arms trade

أسواق السلاح

في عام 1934، بدأت لجنة في مجلس الشيوخ الأميركي، برئاسة الجمهوري جيرالد ناي، جلسات استماع امتدّت 18 شهراً بشأن صناعة الأسلحة الأميركية. حقّقت اللجنة في الأرباح الهائلة التي جنتها هذه الصناعة من الحرب العالمية الأولى، وسط تكهّنات بأن «تجّار الموت» قد يجرّون الولايات المتّحدة قريباً إلى صراع كبير آخر. 

جاء التحقيق امتداداً لخطاب شعبي رائج آنذاك، رأى أن صناعيين أثرياء من كبار المديرين في شركات مثل «دوبونت» و«جي. بي. مورغان» و«برات آند ويتني» يؤجّجون عمداً العداوات بين الدول من أجل رفع هوامش ربحهم. وخلصت دراسة بارزة في ذلك الوقت إلى أن «صانع السلاح نهض واشتدّ نفوذه، حتى صار اليوم واحداً من أخطر العوامل في الشؤون العالمية، عائقاً أمام السلام ومروّجاً للحرب». حتى «وول ستريت جورنال»، في معرض دفاعها عن لجنة ناي، وجدت ما يتيح لها إدانة «النظام الشرير الذي يسمح للرجال ويغريهم في الوقت نفسه بالتطوير التجاري للضغائن بين الشعوب المتجاورة».1

لم تختفِ يوماً الفكرة القائلة إن المصالح الخاصة تغذّي الاضطراب العالمي، لكنها تستعيد اليوم حضوراً خاصاً مع بلوغ الإنفاق العسكري العالمي ذروة تاريخية وصلت إلى 2.9 تريليون دولار في العام الماضي. وقد جاء هذا الارتفاع لمصلحة مصنّعي الأسلحة، من «إلبيت» الإسرائيلية والشركات الأميركية الخمس الكبرى، أي «بوينغ» و«لوكهيد» و«نورثروب» و«آر تي إكس»، وصولاً إلى «راينميتال» الألمانية و«بي إيه إي سيستمز» البريطانية.2

لا يخطئ ناشطو السلام حين يشيرون إلى ازدهار تجّار الموت منذ مطلع العقد الثالث من الألفية الثانية (2020)، وإلى أن مصالحهم ترتبط بإطالة أمد الدمار في غزة وإيران وأوكرانيا والسودان وسواها، فيما تعمل فرق من جماعات الضغط على إبقاء صنّاع القرار في جهوزية حرب دائمة. لكن عبارة «المجمع الصناعي العسكري»، التي ظهرت أصلاً للتحذير من قدرة هؤلاء المتربّحين على وضع الدولة عملياً في قبضتهم، ومن أن المشكلة الرئيسة تكمن في خصخصة قطاع الدفاع، قد تحجب شيئاً أعمق، هو تداخل السلطة العامة والخاصة في صناعة السلاح العالمية اليوم. لا تنمو صناعة التسلّح لأن جهات خاصة تتحرك وحدها، بوصفها جهات خاصة فحسب. فالدول، في النهاية، هي التي تصوغ أسواق السلاح بصفتها زبائن ومالكة في الوقت نفسه. وحين نرسم خريطة أكبر المجمّعات الصناعية العسكرية في العالم، وما يربط بينها من علاقات، وما يتراكب داخلها من بنى ملكية الشركات، يظهر أن توسّعها يرتكز، في المحصلة، على الوظائف العنيفة للدولة نفسها. 

لا تنمو صناعة التسلّح لأن جهات خاصة تتحرك وحدها، بوصفها جهات خاصة فحسب. فالدول، في النهاية، هي التي تصوغ أسواق السلاح بصفتها زبائن ومالكة في الوقت نفسه

يساعد هذا التمرين أيضاً على فهم كيفية توزّع القوة الصلبة عالمياً. تتقدّم الولايات المتّحدة بفارق واسع جداً بوصفها أكبر منفق عسكري، وأكبر منتج للأسلحة، وأكبر مصدّر لها في العالم، إذ تستحوذ على أكثر من ثلث الإنفاق العسكري العالمي و42% من مجمل صادرات السلاح، بعدما تجاوز إنفاقها العسكري عتبة 1 تريليون دولار في عام 2024. لكن الاقتصاد العسكري العالمي لا يقتصر عليها، بل يضم فاعلين آخرين قادرين على التأثير في كميات الأسلحة وأنواعها، وفي ما يدخل الإنتاج والشراء والبيع والاستخدام في ساحات القتال. تأتي الصين في المرتبة الثانية عالمياً في الإنفاق العسكري. وعلى الرغم من أنها لا تزال بعيدة جداً من الولايات المتّحدة، مع إنفاق بلغ 335 مليار دولار، زاد إنفاقها العسكري في كل عام على مدى 3 عقود، حتى صار يمثّل نحو 12% من الإجمالي العالمي. وتأتي روسيا في المرتبة الثالثة، بعدما تحوّلت، منذ غزوها أوكرانيا، إلى اقتصاد حرب، إذ رفعت إنفاقها العسكري من 69 مليار دولار في عام 2016 إلى 190 مليار دولار في عام 2025، أي ما يعادل 6.3% من ناتجها المحلي الإجمالي في عام 2025، وهو أعلى مستوى له منذ نهاية الحرب الباردة.

تمضي القوى الإقليمية بدورها في مسار متصاعد من العسكرة. فقد أثبتت إيران قدرتها على الظهور خصماً مسلّحاً شديد البأس في مواجهة إسرائيل والولايات المتّحدة، فيما تسعى الهند والسعودية إلى تثبيت موقعهما بين أكبر مستوردي السلاح في العالم. وتشكل هذه الدول جزءاً من مجموعة أوسع، تضم الإمارات العربية المتّحدة وتركيا، وتسعى اليوم إلى الاكتفاء الذاتي عسكرياً عبر تطوير صناعي وتكنولوجي موجّه نحو إنتاج السلاح محلياً. وتستخدم كل دولة منها جهازها العسكري ضد جماعات مُخضعة، مثل الكشميريين واليمنيين والأكراد، فيما طوّرت دول أخرى شبكات لاستيراد السلاح خارج متناول الإمبراطورية الأميركية.

حين نتتبّع إنتاج الأسلحة ونقلها عبر العالم، تظهر الخيوط البنيوية التي تصل بين حروب تمزّق أماكن متباعدة. تتعاون إسرائيل والولايات المتّحدة في الحرب على غزة وإيران ولبنان، وتستخدمان أيضاً أسلحة مورّدة من دول غربية أخرى. وتحاول إيران الدفاع عن نفسها عبر الاستناد إلى دعم من الحوثيين وحزب الله وحماس. وتهاجم روسيا أوكرانيا وترسل أسلحة إلى إيران في مقابل تقنيات المسيّرات. وتطوّر أوكرانيا تدابير مضادة سريعة ورخيصة ضد روسيا، ثم ترسلها إلى دول الخليج. وتدعم الإمارات العربية المتّحدة، وهي طرف رئيس في الحرب على اليمن، قوات الدعم السريع في السودان. تجعل هذه الروابط عزل فاعل واحد لمساءلته أمراً صعباً. وللاقتراب من صورة أكثر اكتمالاً عن هذه الصراعات المتشابكة، يمكن تناول كل واحد من عمالقة السلاح الكبار على حدة.

الولايات المتّحدة وشمال الأطلسي

مثلما تنفق الدولة الأميركية على جيشها أكثر من أي دولة أخرى في العالم بفارق كبير، تهيمن شركاتها أيضاً على المشهد الصناعي العسكري. من بين أكبر 100 شركة أسلحة في العالم، تتخذ 39 شركة من الولايات المتّحدة مقراً لها، وتستحوذ على 49% من إيرادات هذه المجموعة. وتعمل أكبر شركات الأسلحة في العالم بوصفها شركات مطروحة للتداول العام، إذ تطرح أوراقاً مالية أمام المستثمرين العموميين والمؤسسيين عبر اكتتاب عام أولي، ثم يجري تداولها غالباً في البورصة، وتلتزم موجبات الإفصاح العام. يملك المستثمرون المؤسسيون معظم أسهم هذه الشركات أو حصصها. وتملك شركات إدارة الأصول 74% من لوكهيد مارتن، فيما تُعد شركة الخدمات المالية الأميركية المتعدّدة الجنسيات «ستيت ستريت كورب» أكبر مستثمر فيها، إذ تملك 34.5 مليون سهم. أما أكبر المساهمين الأفراد فهم من داخل الشركة، ومنهم الرئيس التنفيذي جيمس تايكليت، والمدير المالي السابق خيسوس مالافي، ورئيسة أحد قطاعات الأعمال ستيفاني سي. هيل. وفي أيار/مايو 2025، امتلك تايكليت وحده 68,070 سهماً.3

يخدم الفصل الظاهري بين صناعة الأسلحة الخاصة والقطاع العام مصلحة الطرفين. فعندما تُسأل شركات السلاح عن أسباب استخدام أسلحتها في انتهاكات حقوق الإنسان وكيفية استخدامها، تستند إلى القوانين الحكومية الناظمة لصادرات السلاح. وعندما تُسأل الحكومات عن تفاصيل منتجات الشركات وعملياتها، تردّ بأنها معلومات سرّية تجارياً لا تملك حرية كشفها. هكذا تتيح الخصخصة للفاعلين الخاصين والعامين معاً تفادي التدقيق والمساءلة.

تحجب الملكية غير الحكومية لصناعة الأسلحة اعتمادها العميق على الدولة. فمعظم مبيعات الشركات الأميركية تذهب إلى الحكومة الأميركية. وقد شكّلت السوق المحلية نحو 3 أرباع مبيعات لوكهيد مارتن البالغة 75 مليار دولار في عام 2025، فيما بيع الربع المتبقي أساساً إلى السعودية وأوكرانيا. وأنهت الشركة عام 2025 بطلبيات متراكمة قياسية قاربت 194 مليار دولار. وتملك شركات السلاح منفذاً مباشراً إلى موارد الدولة عبر موازنات الدفاع الحكومية. ففي الولايات المتّحدة، يُخصَّص نحو نصف الإنفاق الفيدرالي التقديري لوزارة الدفاع، التي صارت الآن وزارة الحرب، ويذهب أكثر من نصف إنفاق هذه الوزارة إلى المتعاقدين العسكريين. وفي العام المالي 2021، ذهب 30% من دولارات عقود وزارة الدفاع إلى أكبر 5 متعاقدين، هم لوكهيد مارتن، وبوينغ، ورايثيون، وجنرال دايناميكس، ونورثروب غرومان.

1

صارت شركات السلاح، بدرجات متفاوتة، شركات عالمية. فقد تتخذ الشركة مقراً في بلد ما، فيما تملك كيانات أجنبية في الخارج تصنّع الأسلحة، أو أجزاءً منها، وتقدّم الخدمات. وللشركات الأميركية حضور في إسرائيل واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وغيرها. أما «بي إيه إي سيستمز إنك»، التابعة لشركة «بي إيه إي سيستمز» البريطانية، فهي شركة أميركية، وتبيع المجموعة ككل لوزارة الحرب الأميركية بقدر ما تبيع لوزارة الدفاع البريطانية، إن لم يكن أكثر. نشأ هذا التدويل في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، حين ساعدت عمليات الدمج والاستحواذ، والمشاريع المشتركة، والتعاقد من الباطن، واتفاقات نقل التكنولوجيا، على ترسيخ صناعة عابرة للأطلسي، في ظل الانخفاض المؤقت في الموازنات العسكرية الحكومية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.

تربط البلدان الأوروبية علاقات وثيقة بشركات السلاح الأميركية، وإن اتخذت هذه العلاقات أشكالاً متعدّدة. فقد شجّعت بريطانيا خصخصة صناعتها العسكرية وتدويلها، فيما تبدو ملكية الدولة أكثر شيوعاً في أوروبا القارية. على سبيل المثال، تملك الدولة الفرنسية ربع شركة «تاليس»، التي تحتل المرتبة 15 بين أكبر شركات السلاح عالمياً في عام 2024، بإيرادات بلغت 11.8 مليار دولار. وتملك الدولة الإيطالية 30% من «ليوناردو»، التي تحتل المرتبة 13 عالمياً بإيرادات بلغت 13.8 مليار دولار، فيما تملك الدولة الإسبانية «نافانتيا» بالكامل، وهي في المرتبة 88، بإيرادات بلغت 1.3 مليار دولار.

وعلى الرغم من أن المشتريات الدفاعية والإنفاق العسكري وسياسة تصدير الأسلحة لا تزال مسائل وطنية، يؤدي الاتحاد الأوروبي، بوصفه كياناً فوق وطني، دوراً في هذا المسار أيضاً. فقد ساعد على دفع العسكرة عبر صندوق الدفاع الأوروبي، الذي بدأ العمل به في عام 2021، وكذلك عبر الاستراتيجية الصناعية الدفاعية الأوروبية وبرنامج الصناعة الدفاعية الأوروبية، اللذين أقرّهما في عام 2024. واستخدم الاتحاد الأوروبي أيضاً مرفق السلام الأوروبي لتمويل إرسال الأسلحة إلى أوكرانيا، عبر تعويض دول الاتحاد الأعضاء عن شحنات السلاح التي سلّمتها.

بدفع من أوكرانيا من جهة، ومن تعثّر الالتزامات الأميركية-الأطلسية من جهة أخرى، سعى الاتحاد الأوروبي إلى توسيع صناعاته العسكرية على نحو كبير. وبين فترتي 2016-2020 و2021-2025، زادت صادرات السلاح الصادرة عن دول الاتحاد الأعضاء 36%، وصارت تمثّل 28% من صادرات السلاح العالمية في الفترة الأخيرة. وفي عام 2025، اقتربت صادرات فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، وهي أكبر مورّدي السلاح في أوروبا، من ثلثي حجم صادرات السلاح الأميركية، فيما اتجهت 84% من صادرات الاتحاد الأوروبي إلى دول غير أعضاء. ولا يزال حجم صادرات الاتحاد الأوروبي يفوق حجم صادرات روسيا 4 مرات، وحجم صادرات الصين 5 مرات، بما يجعله مورّداً عالمياً شديد التأثير.

2

الصين

يتّسم تدويل تجارة السلاح في الصين بمحدودية أكبر، إذ تتخذ صناعتها العسكرية اتجاهاً وطنياً، وتنتظم عبر شركات مملوكة للدولة. ويمثّل الدفاع واحدة من 7 صناعات استراتيجية تسعى الحكومة الصينية إلى إحكام السيطرة الكاملة عليها.4 وقد زادت مبادرة «صنع في الصين 2025» التمويل المخصّص للتصنيع عالي التقنية، وأدرجت بناء السفن والصناعات الجوية والفضائية بين أولوياتها الصناعية العشر. ومنذ عام 2025، ازداد وزن مسؤولي الصناعة العسكرية داخل الحزب الشيوعي الصيني. أما خطة الخمس سنوات الأحدث، التي أعلنتها بكين في آذار/مارس 2026، فتضم أقساماً جديدة عن تحديث الاستراتيجية العسكرية والحوكمة. وبالمقارنة مع فترة 2016-2020، رفعت الصين صادراتها من السلاح بنسبة 11%، يذهب 77% منها إلى آسيا وأوقيانوسيا، و13% إلى أفريقيا. وفي أفريقيا جنوب الصحراء، تؤمّن الصين 17% من واردات السلاح، بما يقارب حصة الولايات المتّحدة البالغة 19%.5

تتمتع شركات مثل «نورث إندستريز كوربوريشن» «نورينكو» و«مؤسسة صناعة الطيران الصينية» «أفيك» بامتداد دولي واسع، بعدما طوّرت اتفاقات عسكرية طويلة الأمد مع كمبوديا وباكستان، وبدأت تنسج علاقات جديدة في مناطق أخرى من آسيا وأوروبا. وتمثّل باكستان زبون التصدير الرئيس للصين، بعدما نقلت إليها مخزوناً واسعاً من الأسلحة، يشمل طائرات مقاتلة وفرقاطات ودبابات وصواريخ ومسيّرات مسلّحة. وعلى غرار واردات الهند من روسيا، يجري تجميع بعض الأسلحة الباكستانية من عُدَد مستوردة أو إنتاجها محلياً بموجب ترخيص من الصين. أما الكيانات الأجنبية المملوكة صينياً في الدول الغربية، فتتجه أساساً إلى التكنولوجيا المدنية ذات التطبيقات العسكرية، على الأرجح في مسعى إلى الوصول إلى تقنيات مزدوجة الاستخدام من الخارج.

انتقد بعض الباحثين الطابع البيروقراطي والمتحفّظ إزاء المخاطرة في الشركات المملوكة للدولة في الصين، ورأوا أنه يحدّ من المنافسة.6 وفي عهد شي جين بينغ، اتجهت هذه الشركات إلى خصخصة جزئية بحثاً عن مصادر جديدة لرأس المال. وتُباع أسهم الشركات التابعة على نحو متزايد في أسواق الأسهم في شنغهاي وشنتشن وهونغ كونغ. وأفضت هذه الخصخصة الجزئية أيضاً إلى تكوين قاعدة إمداد أكثر هجونة، تضم شركات عسكرية-صناعية غير حكومية، فضلاً عن شركات عالية التقنية مثل هواوي ولينوفو.

روسيا

على غرار الصين، تتخذ القواعد الصناعية-العسكرية الروسية توجهاً وطنياً، وتتمركز داخل حدود الدولة. ولا تقيم روسيا تقريباً أي تعاون عسكري-تقني مع شركات في دول شمال الأطلسي. وتكاد صناعة السلاح الروسية تكون مملوكة بالكامل للدولة، فيما تركّز الحكومة بقوة على تطوير الأسلحة محلياً. وينتج ذلك جزئياً من القيود التي فرضتها الدول الغربية على الاستثمار الأجنبي المباشر، ومن العقوبات التي طاولت الشركات الروسية منذ ضمّ القرم في عام 2014.

تفيد التقارير بأن روسيا تملك أيضاً كيانات للتصنيع العسكري في الهند وكازاخستان وفيتنام، وهي دول تُعد من أكبر مستوردي الأسلحة الروسية. ودخلت شركة «هندوستان أيرونوتكس ليمتد» الهندية في مشاريع مشتركة مع شركات روسية. غير أن روسيا، من بين أكبر مورّدي السلاح في العالم، هي الوحيدة التي تتراجع حصتها من إجمالي الصادرات، بعدما هبطت من 21% في فترة 2016-2020 إلى 6.8% فقط في فترة 2021-2025. وتبقى الهند مستورداً مهماً للأسلحة الروسية لأنها اشترت معظم منصاتها العسكرية الكبرى من الاتحاد السوفياتي، وهي منصات تفيدها في المواجهة مع الصين وباكستان. لكن الهند، منذ مطلع الألفية، اتجهت تدريجياً نحو المورّدين الأميركيين والأوروبيين. وتُجمَّع بعض منظوماتها العسكرية من عُدَد مستوردة، أو تُنتج داخل الهند بموجب ترخيص، مثل مقاتلات ميغ وسوخوي. وأسهم تغيّر أنماط الاستيراد في الجزائر والصين ومصر أيضاً في تراجع الصادرات الروسية.

لدى روسيا 3 أشكال من الشركات العسكرية المملوكة للدولة: شركات مساهمة تتيح الاستثمار الخاص، ومؤسسات وحدوية تملك الدولة أصولها، وشركات حكومية. ومنذ عام 2010، عنى إحكام بوتين قبضته على الدولة توسّع سلطته على الجيش. فقد ركّز الملكية الحكومية لصناعة الدفاع ووسّعها عبر اللجنة الصناعية العسكرية، واحتوى النزاعات الداخلية بين الشركات وبيروقراطية الدولة، وجعل من نفسه الوسيط والحَكَم الرئيس في القرارات الصناعية-الدفاعية الكبرى.

عزّزت حرب روسيا على أوكرانيا سيطرة الدولة على صناعتها العسكرية، إذ استعادت قسراً بعض المؤسسات التي قيل إنها خُصخصت خلافاً للقانون، وأعادتها إلى الملكية العامة. لكن هذه الملكية لا تلغي منطق السوق داخل الدولة نفسها. فشركات الدولة الروسية، مثل الشركات الخاصة، تنتظم حول حوافز الربح، فيما تحصل الدولة، بوصفها المساهم الأكبر، على توزيعات أرباح. ومع ذلك، لا يحقق معظم هذه الشركات ربحاً فعلياً، حتى إن شركات حكومية كبرى تعلن خسائر كبيرة وتشكو نقص الإيرادات.7

تحصل «روستك»، وهي شركة حكومية تضم مئات الشركات العسكرية والهندسية والصيدلانية، بينها «كلاشنيكوف» الشهيرة، على ما يُقدَّر بنحو 21-25 مليار دولار سنوياً من مصادر متعدّدة: عقود المشتريات الحكومية، وصادرات السلاح، وبيع المواد الخام، والإعانات الحكومية. وتسيطر «روستك» على نحو 75% من مجمل الإنتاج الصناعي-العسكري الروسي، ما يمنحها احتكاراً فعلياً. وعلى هذا الأساس، صنّفها «سيبري»، معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، الذي يتتبّع الإنفاق العسكري وتجارة السلاح عالمياً، سابع أكبر شركة سلاح في العالم في عام 2024.8

يُعدّ سيرغي تشيميزوف، المدير العام لـ«روستك»، واحداً من أقوى 3 رجال في روسيا، وينتمي إلى الدائرة الداخلية لبوتين. وقد تعارف الرجلان في ألمانيا الشرقية في ثمانينيات القرن العشرين، حين عملا في جهاز الاستخبارات السوفياتية.9 وانتقل تشيميزوف في عام 2007 إلى «روستك» من «روسوبورون إكسبورت»، الوكالة الحكومية لتصدير السلاح. ووفق تعبير نيكول كروم، تعمل «روسوبورون إكسبورت» «بمثابة بقرة حلوب» لـ«روستك»، إذ توفّر مصدراً ثابتاً للإيرادات للمنتِج المملوك للدولة. ولا يملك تشيميزوف شخصياً أي حصة في «روستك»، المملوكة للحكومة بنسبة 100%، غير أن «أوراق باندورا» كشفت حجم ثروته: فقد جمع هو وعائلته أصولاً معلنة تتجاوز قيمتها 400 مليون دولار عبر شبكة من شركات خارج الحدود تعمل في العقارات والمصارف والنفط، وسُجّل معظمها باسم ابنة زوجته. وعلى الرغم من خضوعه للعقوبات في عام 2014، لا يزال هو وعائلته يحتفظون بالسيطرة على عناصر أساسية من الاقتصاد العسكري الروسي، غالباً عبر صيغ مرنة من الملكية، وبغطاء مشاريع مدنية.

على الرغم من التباينات الجذرية التي تبدو على السطح، يُظهر الفحص الأدق للصناعات العسكرية في الولايات المتّحدة والاتحاد الأوروبي والصين وروسيا، في كل الحالات، شبكةً من مصالح الدولة والمصالح الخاصة المتشابكة بعمق، والتي تعود بالمنفعة المتبادلة على الطرفين.

القوى الإقليمية

تسعى اليوم قوى إقليمية أصغر إلى توسيع نفوذها عبر تجارة السلاح. ويفيد معهد ستوكهولم لأبحاث السلام بأن عام 2024 شهد وجود 9 شركات من الشرق الأوسط ضمن قائمة أكبر 100 شركة، وهو أعلى عدد تسجّله المنطقة على الإطلاق. لكن التصنيفات الإقليمية التي يعتمدها معهد ستوكهولم لأبحاث السلام قد تحجب التحالفات الجيوسياسية الكامنة. فمن بين شركات الشرق الأوسط، مثلاً، توجد 3 شركات في إسرائيل، و5 في تركيا، وشركة واحدة في الإمارات العربية المتّحدة.

3

ساعدت أنظمة المسيّرات التركية في دفع صادرات السلاح التركية، لكن الشركات التركية تنتج أيضاً طيفاً واسعاً من المعدات العسكرية، من المركبات المدرّعة والكورفيتات إلى الذخائر الدقيقة والبطاريات ذات المواصفات العسكرية. وقد عاد توسيع الإنتاج الدفاعي في تركيا بفائدة كبيرة على النخب السياسية المحلية عبر تحشيد النزعة القومية.

اتجهت دول الخليج، على نحو مماثل، إلى طلب الاستقلالية الاستراتيجية عبر استراتيجيات عسكرية محلية. وتمثّل «مجموعة إيدج»، ومقرها أبوظبي، و«الشركة السعودية للصناعات العسكرية»، شركتين وطنيتين رائدتين مدعومتين من الدولة، وتعتمدان على مشاريع مشتركة مع شركات أجنبية. وحلّت «إيدج» أخيراً في المرتبة 37 ضمن قائمة «سيبري» لأكبر 100 شركة سلاح. وبالنسبة إلى الإمارات العربية المتّحدة والسعودية، عنت الالتزامات بالتنويع الاقتصادي توسعاً كبيراً في الإنتاج العسكري-التقني.

على الرغم من هذه المساعي، يبقى الخليج معتمداً على الغرب. إذ تملك «بي إيه إي سيستمز» و«إل 3 هاريس تكنولوجيز» و«لوكهيد مارتن» و«رايثيون» كيانات تصنيع في السعودية، فيما تستخدم شركات أخرى المنطقة لأعمال الصيانة والإصلاح. وفي الواقع، يقع ثلث الكيانات الخارجية التابعة لـ«لوكهيد مارتن» في الشرق الأوسط. وتبلغ الصلات مع إسرائيل درجة من القرب دفعت الرئيس التنفيذي لـ«لوكهيد»، بحسب ما نُقل عنه، إلى إبلاغ سفير تل أبيب لدى الولايات المتّحدة بأن المعلومات المستقاة من استخدام إسرائيل مقاتلات إف-35 في غزة وإيران ولبنان واليمن «تساوي مليارات كثيرة لشركتي». وفي السعودية، تملك «لوكهيد مارتن» اليوم مشروعاً مشتركاً مع الشركة السعودية للصناعات العسكرية لبناء مروحيات محلياً، وهي مروحيات ظلّت الرياض تشتريها من الولايات المتّحدة منذ ثمانينيات القرن العشرين.

تمثّل الهند مثالاً آخر على نمو صناعة عسكرية تتألف في معظمها من شركات مملوكة للدولة. ففي عام 2026، جمعت الهند 41 مصنعاً حكومياً للعتاد الحربي ضمن 7 مؤسسات فقط من مؤسسات القطاع العام الدفاعية المملوكة للدولة، والتي تديرها وزارة الدفاع.10 وقد شكّل الاكتفاء الذاتي عسكرياً هدفاً معلناً في مسار التنمية الهندية، في الأقل منذ إطلاق مبادرة «صنع في الهند» في عام 2014. وتؤدي مجموعة أداني، التي يقودها غوتام أداني، الصديق الشخصي لناريندرا مودي، دوراً محورياً في هذه الاندفاعة نحو التصنيع الدفاعي. وتتعاون مجموعة أداني، من بين جهات أخرى، مع «إلبيت سيستمز» الإسرائيلية، و«صناعات الأسلحة الإسرائيلية» «آي دبليو آي»، و«تاليس» التي تتخذ من فرنسا مقراً لها وتملك الدولة جزءاً منها.

خضعت العلاقات العسكرية المتنامية بين الهند وإسرائيل لتدقيق متزايد في الآونة الأخيرة. فقد طبّعت الهند علاقاتها مع إسرائيل وأقامت معها علاقات دبلوماسية في تسعينيات القرن العشرين، غير أن البلدين لم يعلنا «شراكتهما الاستراتيجية» إلا في عام 2017، وهي شراكة تقوم على التطوير المشترك للأسلحة ونقل التكنولوجيا إلى الهند. وإذا أدّت إسرائيل سابقاً دور المورّد، وأدّت الهند دور المتلقّي، فقد باتت العلاقة تُفهم اليوم على نحو أدق بوصفها علاقة تطوير مشترك وإنتاج مشترك. ولا شك في أن تصدير مسيّرات مُنتجة في حيدر آباد إلى إسرائيل، من تصنيع «أداني-إلبيت أدفانسد سيستمز إنديا»، ارتبط إلى حد بعيد بامتناع حكومة مودي عن التصويت على قرار لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في عام 2024، دعا إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة وفرض حظر على توريد السلاح إلى إسرائيل.

غارقون في السلاح

ما الاستنتاجات التي يمكن الخروج بها من هذه اللمحة المكثّفة عن صناعة السلاح العالمية؟ مهما بدت الإمبراطورية الأميركية في حال تراجع، سواء بالمؤشرات السياسية أو الاستراتيجية أو الأيديولوجية، لا يزال جهازها العسكري مهيمناً، بوصفه الأوسع والأكثر تمويلاً والأشد تطوراً في العالم. فالولايات المتّحدة تبقى، بفارق كبير، أكبر منفق عسكري وأكبر منتج للسلاح وأكبر مصدّر له عالمياً. ولا تقتصر آثار صناعتها على المستوى العالمي على أن الأسلحة التي تنتجها الشركات الأميركية تنهال على المدن والبلدات والقرى، من غزة إلى ميناب وكسمايو، بل تمتد أيضاً إلى أن الشركات التي تتخذ من الولايات المتّحدة مقراً لها تملك شركات تابعة وكيانات مختلفة في أنحاء العالم، وتستمد مكوّناتها من مصنّعين منتشرين في كل مكان.

مهما بدت الإمبراطورية الأميركية في حال تراجع، سواء بالمؤشرات السياسية أو الاستراتيجية أو الأيديولوجية، لا يزال جهازها العسكري مهيمناً، بوصفه الأوسع والأكثر تمويلاً والأشد تطوراً في العالم

غير أن الولايات المتّحدة ليست المحفّز الوحيد لموجة العسكرة العالمية الراهنة، وليست أيضاً القوة المتحاربة الوحيدة. فمع أن الإنفاق العسكري الصيني لا يزال ضئيلاً قياساً بالإنفاق الأميركي، توسّع بكين سريعاً ترسانتها الجوية والبرية والبحرية، وتزيد صادراتها من السلاح، ولا سيما إلى باكستان. ويشمل استثمارها في ميناء خليفة في الإمارات العربية المتّحدة إمكان وصول عسكري، في وقت تؤدي فيه الإمارات دور شريك أجنبي للشركات الأميركية. وزاد غزو أوكرانيا اندفاع العسكرة الروسية، فيما تظل الهند، وهي واحدة من أكبر مستوردَي السلاح في العالم، أكبر سوق للأسلحة الروسية. أما السعودية والإمارات العربية المتّحدة والهند وتركيا، فتوسّع إنتاج السلاح محلياً سعياً إلى تأمين قدر أكبر من الاستقلالية في عالم تتحوّل فيه التحالفات. وعلى الرغم من أن المغامرات الإمبريالية الأميركية تلحق، من دون شك، أكبر قدر من الضرر عالمياً، فإن إسرائيل وروسيا والصين والهند والسعودية وتركيا توجّه أسلحتها المتنامية ضد جماعات مُخضعة داخل دوائر نفوذها.

داخل صناعة سلاح عالمية شديدة التشابك، تحجب بنيتها نفسها الحدود بين القطاعين الخاص والعام، فتصير التحالفات والمسؤوليات ضبابية. من يجني الأرباح، ومن يملك الملكية الفكرية في المشاريع المشتركة بين شركات سعودية أو إماراتية وشركات تتخذ من الولايات المتّحدة مقراً لها؟ وأي ضوابط تصدير تنطبق على نقل الأسلحة في مثل هذه المشاريع المشتركة؟ لا تستطيع أي محاولة جادة لتنظيم تجارة السلاح أن تتجاوز هذه الأسئلة أو تتعامل معها بوصفها مسائل تقنية فحسب. 

نُشر هذا المقال في Phenomenal World في 29 أيار/مايو 2026، وتُرجم إلى العربية ونُشر في «صفر» بموجب اتفاق مع الجهة الناشرة.

  • 1

    H.C. Engelbrecht and F.C. Hanighen, Merchants of Death: A Study of the International Armaments Industry, (1934), p. 9. “Private Traffic in Arms,” Wall Street Journal, Sep. 8, 1934, p. 6.

  • 2

    الرقم خاص بالعام التقويمي 2025، بأسعار عام 2025 وأسعار الصرف فيه. قاعدة بيانات الإنفاق العسكري لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام لعام 2026، حتى 27 نيسان/أبريل 2026. ترد أرقام الفقرة التالية بالأسعار الجارية الاسمية، محوّلة وفق سعر الصرف الخاص بالعام المعني، من هذا المصدر. أما الأرقام الواردة في الأقسام اللاحقة عن الصادرات وتصنيفات الشركات، فهي من قاعدة بيانات صناعة السلاح لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، وقد استُرجعت في كانون الأول/ديسمبر 2025، ومن قاعدة بيانات نقل الأسلحة لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

  • 3

    Lockheed Martin Corporation, 2025 Proxy Statement. Institutional ownership is from MarketBeat.

  • 4

    Lucie Béraud-Sudreau and Meia Nouwens, “Weighing Giants: Taking Stock of the Expansion of China’s Defence Industry,” Defense and Peace Economics, Vol. 32, Is. 2, (2021).

  • 5

    Mathew George et al, “Trends in International Arms Transfers, 2025,” SIPRI Fact Sheet, March 2026.

  • 6

    Richard A. Bitzinger, “Reforming China’s defense industry,” Journal of Strategic Studies, Vol. 39, Is. 5-6 (2016).

  • 7

    Mathieu Boulègue, Russia’s struggle to modernize its military industry (Chatham House), July 2025.

  • 8

    Nicole Krome, “State Corporate Governance in Russia,” Europe-Asia Studies, Vol. 74, Is. 8 (2022).

  • 9

    Krome, ibid.

  • 10

    Ash Rossiter, “Making arms in India? Examining New Delhi’s renewed drive for defence-industrial indigenization,” Defense Studies, Vol. 19, Is. 4 (2019).

آنا ستافرياناكيس

أستاذة في العلاقات الدولية في جامعة ساسكس، وتبحث وتدرّس قضايا تجارة السلاح العالمية والعسكرة وأشكال انعدام الأمن على المستوى العالمي.