبغي قبوله. بعد أربع أو خمس سنوات، ومع تسجيل أكبر ارتفاع في الفقر في خلال فترات السلم، ومع اتساع اللامساواة بوتيرة متسارعة، لم يَعُد ذلك الطرح يبدو غير معقول. في مناسبات اجتماعية ومهنية في واشنطن وغيرها، عندما كان يُشار إلى أنني أبحث في اللامساواة، كان بعض المحاورين الأكثر لباقة يعيدون طرح الفكرة نفسها التي طرحها فيلدستين: «ما أهمية اللامساواة أساساً؟». بينما كان آخرون، بقدر أقل من المجاملة، يلمّحون إلى أن دفع المال لدراسة اللامساواة لا يعكس سوى تبذير الأجهزة البيروقراطية الدولية.
أترك لنفسي في ختام هذه المذكرة فسحةً للتأمّل في سرّ تلك الحساسية التي يثيرها الحديث عن اللامساواة لدى كثيرين، مهما تنوّعت بلدانهم وخلفياتهم. لكنني أبدأ أولاً بتثبيت بعض النقاط الجوهرية، من دون الاحتماء بحجج جاهزة في الدفاع عن المساواة. وعلى خطى مارتن فيلدستين1، أمتنع عن الاستناد إلى الأطروحات الوظيفية التي تدعو إلى خفض اللامساواة، سواء استندت إلى نموذج الناخب الوسيط، أو إلى مخاطر عدم الاستقرار الاجتماعي وما يجرّه من تراجع في الاستثمار، أو إلى تشويه العملية السياسية، أو إلى فشل السوق، أو إلى غير ذلك. وقد قدّم إريك ثوربيكه وتشوتاتونغ شاروميليند في مقالتهما «لماذا نهتمّ جميعاً باللامساواة» المنشورة في مجلة وورلد ديفيلوبمنت (أيلول/سبتمبر 2002)، كما قدّم كريستوفر جينكس في مقالته «هل تهمّ اللامساواة؟» المنشورة في مجلة ديدالوس (شتاء 2002)، عرضاً وتحليلاً لآثار اللامساواة على طيف واسع من القضايا الاقتصادية والاجتماعية. يكفي أن نتذكّر أن ثمة من يرى في المساواة والكفاءة علاقة تكامل لا تعارض، وأن هذه الرؤية لا تقلّ قوّة،وربما تفوق، الرؤية التي تختزلهما في علاقة مقايضة.
وثمّة نوعٌ ثانٍ من الحجج لن ألجأ إليه، يتعلّق بالمحاولات، الحاضرة ضمناً في الاقتباسات ونبرة الطرح المشار إليه أعلاه، الرامية إلى إقصاء مسألةٍ بالغة الأهمية مثل التوزيع من ساحة النقاش السياسي. من المستبعد حقاً نجاح مثل هذا المسعى، إذ شغلت قضايا التوزيع موقع الصدارة في الصراعات السياسية منذ أزمنة سحيقة. ومع ذلك، يمكن رصد قدرٍ من التضجّر لدى بعض الاقتصاديين الذين يودّون حذف هذه الموضوعات من السياسة. بعبارة أخرى، لن أحتجّ بأن هؤلاء الاقتصاديين يُظهرون بذلك سمات سلطوية غير محبّذة أو، إن شئنا التلطيف، نزعة وصائية.
حسد أم عدالة؟
لنتأمّل المثال الذي يورده مارتن فيلدستين (1999) عن مجموعة من الاقتصاديين الميسورين المجتمعين في مؤتمر أو المشتركين في مجلة اقتصادية. فإذا مُنح كل واحد منا، نحن الاقتصاديين، مبلغ 1,000 دولار، سترتفع اللامساواة في الولايات المتّحدة، وسيصبح كل واحد منا في حال أفضل، من دون أن يتضرّر أحد. فأين المشكلة في ذلك؟ هكذا يتساءل فيلدستين. وعلى ما يبدو، لا شيء. لكن فلنعدّل المثال قليلاً. لِنفترض أن جنّية فيلدستين تمنحني 20,000 دولار، فيما يحصل كل مشارك آخر على مبلغ يتراوح بين 25 و75 سنتاً. تبقى استنتاجات فيلدستين السابقة قائمة: يفترض أن رفاه الجميع سيرتفع. ومع ذلك، أجرؤ على القول إن الآثار ستختلف تماماً. فقد يرفض كثيرون قبول ربع الدولار، وقد يتركه بعضهم على الطاولة، وقد يرميه آخرون ازدراءً. وسيتساءل كثيرون، بنبرة غير ودّية، كيف حصلتُ أنا، لسبب لا يُفهَم، على 20,000 دولار، فيما يكتفي أعضاء آخرون، ربما كانوا أحقّ، بأقل من واحد على ألف من ذلك المبلغ. وسيحاول معظمهم تفسير هذا السخاء المفرط من جانب الجنّية.
ماذا يبيّن هذا المثال؟ يبيّن أولاً أن كثيرين، وربما معظم الذين كانوا سيحصلون على 25 سنتاً، لن يشعروا بتحسّن كما يفترض فيلدستين، بل سيتراجع إحساسهم بالرفاه. ويعود ذلك إلى أن إحساسهم بالعدالة واللياقة سيتعرّض للمساس. ويحدث هذا لأن الناس يقارنون أنفسهم دائماً بمن يرونهم نظراءهم. لذلك لا يمثّل الدخل الذي يتلقّونه وسيلة لاقتناء السلع والخدمات فحسب، بل يشكّل أيضاً اعترافاً ملموساً بقيمتهم في نظر المجتمع. وهو، بهذا المعنى، تعبير اجتماعي عن قيمتهم الذاتية. ومن ثمّ، يُنظر إلى الفارق الكبير في الدخل، ولا سيما إذا بدا بلا مبرّر أو غامضاً، بوصفه انتقاصاً من هذه القيمة2.
وتكمن النقطة الأساسية هنا في أن دخل الآخرين يدخل في دالة منفعتنا. وما إن نقرّ بذلك حتى تؤثّر اللامساواة في رفاهنا، وتسقط الحجج التي ترى أنها غير ذات صلة. ويجدر التنبيه إلى أن مفهوم جماعة النظراء يشكّل عنصراً حاسماً في جميع دراسات اللامساواة. لذلك تكتسب هذه الجماعة أهمية خاصة في كل دراسة تتناولها3. فلا معنى لدراسة التفاوت بين مجموعتين لا تتفاعلان أو تتجاهل كل منهما وجود الأخرى. فلنفرض أننا جمعنا جميع اليابانيين وجميع المايا في القرن الخامس عشر ودرسنا اللامساواة المجمّعة بينهم؛ قد يتداخل الفريقان إلى حد كبير، وقد تتقارب متوسطات دخولهم، لكن هذا التمرين يظل عديم المعنى لأن المجموعتين لم تتفاعلا قط. ولا تكتسب الدراسات التقليدية للامساواة داخل البلد معناها إلا مع نشوء الدولة–الأمة وبدء الناس بالنظر إلى مواطنيهم بوصفهم نظراء لهم. ولهذا تكتسب دراسات اللامساواة العالمية معنى اليوم، بخلاف الفترات الأسبق. وبعبارة أخرى، لو لم توجد جماعات نظراء، أي لو لم يوجد مجتمع، لما اكتسبت اللامساواة أي معنى، ولما أثّر في رفاهنا سوى دخلنا الخاص4. ففي عالم لا يوجد فيه إلا أنا، لا تعني لي اللامساواة شيئاً. أمّا في أي عالم آخر، فلا بد أن تعنيني.
لو لم توجد جماعات نظراء، أي لو لم يوجد مجتمع، لما اكتسبت اللامساواة أي معنى، ولما أثّر في رفاهنا سوى دخلنا الخاص
لكن دعوني أبحث عن أمثلة أخرى، لعلّها أكثر إقناعاً. لنفترض أنه في المؤتمر الاقتصادي نفسه قرّر المنظّم أن يدفع لكل مشارك أجراً يعكس موقعه في المهنة، وبالتالي الجودة المتوقعة لبحثه. ولنفرض أن هذه المكافآت جاءت متفاوتة بشدّة، مع أنها جميعاً موجبة. ثم لنتخيّل أنني، بين جميع المشاركين، حصلت على أدنى مكافأة، وبفارق كبير. ألن يؤثّر ذلك في إحساسي بالعدالة؟ سأبدأ سريعاً بمقارنة ما تقاضاه الآخرون بسجلّهم المنشور أو بما سمعته عنهم، وسأستفسر من أصدقائي، وربما أصل إلى شعور عميق بالإهانة. ومرة أخرى، سيتأثّر إحساسي بالعدالة وبالقيمة الذاتية. ففي المثال الأول، قد يرفض كثيرون ربع الدولار ازدراءً؛ أمّا هنا فسأقبل مكافأتي، لكنني سأبقى منزعجاً، وربما مستاءً. وحتى لو ارتفع مستوى رفاهي بعد استلام المكافأة، لأن دخلي صار أعلى، فسيظل هذا الارتفاع أقل بكثير مما كان سيصبح عليه لو حصل الجميع على المكافأة المتواضعة نفسها التي حصلتُ عليها، أو لو جاءت المكافآت أقرب إلى ما أعدّه عادلاً. وما إن نقرّ بأن معرفتي بما حصل عليه الآخرون تُنقص من رفاهي حتى نخلص إلى أن دخل الآخرين يدخل في دالة منفعتنا، وبالتالي إلى أن اللامساواة تهمّ. ولو لم يكن الأمر كذلك، فكيف نفسّر ما يحدث في لعبة الإنذار، حيث يُطلب من المشاركين اقتسام مبلغ من المال، فتُرفض العروض التي تُدرَك على أنها غير عادلة رفضاً قاطعاً، وينتهي الطرفان إلى وضع أسوأ؟ (Fong وآخرون 2003)5. ولماذا يرفض الناس عروضاً يعدّونها غير عادلة، مع أنهم يخفضون بذلك لا دخل الطرف الآخر وحده، بل دخلهم هم أيضاً؟ التفسير بسيط: المنفعة الناتجة من ارتفاع الدخل ترجح عليها الخسارة في المنفعة الناجمة عن الإحساس بالظلم، حين يتبيّن للفرد أن الشخص الآخر سينال دخلاً أكبر بكثير، وغير مستحقّ في نظره. ومن الجليّ أننا لا نسلك هذا السلوك لو لم تكن دخول الآخرين داخلة في اعتبارنا.
وتُظهر الأمثلة الثلاثة أن رفاه الأفراد يتأثّر بدخل الآخرين، غير أن آلية هذا التأثّر تختلف من مثال إلى آخر. ففي المثال الأول، المرتبط بـ«الجنّية الطيّبة»، برز عنصر اعتباط المصير. وفي المثال الثاني، المتعلّق بـ«المكافأة»، حضر معيار العدالة. أمّا في المثال الثالث، فتجلّى الأمر في رد فعل انفعالي تجاه سلوك الشريك، من دون إحالة إلى العدالة أو المصير، بل من خلال غضب أو نفور بشري مباشر.
حجج إضافية
يميل بعض الاقتصاديين إلى اختزال أي حديث عن تأثير دخول الآخرين في رفاهنا في كلمة واحدة: الحسد. وذهب مارتن فيلدستين إلى تسميته «مساواتية حاقدة». وتستدعي هذه المسألة ملاحظتين. أولاً، لا تدخل الأخلاق في اختصاص الاقتصاديين. فاستخدام مصطلحات مثقلة بأحكام قيمية مثل «الحسد» يرمي إلى إسكات النقاش، عبر الإيحاء بأن من يلتفت إلى دخول الآخرين ليس إلا وحشاً أخضر العينين تحرّكه غيرة حاقدة. فلنُسلّم بهذه النقطة: الحسد ليس أمراً محموداً. لكن إذا شعر معظم الناس، أو عدد كبير منهم، بالحسد تجاه أموال الآخرين، فهذا هو الواقع الذي ينبغي أن ينشغل به الاقتصاديون. ولنذكر هنا أن الحسد يعني، ببساطة، أن دخل الآخرين يدخل في دالة منفعتنا. وسواء أقرّ الاقتصاديون بذلك في السر أم لم يقرّوا، ينبغي أن يدخل الحسد في تحليلهم. وقد يعترض فلاسفة الأخلاق ورجال الدين على مثل هذه الممارسات، لكننا نترك لهم مهمة إصلاح البشر. وحين ينجح رجال الدين في ذلك، يعود على الاقتصاديين أن يراجعوا افتراضاتهم وأن يزيلوا دخول الآخرين من دوال رفاه الأفراد. لكن لا قبل أن نتبلّغ أن الحسد قد استُؤصل.
ثانياً، لا يبدو ما يسمّيه بعضهم حسداً، في ضوء الأمثلة السابقة، حسداً مذموماً بقدر ما يبدو إحساساً بالعدالة. فنحن نتأثّر بدخل الآخرين لا لأننا نحسدهم فحسب، بل لأننا نعتقد أن ظلماً وقع، أو أن أحداً تعرّض لاستغلال أو لمعاملة غير عادلة. وبعبارة أخرى، ما قد يفهمه بعضهم بوصفه حسداً قد يصدر، في الواقع، عن إحساس بالعدالة؛ فحسد شخص هو عدالة شخص آخر. ولنتأمّل مثال إصلاح الأراضي في زيمبابوي، من دون الخوض في الجدل حول أثره في الإنتاجية، سلباً أو إيجاباً: سيقول المعارضون إن الدافع حسد خالص، فيما يراه المؤيدون وسيلة لجبر المظالم القديمة. لكن مهما اختلفت التسميات أو العناوين التي ندرج تحتها هذه الدوافع والمشاعر، سواء عُدّت «مرغوبة» أو «غير مرغوبة»، يمكن، في تقديري، إظهار حضورها على نطاق واسع، وهذا كل ما يهم من يتعامل مع الطبيعة البشرية كما هي.
المنفعة الناتجة من ارتفاع الدخل ترجح عليها الخسارة في المنفعة الناجمة عن الإحساس بالظلم، حين يتبيّن للفرد أن الشخص الآخر سينال دخلاً أكبر بكثير، وغير مستحقّ في نظره. ومن الجليّ أننا لا نسلك هذا السلوك لو لم تكن دخول الآخرين داخلة في اعتبارنا
وأختم هذا القسم باقتباسين يوضّحان اختلاف وجهات نظر الاقتصاديين في اللامساواة. الأول أحدث عهداً لآن كروغر (2002)، النائب السابق للمدير العام في صندوق النقد الدولي: «يسعى الفقراء، يائسين، إلى تحسين أوضاعهم المادية على نحو مطلق، لا إلى الصعود في سلّم توزيع الدخل. لذلك يبدو التركيز على الإفقار أفضل بكثير من التركيز على اللامساواة»؛ وهو موقف يردّده مارتن فيلدستين وروبرت لوكاس. أمّا الاقتباس الثاني فأقدم، وهو لسيمون كوزنتس (1965، 174)، ويعود إلى عام 1954:
«يمكن للمرء أن يجادل بأن خفض البؤس المادي المرتبط بانخفاض الدخل قد يفضي إلى زيادة، لا إلى تراجع، في التوترات السياسية، لأن البؤس السياسي للفقراء، والتوتر الناجم عن ملاحظة النمو الأكبر بكثير في دخول مجتمعات أخرى، قد يكونان ازدادا فحسب».
لماذا لا يحبّ الناس دراسات اللامساواة؟
عندما بدأتُ العمل على اللامساواة، عشتُ في بلد شيوعي. وتناولت أطروحتي هذا الموضوع، الذي أطلقوا عليه آنذاك، على نحو تلطيفي، صفة «موضوع حسّاس». لم يَرُق ذلك للحكّام وأتباعهم، لأنه كشف زيف أسطورتهم عن المساواة الشاملة تحت الاشتراكية. أرادوا اشتراكية كاملة ومتساوية، لكن البحث أظهرها ناقصة وغير متساوية. وحين استقرّ بي المقام في مجتمع رأسمالي، وجدت أن الأثرياء ومناصريهم ينظرون إلى المسألة بالريبة نفسها. رأوا في كل تفاوت عدالة قائمة بذاتها، وفي كل دخل حقاً مكتمل الشرعية، كأنه قضاء محتوم بعدما ارتقى السوق إلى مقام القدر. لذلك بدت لهم الدراسات التجريبية عبثاً لا جدوى منه، لأنها لا تفعل، في نظرهم، سوى إثارة القلق وبثّ الفرقة، وقد تدفع إلى مساءلة النظام الاجتماعي القائم. هكذا التقت النخب في النظامين على حكم واحد: لا حاجة إلى دراسات اللامساواة. في الأولى لأنها تفضح وجودها، وفي الثانية لأنها تلمّح إلى أن مستواها قد لا يكون مقبولاً. وتكشف هذه الحساسية المفرطة اعتقاداً دفيناً غذّته قرون من التربية الدينية وروح عصر التنوير، ومفاده أن البشر متساوون في أصلهم، وأن كل انحراف عن المساواة يطلب تعليلاً6. وحتى ضمن أفق النفعية، ومع دوال رفاه متطابقة ومقعّرة، يذكّر أمارتيا سن (2000، 67) بسببين يدعوان إلى مساءلة اللامساواة: فهي تضعف الكفاءة في إنتاج المنفعة، لأن نقل جزء من الموارد إلى الفقراء يرفع الرفاه العام، وهي أيضاً ظلم. لذلك لا يصدر قلق النخب من فراغ، فكلما ذُكرت اللامساواة نهض السؤال القديم من جديد: هل نقبلها حقاً؟
لماذا يبدو الاهتمام بالفقر من دون اللامساواة غير معقول؟
لو لم تكن اللامساواة أمراً يعنينا، لصعب أيضاً تفسير القلق إزاء الفقر. فإذا كانت كل الدخول عادلة، أو إذا كانت دخول الآخرين لا تدخل في دالة رفاهي، فلماذا ينبغي أن يعنيني وجود عدد كبير من الفقراء؟ وحتى إذا انطبق الشرط الثاني وحده، فلماذا يظلّ الفقر مهماً بالنسبة إليّ؟ قد يقول قائل إنه يرفض الخوض في دراسة اللامساواة، لكنه يظل معنياً برفاه الأشد فقراً، لأن الحد الأدنى من العيش حق للجميع. غير أن هذا القول يخفي مفارقة واضحة: فهو يفتح دالة منفعته للفقراء وحدهم، ويغلقها في وجه الآخرين، باستثناء نفسه وأسرته. وهو لا ينفي حضور دخول الآخرين في حسابه، بل يختار تضييق عدسة الإنسان الاقتصادي حتى لا ترى سوى جماعة بعينها. ويتبدّى التناقض سريعاً في موقف يقلق على الفقر ويتجاهل اللامساواة، إذ يحصر عالم الرفاه في دخل الفرد ودخول ذوي الدخل المنخفض، كأن بقية الدخول لا وزن لها.
لو لم تكن اللامساواة أمراً يعنينا، لصعب أيضاً تفسير القلق إزاء الفقر. فإذا كانت كل الدخول عادلة، أو إذا كانت دخول الآخرين لا تدخل في دالة رفاهي، فلماذا ينبغي أن يعنيني وجود عدد كبير من الفقراء؟
حين يقول المرء إنه يهتم بالفقر، فهو يرسم خطاً عند مستوى دخل ما، على نحو اعتباطي، ويجعل كل ما يقع دونه مؤثراً في رفاهه، ويترك ما فوقه بلا أثر، إلا إذا أصاب دخله هو. وقد لا يكون هذا التصور مستحيلاً، لكنه يبدو ضعيف الاحتمال. فما إن نرفع أبصارنا نحو من يسبقوننا ثراءً، ونعترف بأن دخولهم تمسّ إحساسنا بالرفاه، حتى نتجاوز همّ الفقر الضيّق وندخل فضاء اللامساواة الأوسع.
ويسعى المدافعون عن هذا التركيز الضيّق على الفقر إلى إضفاء شرعية أخلاقية عليه، فيُصنَّف الاهتمام بالدخول الواقعة دون خط الفقر سلوكاً «حميداً» لأنه يعكس تعاطفاً مع أوضاع الفقراء، فيما يُدان الاهتمام بالدخول الأعلى من الدخل الشخصي بوصفه نزعة غير أخلاقية. لكن الواقع يشير إلى أن الأفراد ينصرفون، في الغالب، إلى مقارنة أنفسهم بمن يفوقونهم دخلاً أكثر مما ينشغلون بمن هم أدنى منهم.
وبعبارة أخرى، تدخل «الحسد» في دالة رفاهنا بدرجة أكبر من «الاهتمام». وأودّ أن أذهب أبعد من ذلك فأقول إن المعالجة المختلفة جداً لكل من الفقر واللامساواة، التي يفضّلها بعض الاقتصاديين، ورسم خط فاصل حاد بينهما، يشكّلان وسيلة لتحويل احتمال إثارة مسألة الاستحسان الاجتماعي لتوزيع معيّن للدخل إلى قناة تبدو أكثر لطفاً، أي الاهتمام المعلن بالأشد فقراً.
يدفع الأغنياء ثمناً اسمه الاهتمام بالفقر كي تبقى دخولهم فوق المساءلة. ويعمل هذا الاهتمام كمخدّر يسكّن وخز الضمير
ويدفع الأغنياء ثمناً اسمه الاهتمام بالفقر كي تبقى دخولهم فوق المساءلة. ويعمل هذا الاهتمام كمخدّر يسكّن وخز الضمير. وهكذا تغدو مساعدة الفقراء، عند كثيرين منهم، ضرباً من «غسل الأموال الاجتماعي»، يلجأ إليه من اغتنوا عبر مسارات غامضة، أو ورثوا ثرواتهم، أو جمعوا ما يزيد على ما تحتمله الحساسية الاجتماعية7.
وقد تفرض عملية تكوين الثروة، في بعض السياقات، أساليب تفتقر إلى النزاهة، ويُقدَّم ذلك بوصفه الكلفة الملازمة لمسار التقدّم والحضارة. غير أن تصور «عالم بلا فقر» قد يؤدي وظيفة تبريرية، إذ يضفي مشروعية ضمنية على أنماط متعددة من الظلم. وحتى إذا بدا هذا المسار غير قابل للتفادي، فإن ذلك لا يعفينا من تسميته باسمه.
نُشر هذا المقال على مدوّنة الكاتب في 7 شباط/فبراير 2026، وتُرجم إلى العربية ونُشر في موقع «صفر» بموافقة مسبقة منه.
المراجع
Feldstein, Martin. 1998a. “Income Inequality and Poverty.” NBER Working Paper no. W6770, October.
———. 1998b. “Overview.” Introduction to the Federal Reserve Conference on Income Inequality: Issues and Policy Options, Symposium Proceedings.
———. 1999. “Reducing Poverty Not Inequality.” Public Interest, Fall.
Fong, Christina, Samuel Bowles, and Herbert Gintis. 2003. “Reciprocity, Self-Interest and the Welfare State.” Handbook on Economics of Giving, Reciprocity and Altruism, ed. Mercier-Ythier, Kolm, and Andre. Elsevier.
Frank, Robert H. 2004. “How Not to Buy Happiness.” Daedalus, Spring, pp. 69–79.
Jencks, Christopher. 2002. “Does Inequality Matter?” Daedalus, Winter, pp. 49–65.
Lucas, Robert. 2003. “The Industrial Revolution: Past and Future.” In Federal Reserve Bank of Minneapolis Annual Report, 2003. Available at http://minneapolisfed.org/pubs/region/04–05/essay.cfm.
Krueger, Anne O. 2002. “Supporting Globalization.” Remarks at the 2002 Eisenhower National Security Conference on “National Security for the 21st Century: Anticipating Challenges, Seizing Opportunities, Building Capabilities,” September 26. Available at www.imf.org/external/np/speeches/2002/092602a.htm.
Kuznets, Simon. 1965. Economic Growth and Structure: Selected Essays. New Delhi: Oxford & IBH.
Sen, Amartya. 1979. “Equality of What?” Delivered as the Tanner Lecture on Human Values, Stanford University, May 22. Available at https://ophi.org.uk/sites/default/files/Sen-1979_Equality-of-What.pdf.
يتضمّن هذا القسم نصّ مقالتي المنشورة في مجلة تشالنج، العدد 50 (5)، في عام 2007. وأعاد نقاش حديث حول اللامساواة بين ديفيد لاي ويليامز ودون بودرو الاهتمام بهذه المقالة، ولا سيما بعد اختفاء المجلة التي نشرتها أول مرة. كتبتُها في عام 2003 في خلال عملي في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في واشنطن، استجابةً لملاحظات طرحها مارتن فيلدستين في مؤتمر عن الفقر ثم كرّرها لاحقاً. وأحجمت عدة مجلات اقتصادية عن نشرها في أقسام الملاحظات، وكان رفض مجلة عدم المساواة الاقتصادية لها مدعاة خيبة خاصة، على الرغم من ملاءمة موضوعها. وظهرت المقالة أولاً بترجمة إيطالية في لا كويستيوني أغراريا، العدد 4، في عام 2004، ثم نشرها جيف مادريك في مجلة تشالنج في عام 2007. ورافقت المقالة لوحة دييغو ريفيرا «الأصول المجمّدة» (1931).
- 1
«عندما أرفض نقد اللامساواة في حدّ ذاتها، وعندما أؤكّد أن الدخول الأعلى لذوي اليسر أمر جيّد، فأنا لا أشير إلى الحجج الوظيفية التي قدّمها بعضهم دفاعاً عن اللامساواة» (فيلدستين 1999، 35).
- 2
من اللافت، من الناحية اللغوية، أن المرء قد يتوقّع أن يكون السؤال الصحيح في الإنكليزية بشأن ثروة شخص ما: «كم تبلغ قيمة أصول السيد X؟». لكن هذا السؤال يُختصر إلى: «كم تساوي قيمة السيد X؟». وهكذا يختلط تقدير القيمة الجوهرية للفرد بثروته الخارجية.
- 3
يطرح سن (2000، 64) الفكرة نفسها مستخدماً مفهوم «الجماعة المرجعية»: «ينصبّ التركيز في قياس الرفاه على منافع الأفراد داخل تلك الجماعة فقط، من دون أخذ منافع الآخرين خارجها في الاعتبار مباشرة». ويصل فرانك (2004، 72) إلى استنتاج مماثل استناداً إلى دراسات تجريبية عن السعادة. فقد وجدت دراسات حديثة، على نحو متّسق، أن السعادة ترتفع مع الدخل في أي لحظة زمنية معيّنة: «المال يشتري السعادة». لكن على امتداد الزمن، وعلى الرغم من ارتفاع دخول الجميع، من الفقراء إلى الطبقة الوسطى إلى الأغنياء، لا تتغيّر السعادة. ويُستنتج من ذلك أن الدخل النسبي، لا الدخل المطلق، هو ما يهمّ في السعادة. وإذا صحّ هذا، فإن موقعنا في توزيع الدخل يؤثّر في منفعتنا أكثر بكثير من المستوى المطلق للدخل.
- 4
يقدّم المثال الآتي توضيحاً جيّداً لأهمية جماعات الأقران: يمتلك البنك الدولي مكاتب محلية عديدة في مناطق مختلفة من العالم. ويتقاضى الموظفون الذين يُستقدمون للعمل فيها أجوراً تفوق بكثير أجور أقرانهم المحليين، لذلك يشعرون بالرضا عن العمل لدى البنك الدولي. لكن بعد بضع سنوات، يكتشفون أنهم لا يتقاضون إلا جزءاً يسيراً مما يتقاضاه اقتصادي مماثل لو عُيّن في المقرّ الرئيسي في واشنطن. عندئذٍ يشعر الموظفون المحليون بعدم الرضا والإحباط، بعد أن تغيّرت جماعة الأقران لديهم.
- 5
في لعبة الإنذار، يفترض بشخصين أن يقتسما مبلغاً معيّناً من المال. يقدّم الشخص A عرضاً، ويقبل الشخص B به أو يرفضه. وإذا رفضه، فلا يحصل أيّ من المشاركين على شيء. وتُظهر أدلّة تجريبية واسعة أن العروض التي تقلّ عن 30% من الحصّة تُرفض. وأُجريت التجارب في عدد من البلدان والبيئات، ووصلت الرهانات فيها إلى ما يعادل أجر ثلاثة أشهر (مقتبس في فونغ وآخرون 2003، 8).
- 6
تمثّل عبارة «متشابهون في الأساس» تبسيطاً مفرطاً؛ فما إن نسأل: بأي معنى؟ حتى نفتح الباب أمام تفاوت الدخول. وكما يجادل سن (1979)، يمكن تبرير اللامساواة في الدخل وفق مبادئ نفعية، أي تعظيم الرفاه الكلي، أو بالاستناد إلى اختلاف الشروط الابتدائية. فعلى سبيل المثال، إذا كان هدفنا مساواة المنفعة الإجمالية لكل شخص، فإن الشخص ذي الإعاقة ينبغي أن يحصل على دخل أعلى من الشخص السليم. وعلى نحو أوسع، يفضي التنوّع البشري، إذا أردنا منح كل فرد القدرة نفسها على إنجاز أفعال معيّنة، إلى تمييز في الدخول. غير أن «التشابه» في جميع هذه الحالات يشير إلى أمرين: (1) قبولنا بأن القواعد نفسها تنطبق على الجميع، و(2) أن هدف كل قاعدة يتمثّل في تسوية أوضاع الناس، أياً كان تعريف تلك الأوضاع. وقد تستلزم تسوية الأوضاع اختلافاً في الدخول، بل يُرجَّح ذلك. فكيف يختلف هذا عن مبدأ باريتو؟ لا يسعى هذا الأخير إلى تسوية أي شيء، إذ تُعطى الدخول أو الأوقاف الابتدائية كما هي. وبعبارة أخرى، تنطبق القواعد بالتساوي على الجميع، لكن العنصر الثاني يغيب.
- 7
من الصحيح تاريخياً أن بعض الذين راكموا ثرواتهم في ظروف، أقلّ ما يُقال فيها إنها مشكوك فيها، استخدموا جزءاً منها لأغراض خيرية. ووعلى الرغم من أن توجيه قسم من تلك الثروات الضخمة إلى هذا الغرض يبقى أفضل من عدم توجيهه، وحتى إذا تجاهلنا عنصر المصلحة الذاتية المتمثّل في تجنّب الضرائب، فإنه يثير شعوراً غير مريح بقبول تفوّق أخلاقي مزعوم لأشخاص «محسنين» لم يشكّلوا في حياتهم العملية قدوة أخلاقية. لذلك لم أستطع أن أشعر تجاه «الوجد الرأسمالي» الذي يواجه المتنزّهين على طول الجادة الخامسة في نيويورك عند وصولهم إلى مركز روكفلر إلا بالازدراء. أستطيع أن أفهم أن يبني المرء نصباً لنفسه في فناء منزله بماله الخاص، لكن ليس في قلب مدينة عالمية.