عينٌ على الصندوق
بين ضفاف نهر الميكونج

بضعة أشهر تفصلني عن سنّ الأربعين، فأسأل نفسي: إذا كان الشباب ربيع العمر، والشيخوخة خريفه، فهل ما بينهما صيف العمر؟ لمَ لا؟ فالصيف فصل جميل أيضاً، وإن كان حارّاً ورطباً. على أيّ حال، أقرّر افتتاح صيف عمري برحلة إلى لاوس، وحدي، لا يرافقني أحد سوى نفسي.

لم تكن لاوس خياري الأوّل، فقد أردت الذهاب إلى فيتنام لأرى ما تبقّى من هزيمة الإمبراطورية في أوج قوّتها، وربما أشتري بعض التذكارات الشيوعية لأعلّقها في شقّتي الصغيرة. لكنني لم أحصل على التأشيرة. كنت أتصوّر أن الأمر سيكون سهلاً بفضل تضامن شعوب الجنوب العالمي في مواجهة توحّش الإمبراطورية.

لا بأس. تحكم لاوس أيضاً سلطة شيوعية، ولم تسلم هي الأخرى من توحّش الطغاة. ففيما كانت أنظار العالم تتّجه إلى بطولات الفيتكونغ في فيتنام، كانت الطائرات الأميركية تدكّ لاوس بالقنابل لقطع طريق الإمداد إلى الفيتكونغ في جنوب فيتنام، المعروف بطريق «هو شي منه»، والذي يمرّ بجنوب لاوس. أمّا شمال البلاد وشرقها، فكانا معقلين للشيوعيين، حيث تعاونت قوات الباتيت لاو الثورية مع جيش فيتنام الشمالية.

بين عامي 1964 و1973 ألقت الولايات المتحدة أكثر من مليوني طنّ من القنابل على لاوس، بمعدّل يعادل حمولة طائرة كاملة كلّ 8 دقائق، على مدار الساعة، طوال 9 سنوات، ما جعلها البلد الأكثر تعرّضاً للقصف في التاريخ قياساً إلى عدد سكّانها.

سُمّيت «الحرب السرّية»، وأحياناً «الحرب الصامتة». فأتحيّر: كيف يمكن إلقاء هذا الكمّ من القنابل سرّاً أو بصمت؟ هل كانت القنابل صامتة، ربما بفعل كاتم صوت لم يُخترع بعد؟ أم أن الضحايا قُتلوا بصمت، ولم يقووا على الصراخ؟

وما زالت هذه القنابل تقتل حتى اليوم. فنحو 30% من الذخائر الأميركية التي أُلقيت على لاوس لم تنفجر، وبقيت مدفونة في الأرض وحقول الأرز، تودي بحياة السكّان وهم يزرعون أراضيهم، وتتسبّب ببتر أطراف الأطفال وهم يلعبون في الحقول.

هنا في لاوس، الجميع يبتسم. فهل قرّروا الموت سرّاً وبصمت لأنهم اعتبروا هزيمة الإمبراطورية في فيتنام أهمّ وأولى في صيرورة تحرّر شعوب الجنوب من الاستعمار؟ ألهذا غنّى الشيخ إمام احتفالاً بسقوط سايغون، ولم ينشد فرحاً لسقوط فينتيان، عاصمة لاوس؟ ربما لم يسمع بانتصار ثورة الباتيت لاو على النظام الملكي وجبروت الإمبراطورية الأميركية. يبدو أن الثورة كانت سريّة هناك أيضاً.

بين عامي 1964 و1973 ألقت الولايات المتحدة أكثر من مليوني طنّ من القنابل على لاوس، بمعدّل حمولة طائرة كاملة كلّ 8 دقائق، على مدار الساعة، ولمدّة 9 سنوات متواصلة، ما جعلها البلد الأكثر تعرّضاً للقصف في التاريخ

أدخل لاوس برّاً من شمال تايلاند، عبر جسر الصداقة، متوجّهاً إلى ميناء بلدة هواي ساي اللاوسية، لأبحر في نهر الميكونج العظيم على مدى يومين. ففي أوّل صيف عمري، أريد أن أمضي أيامي ببطء، وأن أخفّف من خطاي، بعيداً من زحمة المدينة. لم يتبقَّ لي سوى شهرين من ربيع عمري، عساي أؤخّر مرورهما قدر المستطاع.

ما إن دخلت لاوس حتى ذهلت من الخضرة التي تحاصر كلّ شيء. كان أوّل مشهد رأته عيناي غيوماً تعانق الأشجار الشاهقة والكثيفة، حتى عجزت عن تمييز أين تنتهي الأرض وأين تبدأ السماء.

يشرد ذهني وأنا أنظر من نافذة الحافلة التي تقلّني مع سياح آخرين من الحدود إلى ميناء النهر. نمرّ ببلدة صغيرة، قليلة العمران، كثيرة الحيوانات، من دواجن وأبقار وغيرها. أفكّر أن الطبيعة ما زالت طاغية هنا. ليست أطلالاً تشهد على ما كان يوماً، بل حقيقة حيّة. أفرح قليلاً بهذا المشهد، ثم أستدرك: «التنمية لم تصل بعد إلى هنا».

يخطر لي أن تأمّلاتي وفرحي كسائح قد يكونان الوجه الآخر لمعاناة سكّان البلدة. فلو استطاعوا، لفضّلوا على الأرجح الأبنية على الأشجار، ومراكز التسوّق على المتاجر الصغيرة، ومطاعم الوجبات السريعة على الأبقار والدواجن التي تتجوّل على الطريق. ربما أكون مخطئاً، لكن الفقر الذي يعيشه هؤلاء لا لبس فيه.

بعد تردّد شديد واستشارة بعض الأصدقاء، أقرّر ركوب القارب الخاص، الذي يقلّ عدداً محدوداً من الركّاب، ويوفّر القهوة والماء والموز وفاكهة التنين والبابايا ووجبة غداء، فضلاً عن شرفات تتيح الاستمتاع بأشعّة الشمس والهواء وبعض الهدوء، بعيداً من بقية السياح.

كان الخيار الآخر القارب العام، المزدحم، الذي لا يوفّر الطعام ولا مرحاضاً يعمل كما ينبغي. والرحلة تستغرق يومين، أقضي 8 ساعات من كلّ منهما على القارب. كنت أريد تجربة القارب العام، كما لو أنني ما زلت في العشرين من عمري، لكنني تذكّرت أن سنوات عمري ضعف ذلك. فلا بأس أن أشتري راحتي في صيف عمري، فقد استحققتها.

على متن القارب 25 سائحاً غيري، جميعهم أوروبيون وأميركيون وأستراليون، أصواتهم عالية وبغيضة. وهناك أيضاً امرأة فلبينية متزوّجة من دبلوماسي هولندي، وربما تكون دبلوماسية هي الأخرى.

أبدأ بالتساؤل عمّا إذا كنت واحداً منهم. فأنا أيضاً سائح يستفيد من تدنّي القدرة الشرائية في هذا البلد الفقير، والأهمّ أنني أعيش في الولايات المتحدة. لا يهمّ. فاللاوسيون الذين يقودون الرحلة لن يفرّقوا بيني وبين الآخرين. بشرتي بيضاء أيضاً.

هذا أفضل، أقول لنفسي، فقد سئمت من سياسات الهوية. وفي هذه الحالة تحديداً، لا فرق بيني وبين السياح الآخرين، فلا داعي للتمارين الأيديولوجية والهوياتية لإقناع نفسي بأنني أفضل منهم، وأنني أفهم رفاقي اللاوسيين لأنني آتٍ من بلد في الجنوب العالمي قد يُحرَم مواطنوه من تأشيرات السفر.

موقعي في هذه اللحظة هو مع هؤلاء السياح المقيتين الذين يرفضون الصمت، فلا أستطيع سماع صوت هذه الطبيعة الساحرة التي لم يسبق لي أن رأيت مثلها. ألجأ إلى إحدى شرفات القارب بحثاً عن الهدوء والتأمّل، وأشكر أصدقائي لأنهم أقنعوني بدفع 5 أضعاف المبلغ الذي كنت سأدفعه لركوب القارب العام.

فجأة، تتلاشى ضوضاء هذه الأفكار كلّها أمام عظمة نهر الميكونج. فمهما رأيت من صور لهذا النهر، وتخيّلت ضفافه الخضراء والصخور المنتشرة على أطرافه، التي تطفو أحياناً فجأة في وسط مجرى مياهه، فإن رؤيته بالعين المجرّدة والإبحار فيه يجعلانك تنسى كلّ الهواجس التي تختلجك.

تنسى التشبيهات أيضاً، فلا مكان لخاطرة أو استعارة أمام حقيقة هذا النهر المجيد. وحين يحتلّ الميكونج حواسّك كلّها، لا يقبل شريكاً، فيملأ كلّ شيء.

أمام خريره، يختفي صوت محرّك القارب. هو لا يصمت، لكن النهر يخدعك فتظنّ أن للمحرّك خامة صوتية أو بحّة فريدة، كمطرب ما. ولونه البنّي، بفعل الوحل في قعره، يشدّك كأنه يقول: عُد إلى الأصل، عُد إلى الطين إن كان هو الجذر.

لكن وسط ذلك، تظهر القمامة طافية فجأة على السطح، لتذكّرك بالفقر والتنمية اللذين أصابا المكان. لا يهمّ، أستطيع أن أغضّ النظر. فجبروت هذا النهر يدفعك إلى تجاهل الشوائب التي تخدش التأمّلات الروحية، فتقول لنفسك إنه عصيّ عليها، ولا شيء يمكن أن يعكّره.

على ضفافه خضرة لا متناهية، يانعة وخصبة. بفضله تُزرع حقول الأرز، وتتعشّش قرى صغيرة بين الغابات على ضفّتيه، وحوله نُسجت الحكايات الشعبية والأساطير الدينية. وتروي إحدى الأساطير أن نهر الميكونج نشأ إثر حرب ضروس بين ثعبانين ملكين تنازعا على موارد الجبل، فتدخّل أحد الآلهة وأمرهما بشقّ نهر بين الجبال، فشقّ أحدهما نهر الميكونج.

وفّر الميكونج أيضاً مأوى للثوّار في فييتنام ولاوس، فاحتموا بالغابات والأدغال التي يسقيها. وربما كانت كثافتها ما دفع جيش الإمبراطورية إلى إلقاء أكثر من مليوني طنّ من القنابل، إذ لا مجال لمواجهة الثوّار وجهاً لوجه في هذه الأدغال.

الميكونج إذاً عنصر ثوري حتماً، ولا سبيل لنجاح الثورة سوى مبايعته قائداً لها.

إنه الهذيان الذي يسبّبه الميكونج، بلا شكّ. فأنا لا أعرف استراتيجيات الثوّار ولا أهمية النهر في ثورة لاوس، لكن هذا ما خُيّل إليّ.

أقول لنفسي إن الثوّار احتموا حتماً، في يوم من الأيام، بين القرى التي تتراءى لي وأنا أبحر في النهر. وأكثر من ذلك، لا بدّ أن أجداد هؤلاء السكّان شاركوا في حرب العصابات آنذاك.

أسأل المرشد السياحي اللاوسي عن عمر هذه القرى، فيجيب بأنها ربما تأسّست قبل 20 عاماً أو أكثر بقليل، بعدما شجّعت الحكومة سكّان أعالي الجبال على الانتقال إلى ضفاف النهر، حيث يسهل إيصال البنى التحتية إليهم، في بلد شاسع لا يتجاوز عدد سكّانه 8 ملايين نسمة.

أقول لنفسي إن الفارق بين الخيال والحقيقة في تصوّراتي التاريخية لا يهمّ. أتجاهل ما قاله الرفيق اللاوسي، فالسردية الثورية أهمّ.

أفكّر أن من أهمّ مهارات المرشد السياحي معرفة كيف يُضحك السياح، خصوصاً في مثل هذه المواقف، كي يستمتعوا بتأمّل الفقر ويروه جميلاً، كأنه جزء من الطبيعة الخلّابة للمكان، ينمو مع النباتات.

على طول النهر، ترى جواميس ترعى حيناً، وصيادين أحياناً، وصنّارات ممدودة بلا أصحاب، تتربّص بالأسماك. وترى قوارب صغيرة تنقل القرويين أو البضائع، وحتى السيارات وآليات البناء والزراعة. وإن كنت محظوظاً، فقد ترى فيلاً يستحمّ.

لكن ما ستراه دائماً هو القوارب التي تقلّ السياح، بعضها فاخر وبعضها متواضع.

وبينما أنا غارق في خيالي النهري، يبعثر المرشد السياحي غيوم أفكاري ليبشّرنا بأننا سنتوقّف لزيارة قرية لاوسية.

يقترب القارب من الضفّة الرملية. هناك أطفال يلعبون بالرمل وفي الماء، بعضهم عراة، وجميعهم فقراء. يفرحون برؤيتنا، مع أنها ليست المرّة الأولى التي يرون فيها سياحاً ناصعي البياض.

ترتفع الكاميرات لالتقاط صور الأطفال الظرفاء. أسمع في مخيّلتي قرقعة آلات التصوير، ثم أتذكّر أن الجميع يلتقط الصور بهواتفهم، من دون صوت.

يقفز الربّان إلى الشاطئ، ويغرس وتداً في الرمل ويثبّته ليربط به القارب، فنرسو.

نادراً ما تكون اليابسة على ضفّتي الميكونج مسطّحة، على الأقلّ في الجزء الصغير الذي رأيته من النهر، الذي يعبر 6 بلدان ويمتدّ نحو 5,000 كيلومتر.

نضطرّ إلى التسلّق للوصول إلى القرية المبنية على منحدر. بيوتها من الخشب وخيزران البامبو، مرتفعة عن الأرض على أعمدة تحميها من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية الغزيرة، وتوفّر في الوقت نفسه ظلالاً يحتمي بها السكّان من الشمس الحارقة.

يخبرنا المرشد أن عدد سكّان القرية نحو 200 نسمة، يعتاشون من زراعة الأرز وتربية الحيوانات، ولا سيّما الدواجن والخنازير.

ويشرح أن السكّان يؤمنون بالأرواح، ولديهم شامان يؤدّي دور القائد الروحي والطبيب، خصوصاً في ظلّ غياب المستشفيات، القريبة منها والبعيدة.

ثم يضيف أنهم فقراء، ولذلك يأكل الأطفال طعامهم في 5 دقائق، على خلاف ابنته التي تأخذ وقتها لأنها تريد مشاهدة الرسوم المتحرّكة أثناء تناول الطعام وحدها. أما أطفال القرية، فيتجمّعون حول قدر واحدة ويأكلون منها، تماماً كالدجاج.

يضحك السياح.

أفكّر أن من أهمّ مهارات المرشد السياحي معرفة كيف يُضحك السياح، خصوصاً في مثل هذه المواقف، كي يستمتعوا بتأمّل الفقر ويروه جميلاً، كأنه جزء من الطبيعة الخلّابة للمكان، ينمو مع النباتات.

تسأل إحدى السائحات، كأنها تلميذة نجيبة: أين يذهب الأطفال إلى المدرسة؟

«تعالوا معي»، يجيب المرشد.

يأخذنا إلى المدرسة التي يدعمها الاتحاد الأوروبي. إنها قاعة صغيرة من غرفة واحدة، تضمّ نحو 10 مقاعد مع طاولاتها، يجلس إليها تلاميذ من صفوف مختلفة ليدرسوا معاً في الوقت نفسه.

يدعونا المرشد إلى الدخول والتقاط الصور. لا يتردّد السياح، كأنهم كانوا ينتظرون الإذن. يقتحم نحو 20 سائحاً الصفّ، ويشهرون كاميرات هواتفهم في وجوه التلاميذ الصغار المنكبّين على مكاتبهم، يكتبون في دفاترهم.

ربما أوصاهم المعلّم بأن يفعلوا ذلك حين يأتي السياح، فالصورة ستبدو أجمل وأكثر عفوية. والقوارب تمرّ من هنا 3 مرّات أسبوعياً على الأقلّ.

بعدما ينتهي السياح من إطلاق صورهم، يدلّنا المرشد على صندوق تبرّعات لدعم المدرسة. ربما خفّض الاتحاد الأوروبي دعمه أو أوقفه، بعدما بات على الدول الأوروبية أن تتسلّح لمواجهة روسيا.

يسارع الجميع إلى وضع بعض المال.

يخبرني الرفيق المرشد السياحي أن الأسماك كانت تُرى من فوق سطح الماء قبل سنوات، لكن مع ازدياد عمليات التعدين في الأنهار المتفرّعة من الميكونج، أصبحت المياه عكرة - «إنها التنمية»، أتمتم لنفسي - ثم أتساءل: هل ستكون سرّية وصامتة، مثل القنابل الأميركية؟

نكمل جولتنا في القرية، ونتوقّف عند المعبد البوذي. والجميل في لاوس هو غياب التناقض بين المعتقدات الدينية المختلفة، فالإيمان بالأرواح لا يمنع الصلاة لبوذا. وهناك تقدير للحياة بكلّ أشكالها. ولمَ لا؟ فحين تكون محاطاً بكلّ هذه الطبيعة والأدغال، بجمالها ورعبها، لا يسعك سوى أن تهابها وتطلب منها السماح والحماية.

ومن العادات القديمة التي ما زالت قائمة في هذا البلد الشيوعي طلب الإذن من الأرواح وممّن سبقونا قبل قطع شجرة أو بناء بيت أو الانتقال إلى مسكن جديد، إجلالاً للطبيعة ولمن عاشوا قبلنا. أفكّر: لو كان للمستوطنين الأوروبيين مثل هذه المعتقدات، ربما كنّا نعيش اليوم في عالم مختلف.

لكن لا يهمّ. يدلّنا الرفيق المرشد السياحي على جرس ضخم في المعبد البوذي، يُقرع عند الخامسة من كلّ صباح ليعلن للسكّان أن الرهبان على وشك الخروج إلى القرية لتلقّي الصدقات، وغالباً ما تكون طعاماً. ويشرح لنا أن هذا الجرس مصنوع من إحدى قذائف «الحرب السرّية» التي ألقاها الطيران الأميركي، وأُعيد تدويرها لاستخدامها في المعبد.

 ثم نتدحرج عائدين نحو القارب، بين السكّان وأشجار البابايا والخنازير الصغيرة التي ترعى. تنضمّ إلينا بعض الفتيات الصغيرات، ويمسكن بأيدي بعض السائحات اللواتي تغمرهنّ الفرحة، فيكملن الجولة يداً بيد، والابتسامات العريضة لا تفارق الوجوه.

وحين نصل إلى القارب، يوزّع بعض السياح المال وأكياس رقائق البطاطا على الأطفال مودّعين، فيبادلهم هؤلاء الابتسامات ويرسمون قلوباً في الهواء.

يفرح الجميع. فقد أُتيحت لهم فرصة مشاهدة الحياة البسيطة والحقيقية للقرويين اللاوسيين الذين لا تفارق الابتسامة وجوههم. وتمكّنوا أيضاً من المساهمة مادياً في تربية أطفال القرية. لقد أصبحوا أكثر من مجرّد سياح. إنهم فاعلو تنمية!

يعكّر هذا المشهد صفو الرحلة التأمّلية التي أردتها من مغامرتي. يعيدني إلى موقعي في هذا البلد الخلّاب، فأفكّر أنني لست سوى وقود لسياحة الفقر هذه، التي تتيح لي مشاهدة الحياة كما كانت قبل 50 عاماً. لعلّ الزمن توقّف هنا، في هذه القرية.

فما من شيء يشير إلى الزمن الحاضر سوى ألواح الطاقة الشمسية، ولافتة شكر الاتحاد الأوروبي، وقميص ريال مدريد لعام 2024 الذي ترتديه إحدى نساء القرية.

لكن مجدّداً، يتلاشى كلّ شيء أمام صوت الميكونج والجبال الشاهقة المحيطة به.

حين كنت أخطّط للرحلة، كنت أتهيّأ للملل على النهر. ربما لأنني كنت أخشى كلّ ذلك الوقت الذي سأمضيه مع نفسي وأفكاري وهواجسي التي أحاول الهروب منها. فصمّمت على مواجهة الملل، وربما مصاحبته. فهو شعور يُظلم كثيراً، وعساي أكتشف جماله.

لكن ثمّة شيئاً غامضاً في هذا النهر العظيم. ربما يجتاح نفس كلّ من يحاول مقاومته. أو لعلّها الأرواح التي يؤمن بها القرويون، أو أرواح ثوّار القرن الماضي. وربما هي روحي القاحلة المتعطّشة إلى شيء مختلف، في محاولة يائسة لإضفاء معنى على تجارب بدت لي عشوائية. فلا بدّ من حكمة ما عند مشارف الأربعين.

ثم أفكّر: ربما الأمر أبسط من ذلك بكثير. إنّه مجرّد هذيان سائح.

أقول لنفسي إنني لا أريد لهذا الإبحار أن ينتهي. أريد أن أمضي بقيّة الوقت على النهر، وأن أصل إلى منتهاه، ربما إلى المحيط الهادئ، حيث أنصبّ فيه وأغرق في هدوئه.

لم تغب عن بالي طوال الرحلة الصفحة الأخيرة من رواية «الحب في زمن الكوليرا». فبعد أكثر من 50 عاماً من الانتظار، تقبل فيرمينا أن تتّخذ فلورينتينو أريزا حبيباً لها. وفي خريف عمرهما، يمارسان الحبّ على قارب يبحر في نهر ماغدالينا، كأنهما يحبّان للمرّة الأولى في حياتهما.

لم يريدا للرحلة أن تنتهي، فطلب فلورينتينو أريزا من القبطان رفع علم الكوليرا الأصفر كي لا يستقبل القارب أيّ ميناء. ويسأل القبطان إلى متى يمكنهم الاستمرار في الذهاب والإياب، فيجيبه فلورينتينو أريزا: «طوال العمر».

تمنّيت أن أفعل مثله وأنا على متن القارب أعبر نهر الميكونج. لكنني تذكّرت أن لا كوليرا في لاوس، وأنني وحدي في هذه الرحلة، وأن السياح الذين يرافقونني يزعجونني. وأشتاق إلى يومياتي الرتيبة وغير الرتيبة قبل أن أتعرّف إلى هذا النهر. ثم إنني سأملّ بعد كلّ ذلك الوقت.

وبينما أنا أحاور غابرييل غارسيا ماركيز على القارب، يقاطعني مشهد مشروع ضخم وقبيح على ضفّة النهر. كأن شيئاً اعتدى على مخيّلتي وتأمّلاتي، وأعادني إلى الحقيقة، إلى واقع قبيح لا تستطيع التخيّلات السياحية إخفاءه، ولا مكان فيه لهذياني الرومانسي.

إنه العالم نفسه، والنظام الاقتصادي والسياسي نفسه. لسنا في زمن التحرّر من الاستعمار، حين شعر الثوّار أن العالم بأسره بين أيديهم.

هنا جرّافات وشاحنات تقبض على النهر وتحفر ضفافه. سدّ قيد الإنشاء باستثمارات صينية وتايلاندية، مُعفاة من الضرائب لمدّة 30 عاماً، بهدف توليد الطاقة وبيعها.

تصبّ هذه الآليات اللعينة الإسمنت في النهر، فيضيق قليلاً. وسيُهجَّر سكّان أكثر من 20 قرية، بعدما تصبح قراهم في قعر البحيرة الهائلة التي سيُنشئها السدّ.

أنظر مجدّداً إلى مياه النهر، فأدرك أنها عكرة، ولا يمكن رؤية أيّ شيء تحت سطحها.

أتساءل: هل كنت أهذي؟

أراجع الصور على هاتفي. المياه عكرة فعلاً.

يخبرني الرفيق المرشد السياحي أن الأسماك كانت تُرى من فوق سطح الماء قبل سنوات، لكن مع ازدياد عمليات التعدين في الأنهار المتفرّعة من الميكونج، أصبحت المياه عكرة.

«إنها التنمية»، أتمتم لنفسي.

ثم أتساءل: هل ستكون سرّية وصامتة، مثل القنابل الأميركية؟ فنهر الميكونج قادر على ابتلاع كلّ شيء، وإخفاء كلّ ضوضاء.

    نبيل عبدو

    باحث اقتصادي، يركّز عمله على صندوق النقد الدولي والتقشّف واللامساواة الاقتصاديّة والاجتماعيّة.