trump and netanyahu

الشرق الأوسط وتحوّلات الإمبريالية اليوم
ما وراء التعدّدية القطبية

  • التحالف الأميركي الإسرائيلي نتاج مصالح استراتيجية وبنى اقتصادية وطبقية راسخة في الرأسمالية الأميركية، ولا يمكن تفسيره بنفوذ اللوبي الإسرائيلي أو العلاقة بين نتنياهو وترامب وحدهما.
  • يبيع الخليج نفطه للصين ويعيد استثمار فوائضه المالية في الولايات المتحدة، ما يكشف حدود الحديث عن تراجع الهيمنة الأميركية أو نشوء نظام عالمي متعدّد الأقطاب.
  • تعكس الحروب الأميركية في الشرق الأوسط محاولة لإعادة ترسيخ الهيمنة الإقليمية في مواجهة التراجع النسبي للقوة الأميركية وأزمة الرأسمالية العالمية، فيما تبقى مناهضة الإمبريالية مرتبطة بمناهضة الرأسمالية نفسها.

مع استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران والمنطقة، يتجدّد الاهتمام بالقوى التي تُشكّل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. ويبرز تفسير شائع يصوّر الحرب الحالية بوصفها مغامرة إسرائيلية، تقف وراءها إما قوة «اللوبي» المؤيد لإسرائيل، أو النفوذ المفترض لبنيامين نتنياهو على إدارة ترامب. 

وفقاً لهذا التفسير، جرّت إسرائيل الولايات المتحدة إلى صراع يتعارض مع مصالحها الاستراتيجية. وقد لاقى هذا المنظور صدى حتى لدى التيارات العنصرية والانعزالية في أقصى يمين حركة «ماغا»، حيث دعت شخصيات مثل تاكر كارلسون إلى القطيعة مع إسرائيل باسم قومية إقصائية ترفع شعار «أميركا أولاً».

هذه التفسيرات خاطئة وخطيرة سياسياً، لأنها تصوّر إسرائيل بوصفها دولة استثنائية قادرة وحدها على إخضاع السياسة الأميركية لإرادتها، وتحجب الموقع الراسخ للتحالف الأميركي الإسرائيلي ضمن البنى الأوسع للقوة الأميركية. لكن المشكلة تتجاوز سوء فهم طبيعة هذه العلاقة. فهي تعكس مقاربة واسعة الانتشار تفسّر السياسة الخارجية بوصفها نتاجاً للتنافس بين المسؤولين الحكوميين ومجموعات المصالح، بمعزل عن العلاقات الطبقية والبنى المادية للرأسمالية الأميركية. وبهذا، تختزل الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط في سلسلة من الخيارات السياسية الظرفية، بدلاً من فهمها في سياق التطور التاريخي للإمبريالية الأميركية والموقع المتغيّر للمنطقة ضمن الرأسمالية العالمية.

تتخلّى هذه المقاربة عن الفكرة الماركسية الأساسية التي ترى في الدولة الرأسمالية شكلاً مؤسسياً لسلطة الطبقة الحاكمة، يتوسّط الصراعات التي تنشأ حتماً بين الطبقات وداخل كل منها.1 وإلى جانب وظائفها القمعية والأيديولوجية، تسعى الدولة الرأسمالية إلى ضمان «الشروط العامة للإنتاج التي لا تستطيع الأنشطة الخاصة لأفراد الطبقة المهيمنة تأمينها».2

ومع التخلّي عن هذا المنظور، تُختزل سياسة الدولة في قرارات الحكّام الأفراد، وتغيب عن التحليل العلاقات الطبقية التي تقوم عليها. ففي القراءات الليبرالية، تُفسَّر الترامبية بوصفها تعبيراً شاذاً عن شخصية نرجسية وغير عقلانية، بدلاً من فهمها بوصفها شكلاً سياسياً نشأ في ظل رأسمالية عالمية تعصف بها الأزمات. وتظهر مشكلة مماثلة لدى التيارات العالمثالثية التي تبدو أكثر راديكالية، إذ تنظر إلى الدولة أساساً من زاوية المواجهة الوطنية مع الإمبريالية، فيما تتراجع إلى الخلفية طبيعتها الطبقية والعلاقات الاجتماعية الداخلية التي تعمل الإمبريالية من خلالها.

مفاهيم مثل «التعدّدية القطبية» تضع الدول في صلب تحليل النظام العالمي، بوصفها القوى الرئيسة المتنافسة على النفوذ فوق رقعة شطرنج جيوسياسية، بدلاً من النظر إلى المستوى الوطني بوصفه جزءاً يرتبط عضوياً بكلية رأسمالية واحدة متكاملة هرمياً

يندرج فصل سلطة الدولة عن علاقاتها الطبقية ضمن نزعة أوسع تختزل الإمبريالية في خيار سياسي يقوم على الحرب والصراع العسكري. لكن لينين شدّد، قبل أكثر من قرن، على استحالة فصل الإمبريالية عن البنى الاقتصادية للرأسمالية واختزالها في مجرّد سياسة من بين سياسات أخرى.

قد تكون الحرب أحد أبرز تجلّيات الإمبريالية، لكن الإمبريالية باتت سمة دائمة للسوق الرأسمالية العالمية، تقوم على النقل المنهجي للقيمة من المناطق الخاضعة للهيمنة، بما فيها القيمة التي تنتجها الطبقات التابعة، إلى المراكز الرئيسة لتراكم رأس المال.3 ومن دون فهم الإمبريالية بوصفها سمة مُكوِّنة للسوق الرأسمالية العالمية التي تنتظم حول علاقة القيمة، تغيب عن التحليل أشكال الاستغلال والهيمنة التي تستمر حتى في الفترات التي تبدو سلمية.

ويتجلّى الإخفاق في اتخاذ الرأسمالية نفسها نقطة انطلاق لفهم النظام العالمي المعاصر في اللغة الشائعة لدى قطاعات واسعة من اليسار، التي غالباً ما تستعير مفاهيمها من العلوم السياسية السائدة من دون تمحيص نقدي. فمفاهيم مثل «التعدّدية القطبية» تضع الدول في صلب تحليل النظام العالمي، بوصفها القوى الرئيسة المتنافسة على النفوذ فوق رقعة شطرنج جيوسياسية، بدلاً من النظر إلى المستوى الوطني بوصفه جزءاً يرتبط عضوياً بكلية رأسمالية واحدة متكاملة هرمياً.4

تتعامل هذه المقاربة المتمحورة حول الدولة مع الاقتصادات الوطنية بوصفها وحدات متجانسة، وتحجب العلاقات الطبقية الداخلية والإقليمية التي تندمج من خلالها في السوق العالمية. ويتجلّى ذلك خصوصاً في القراءات التي تعتبر تنامي نفوذ دول رأسمالية مثل الصين وروسيا دليلاً بحدّ ذاته على تراجع النظام الإمبريالي، من دون النظر إلى كيفية تشكّل موقع هذه الدول داخل السوق العالمية بفعل التفاعل بين دينامياتها الطبقية الداخلية والأزمة الممتدة للرأسمالية العالمية.

تفاقمت هذه الأزمة منذ الانهيار الاقتصادي في عام 2008، وظهرت تداعياتها في ظواهر مترابطة، أبرزها ركود معدلات الربح، وتكرار الفقّاعات المالية، وتراكم كمّيات ضخمة من رأس المال النقدي الفائض الباحث عن فرص للتثمين، والارتفاع الكبير في الديون العامة والخاصة، وفرط الإنتاج المزمن في قطاعات اقتصادية عديدة، فضلاً عن تفاقم حالة الطوارئ المناخية. وتواجه جميع الدول، بما فيها الصين، هذه الضغوط البنيوية وتحاول التعامل معها، فيما أدّت إلى اشتداد التنافس بين القوى الرأسمالية الكبرى.

إن الانطلاق من منظور السوق العالمية، أي النظر إلى الكلّ بدلاً من الأجزاء، يتيح فهم التنافس بين الدول بوصفه تعبيراً سياسياً عن التناقضات الكامنة في الرأسمالية، وليس سبباً لها. ويكشف تاريخ الشرق الأوسط هذه الديناميات بوضوح خاص.

اكتسبت المنطقة مكانتها المحورية في النظام العالمي الإمبريالي بفعل تغيّر موقعها داخل الرأسمالية العالمية، بدءاً من التحوّل في استخدام الطاقة عالمياً في منتصف القرن العشرين، وصولاً إلى صعود الصين في العقود الأخيرة. ولا يمكن تفسير هذا المسار التاريخي بافتراض تقارب دائم بين البروتستانتية الاستيطانية الأميركية والصهيونية، أو باختزاله في الصراع على الاستيلاء المباشر على إمدادات النفط أو السيطرة عليها.

تكمن أهمية النفط في الدور الذي أدّاه ضمن المنطق الأوسع للتراكم الرأسمالي.5 فقد اندمج في التمويل العالمي والترتيبات النقدية التي قامت عليها القوة الأميركية، وأسهم في الوقت نفسه في تحوّل العلاقات الاجتماعية داخل المنطقة. وكانت الملكيات الخليجية التجسيد الأوضح لهذه العملية، إذ تحوّلت إلى مواقع مؤسسية رئيسة لإعادة إنتاج الهيمنة الإمبريالية الأميركية.

يساعد هذا المسار التاريخي على فهم تصاعد العنف الإمبريالي الأميركي في الشرق الأوسط، في ظل أزمة رأسمالية ممتدة يشكّل التراجع النسبي للولايات المتحدة أحد مظاهرها.

ركيزتا القوة الأميركية في الشرق الأوسط

شهدت المرحلة التي تزامنت مع الحرب العالمية الثانية تحوّلاً حاسماً في نظام الطاقة العالمي، إذ حلّ النفط محلّ الفحم بوصفه الوقود الأحفوري الرئيس. لكن ما سُمّي «الانتقال من الفحم إلى النفط» لم يؤدِّ إلى تراجع استهلاك الفحم، الذي واصل ارتفاعه وبلغ مستويات قياسية في عام 2025. وأتاح صعود النفط تحوّلات كبرى في الرأسمالية نفسها، من بينها التوسّع الهائل في استخدام الطاقة عالمياً، الذي تتجلّى عواقبه اليوم بوضوح في حالة الطوارئ المناخية. كذلك، أعاد النفط تشكيل قطاع النقل والإنتاج الصناعي وأساليب خوض الحروب، وأسهم في نشوء قطاعات جديدة، مثل البتروكيماويات، التي حلّت فيها المنتجات الاصطناعية المشتقّة من النفط محلّ الكثير من المواد الطبيعية.6

ارتبط صعود النفط بوصفه الوقود الأحفوري الرئيس ارتباطاً وثيقاً بترسّخ مكانة الولايات المتحدة كقوة رأسمالية أولى بعد الحرب العالمية الثانية. فعلى خلاف معظم الدول الأوروبية، امتلكت الولايات المتحدة احتياطيات نفطية ضخمة داخل أراضيها، وهيمنت شركاتها على إنتاج النفط عالمياً.

ومع ارتفاع الطلب العالمي على النفط، سعت واشنطن إلى حماية إمداداتها المحلية من ضغوط التصدير التي قد ترفع الأسعار في السوق الأميركية. ولذلك، شجّعت خطط إعادة الإعمار الأميركية دول أوروبا الغربية على تلبية احتياجاتها المتزايدة من الطاقة عبر استيراد النفط، وخصوصاً من الشرق الأوسط الذي وفّر إمدادات رخيصة ووفيرة وسهلة النقل. وقد خُصّصت للنفط حصة من مساعدات خطة مارشال تفوق ما خُصّص لأي سلعة أخرى، وجاء معظمه من الشرق الأوسط.7 وهكذا، ارتبط التحوّل من الفحم إلى النفط في أوروبا الغربية بالشرق الأوسط بقدر ارتباطه بأوروبا نفسها.

تزامن الانتقال إلى النفط وترسّخ الهيمنة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية مع تفكّك النظام القديم الذي فرضته القوى الأوروبية على الشرق الأوسط. فقد تصاعدت الحركات المناهضة للاستعمار والحركات القومية العربية في أنحاء المنطقة، ولا سيما في مصر، حيث أُطيح بالملك فاروق المدعوم من بريطانيا في انقلاب عام 1952 بقيادة الضابط جمال عبد الناصر، الذي كان يحظى بشعبية واسعة. وألهم انتصار عبد الناصر نضالات اجتماعية متعددة في المنطقة، وسط تصاعد دعوات الحركات السياسية إلى تأميم الموارد النفطية وتوظيف ثرواتها في إزالة آثار الهيمنة الاستعمارية.

ومع انحسار النفوذ البريطاني والفرنسي تحت وطأة النضالات المناهضة للاستعمار، سعت الولايات المتحدة إلى ترسيخ موقعها بوصفها القوة الخارجية المهيمنة في الشرق الأوسط. واستند النظام الإقليمي الجديد بقيادة واشنطن إلى تحالفين رئيسين، أولهما مع السعودية وغيرها من الملكيات الخليجية الغنية بالنفط.

رأت الولايات المتحدة في إسرائيل قوة قادرة على زعزعة استقرار أي دولة أو حركة تعتبرها معادية لمصالحها، وشنّ الحروب عليها. ومنذ ذلك الحين، بدأت واشنطن تزوّد إسرائيل سنوياً بمعدات عسكرية ودعم مالي بمليارات الدولارات

خلال أربعينيات القرن العشرين وخمسينياته، أحكمت شركات النفط الأميركية سيطرتها على إنتاج النفط السعودي. لكن المملكة لم تكن بمنأى عن صعود الحركات الراديكالية واليسارية والتحركات العمالية، حتى إن تياراً ناصرياً ظهر داخل الأسرة الحاكمة نفسها. وفي مواجهة هذه التحديات، قدّمت الولايات المتحدة دعماً غير مشروط للجناح المحافظ من الأسرة المالكة السعودية، فزوّدته بالسلاح، ودرّبت الحرس الوطني، وساندته في مواجهة خصومه الداخليين والتيارات القومية في المنطقة.

أما الركيزة الثانية للقوة الأميركية في الشرق الأوسط، فكانت إسرائيل، وخصوصاً بعد حرب عام 1967، التي هزمت فيها مصر وتحالفاً من الدول العربية، ووجّهت ضربة كبيرة إلى الناصرية وغيرها من التيارات السياسية الراديكالية في المنطقة. فقد رأت الولايات المتحدة في إسرائيل قوة قادرة على زعزعة استقرار أي دولة أو حركة تعتبرها معادية لمصالحها ومصالح الغرب عموماً، وشنّ الحروب عليها. ومنذ ذلك الحين، بدأت واشنطن تزوّد إسرائيل سنوياً بمعدات عسكرية ودعم مالي بمليارات الدولارات.

الاستعمار الاستيطاني والتحالف الأميركي الإسرائيلي

على غرار جنوب أفريقيا في ظل نظام الفصل العنصري، ارتبطت خصوصية التحالف الأميركي مع إسرائيل بطبيعتها كمستعمرة استيطانية تأسّست على تجريد السكان الفلسطينيين الأصليين من أراضيهم وممتلكاتهم، والإقصاء العنصري المستمر للفلسطينيين الذين بقوا على أرضهم، سواء تحت الاحتلال العسكري في الضفة الغربية وقطاع غزة، أو بوصفهم مواطنين فلسطينيين في إسرائيل.8

تستفيد قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي من سلب أراضي الفلسطينيين وممتلكاتهم والعنف الممارس ضدهم، وباتت تنظر إلى الامتيازات الناجمة عن هذه الممارسات من منظور عرقي وديني خلاصي.9 وبفعل هذه البنية الاجتماعية المميّزة واعتماد إسرائيل على الدعم الخارجي لضمان بقائها، أصبحت حليفاً للولايات المتحدة أكثر موثوقية بكثير من الدول «التابعة» التقليدية، مثل مصر والأردن، اللتين تواجهان باستمرار ضغوطاً اجتماعية وسياسية من القاعدة الشعبية تضطرهما إلى الاستجابة لها.

لهذا، تلقّت إسرائيل مساعدات خارجية أميركية تراكمية تفوق ما تلقّته أي دولة أخرى في العالم، على الرغم من أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيها يتجاوز نظيره في بريطانيا وفرنسا وإيطاليا. ففي عام 2021، قبل بدء الإبادة الجماعية في غزة، حصلت إسرائيل على تمويل عسكري أميركي خارجي يفوق ما حصلت عليه بقية دول العالم مجتمعة. وقد وصفها وزير الخارجية الأميركي الأسبق ألكسندر هيغ ذات مرة بأنها «أكبر حاملة طائرات أميركية في العالم».

عبّر جو بايدن عن هذه الأهمية الاستراتيجية لإسرائيل في عام 1986، حين وصفها بأنها «أفضل استثمار بقيمة 3 مليارات دولار نقوم به»، مضيفاً أنه «لو لم تكن إسرائيل موجودة، لاضطرت الولايات المتحدة الأميركية إلى اختراع إسرائيل لحماية مصالحها في المنطقة». ولم يقتصر الدعم الأميركي على الجانبين العسكري والاقتصادي، إذ عملت واشنطن باستمرار على حماية إسرائيل من الإدانة الدولية. فمنذ عام 1945، شكّلت القرارات التي تنتقد إسرائيل أكثر من نصف قرارات مجلس الأمن التي عطّلتها الولايات المتحدة باستخدام حق النقض. وهذا الدعم لا يرتبط برئيس أميركي أو حزب بعينه، وإنما يمثّل سياسة ثابتة تحظى بتأييد الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

لكن ذلك لا يعني أن القادة الأميركيين والإسرائيليين يتفقون دائماً على التكتيكات، أو أن الحكومات الإسرائيلية لا تستجيب لضغوطها السياسية الداخلية والمصالح التي تسعى إلى تحقيقها. فالعلاقات بين القوى الإمبريالية وحلفائها الإقليميين تولّد خلافات حتماً، وقد شهدت العلاقات بين واشنطن وتل أبيب توترات متكرّرة على مدى العقود الستة الماضية. ففي حزيران/يونيو 1990، ومع تصاعد الاستياء من حكومة إسحاق شامير بسبب عرقلتها المفاوضات مع الفلسطينيين، قرأ وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر رقم هاتف البيت الأبيض علناً، مخاطباً إسرائيل بالقول: «عندما تصبحون جادّين بشأن السلام، اتصلوا بنا».10

ظهرت خلافات مماثلة خلال الحرب الحالية، من بينها إصرار نتنياهو المتكرّر على أن إسرائيل قادرة على التحرّك بمفردها، ولم تعد بحاجة إلى موافقة أميركية. وتتمتّع إسرائيل بهامش واسع من الاستقلالية في السعي إلى تحقيق مصالحها، وإن ظلّ هذا الهامش محكوماً بعلاقة التبعية للولايات المتحدة. لكن الخلافات التكتيكية لا تعني تصدّع العلاقة الاستراتيجية التي يقوم عليها التحالف، الذي يبقى محورياً في تراكم رأس المال الإسرائيلي وإعادة إنتاج القوة الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط.

تعكس أطروحة اللوبي منظوراً ليبرالياً يفصل صنع السياسات عن العلاقات المادية التي تسعى الدولة الأميركية من خلالها إلى تنظيم مصالح الطبقة الحاكمة، وتحجب أيضاً الطبيعة الإمبريالية للرأسمالية الأميركية وتاريخها الدموي في مناطق أخرى من العالم

من هنا، تقلب التفسيرات التي تركّز على النفوذ المفترض «للوبي الإسرائيلي» طبيعة العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة رأساً على عقب. فهي تصوّر السياسة الأميركية بوصفها نتاج ضغوط تمارسها جماعة مصالح فئوية على دولة يُفترض أنها محايدة في غياب هذه الضغوط. وتعكس أطروحة اللوبي منظوراً ليبرالياً بامتياز، يفصل صنع السياسات عن العلاقات المادية التي تسعى الدولة الأميركية من خلالها إلى تنظيم مصالح الطبقة الحاكمة وتمثيلها. وتحجب أيضاً الطبيعة الإمبريالية للرأسمالية الأميركية وتاريخها الدموي في مناطق أخرى من العالم، إذ توحي بأن الولايات المتحدة كانت لتكون قوة خيّرة لولا التأثير الخبيث لجهات أجنبية.

لا يعني ذلك إنكار وجود شبكة من الجماعات المنظّمة التي تمارس الضغط السياسي وتطلق الحملات دعماً لإسرائيل. لكن دور هذه المنظمات يكمن في بلورة السياسة الإمبريالية الأميركية وترسيخها داخل الولايات المتحدة، من دون أن تكون المصدر الذي تنبثق منه هذه السياسة.

تُستخدم هذه المنظمات أدواتٍ للضبط السياسي، عبر مراقبة الحركات السياسية المرتبطة بفلسطين وقمعها، والتضييق على التعبير عن المواقف المتعلّقة بها. وتتزايد أهمية هذا الدور في المرحلة الراهنة، مع اتّساع التعاطف الشعبي مع النضال الفلسطيني واشتداد الضغوط على الرواية الأيديولوجية المهيمنة بشأن إسرائيل. وتشكّل المنظمات المؤيدة لإسرائيل أيضاً إحدى القنوات الرئيسة لنشر العنصرية المعادية للفلسطينيين وتطبيعها.

بهذه الوسائل، تسهم هذه المنظمات في ترجمة التحالف البنيوي بين الولايات المتحدة وإسرائيل إلى ضغوط سياسية داخلية، وترسيخ القبول الأيديولوجي به. لكن اعتبارها السبب الأساسي للدعم الأميركي لإسرائيل يعني إعفاء المصالح الإمبريالية للرأسمالية الأميركية، التي تكمن في صلب المشكلة، من المسؤولية.

النفط والتمويل العالمي

ازدادت أهمية إسرائيل والملكيات الخليجية، بوصفهما الركيزتين الأساسيتين للمصالح الأميركية في الشرق الأوسط، مع التحوّلات الكبرى التي شهدتها صناعة النفط العالمية في سبعينيات القرن العشرين. فبعد تأسيس منظمة البلدان المصدّرة للبترول (أوبك) في عام 1960، وما تلاه من تأميم إنتاج النفط في كبرى الدول المصدّرة، تراجعت السيطرة المباشرة للشركات الغربية على النفط العالمي بدرجة كبيرة.

في عام 1970، كانت شركات النفط الغربية تسيطر على أكثر من 90% من احتياطيات النفط خارج الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، لكن حصتها تراجعت إلى أقل من الثلث خلال عقد واحد. كذلك، أفقدتها عمليات التأميم سيطرتها السابقة على تحديد أسعار النفط، ما أسهم في ارتفاعها الحاد خلال سبعينيات القرن العشرين.

في هذا السياق، اكتسبت علاقة الولايات المتحدة بالسعودية، أكبر مصدّر للنفط في العالم والقوة المهيمنة داخل أوبك، أهمية استراتيجية لضمان عدم استخدام دول «العالم الثالث» سيطرتها على إمدادات النفط الخام لتحدّي النظام العالمي القائم. وتعاظمت هذه الأهمية بعد الثورة الإيرانية في عام 1979، التي أطاحت بالملكية البهلوية وحرمت واشنطن من حليف أساسي آخر، كان أيضاً من أقوى أعضاء أوبك. ومنذ ذلك الحين، استخدمت السعودية نفوذها داخل المنظمة لكبح الاستراتيجيات الأكثر تصادمية، وضمان بقاء إنتاج النفط وتسعيره منسجمين مع استقرار السوق العالمية وعلاقتها الاستراتيجية بالولايات المتحدة.

لكن أهمية النفط تجاوزت دوره بوصفه سلعة مادية. فمنذ سبعينيات القرن العشرين، ارتبط تنظيم إنتاج النفط وعائداته بإعادة بناء نظام نقدي ومالي دولي جديد يتمحور حول الولايات المتحدة. وتزامن ذلك مع انتقال السيطرة على استخراج النفط وتسعيره من الشركات الغربية الكبرى إلى الدول المنتجة، وانهيار نظام بريتون وودز، وما أعقبه من اعتماد نظام لأسعار الصرف العائمة غير المرتبطة بالذهب.

لم يقتصر أثر اندماج الخليج في الرأسمالية العالمية المتمحورة حول الولايات المتحدة، من موقع تابع، على تعزيز الهيمنة المالية الأميركية، إذ أسهم أيضاً في تقوية طبقة رأسمالية محلية في الخليج، بات تراكم رأس مالها يرتبط بصورة متزايدة بالنظام الرأسمالي العالمي

ومع ترسّخ مكانة النفط بوصفه الوقود الأحفوري الأهم عالمياً، ولّدت ارتفاعات أسعاره في سبعينيات القرن العشرين فوائض مالية هائلة لدى الدول الأعضاء في أوبك في الشرق الأوسط، قُدّرت بنحو 1.7 تريليون دولار بين عامي 1965 و1986، استحوذت السعودية على أكثر من 40% منها.11 وقد أُعيد توجيه هذه الفوائض، المعروفة باسم «البترودولارات»، عبر الأسواق المالية الأميركية والمؤسسات المالية الأوروبية والأميركية، ما عزّز الهيمنة المالية الأميركية في مرحلة كانت فيها ملامح النظام النقدي والمالي لما بعد بريتون وودز لا تزال غير واضحة.

أدّى التحالف الأميركي مع السعودية وغيرها من الملكيات الخليجية دوراً أساسياً في هذه العملية. فبفضل موقعها المهيمن داخل أوبك، ضمنت السعودية تسعير صادرات الدول الأعضاء النفطية بالدولار الأميركي، بعدما كانت نحو 20% من المعاملات النفطية الدولية تُجرى بالجنيه الإسترليني حتى منتصف سبعينيات القرن العشرين.12 وأسهم ذلك في ترسيخ مكانة الدولار الأميركي بوصفه عملة الاحتياط العالمية، إذ بات على جميع الدول الاحتفاظ بكميات كبيرة منه لتمويل وارداتها من النفط، أهم سلعة في العالم.

منح هذا الترتيب الولايات المتحدة ميزة إضافية، إذ بات الطلب الدولي على الدولار يتجاوز احتياجات اقتصادها المحلي، ما أتاح لها الإنفاق في الخارج بأكثر مما تجنيه، من دون الخضوع للقيود نفسها المرتبطة بالتضخم وأسعار الصرف التي تواجهها الدول الأخرى. ومع ترسّخ موقع الدولار بوصفه عملة الاحتياط العالمية، اكتسبت الولايات المتحدة نفوذاً هائلاً على الدول الأخرى، عبر التهديد بفرض العقوبات أو حرمانها من الوصول إلى النظام المصرفي الأميركي.

شكّلت إعادة تدوير عائدات النفط الخليجية في الأسواق المالية الأميركية الجانب الآخر من هذا الترتيب. فقد استثمرت السعودية والملكيات الخليجية المجاورة مبالغ ضخمة في سندات الخزانة الأميركية وغيرها من الأوراق المالية المقوّمة بالدولار. وساهمت سلسلة من الاتفاقيات السرية في توجيه عائدات النفط السعودية إلى الأسواق الأميركية، حتى إن المملكة كانت تمتلك، بحلول نهاية سبعينيات القرن العشرين، نحو خُمس إجمالي سندات الخزانة الأميركية المتوسطة والطويلة الأجل التي تحتفظ بها الحكومات الأجنبية.13

أصبحت دول الخليج أيضاً من كبار مشتري الأسلحة والمعدات العسكرية الأميركية، ما وفّر قناة إضافية لإعادة توجيه الفوائض المالية الخليجية نحو دعم رأس المال الأميركي. ولم يقتصر أثر اندماج الخليج في الرأسمالية العالمية المتمحورة حول الولايات المتحدة، من موقع تابع، على تعزيز الهيمنة المالية الأميركية، إذ أسهم أيضاً في تقوية طبقة رأسمالية محلية في الخليج، بات تراكم رأس مالها يرتبط بصورة متزايدة بالنظام الرأسمالي العالمي الأوسع الذي تتمحور حوله الولايات المتحدة.

صعود الصين والتراجع الأميركي؟

منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، تراجعت مكانة الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي بالمقارنة مع القوى الاقتصادية الأخرى. فقد أعقب انهيار الكتلة السوفياتية عهد قصير بدا فيه التفوّق الأميركي بلا منازع، قبل أن يفسح المجال أمام صعود الصين ودول أخرى من خارج المركز الأوروبي الأميركي التقليدي.

في مطلع الألفية الثالثة، كانت الولايات المتحدة المحرّك الرئيس للطلب العالمي، إذ استحوذت على نحو 20% من الواردات السلعية العالمية، في مقابل أقل من 4% للصين. لكن حصتها تراجعت منذ ذلك الحين إلى نحو 14%، فيما ارتفعت حصة الصين إلى نحو 10% من الواردات العالمية.14

بالتوازي مع هذا التحوّل في الاستهلاك العالمي للسلع، تراجعت حصة الولايات المتحدة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي تراجعاً حاداً منذ منتصف ثمانينيات القرن العشرين.15 ولم تعد الشركات الأميركية تتصدّر تصنيفات أكبر الشركات في العالم بفارق كبير كما في السابق.16 كذلك، تقلّصت السيطرة الأميركية بدرجة كبيرة على عدد من التقنيات الرئيسة والمعادن الحرجة وسلاسل التوريد العالمية.

أما داخلياً، فتواجه الولايات المتحدة تفاقماً في المشكلات الاجتماعية وتراجعاً في قدرات الدولة، يتجلّيان في أزمة متصاعدة في الصحة العامة، والسجن الجماعي، واختلال الأداء السياسي، والتدهور المستمر للبنية التحتية الأساسية. في المقابل، أصبحت الصين مركزاً رئيساً للإنتاج وتراكم رأس المال، مع تزايد قدرتها على تحويل ثقلها الاقتصادي إلى نفوذ سياسي.

أدّى الشرق الأوسط دوراً مهماً في تحوّل مركز الثقل في السوق العالمية نحو الشرق. فقد اعتمد الصعود الصناعي للصين بدرجة حاسمة على الزيادة الهائلة في استهلاك الطاقة، إذ تضاعف استهلاكها من النفط بين عامي 1998 و2009، ثم تضاعف مجدداً بين عامي 2009 و2024.

لا تقتصر آثار هذه المشتريات على توجيه الفوائض المالية الخليجية نحو الصناعات العسكرية وصناعات التكنولوجيا المتقدّمة الأميركية، إذ تعزّز أيضاً ارتباط القوات المسلحة الخليجية بأنظمة التدريب والصيانة والقيادة العسكرية الأميركية

وبحلول عام 2025، استحوذت الصين على 16% من استهلاك النفط العالمي، متجاوزةً أوروبا بأكملها، وحلّت في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة التي بلغت حصتها 19%.17 وشهد استهلاك الصين من الغاز الطبيعي والفحم، وكذلك من مصادر الطاقة المتجدّدة، نمواً سريعاً مماثلاً.18

ولبّت الصين معظم احتياجاتها المتزايدة من النفط والغاز عبر الواردات من الشرق الأوسط، وخصوصاً الخليج. ووفقاً لقاعدة الأمم المتحدة لإحصاءات تجارة السلع، وفّرت الملكيات الخليجية في عام 2024 نحو ثلث واردات الصين من النفط الخام وربع وارداتها من الغاز الطبيعي المسال، لتصبح بذلك أكبر مورّد خارجي للنفط إلى الصين وثاني أكبر مورّد للغاز الطبيعي المسال.19

ومع احتساب النفط المستورد من العراق وإيران، ترتفع حصة منطقة الخليج إلى نحو 55% من واردات الصين من النفط الخام.20 ونتيجة لذلك، تحوّل المحور الجغرافي للصادرات السلعية الخليجية تدريجياً بعيداً من الأسواق الغربية، وازداد ارتباطها بما يُعرف باسم «محور المحروقات شرق–شرق»، الذي يصل صادرات الطاقة الخليجية بالنمو الصناعي والصناعات التحويلية في الصين وشرق آسيا.

لكن هذا التحوّل نحو الشرق لم يفكّ ارتباط دول الخليج الراسخ بالأصول المالية المقوّمة بالدولار والمؤسسات المالية الأميركية. فقد ارتفعت حيازاتها من الأوراق المالية الأميركية، بما فيها سندات الخزانة وديون الشركات والأسهم، من 611 مليار دولار في عام 2017 إلى أكثر من تريليون دولار في عام 2024، وفقاً لبيانات وزارة الخزانة الأميركية، متجاوزةً حيازات حلفاء تقليديين للولايات المتحدة، مثل فرنسا وألمانيا.21

وعلى خلاف الصين واليابان، اللتين لا تزال محافظهما الاستثمارية تتركّز بدرجة كبيرة في سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، وتراجعت حصتاهما من إجمالي الأوراق المالية الأميركية منذ عام 2017، وسّع المستثمرون الخليجيون استثماراتهم في الأسهم الأميركية. فقد تضاعفت قيمة حيازاتهم من هذه الأسهم نحو 3 مرات خلال الفترة نفسها، وباتت تمثّل نحو 5% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في الشركات الأميركية.

يتجلّى النمط نفسه في المحافظ الاستثمارية لصناديق الثروة السيادية الخليجية، التي أصبحت من كبار المستثمرين في الشركات الأميركية. وبحلول عام 2024، بلغت قيمة الأصول التي تسيطر عليها هذه الصناديق نحو 4.9 تريليونات دولار، بالمقارنة مع ما يزيد قليلاً على 3 تريليونات دولار في عام 2020. وشكّلت هذه الأصول نحو 40% من إجمالي رأس مال صناديق الثروة السيادية في العالم، وشملت بعض أكبر الصناديق العالمية، مثل جهاز أبوظبي للاستثمار، وشركة مبادلة للاستثمار، والهيئة العامة للاستثمار الكويتية، وصندوق الاستثمارات العامة السعودي. وعلى الرغم من ارتفاع القيمة الإجمالية للاستثمارات الخليجية في شرق آسيا ومناطق أخرى، لا تزال الأسواق الأميركية الوجهة الجغرافية الرئيسة لاستثمارات صناديق الثروة السيادية الخليجية، بفارق كبير عن سائر الأسواق.22

تشكّل صادرات الأسلحة إلى دول الخليج آلية أخرى تربط المنطقة بالرأسمالية الأميركية، بوصفها أحد المراكز الرئيسة للفوائض المالية عالمياً. فبين عامي 2021 و2025، استحوذت الملكيات الخليجية على نحو 20% من صادرات الأسلحة العالمية، جاء معظمها من الولايات المتحدة. وكانت السعودية أكبر مستورد للأسلحة الأميركية خلال هذه الفترة، إذ استحوذت على نحو 12% من إجمالي صادرات الأسلحة الأميركية.

وجاء نحو 80% من واردات السعودية من الأسلحة من الولايات المتحدة، في مقابل 62% من واردات الكويت، و48% من واردات قطر، و42% من واردات الإمارات. ولا تقتصر آثار هذه المشتريات على توجيه الفوائض المالية الخليجية نحو الصناعات العسكرية وصناعات التكنولوجيا المتقدّمة الأميركية، إذ تعزّز أيضاً ارتباط القوات المسلحة الخليجية بأنظمة التدريب والصيانة والقيادة العسكرية الأميركية، ما يسهم في إعادة إنتاج أشكال من التبعية الاستراتيجية طويلة الأمد.

يجعل استمرار هذه الروابط المالية والعسكرية الصورة أكثر تعقيداً مما تقدّمه التفسيرات المبسّطة عن انتقال وشيك بعيداً من النظام النقدي المتمحور حول الدولار. فعلى الرغم من النمو الكبير في الثقل الاقتصادي للصين، لا تزال أسواقها المالية أقل سيولة وتخضع لضوابط تنظيمية أشدّ من الأسواق الأميركية. كذلك، لا يزال اليوان الصيني يؤدّي دوراً محدوداً في الاحتياطيات العالمية والإقراض عبر الحدود وتسعير الطاقة. وتبقى الملكيات الخليجية، بوصفها أحد المراكز الرئيسة للفوائض المالية في الاقتصاد العالمي، مرتبطة بنيوياً بالأسواق المالية الأميركية، ولديها مصلحة كبيرة في استمرار هيمنة الدولار. وعلى الرغم من أن صعود الصين غيّر الوجهة الجغرافية للتجارة الخليجية، فإنه لم يُنهِ اندماج المنطقة في الرأسمالية العالمية المتمحورة حول الولايات المتحدة من موقع تابع.

الإمبريالية الأميركية والحرب التي لا تنتهي

غالباً ما تصوّر القراءات الليبرالية ترامب بوصفه رئيساً خارجاً عن المألوف يصعب التنبؤ بتصرّفاته، وتقدّم إدارته باعتبارها خاضعة لسيطرة متطرّفين يمينيين أو رجعيين إنجيليين. لكن هذه النظرة تفصل الدولة الرأسمالية وسياساتها عن العلاقات الطبقية والضغوط البنيوية، على المستويين العالمي والوطني، التي تؤدّي الدولة دور الوسيط في التعامل معها.

بصرف النظر عن صفات ترامب الشخصية، تمثّل إدارته مشروعاً سياسياً واضحاً يسعى إلى إدارة التراجع النسبي للقوة الأميركية في ظل أزمات عميقة ومترابطة تعصف بالرأسمالية العالمية. وعلى الصعيد الداخلي، تتجسّد هذه الاستراتيجية الإمبريالية في نزعة قومية عدوانية تقوم على العنصرية واستهداف المهاجرين وإنكار تغيّر المناخ وتبنّي مواقف رجعية تجاه قضايا النوع الاجتماعي والجنسانية.

تسهم هذه المظاهر الأيديولوجية في بناء القبول بالعسكرة، وتبرير توسيع القمع الذي تمارسه الدولة، وتوجيه الغضب الاجتماعي الناجم عن تراجع مستويات المعيشة نحو فئات سكانية تتعرّض للتمييز العنصري وتفتقر إلى الحماية السياسية. كذلك، تهيّئ السكان لتقبّل التضحيات باسم أمة يُفترض أنها محاصرة بمنافسين أجانب وأعداء في الداخل. ويشير انتشار سياسات يمينية متطرّفة مماثلة في بلدان أخرى إلى أزمة أوسع في الحكم الرأسمالي، تتجاوز الولايات المتحدة ولا تقتصر عليها.

تنبع هذه الحروب من مساعي الولايات المتحدة إلى إعادة تأكيد هيمنتها الإقليمية، وتهدف إلى إضعاف الدول والحركات السياسية التي لا تزال خارج نطاق المصالح الأميركية في المنطقة، ولا سيما إيران

يحتلّ الشرق الأوسط موقعاً حاسماً في الجهود الرامية إلى إعادة تنظيم القوة الأميركية عالمياً. وعلى مدى عقود، شكّلت محاولة جمع إسرائيل والملكيات الخليجية، الركيزتين التاريخيتين للنفوذ الأميركي في المنطقة، ضمن تكتّل تقوده الولايات المتحدة محوراً أساسياً لهذه الجهود. وأحرز هذا المشروع تقدّماً كبيراً مع اتفاقيات أبراهام، التي طبّعت بموجبها الإمارات والبحرين علاقاتهما مع إسرائيل في عام 2020، في خطوة لم تكن لتتحقّق من دون موافقة السعودية.

تسعى الولايات المتحدة عبر هذه الاتفاقيات إلى إعادة ترسيخ هيمنتها الإقليمية في مواجهة الجاذبية الاقتصادية المتنامية للشرق. فالنفط الخليجي ضروري للرأسمالية الصينية، فيما تواصل إعادة تدوير الفوائض المالية الخليجية دعم البنى النقدية والمالية التي تستند إليها القوة الأميركية عالمياً. وفي حال اشتداد الصراع مع الصين، سيكتسب تكتّل تقوده الولايات المتحدة ويضمّ الخليج وإسرائيل أهمية استراتيجية بالغة.

ينبغي فهم الإبادة الجماعية في غزة والحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وكذلك الحروب في مناطق أخرى من الشرق الأوسط، في هذا السياق الأوسع. فهذه الحروب تنبع من مساعي الولايات المتحدة إلى إعادة تأكيد هيمنتها الإقليمية، وتهدف إلى إضعاف الدول والحركات السياسية التي لا تزال خارج نطاق المصالح الأميركية في المنطقة، ولا سيما إيران.

لكن إدراك هذه الحقيقة لا يعني أن الحروب ستنجح بالضرورة في تحقيق أهدافها الاستراتيجية. فقد أثار تدمير غزة غضباً شعبياً هائلاً حول العالم، وعمّق عزلة إسرائيل الدولية. وقد تؤدّي الحرب على إيران إلى مزيد من إضعاف النظام الذي يُفترض أن تدافع عنه، وإن كان ما سيحدث في لبنان أحد العوامل الحاسمة في تحديد ذلك. وتعكس هذه الاحتمالات غير المحسومة الصعوبات المتزايدة التي تواجه إعادة إنتاج القوة الإمبريالية في ظل الأزمة البنيوية.

عند تقييم هذه الاحتمالات المستقبلية، ينبغي للتحليل اليساري تجاوز المقاربة الجيوسياسية المحضة لهذه الصراعات. فالمعارضة غير المشروطة للإمبريالية لا تقتضي تعليق التحليل الطبقي. وإيران نفسها دولة رأسمالية تحكمها طبقة حاكمة ارتبط تشكّلها ارتباطاً وثيقاً بجهاز الدولة والحرس الثوري الإيراني. وقد أتاح نظام العقوبات الأميركية، جزئياً، تراكم رأس المال لدى هذه الطبقة، عبر خلق فرص مميّزة لرأس المال المرتبط بالسلطة السياسية، وهو ما ساعد عليه أيضاً توسّع العلاقات الاقتصادية مع الصين. وأفضى ذلك إلى نشوء نظام اجتماعي يتزايد فيه الاستقطاب، مع استمرار قمع العمّال والنساء والطلاب والقوميات المضطهدة، وخصوصاً الأقلية الكردية. وقد ولّدت هذه الظروف موجات متكرّرة من الانتفاضات خلال العقد الماضي، من بينها التعبئات الجماهيرية الواسعة التي سبقت القصف الأميركي الإسرائيلي الأخير.

لكن تاريخ التدخّلات الأميركية حول العالم يُظهر أن الهجمات الحالية لا علاقة لها بتحرير الشعوب من الدول القمعية. فالموقف السياسي المتّسق في مناهضة الإمبريالية يقتضي أيضاً موقفاً متّسقاً في مناهضة الرأسمالية، ومقاومة التدخّل الخارجي بجميع أشكاله، مع إدراك أن التحرّر الحقيقي لا يمكن أن تمنحه أي دولة رأسمالية.

نُشر هذا المقال في 13 تشرين الأول/أكتوبر 2026 على موقع Spectre Journal، وتُرجم إلى العربية ونُشر في «صفر» بموافقة مسبقة من الكاتب.

  • 1

    Bertell Ollman, Dance of the Dialectic: Steps in Marx’s Method (Champaign: University of Illinois Press, 2003).

  • 2

    Ernest Mandel, Late Capitalism (London: Verso Books, 1995), 475.

  • 3

    يتجاوز النقاش المفصّل لآليات حدوث ذلك نطاق هذه المقالة، لكنها تشمل تصدير رأس المال عبر الاستثمار الأجنبي المباشر، والسيطرة المباشرة على الموارد الطبيعية واستخراجها، والمدفوعات الضخمة التي تسدّدها دول الجنوب العالمي لخدمة ديونها. ويشكّل التبادل غير المتكافئ في التجارة قناة إضافية، وكذلك أنظمة عمل المهاجرين التي تتحمّل فيها البلدان الأفقر الجزء الأكبر من تكاليف إعادة إنتاج قوة العمل، بينما يجري الاستحواذ على القيمة التي ينتجها عملهم في أماكن أخرى. وفي الآونة الأخيرة، أصبح التبادل البيئي غير المتكافئ بُعداً رئيسياً من أبعاد عمليات نقل القيمة هذه.

  • 4

    Todd Gordon and Jeffrey Webber, “Complex Stratification in the World System: Capitalist Totality and Geopolitical Fragmentation,” Science & Society 84, no. 1 (January 2020): 95–125; Adam Hanieh, “Multipolar Illusions: The Gulf Arab Monarchies and the Trajectories of the Post-2011 Middle East,” Globalizations (April 2026): 1–20.

  • 5

    للاطلاع على عرض مفصّل لهذه الحجة:

    Hanieh, Crude Capitalism: Oil, Corporate Power, and Making of the World Market (London: Verso Books, 2024).

  • 6

    Hanieh, Crude Capitalism.

  • 7

    David S. Painter, “The Marshall Plan and Oil,” Cold War History 9, no. 2 (2009): 159–75.

  • 8

     لمناقشة موسّعة للاستعمار الاستيطاني والعلاقة الأميركية الإسرائيلية:

    Adam Hanieh, Robert Knox and Rafeef Ziadah, Resisting Erasure: Capital, Imperialism and Race in Palestine (London: Verso Books, 2025).

  • 9

    Sai Englert, Settler Colonialism: An Introduction (London: Pluto Press, 2022).

  • 10

    في الواقع، لم تكن مصلحة الولايات المتحدة في متابعة هذه المفاوضات مرتبطة «بالسلام». للاطلاع على مناقشة لهذه المفاوضات التي جرت في عام 1990، والمعروفة باسم اتفاقيات أوسلو:

    Hanieh, Knox and Ziadah, Resisting Erasure.

  • 11

    Hanieh, Crude Capitalism, 179.

  • 12

    Stephen Galpern, Money, Oil, and Empire in the Middle East: Sterling and Post-War Imperialism, 1944–1971 (Cambridge: Cambridge University Press, 2009).

  • 13

    David Spiro, The Hidden Hand of American Hegemony Petrodollar Recycling and International Markets (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1999).

  • 14

    حسابات أجراها الكاتب استناداً إلى WTO Stats Dashboard, Merchandise Trade, stats.wto.org/dashboard/merchandise_en.html.

  • 15

     انخفضت حصة الولايات المتحدة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 40% إلى نحو 26% بين عامي 1985 و2024.

  • 16

    تجاوز عدد الشركات الصينية المدرجة في قائمة Fortune Global 500 عدد الشركات الأميركية في عام 2018، واستمر ذلك حتى عام 2024، حين استعادت الولايات المتحدة الصدارة (تضم القائمة اليوم 139 شركة أميركية مقابل 128 شركة صينية). وقد ارتفع عدد الشركات الصينية المدرجة في هذه القائمة من 10 شركات فقط في عام 2000. ورغم أن صعود الصين جاء إلى حدّ كبير على حساب الشركات اليابانية والأوروبية، فقد تراجعت أيضاً السيطرة الأميركية على رأس المال الكبير، إذ انخفضت حصة الولايات المتحدة من قائمة Fortune Global 500 من 39% إلى 28% خلال السنوات الـ25 الماضية (حسابات أجراها الكاتب استناداً إلى قوائم Forbes Global Fortune 500).

  • 17

    Energy Institute, Statistical Review of World Energy, 2026, 35.

  • 18

    تضاعف استهلاك الصين من الغاز بين عامي 2015 و2025، وأصبحت حصتها تبلغ 10.6% من الاستهلاك العالمي، لتحتل المرتبة الثالثة بعد روسيا (11.5%) والولايات المتحدة (21.8%). وتستهلك الصين 55% من الفحم في العالم، ولديها نحو ثلث إمدادات الطاقة المتجددة العالمية.

  • 19

    حسابات استناداً إلى قاعدة بيانات UN Comtrade، comtradeplus.un.org.

  • 20

    بيانات UN Comtrade.

  • 21

    للاطلاع على تحليل أكثر تفصيلاً لحجم فوائض البترودولارات والاستثمارات الخليجية في الأسواق المالية الأميركية: Hanieh, “Multipolar Illusions.”

  • 22

    وجد تحليل لأكبر سبعة صناديق ثروة سيادية خليجية أن الاستثمارات في الصين تراوحت بين 2% و5% من إجمالي المخصّصات الاستثمارية في عام 2024، مقارنةً بنسب تراوحت بين 10% و52% للولايات المتحدة. ويستثمر جهاز أبوظبي للاستثمار، وهو أكبر صندوق ثروة سيادية في الخليج، أكثر من نصف أصوله في الولايات المتحدة، مقابل 5% فقط في الصين.

آدم هنية

أستاذ الاقتصاد السياسي والتنمية الدولية في IAIS في جامعة إكستر، رئيس مشارك لمعهد الدراسات الدولية ودراسات المناطق (IIAS) في جامعة تسينغوا في الصين. نشر أربعة كتب استكشف من خلالها قضايا مختلفة متعلّقة بالاقتصاد السياسي لمنطقة الشرق الأوسط ولا سيما دول مجلس التعاون الخليجي. وكتابه الأخير «أموال وأسواق وممالك: مجلس التعاون الخليجي والاقتصاد السياسي للشرق الأوسط المعاصر». نال في العام 2019 جائزة الكتب الممنوحة من مجموعة الاقتصاد السياسي الدولي في جمعية الدراسات الدولية، ثم نال جائزة معهد الدراسات العربية لكتب الاقتصاد السياسي في العام 2019.

سري أبو المنى

أستاذ فلسفة في التعليم الثانوي، وطالب ماجيستير في الفلسفة