استراتيجية للإدماج الاقتصادي
ماذا لو أن المشكلة في لبنان غياب الوظائف أصلاً
أطلقت وزارة الشؤون الاجتماعية في لبنان «استراتيجية الإدماج الاقتصادي» في 22 تموز/يوليو 2026، مع وعود كبيرة بخفض الفقر والبطالة. تعتبر الاستراتيجية أن نحو 585,000 شخص في سنّ العمل يعيشون ضمن أسر فقيرة وهم مؤهّلون للاستفادة من الدعم، وتستهدف الوصول إلى 120,000 شخص منهم في خلال 10 سنوات، أي نحو 20% من المؤهلين. ومن المفترض أن يحصل المشاركون على دعم مخصّص بحسب احتياجاتهم، وتدريب وخدمات توظيف ودعم للمشاريع وتمويل، تمهيداً للانتقال التدرّجي من المساعدات النقدية إلى الاعتماد على الدخل من العمل.
صمّمت الاستراتيجية منظومة معقّدة لتصنيف الفقراء، وإعدادهم للعمل، ومكافأة المؤسّسات التي تنجح في توظيفهم. لكنها لم تشرح من أين ستأتي فرص العمل هذه.
قد يساعد البرنامج بعض الأشخاص في العثور على عمل، ولا سيما أولئك القريبين أصلاً من سوق العمل. لكن مساعدة أفراد مختارين على الحصول على فرص متاحة لا تعني خلق وظائف إضافية على نطاق يسمح بخفض الفقر. فلم تثبت الاستراتيجية أن الاقتصاد اللبناني قادر على استيعاب 120,000 مستهدف، ولا أن الأعمال التي سيحصلون عليها ستؤدّي إلى تحسن مستدام في ظروفهم المعيشية.
يرجّح فشل الاستراتيجية لأنها تعالج البطالة من جانب عرض العمل، أي من خلال محاولة تحسين قابلية الأفراد للتوظيف، بدلاً من معالجة أصل المشكلة في جانب الطلب على العمل. وهذا الجانب أكثر صعوبة من الناحية السياسية، لأنه يتطلب إصلاحات اقتصادية وطنية تأخّرت طويلاً.
اللافت أن منظمة أوكسفام سبق أن نفّذت نسخة تجريبية من هذه الاستراتيجية في طرابلس، واصطدمت التجربة بالعقبة نفسها التي تتجاهلها الاستراتيجية الوطنية: التدريب المهني لا يعوّض غياب الوظائف.
كيف ستعمل الاستراتيجية؟
في النظام المقترح، يُصنّف المشاركون أولاً بحسب العوائق التي يواجهونها واحتمالات حصولهم على عمل. ثم يُحالون إلى مقدّمي خدمات من القطاع الخاص أو منظّمات غير حكومية، ويوجّهون نحو أحد 3 مسارات: العمل المأجور، أو العمل للحساب الخاص، أو ريادة الأعمال. وبحسب وضع كل مشارك، يمكن أن يحصل على التدريب أو الإرشاد أو خدمات رعاية الأطفال أو دعم النقل أو الترتيبات اللازمة للأشخاص ذوي الإعاقة أو الأدوات أو التمويل.
يتولى مقدّمو الخدمات إدارة الحالات، وربط المشاركين بأصحاب العمل أو الفرص التجارية، ومتابعتهم بعد توظيفهم. وتدفع الدولة لهم جزءاً من مستحقاتهم بحسب نجاح المشاركين في دخول سوق العمل والاستمرار فيه. ومع ارتفاع دخل المشاركين، تنخفض المساعدات النقدية تدريجياً، مع إمكان العودة إليها في حال فقدان العمل.
يتضمن هذا التصميم جوانب جيدة. فمن المفترض أن يستمر الدعم النقدي طوال فترة المشاركة، بدلاً من إجبار الأسر الفقيرة على التضحية بدخل فوري مقابل فرصة عمل مستقبلية غير مضمونة. كما يُفترض أن تنخفض المساعدات تدريجياً بدلاً من أن تتوقف فجأة. وستكون المشاركة طوعية في المرحلة الأولى، ولن يُسمح لمقدّمي الخدمات برفض الحالات الصعبة رسمياً، فيما يمكن أن يعالج الدعم عوائق عملية مثل مسؤوليات الرعاية والإعاقة والنقل.
حتى المسار المصمّم بعناية نحو العمل سيفشل ما دامت الوظائف المجدية غير متاحة، وما دام مقدّمو الخدمات يحصلون على حوافز لإنتاج مظهر التوظيف، وما دامت المساعدات قد تُسحب قبل أن يصبح الدخل كافياً ومستقراً
لكن تكمن مكامن الفشل في الافتراضات الاقتصادية، والقدرة الإدارية، والحوافز المالية المحيطة بهذا الدعم. فحتى المسار المصمّم بعناية نحو العمل سيفشل ما دامت الوظائف المجدية غير متاحة، وما دام مقدّمو الخدمات يحصلون على حوافز لإنتاج مظهر التوظيف بدلاً من جودة الوظائف وتحسين مستويات المعيشة فعلياً، وما دامت المساعدات قد تُسحب قبل أن يصبح الدخل كافياً ومستقراً.
من أين ستأتي فرص العمل؟
تُطرح الاستراتيجية في ظل انكماش حاد في فرص العمل والمداخيل. فقد وجد مسح أجرته منظمة العمل الدولية وشمل 2,485 شخصاً كانوا يعملون قبل الحرب أن ثلثهم لم يعودوا يعملون بحلول أيار/مايو 2026. وانخفض متوسط الدخل الإجمالي للمشاركين في المسح بنحو 40%. أما الذين وجدوا وظائف جديدة، فتراجع دخلهم بنحو 31% بالمقارنة مع السابق، وكانت أعمالهم الجديدة في الغالب غير نظامية أو لحسابهم الخاص. وهذا يعني أن عدد الوظائف المتاحة ونوعيتها تدهورا بشدة.
يأتي هذا التدهور في سياق تحوّل أطول أمداً في سوق العمل اللبناني. فقد قدّر البنك الدولي عام 2024 أن نسبة العمل غير النظامي بين العمال اللبنانيين في المحافظات التي شملها التقييم ارتفعت من نحو 40% في 2018–2019 إلى 60% في 2022–2023. ووصلت النسبة إلى نحو 76% بين العمال اللبنانيين الفقراء.
يمكن للتدريب والمواءمة بين العمّال والوظائف أن يعالجا فجوة محدّدة، حين تكون لدى المؤسّسات شواغر لكنها لا تجد عمّالاً يمتلكون المهارات المطلوبة. لكنهما لا يستطيعان التعويض عن تدمير المؤسسات، وضعف الاستثمار، وغياب الائتمان، وتراجع القدرة الشرائية، وضعف الطلب. فمنذ أزمة 2019، لم تُنفّذ الإصلاحات الاقتصادية، ولم تعد هناك مصارف قادرة على منح الائتمان، ولذلك أصبح عدد الوظائف المنتجة والمستقرة المتاحة محدوداً جداً.
حتى عندما يحصل أحد المشاركين على عمل، لا يعني ذلك بالضرورة أن البرنامج خلق وظيفة إضافية. فقد يكون صاحب العمل ينوي توظيف شخص على أي حال، أو قد يستبدل عاملاً آخر بمشارك مدعوم، أو يستخدم دعم الأجور لخفض كلفة وظيفة قائمة، أو يلغي الوظيفة بعد انتهاء الدعم. وقد تعيد شركة تصنيف أحد موظفيها كمتعاقد يعمل لحسابه الخاص، ما يسمح للبرنامج بتسجيل انتقال إلى ريادة الأعمال، فيما يفقد العامل حمايته القانونية.
تتعامل الاستراتيجية مع البطالة بوصفها مشكلة في مهارات الأفراد أو معلوماتهم أو قدرتهم على التنقل أو حوافزهم. لكن جزءاً كبيراً من البطالة والعمالة الناقصة في لبنان ناتج من بنية الاقتصاد وانكماشه
تتعامل الاستراتيجية مع البطالة أساساً بوصفها مشكلة لدى الأفراد: في مهاراتهم أو معلوماتهم أو قدرتهم على التنقل أو حوافزهم أو وصولهم إلى التمويل. لكن جزءاً كبيراً من البطالة والعمالة الناقصة في لبنان ناتج من بنية الاقتصاد وانكماشه. وتحسين قابلية شخص ما للتوظيف لا يخلق طلباً على عمله.
النموذج الرياضي يقرر من يُدعم ومن يُستبعد
تكشف المحاكاة المالية الواردة في الاستراتيجية أنه، في السيناريوهات المؤاتية، تُقدّر كلفة التدخل بنحو 1,700–1,800 دولار لكل مشارك، فيما تتراوح احتمالات حصول المشارك على عمل بين 22%-52% في ظل ما تسمّيه الاستراتيجية «الاستهداف المثالي». وعندما يُقبل المشاركون بحسب أسبقية التقدّم، تتراجع معدلات النجاح المتوقعة إلى 12%-29%.
يعني «الاستهداف المثالي» إعطاء الأولوية للأشخاص المتوقع أن يلتحقوا بوظيفة بكلفة تدخل منخفضة نسبياً. ويُقدَّم تصنيف المشاركين بوصفه وسيلة لتخصيص الدعم وفق احتياجاتهم، لكن الحوافز المالية التي تقترحها الاستراتيجية ستدفع المؤسسات التي تقدم التدريب والمساعدة إلى تركيز مواردها على الأشخاص الأقرب أصلاً إلى العمل.
وسيبدو الشباب والبالغون الأعلى تعليماً، والأشخاص الذين يعملون جزئياً، والمشاركون الأصحاء والقادرون على التنقل، وسكان المدن القريبون من أصحاب العمل، ومن يملكون شبكات علاقات أقوى، خيارات أكثر جاذبية. في المقابل، سيبدو الأشخاص ذوو الإعاقة أو الأمراض المزمنة، والنساء اللواتي يتحمّلن مسؤوليات رعاية غير مدفوعة، والعمّال الأكبر سناً أو الأقل تعليماً، وسكان المناطق الريفية أو المتضرّرة من الحرب، أكثر كلفة وأقل قدرة على تحقيق نتيجة سريعة قابلة للقياس.
هيكل الاستراتيجية ونموذجها التنبؤي منحازان نحو تحديد الأشخاص الذين كان مرجحاً أن يجدوا عملاً من الأساس، على حساب من يستبعدهم سوق العمل بصورة منهجية
قد يرفع البرنامج معدل نجاحه المعلن من خلال اختيار الأشخاص الأقل حاجة إليه. وقد يُبقي مقدّمو الخدمات المشاركين ذوي الحالات الصعبة مسجلين رسمياً، امتثالاً لحظر رفضهم، بينما يوجّهون وقتهم ومواردهم نحو الحالات الأسهل. وهكذا يبقى الأشخاص الأشد حاجة مسجلين في البرنامج، لكنهم لا يحصلون إلا على قدر ضئيل من الدعم.
إن هيكل الاستراتيجية ونموذجها التنبؤي منحازان نحو تحديد الأشخاص الذين كان مرجحاً أن يجدوا عملاً من الأساس، على حساب من يستبعدهم سوق العمل بصورة منهجية.
متى تجعل الوفورات المالية الأسر الفقيرة أكثر فقراً؟
تتوقع الاستراتيجية أن يؤدّي دخول المشاركين إلى العمل، في نهاية المطاف، إلى خفض إنفاق الدولة على برنامج أمان للتحويلات النقدية. وسيُسوّق خفض فاتورة المساعدات باعتباره مكسباً للطرفين: تُعلن الأسر المشاركة أفضل حالاً، فيما تنفق الدولة أقل.
تقترح الاستراتيجية خفض المساعدات تدريجياً فقط بعد تجاوز الدخل عتبة محدّدة، ووقفها كلياً عندما يصبح الدخل كافياً ليحلّ محل التحويلات، مع السماح بالعودة السريعة إلى المساعدات إذا انتهى العمل أو ثبت أنه غير مناسب. لكنها لا تحدّد المستوى الذي يجب أن يبلغه الدخل ومدى استقراره، ولا المدة التي يجب أن يستمر خلالها قبل بدء الخفض، ولا السرعة الفعلية لاستعادة المساعدات. وهذا يعرّض الأسر لفجوات في الدخل إذا فشل العمل أو لم يكن كافياً. يزداد هذا الخطر في لبنان لأن مداخيل العمل غير النظامي متقلبة ويصعب التحقّق منها، ولأن العمّال قد ينتقلون مراراً بين العمل والبطالة والفترات غير المدفوعة.
لتوضيح الخطر، تستفيد نحو 166 ألف أسرة من برنامج «أمان»، بمتوسط يقارب 5 أفراد للأسرة. ووفق المعادلة المعلنة، تحصل أسرة من 5 أفراد على 125 دولاراً شهرياً: 25 دولاراً للأسرة و20 دولاراً لكل فرد. ولنفترض أن وقف المساعدة يتم عند بلوغ دخل العمل هذا المبلغ؛ وهذه فرضية توضيحية وليست عتبة مقرّرة في الاستراتيجية. قد يتجاوز الدخل هذا المستوى في شهر تتوافر فيه أيام عمل كافية، ثم ينخفض دونه في الشهر التالي. وإذا لم تُستعَد المساعدة سريعاً، تواجه الأسرة فجوة مالية، بينما تسجّل الدولة وفراً ويسجّل البرنامج انتقالاً إلى العمل.
ولا تقتصر المسألة على تقلب الدخل. فقد تنشأ عن العمل نفقات إضافية، مثل رعاية الأطفال والنقل والوجبات خارج المنزل وغيرها من النفقات المرتبطة بالوظيفة. لذلك، لا يكفي أن يتجاوز الدخل الإجمالي قيمة المساعدة لإثبات تحسّن الدخل المتاح للأسرة بعد خصم هذه التكاليف، التي تختلف بحسب ظروف الأسرة وطبيعة العمل.
لا ينبغي احتساب سحب المساعدات مكسباً اجتماعياً ما لم يتحسّن الوضع المادي للأسرة بصورة واضحة ومستدامة
وقد يضغط مقدّمو الخدمات، الذين يتقاضون أموالاً مقابل نتائج التوظيف، على المشاركين لقبول أعمال غير مستقرة أو متدنية الأجر أو بعيدة جغرافياً. وقد يستمر العمل مدة تكفي لتفعيل دفعة مالية من الدولة، لكنه يظل قادراً على خفض رفاه الأسرة بعد احتساب تكاليف النقل والرعاية وساعات العمل المتقلّبة والمساعدات المفقودة.
لذلك، يجب قياس النجاح من خلال التحسّن المستدام في صافي دخل الأسرة بعد نفقات العمل، واستقرار الدخل، والاستهلاك، والأمن الغذائي، والديون، واستنزاف الأصول، وساعات العمل، والأجور، والظروف المعيشية. ولا ينبغي احتساب سحب المساعدات مكسباً اجتماعياً ما لم يتحسّن الوضع المادي للأسرة بصورة واضحة ومستدامة.
سوق مموّلة أم دعم للفقراء؟
ستمّول الاستراتيجية مقدّمي خدمات من القطاع الخاص ومنظمات غير حكومية لإدارة المشاركين وتقديم الخدمات أو شرائها. وسيعتمد التمويل المستقبلي جزئياً على الأداء المقاس. إشراك القطاع الخاص في هذه المبادرة ليس خطأ في حد ذاته، لكن يكمن الخطر في مكافأة مقدّمي الخدمات على نتائج يستطيعون التأثير فيها وتوثيقها وربما التلاعب بها، ولا سيما حين تكون قدرة الدولة على الرقابة ضعيفة جداً.
سيساهم مقدّمو الخدمات في تحديد الخدمات التي يتلقاها المشاركون، ويبنون علاقات مع أصحاب العمل، ويقدّمون جزءاً كبيراً من المعلومات المستخدمة للتحقق من عمليات التوظيف. ثم يتنافسون على حصص أكبر من التمويل المستقبلي بناءً على النتائج التي أبلغوا عنها. وهذا يمنحهم حوافز للتركيز على الحالات السهلة، وتقليص الاستثمار في الحالات الصعبة، وتفضيل النتائج السهلة التوثيق على تلك التي تحسّن رفاه المشاركين فعلياً.
وقد ينشئ أصحاب العمل ومقدّمو الخدمات وظائف قصيرة الأجل أو متكررة بين الجهات نفسها، ويضبطون توقيتها لتتوافق مع مواعيد التحقق. وقد تواجه مؤسسات التمويل الأصغر تضارباً في المصالح إذا وجّهت المشاركين نحو قروضها، ثم تولت الإبلاغ عن نجاح المشاريع الممولة. كما قد تحوّل البلديات والمخاتير والمنظمات المرتبطة سياسياً، والمشاركة في التعريف بالبرنامج وإحالة المستفيدين، الوصول إليه إلى أداة جديدة للفرز والوساطة السياسية، كما حدث في توزيع المساعدات خلال جائحة كوفيد-19 وانفجار مرفأ بيروت، وفي التسجيل في برنامج أمان.
وهكذا قد ينشئ البرنامج سوقاً ممولة من المال العام، تتنافس فيها المؤسسات على توثيق حالات خروج من الفقر، فيما تفتقر الدولة إلى الموظفين والبيانات اللازمة للتحقق من أن هذه الحالات حقيقية.
يُقدَّم إسناد التنفيذ إلى جهات خارجية ومنحها حوافز مالية بوصفهما حلاً يغني عن رقابة الدولة، بينما تثبت تجارب كثيرة أن العكس هو المطلوب
يوثّق تقييم للبنك الدولي محدودية عدد الموظفين الدائمين داخل وزارة الشؤون الاجتماعية، ويبيّن أن الأنظمة الأساسية لإدارة الحالات وتصنيف المشاركين وتبادل البيانات لا تزال بحاجة إلى التطوير. ووجد تقييم أجرته منظمة العمل الدولية عام 2025 كذلك أن وزارة العمل تفتقر إلى القدرة التقنية والمالية اللازمة لتنفيذ سياسات سوق العمل النشطة، وأن المؤسسة الوطنية للاستخدام، التي ستشارك في تنفيذ الاستراتيجية، لا تزال تعاني نقص الموظفين وضعف الأنظمة الرقمية والقدرة على الوصول إلى المستفيدين.
يجب أن يستند وضع قواعد الرقابة إلى قدرة إدارية وإرادة سياسية تضمنان تطبيقها. لكن، كما يحدث كثيراً، يُقدَّم إسناد التنفيذ إلى جهات خارجية ومنحها حوافز مالية بوصفهما حلاً يغني عن رقابة الدولة، بينما تثبت تجارب كثيرة أن العكس هو المطلوب.
هل يمكن لريادة الأعمال أن تعوّض غياب الوظائف؟
يمكن للمنح والأدوات والإرشاد والتمويل أن تساعد بعض المشاريع القائمة أو القابلة فعلاً للاستمرار. لكن تشجيع الأسر الفقيرة على دخول أسواق متشابهة وضعيفة الطلب لا يخلق تلقائياً نشاطاً اقتصادياً إضافياً.
قد يتحول المزيد من الباعة ببساطة إلى منافسين على الزبائن أنفسهم، إذ إن قدرة السوق على استيعاب الحرف والمنتجات المنزلية، مثل المونة، محدودة. وقد يُعاد تقديم العمل للحساب الخاص بهدف تأمين الحد الأدنى من المعيشة بوصفه ريادة أعمال، فيما يخفي عمل أفراد الأسرة غير المدفوع ضعف العائد. وقد تغلق المشاريع بعد نفاد المنح، ويغرق المقترضون في الديون، وينقل أصحاب العمل عمالهم إلى عقود تجعلهم مستقلين بالاسم فقط. وقد تُسجَّل مؤسسة بقيت قائمة على الورق مدة 12 شهراً، لكنها لا تحقق سوى أرباح ضئيلة، ضمن قصص نجاح الاستراتيجية، رغم أنها لا تمثل نجاحاً اقتصادياً فعلياً.
الاستراتيجية محقة في أن الأسر الفقيرة تحتاج إلى أكثر من دورة تدريبية أو قرض. لكنها لا تستطيع أيضاً دفع الناس إلى وظائف لا ينتجها الاقتصاد. ما تحتاج إليه هذه الأسر هو دولة تؤدي دوراً فاعلاً في السوق، وتنفق أكثر على الرعاية الاجتماعية، وتتحمل المخاطر. لن يأتي خير يُذكر من سياسات أو استراتيجيات تضع المجتمع في خدمة الاقتصاد؛ لقد حان الوقت لنجرب العكس، وأن نضع الاقتصاد في خدمة المجتمع.