رأسمالية المنصّات ووهم الشهادات المصغّرة
تسليع الأمل الزائف
في خريف عام 2011، اكتشف مغامرو وادي السيليكون أرضاً جديدة لتراكم رأس المال. آنذاك، أصدرت جامعة ستانفورد دورة تدريبية مجّانية عبر الإنترنت (ما يعرف بالـ MOOCs) عن الذكاء الاصطناعي ولاقت رواجاً كبيراً بين روّاد الإنترنت، وسجّل فيها 130 ألف شخص من 190 دولة مختلفة (Schmoller, 2011). لم تكن هذه المرّة الأولى التي يطلق فيها دورة جماعية تدريبية مفتوحة على الإنترنت، إذ سبق لأستاذين في كندا أن وزّعا مقرّراً دراسياً من تصميمهما عبر الإنترنت لحوالي 2,000 شخص من غير طلّابهم (Prueter, 2014). الواضح أن ازدياد الطلب كمّاً ونوعاً خارج حدود أميركا جغرافياً سيّل لعاب أصحاب رؤوس الأموال وأذكى جهودهم نحو تسليع هذه التجربة.
على إثر هذا الحدث، نبتت شركات وسيطة لبيع إشتراكات لهذه الدورات على الإنترنت مثل Coursera وedX وUdemy، واستثمر فيها بعشرات الملايين من الدولارات. اعتمدت هذه المنصّات - أو الشركات بالأحرى - دعاية مدعّمة بلغة نيوليبرالية معلنة أنها تورد أفضل تعليم متاح ومجاني في العالم لأي شخص وتعد بحظوظ أكبر للمشاركين في سوق العمل. بسبب تنامي هذه الظاهرة، شهد عام 2012 طفرة في محتوى هذه المنصّات وإقبال غير مسبوق في هذا المجال. ظاهرياً، التزمت الشركات بإعطاء الجميع مجالاً للاطلاع على المقرّرات التي صمّمت من مؤسّسات أكاديمية شهيرة. ولكن باطنياً، لم تعط الشهادات للمشاركين إلا مقابل بدل مالي عن كل شهادة، ولاحقاً أتاحت نموذج الإشتراكات الشهرية لبعض المقرّرات. وبالتالي، لم يكن الهدف الأساسي لهذه الطفرة تعزيز حقّ الوصول إلى المعلومات أو الحقّ في التعليم المعولم المخترق للتفاوت الطبقي، بل كان أداة مفتاح تتيح تنقيب المستثمرين في المنصّات الإلكترونية إلى سوق جديدة.
يتّضح لنا بقراءة أوّلية لظاهرة الدورات الجماعية المفتوحة عبر الإنترنت أنها تسعى إلى تنوير الفرد، بيد أن نموذج تسليعها يكشف النقاب عن عملها كشركات ناشرة تهدف لإعادة هيكلة سوق العمل. إنها مشروع مسيّر بإيعاز رأس المال لتسليع التعليم، وأداة لضبط العمالة، ونقل تكاليف إعادة إنتاج القوى العاملة من يدي الدولة وأصحاب العمل إلى العامل فرادى.
رأس المال يدخل عالم الدراسة الافتراضية
علينا أولاً أن نفهم ما استبدلته الدورات الجماعية المفتوحة عبر الإنترنت، أو ما حاولت استبداله والتماهي معه. بالرجوع إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، اضطر رأس المال أن يساوم على أرباحه لصالح العمالة المنظّمة والحفاظ على استمراريته. فقد أنتجت الجامعات المدعومة من الدولة قوى عاملة معتمدة مُوّل تعليمها من خلال أموال المكلّفين ضريبياً. وكان هذا السياق، تشبيهاً لمقاربة غرامشي، جزءاً ممّا وصفها بـ«الكتلة التاريخية» لتحل محل وسط بين رأس المال والعمل، ما يتيح التراكم المستقر من جهة والحفاظ على الشرعية الاجتماعية من جهة أخرى (Gramsci, 1971).
تُصوّر هذه الشركات أن الفقر هو عجز في المعرفة، وأن انعدام الاستقرار الوظيفي هو فجوة في المهارات. وهذا ينافي الحقيقة كون عجز العامل يكمن في انعدام قوّته ضمن علاقة العمل، كما أن الاستقرار الوظيفي مرهون بالحاجة البنيوية لرأس المال إلى فائض من العمالة
وبحلول ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، فضّت عملية إعادة الهيكلة النيوليبرالية هذه التسوية وزعزعة أسسها. اتّخذت الحكومات إجراءات خفض تمويل الجامعات بظل تحرير الرسوم الدراسية، وأعيدت صياغة التعليم تدريجياً باعتباره استثماراً خاصاً كمثال نقي عن نظرية رأس المال البشري، وليس بهدف المنفعة العامّة (Brown et al., 2011). جرّد الطلّاب من كونهم مواطنين يحق لهم بالتعليم، وتحوّلوا إلى أفراد مستهلكين يتّخذون خيارات عقلانية تستند إلى حركة السوق بغية رفع حظوظ توظيفهم لاحقاً.
وبُعيد نضوج نموذج الدورات الجماعية المفتوحة عبر الإنترنت خلال العقدين الأخيرين، تعمّقت الهوّة الاجتماعية، وتعمّق معها النمط الجديد. وبما أنّ هذه الشركات اجتذبت مئات ملايين الدولارات من رأس المال الاستثماري، فقد صبغت التقنية الجديدة معها بمنطق رأسمالية المنصّة الذي يظفر على استخراج الداتا وقابلية التوسّع وتحقيق الدخل من البيانات مقحمة إيّاه مباشرة في قلب قاعات المحاضرات الافتراضية (Srnicek, 2017). وكانت الدورات «مجّانية» بالمعنى نفسه الذي كان فيه الفيسبوك مجّانياً، إذ تحوّل المستخدم بذاته إلى المنتج. وبعد الذروة الأوّلية للتوقّعات المالية المتضخمة في البداية، تضاءل الاهتمام بهذه المنصّات لاحقاً لعدم وفائها بوعودها وأصبحت البيانات السلوكية ومقاييس المشاركة وملفات تعريف المتعلّمين أصولاً يتمّ بيعها للشركاء من الشركات الذين يبحثون عن عمّال فُرِزُوا مسبقاً (Khalil et. al, 2018).
الارتقاء وجلد الذات
تَعِد الشركات التي تقدّم الدورات الجماعيّة المفتوحة عبر الإنترنت بالقدرة على التغلّب على التفاوت البنيوي عبر محتواها وهو أحد أكثر المفاهيم الأيديولوجية الأساسية في الحداثة الرأسمالية. وهذا، وفقاً للنظرية الماركسية، شكل من أشكال الوعي الزائف بمعنى أنّها تضلّل طبيعة العلاقات الطبقيّة عبر تطبيع اللامساواة فتحيّد النظام وتلقي اللوم على الفرد.
تعتمد هذه المنصّات على نظرية رأس المال البشري في أكثر حالاتها إغراء. تملي على المستخدمين مشاهدة الفيديوهات المعدّة سلفاً، وتحثّهم على تتويج معرفتهم بالشهادات الإلكترونية، واعدة إياهم الترقّي في موقعهم الطبقي بحسب قواعد المنافسة القائمة على الكفاءة. وفي هذا السياق، تُصوّر هذه الشركات أن الفقر هو عجز في المعرفة، وأن انعدام الاستقرار الوظيفي هو فجوة في المهارات. وهذا ينافي الحقيقة كون عجز العامل يكمن في انعدام قوّته ضمن علاقة العمل، كما أن الاستقرار الوظيفي مرهون بالحاجة البنيوية لرأس المال إلى فائض من العمالة.
توصّلت الأبحاث الأولية التي أجريت في جامعة بنسلفانيا عبر تحليل مليون مستخدم عبر 16 دورة تدريبية على منصّة كورسيرا إلى أن 4% فقط من الطلاب المسجّلين أكملوا الدورة، وأنّ ما يقرب نصفهم لم يشاهدوا محاضرة واحدة إطلاقاً (Perna et. al, 2014). كما أظهر تحليل شامل لـ 221 دورة تدريبيّة مفتوحة ضخمة عبر الإنترنت أن متوسّط معدّلات إكمال الدورات بلغ 12.6% فقط (Jordan, 2015). وبيّنت أبحاث أخرى أن 39% من المتعلّمين لم يقوموا بأي إجراء في الدورة بتاتاً (Jansen et. al, 2020). ولكي لا نحكم على المحتوى المقدم على هذه المنصّات بأنّه غير مفيد، تشير الأبحاث أنّ هناك نسبة لا بأس بها من العمّال الّذين استفادوا من شهادات حصلوا عليها من المنصّات بهدف الاحتفاظ بعملهم إنّما لم يجد المشاركون بالدراسة أيّ فرق يذكر بالنسبة لحصولهم على وظيفة جديدة (Castaño-Muñoz & Rodrigues, 2021).
المسجلون لا «ينسحبون» بسبب ضعف شخصيّتهم. إنّهم يتركون الدراسة لأن حياتهم، التي نظّمت بالفعل من خلال استنزاف رأس المال لوقتهم وطاقتهم لا تترك مجالاً لأعباء إضافية متمثّلة في الدراسة الموجّهة ذاتياً
بناء على هذه المعطيات تلقي المنصّات اللوم على الأفراد عند عدم الالتزام. توهّمهم بأنهم يفتقرون إلى الدافع والانضباط وإدارة الوقت. والمفارقة هنا أن هذا عماد الأيديولوجية الفردانية. وبالتالي السؤال الأكثر إقناعاً يتعلّق بماهية الظروف المادية الّتي جعلت إكمال المقررات مستحيلاً. ببساطة، إنّ المسجّلين هم من الطبقة العاملة، وهم في أمسّ الحاجة إلى تحقيق الحراك الاجتماعي التصاعدي ناهيك عن أنّهم أيضاً أولئك الذين يعملون في وظائف متعدّدة، بل ومنهم على الأرجح من يربّون الأطفال في ظلّ غياب شبكات دعم ورعاية، ناهيك عن هشاشة الإسكان.
تضفي الدورات الجماعية المفتوحة عبر الإنترنت طابعاً فردياً وهو ما يعتبر في الواقع فشلاً منهجياً. المسجلون لا «ينسحبون» بسبب ضعف شخصيّتهم. إنّهم يتركون الدراسة لأن حياتهم، التي نظّمت بالفعل من خلال استنزاف رأس المال لوقتهم وطاقتهم لا تترك مجالاً لأعباء إضافية متمثّلة في الدراسة الموجّهة ذاتياً.
إعادة إنتاج الطبقية عبر الشهادات
يظلّ رأس المال واضعاً يده على كيفية الوصول حتى بالنسبة إلى الأقلّيّة الذين يكملون الدورات التدريبية. فأصحاب العمل، أو دوائر الموارد البشرية التابعة لهم، تعطي الأهمّية نوعاً ما لهذه الشهادات داخلياً، إنّما ليس بقدر نسبة الشهادات الممنوحة من المؤسسات العلمية التقليدية (Radford et. al, 2014). يرجّح أن يكون ذلك بسبب غياب معايير ثابتة لمساعدة مسؤولي التوظيف على تقييم قيمة شهادات الدورات هذه على الرغم من قبولها حسب المنفعة لكل قطاع اقتصادي (Krumrie, 2014). لم تجد أوّل تجربة عشوائيّة محكومة لبرنامج تدريب وظيفي مبني على دورات لشركة كورسيرا أي تأثير ملحوظ على نتائج سوق العمل بعد عامين من الانتهاء. أمّا بعد، إنّ التسجيل في الدورات الجماعية المفتوحة عبر الإنترنت لم يكن له تأثير قابل للقياس على الأجور، إلّا أنه ساعد بالمحافظة على العمل إن وجد (Castaño-Muñoz & Rodrigues, 2021). وهذا ليس عرضياً، بل هو ميزة هذه الشهادات.
مبدئيّاً لا تعمل الشهادات على إثبات الكفاءة بقدر ما تعمل لأجل تنظيم الوصول إلى المواقع المفرزة طبقيّاً. وكما وضّحا باولز وجينتس (1976) في كتابهما «التعليم في أميركا الرأسمالية»، فإنّ المؤسّسات التعليمية تعيد إنتاج علاقات الإنتاج الاجتماعية، إذ تصنّف العمّال في تسلسلات هرمية تعكس بنيّة السلطة والتبعية في مكان العمل نفسه. إنّ الشهادة ليست مقياساً للتعلّم بقدر ما هي ترخيص اجتماعي لشغل منصب معيّن في تقسيم العمل.
من الواضح أن الشهادات العلمية التقليدية ما زالت تمنح هذا الترخيص لأنّها تنتج داخل مؤسّسات اعترف بها رأس المال على مرّ القرون ودمجها في آليّات الفرز الخاصة به. إن الحصول على درجة جامعية من أكبر الجامعات عالمياً لا يشير إلى المعرفة فحسب، بل يشير إلى الشبكات الاجتماعية العميقة، ورأس المال الثقافي الصافي، والهابيتوس (Habitus) الصحيح كما يصفها بورديو (1986). إذا ما اعتبرنا أنّ محتوى المقرّرات المتوفّرة ذات قيمة فكرية وتقنية عالية، لا تقدّم شهادات المنصّات موضوع النقد أيّاً من الامتيازات والاعتبارات الواردة آنفاً. إنّها لا تحمل أيّ علاقة اجتماعية، ولا هيبة مؤسسية، ولا هي مقرونة بشبكة من الخرّيجين.
بإيجاز، إنّها المعرفة من دون قوّة طبقية. وهذا، في ظل الرأسمالية، هو ما يجعلك تحصل على وظيفة بنهاية المطاف.
الديمقراطية التي لم تكن
إن البعد الأكثر قسوة في مشروع الدورات الجماعية المفتوحة عبر الإنترنت هو التباين بين المستفيدين المُعلنين والمستفيدين الفعليين. توحي الصور التسويقية الخاصة بالمنصات أنها تستهدف الطلاب في المناطق النائية والشبان والشابات من عالم الجنوب كأنهم حصلوا أخيراً على تعليم عالي الجودة من جامعات مرموقة عالمية فقط عبر حواسيبهم. وعلى الرغم من هذه الدعاية الإنسانية الدائمة لرأسمالية المنصة، إلا أنها مجرد قصة روّجتها الشركات عن نفسها لإخفاء حقيقة الأمور.
مع حلول إعادة الهيكلة النيوليبرالية التي استبدلت التوظيف طويل الأمد بالعمل التعاقدي والهش، تخلى أصحاب العمل عن مسؤولية التدريب، الذي أصبح مشكلة العامل الخاصة، واستثماراً شخصياً في رأسماله البشري
على أرض الواقع تبدو الأمور مغايرة. إن معظم طلاب هذه الدورات التدريبية حاملون بالفعل على شهادة جامعية وأغلبهم من الرجال أقله في أوائل فترة الانطلاقة (Christensen et. al, 2013). أما الآن فلا يزال السوق الأكبر من حصة أميركا الشمالية مع هيمنة المستخدمين الرجال بالمقارنة مع 46% من المستخدمات النساء (Dey, 2025) حسب إحصاءات كورسيرا لنهاية عام 2024 والتي تعتبر من أكبر المنصات استحواذاً في السوق.
وبذلك لم تصل المنصات إلى المحرومين والمهمشين بل وصلت إلى أفراد من الطبقة المتوسطة الحائزة على شهادات أكاديمية تقليدية والباحثة للحصول على مزايا مهنية هامشية (Liyanagunawardena and Williams, 2013). فعلياً، لقد تم استبعاد شريحة كبيرة من الطبقة العاملة، أولئك الذين كانت الآمال أعلى بالنسبة لهم، بسبب الظروف ذاتها التي تعيشها الطبقة العاملة من شح الوقت، والبنية التحتية الضعيفة للإنترنت، واستنفاد العمالة المأجورة، وغياب رأس المال الثقافي الذي يجعل التنقل عبر محتوى الجامعات النخبوية يبدو طبيعيًا وليس منعزلاً.
يتوافق هذا النمط تماماً مع ترابط التكنولوجيا والتفاوت الطبقي منذ فترة طويلة. فدائماً ما تُقدَّم تكنولوجيات الاتصال الجديدة، من السكك الحديدية إلى الإنترنت، على الدوام بخطاب شمولي عالمي ثم تبتلعها البنى الطبقية القائمة (Srincek, 2016; Schiller, 1999). وقد سارت الدورات التدريبية الهائلة المفتوحة عبر الإنترنت على هذا المسار بدقة حيث استخدم رأس المال لغة «الديمقراطية» لفتح سوق جديدة، في حين ظلّت العلاقات الاجتماعية الكامنة، مثل مَن يحصل على الوظائف الجيدة، ومَن يُستبعد، ومَن يتحمل تكلفة تدريبه الخاص، الذي يتفاقم سوءاً مع مرور الزمن.
خصخصة إعادة إنتاج المهارات
ثمة نقطة جوهرية نادراً ما تطفو على سطح النقد السائد لهذه الدورات، وهي انتقال تكاليف تدريب القوى العاملة من رأس المال إلى كاهل العمّال.
في ظل الرأسمالية الفوردية سابقاً، كانت الشركات الكبرى تتحمّل مسؤولية تدريب عمّالها، وذلك لأن علاقة العمل طويلة الأمد تجعل هذا التوجه عقلانياً وكون الاستثمار في مهارات العامل يدر عائداً على مدار سنوات من التوظيف. ولكن، ومع حلول إعادة الهيكلة النيوليبرالية التي استبدلت التوظيف طويل الأمد بالعمل التعاقدي والهش، تخلى أصحاب العمل عن مسؤولية التدريب، الذي أصبح مشكلة العامل الخاصة، واستثماراً شخصياً في رأسماله البشري (Standing, 2011).
وتُعد الدورات الجماعية المفتوحة البنية التحتية التكنولوجية لهذا التحول. فعندما تتعاون هذه المنصات مع شركات كبيرة مثل Google أو IBM أو Meta لتقديم شهادات مهنية، ماذا يحدث بالفعل؟
هنا يقوم صاحب العمل باختزال تكلفة إعادة إنتاج المهارات، والتي كانت سابقاً جزءاً من تكاليف الإنتاج التي يتحمّلها رأس المال، ليلقي بها على عاتق العامل، الذي يدفع الآن من وقته وماله (أو كليهما) ليجعل نفسه قابلاً للتوظيف. وبذلك، يصبح العامل هو موقع الاستثمار، بينما يجني رأس المال عوائد هذا الاستثمار. وعندما تحوّلت منصات الدورات الجماعية المفتوحة نحو التخصصات المدفوعة والشهادات المصغرة (micro-credentials) التي تكلّف مئات الدولارات، متخلية بهدوء عن وعدها بالتعليم المجاني والمفتوح، بات من المستحيل التغاضي عن هذه الدينامية الجديدة.
يُقدر المنتدى الاقتصادي العالمي أن 59% من العمال سيحتاجون إلى إعادة تأهيل مهني بحلول عام 2030 (World Economic Forum, 2025). كما يذكر تقرير صادر عن كورسيرا (2025) أن 92% من أصحاب العمل أكثر ميلاً لتوظيف مرشحين يحملون شهادات مصغرة معتمدة. ينبغي ألّا نقرأ هذه الإحصاءات بوصفها فرصة مثيرة، بل بصفتها توصيفاً لمن سيتحمل تكلفة ومخاطر إعادة التأهيل تلك. بالتأكيد سيتحملها العامل منفرداً بنفسه داخل سوق عمل تنافسي شرس، من دون أي ضمانة للعائد. إن مساقات الدورات الجماعية المفتوحة ليست سُلَماً للنجاة من العمل الهش، بل هي التبرير الأيديولوجي لِجَعل الهشاشة مسؤولية العامل الشخصية.
ما كان يمكن أن تكون عليه هذه الدورات
إن القدرة على توزيع محتوى تعليمي عالمي عالي الجودة، بتكلفة هامشية تقترب من الصفر، تشكّل إنجازاً حقيقياً يحظى بإمكانات تحرّرية صادقة لجهة تشكيل اجتماعي مختلف موجّه نحو الحاجة الجماعية بدلاً من التراكم الخاص. من الساذج أن نرفض التقنية في حدّ ذاتها، فهي أداة شأنها شأن الأدوات الأخرى وقد باتت معتمدة في الكثير من المنصّات الثقافية والسياسية غير الربحية أصلاً. يمكن أن تشكّل هذه التقنية جزءاً من التحوّل الديمقراطي الجذري للمعرفة شرط أن تكون مجّانية حقّاً، سهلة ودائمة الوصول، منفصلة عن وظائف الفرز في سوق العمل، وتقدّم كمنفعة عامة لا كسلعة.
لم تفشل هذه الدورات بسبب نقص دافعية الأفراد أو لأن التكنولوجيا كانت قاصرة، بل فشلت لأنّ شركاتها المُروجة حاولت الدفع لحلّ مشكلة طبقيّة عبر تقديم حلول فردية تتمحور حول المحتوى المعرفي فيما تبقى العلاقات الطبقية الّتي أنتجت هذا الاستبعاد من دون مساس
وما منع ذلك لم يكن القيود التقنية بل المصلحة الطبقية. لم يسمح أبداً للدورات الجماعية المفتوحة عبر الإنترنت بأن تصبح منفعة عامة. السبب في ذلك هو أنها أنشئت برأس مال خاص وفقاً للشروط المحدّدة لذلك. المواقع التي كان يمكن أن تُموّل من الحكومة، وتُدار بشكل مفتوح وتُقدّم مجاناً، أصبحت بدلاً من ذلك تعتمد على المشاريع الاستثمارية، حيث تكسب من جمع البيانات وبيعها. الغرض من تطويرها هو جني ثمار تعود بالنفع على مساهمي الشركات. وقد تأكد ذلك من خلال قيام شركة 2U الربحية بالاستحواذ على EdX في عام 2021 بمبلغ 800 مليون دولار، ما أحدث تحوّلاً جذرياً في جوهر الشركة.
المشكلة ليست بالمحتوى
لم تفشل هذه الدورات بسبب نقص دافعية الأفراد أو لأن التكنولوجيا كانت قاصرة، بل فشلت لأنّ شركاتها المُروجة حاولت الدفع لحلّ مشكلة طبقيّة عبر تقديم حلول فردية تتمحور حول المحتوى المعرفي فيما تبقى العلاقات الطبقية الّتي أنتجت هذا الاستبعاد من دون مساس.
من المرجح أن العامل الذي حصل على الشهادة، رُفِض من صاحب العمل بسبب أيديولوجيا تحاول إقناعه أن تحسين الذات الفردية يمكن أن تحل محل القوة الجماعية. لقد فشلوا بسبب النظام الذي باع لهم وهم الطموح، بينما أعاد هيكلة سوق العمل لضمان بقاء هذا الطموح حياً إنما مؤجلاً على نحو دائم.
إن الطفرة التكنولوجيا لم، وعلى الأرجح لن تنتهي خصوصاً أنها نجحت كمشاريع استثمارية ضمن أطر رأسمالية المنصّات. لقد فتحت سوقاً جديداً، واستخرجت البيانات، وألقت تكاليف التدريب على كاهل العمّال، وحافظت على بوابة الاعتماد على الشهادات التي تبقي العمالة في مكانها. بقي هذا النموذج التكنولوجي حيّاً بينما الاعتقاد الساذج بأن وادي السيليكون، المسلح برأس المال الاستثماري والعالمية الليبرالية، سوف يعمل على تفكيك البنية الطبقية التي أُسس لخدمتها في الأساس.
ينبغي ألا نخلط بين الإنجاز الأكاديمي والانعتاق البنيوي طالما أن المؤهلات العلمية لن تكون بديلاً عن الحراك الطبقي الحقيقي. إن التناقضات الجوهرية القائمة في علاقات الإنتاج لا يمكن محوُها بالهندسة التقنية إذ تظل مستعصية حتى على الحلول الخوارزمية الأكثر توسعاً في ظل رأسمالية المنصات.