عكس السير
شغف وشغب
هذا النص هو الكلمة التي ألقاها المؤرّخ والكاتب فوّاز طرابلسي في حفل تكريمه الذي أقامته الجامعة الأنطونية في 26 أيلول/سبتمبر 2026، ضمن الدورة الخامسة عشرة من سلسلة «إسم عَلَم»، المخصّصة لتكريم شخصيات من الحياة الفكرية والثقافية في لبنان. وتزامن التكريم مع صدور المجلّد الخامس عشر من السلسلة، بعنوان «فوّاز طرابلسي: كتابة الشغف والشغب»، بإشراف باسكال لحود، وفيه يستعيد طرابلسي محطّات من سيرته الشخصية والفكرية والسياسية، من النشأة والصحافة والماركسية والتأريخ، إلى الحروب الراهنة وأسئلة العنف والمحو.
لما كانت العادة أن يفتتح المحتفى به الحديث بالولادة والنشأة، عليّ أن أعترف لكم بسرّ مكتوم: إن تاريخ ميلادي الرسمي ليس يطابق تاريخ ميلادي الحقيقي. ولدت في 14 كانون الأول/ديسمبر 1940. تهرّباً من غرامة فرضها الانتداب الفرنسي لمن يتأخّر عن تسجيل ولادة في مهلة معيّنة، سجّلني الوالد في 10 كانون الثاني/يناير 1941.
هذه واحدة، الثانية أنا من قوم عيسى، لكن غالباً ما أُعتبر من أتباع الدين الحنيف. والنوادر الطريفة لا تنتهي.
وأعترف أيضاً أن هذا الازدواج في موعد الولادة والتفارق في شأن الهوية المذهبية ولّدا عندي حساسية مفرطة تجاه الهويات، القاتل منها والمسالم، حساسية سوف تنمو وتتفاقم مع العمر.
ولدت ونشأت في بيروت لوالدين ينتميان إلى موقعين متباينين من سهل البقاع. الوالدة من زحلة، حيث اكتشفت في كنف الجدّ عيسى إسكندر المعلوف الكتاب والمكتبة وسحر اللغة العربية وتلقّنت أوليات الثقافة الشعبية والتاريخ. وفي زحلة تلوت أشعاراً لأخوالي الثلاثة فوزي وشفيق ورياض. والحال أن أخوال الأخوال الشعراء كانوا شعراء. بينهم خال ملغز نادراً ما كان يؤتى على ذكره. هو الشهيد الحي جميل المعلوف، الصحافي والمفكّر الوسيم، صديق جبران والريحاني، المتزوّج من ابنة إحدى العائلات المالكة في كندا. أسهم في تأسيس جمعية تدعو إلى الاتحاد العربي وتتبنّى العلمانية. حضر المؤتمر العربي في باريس عام 1913 ممثّلاً عرب الاغتراب، واعتُقل عام 1916، ولم يُرسل إلى المشنقة مع زملائه من الاستقلاليين العرب، رمى به التعذيب في مستشفى الأمراض العصبية في العصفورية إلى حين وفاته عام 1951.
أطبق صمت في العائلة على أسباب الإفراج عنه، وعلى طبيعة مرضه العصبي وإقامته مدة الحجز الطويلة في المستشفى. سعيت، ولا أزال أسعى، لإعادة الاعتبار لهذه الشخصية الموهوبة والمناضلة والملغزة، والتعريف بحياته وأعماله.
ومن بلدة الوالد مشغرة، أمّ الينابيع ذات القمر الفضّي، التي يقال إنها روت فاطمة الزهراء، يحضر في الذاكرة دبّاغة الجلود ومتجر تصريف منتجاتها في بيروت. تعويضاً عن عدم إقامتي فيها، أجريت عنها بحثاً اعتمد على وثائق لعميد الأسرة، شخّصت فيه حالة نموذجية من نشوء ملكية عقارية في الريف انطلاقاً من الحرير والتجارة، وحلّلت مميزات علاقات اجتماعية تنطوي على التداخل والتقاطع بين التراتب المهني-الاجتماعي والانتماء الطائفي (شيعي-مسيحي)، والاختلاط بين الحزبية العائلية والحزبية العقائدية (سورية قومية اجتماعية-شيوعية).
لم أنجرّ إلى جو الإحباط والارتداد الذي ساد في الوسط اليساري في الثمانينيات. لم أرَ أن عكس الخطأ بالضرورة صواب. وبين إعدام التجربة والمكابرة التي تدّعي الاستعداد لتكرارها، لو سنحت مجدداً، اخترت أن أشهد، أن أروي، أن أراجع نقدياً، وأن أستخلص الدروس
خلال الدراسة في مدرسة الفرير الكاثوليكية ببيروت، تعرّفت إلى النكبة الفلسطينية من خلال مربّية نازحة من حيفا. قبالة المدرسة يقع مستشفى الدكتور عطية اليهودي وإلى جوارها مكتب «جمعية كل مواطن خفير»، تتولّى توعية الجمهور على مخاطر الصهيونية والحذر من عملاء اسرائيل. كان التمرّد على السلطة في الثانوية البروتستانتية البريطانية في برمّانا يوصل مباشرة الى الناصرية والتحرّر الوطني والاشتراكية، زمن العدوان الثلاثي على مصر والثورة الجزائرية، خصوصاً أن ذاك الوعي تغذّى بأشعار نيرودا ولوركا وناظم حكمت وبول إيلوار ولوي أراغون. قادني جان بول سارتر والوجودية إلى التجاوز التدريجي للفكر القومي نحو الماركسية خلال الفترة بين انهيار الجمهورية العربية المتّحدة ونكسة حزيران/يونيو 1967.
توفي الوالد عام 1968، عشية قبولي لإكمال دراستي العليا في معهد الدراسات الآسيوية والأفريقية بلندن. أورثني فندقاً يستثمره في بحمدون. اخترت الدراسة والنضال على الفندقة.
بايجاز: عشت زمن الثورات في الستينيات والسبعينيات، وثرت مع الثوّار. شكّلت الحرب الأهلية اللبنانية، وخصوصاً الغزو الإسرائيلي عام 1982، نقطة القطع في تجربتي الحزبية وتلك الفترة من العمر. انتقلت الى باريس، وفي النية العمل على أطروحة جامعية تسمح بالتفرّغ للتدريس الجامعي. مثّل المطهر الباريسي متسعاً من الوقت للتفكير والمراجعة بصدد ذلك الشطر المنقضي من حياتي. لم أنجرّ إلى جو الإحباط والارتداد الذي ساد في الوسط اليساري في الثمانينيات. لم أرَ أن عكس الخطأ بالضرورة صواب. وبين إعدام التجربة والمكابرة التي تدّعي الاستعداد لتكرارها، لو سنحت مجدداً، اخترت أن أشهد، أن أروي، أن أراجع نقدياً، وأن أستخلص الدروس.
في أمور الشيوعية والاشتراكية، كنت من نقّاد الستالينية والنموذج السوفييتي أصلاً، وكان التنظيم الذي أنتمي إليه ممنوعاً من الصرف في الحركة الشيوعية العالمية. لذا كان انهيار المنظومة السوفييتية أخف وطأة عليّ من سواي. من جهة أخرى، لم أُهلّل لقيام الجمهورية الإسلامية في إيران، ولم أبدّل ديني احتفاءً بها، ولا جاريت شيخ الحداثيين وهو يعلن: «وجهك يا غرب مات». لم أكن من أصحاب العروبة الجامحة لارتدّ إلى لبنانوية نادمة. لم أنجر إلى العلمانية الأصولية التي تطالب بعلمنة التعليم والمجتمع. اكتفيت منها، ولا أزال، بحياد الدولة، بما هو الضمانة لحرّية المعتقد للجميع، يُخرِج الأديان والتديّن من حومة النزاع على السلطة وتوازن القوى. ساعدتني الماركسية على النظر إلى الدين من زاوية حاجة الناس إلى التديّن، على اعتبار الدين «زفرة المقهور، روح عالمٍ بلا روح، أفيون الشعب (المخفف للألم)»، على ما ترتّل فيروز: «لا تهملني، لا تنساني يا شمس المساكين».
أسميت هذه المهمة «تصنيع التجارب»، تضع المنتَج في متناول القراء والشباب خصوصاً. مارستها بمختلف الادوات: اليوميات، أدب الرحلات، الأبحاث، النقد الأدبي والفني والكتابة الصحفية، إلخ. استوجبت النقلة تحوّلي إلى مؤرّخ متطوّع أو هاوٍ، رويت قصّته في الكتاب بين أيديكم، وقد تركّز عملي على تاريخ لبنان منذ القرن التاسع عشر وعلى تحكيم التاريخ في الحرب الأهلية. اعتمدت منهج المادية التاريخية، وسعيت قدر المستطاع نحو الشمول وتشبيك الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة في التأريخ. وقد تضمّن ذلك تفكيك الخرافات التاريخية المتعدّدة، والسعي إلى ملء ثغرات فاغرة في معرفتنا بتاريخنا. إذ لا أزال أعمل على إجلاء الكثير الكثير من الوقائع والمسائل المتعلّقة بنشوء لبنان الكبير عام 1920، وفي تطوّر المسألة الطائفية مثلاً.
عدت إلى بيروت بعد نيل شهادة الدكتوراه، ومارست التعليم وأنا على مشارف سن التقاعد، سعيت لدى الجامعة اللبنانية، فلم أحصل إلا على وعد بـ«ساعات» لا تقيم الأود. في التعليم، تعلّمت أن المعلّم هو أول من يتعلّم. وفي جامعتين أميركيتين، اكتشفت بوادر الخصخصة الزاحفة عالمياً، تُحوّل الطلاب إلى زبائن وتعمّم قيم الفردانية والمنافسة و«القيادة» تمهيداً لدخول السوق العالمي. قابل الطلاب ذلك بتراخي غريزة الفضول والبحث، وتكاثر الهوى والشلف في إطلاق الآراء، «I think sir»، محل البحث والبرهان. وقد تساءلت طويلاً، ولا أزال: أي سلطة تقرّر مناهج التعليم والبحث؟ وأين هي؟ وكيف ولماذا يتم الانتقال من منهج بحثي إلى آخر، ومن مقولة مرشدة إلى أخرى، ونحن التابعون في كل الأحوال: من القوة أو السلطة (Power) إلى المشاعر (Affect)، ثمّ إلى البنى التحتية (Superstructures) - العبارة الأثيرة لدى جيش الاحتلال الإسرائيلي - وصولاً إلى «الانتباه» (Attention)... ومن يقرّر الانتقال من دَرْجة (موضة) بعد الحداثة إلى البَعد الكولونيالية، ومن هذه إلى الديكالونيال، ونحن في عهد إمبريالية جديدة؟ والأهم الأهم: هل إن تلك العناوين ذات معنى واحد في شمال العالم وجنوبه؟ كثيراً ما أطرح مثل تلك الأسئلة على زملاء وأصدقاء أكاديميين يعملون عبر البحار، فالقى الإعجاب باللفتة والترحيب بأهمية الموضوع، وهذا وجه الضيف.
قضيت عمراً في الصحافة، ابتداءً بمجلة «البراعم» الأدبية في مدرسة برمّانا العالية، تلتها نشرة «لبنان الاشتراكي» السرية، وقد كتبت في عدد لا بأس به من الصحف والمجلات العربية والأجنبية. ترأست تحرير مجلتين أسبوعيتين حزبيتين، «الحرية» و«بيروت المساء»، قبل أن أمضي سنوات أكتب عموداً على الصفحة الأولى في جريدة «السفير». وتوّجت ذاك المسار بإصدار فصلية «بدايات» الثقافية، سعت خلال عقد من الزمن إلى الجمع بين الكتابة البحثية والنقدية في العلوم الاجتماعية والثقافة من جهة، والابتكار في الخط والإخراج والتصوير والغرافيك من جهة أخرى، يعاونني فريق صحفي وفني صغير متنوع المواهب والكفاءات. وأود أن أتذكر معكم هنا راحلين من الزملاء، وخصوصاً سمير قصير وجوزيف سماحة وطلال سلمان. وعلى الرغم من سيادة وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام المرئي والرقمي، لا أزال أحنّ إلى ملمس الورق ورائحة الجريدة أو المجلة الخارجة توّاً من المطبعة.
مارست الترجمة باكراً في الشباب، وعدت إليها مرحلةَ النضج. كانت الكتب التي ترجمتها مناسبات إضافية لاكتشاف عبقرية لغتنا العربية وثرائها. أرى إلى الترجمة على أنها صراع بين لغتين، لا بد أن تتغلّب فيه لغة الترجمة على اللغة الأصلية. قلت لإدوارد سعيد عندما طلب مني ترجمة مذكراته: «سوف أجعلك تتكلّم العربية». أظنني فعلت. يبقى المقياس الأول عندي لترجمة ناجحة هو أن يُقرأ النص المُترجَم كأنه مكتوب باللغة العربية.
يسرّني أنني أضفت بعض الصفحات المتواضعة إلى تراث إحياء الثقافة الشعبية والشغل عليها، على خطى مارون عبود وسلام الراسي وآخرين. رأيت إليها على أنها نتاج ثقافي جمعي متطور ومتراكم يجري تناقله شفوياً في الغالب حتى يمكن اعتباره لغة بذاتها. بحثت في أنواع الرواية والشعر والفن والرقص والطقوس. غامرت في الكتابة عن المرأة اللبنانية واقتصاد الحرير، وعن طقس «البسيي بربارة»، وقد أعاد أهالي بيروت تمثيله عندما تدفقوا من غربها والشرق على الوسط التجاري وعملوا به نهباً وحرقاً. قرأتُ رقصةَ الدبكة بما هي طقوس استسقاء واحتفال بالمواسم، تمثّل ممارستُها المتكررة تعزيز تضامن الجماعة ووحدتها في الصراع مع الطبيعة وظروف الحياة. وآثرت تأويلَ الحِكَم والأمثال الشعبية على أنها عناصر من «حكمة شعبية» مستمدة من العمل ومن تجارب الحياة ترقى إلى مستوى التأمل الفلسفي وتعيين قواعد السلوك.
نعمت عبر حياتي بصداقة عدد من منتجي الثقافة المبدعين، لوّنوا أيامي بالجمال وخففوا من صرامة الالتزام السياسي، بل إنهم تحدّوه أحياناً. أريد أن أتذكر معكم الليلة واحداً منهم، نترنّم بقصائده بصوت فيروز وزياد، ونادراً ما يلقى ما يستحقه من تقدير وتكريم. أقصد جوزيف حرب، شاعر الجنوب، الجنوب المشغول بقلوب، قلوب اللبنانيين.
نحن في الحدث، ولن تفوتني فرصة أن ألقي التحية على أحد سكّانها، شيخي الكبير أحمد فارس الشدياق، اللغوي، القاموسي، مترجم الكتاب المقدّس ومحاوِر البطريرك بولس مسعد في حرية المعتقد، احتجاجاً على إلقاء الحُرم الكنسي على أخيه أسعد ووفاته في الاعتقال بدير قنوبين. والشدياق منشئ أول صحيفة عربية جامعة، ومؤلف أولى الروايات العربية، رائعته «الساق على الساق»، ومحيي الأدب العربي الساخر. والأهم أنه مثّل الجناح الجذري في النهضة العربية. رأى أن العِلم لا يعوّل عليه إن لم يقترن بالعمل. وصف بؤس الثورة الصناعية في بريطانيا، فخلص إلى أن دولة العمال والفلاحين أجدى من دولة الأغنياء والمتبطلّلين، ونحت مصطلح الاشتراكية. إلى هذا، كان الشدياق الرائد بالغ الجرأة لتحرّر المرأة ومساواتها.
لا يزال أحمد فارس الشدياق معاقباً في لبنان بالإهمال الرسمي والتربوي والثقافي على اعتناقه الإسلام وجذرية مواقفه الاجتماعية. وكأن هذا لا يكفي، فإن مدفن متصرفي جبل لبنان في الحازمية، حيث مرقده، مهدّد بالاقتلاع والنقل إلى مكان آخر لإفساح المجال أمام مشروع عقاري.
في سياق شغلي على العنف في الحروب والحروب الأهلية، ابتداءً من كتابي «غيرنيكا-بيروت»، قرّرت أن الارتقاء إلى مستوى التعبير عن ملاحم الكوارث التي نتعرّض لها يقتضي اللجوء إلى الأدب والفن أكثر منه إلى السياسة. غيرنيكا هي البلدة الإسبانية التي اختبر فيها الطيران الحربي النازي قذائف جديدة على السكان المدنيين عام 1936. خلال شغلي على الكتاب، قرأت هذا التعريف للحرب لأندريه مالرو: «الحرب هي بذل المستحيل من أجل غرز أكبر قدر من المعادن في الجسم البشري». قرّرت اعتماد المسافحة بين المعدن واللحم البشري دليلاً إلى أبحاث عن العنف في الحروب والحروب الأهلية. أسمح لنفسي بأن أشارككم، فيما تبقى من الوقت، ببعض ما عثرت عليه في هذا المجال من حروبنا الأخيرة.
لم أكن من أصحاب العروبة الجامحة لارتدّ إلى لبنانوية نادمة. لم أنجر إلى العلمانية الأصولية التي تطالب بعلمنة التعليم والمجتمع. اكتفيت منها، ولا أزال، بحياد الدولة، بما هو الضمانة لحرّية المعتقد للجميع
تراودني كثيراً هذه الأيام مشاهد من فيلم هيتشكوك «العصافير»، لأسراب الغربان في بلدة أميركية تُغير على أطفال يتراكضون مع المعلّمات على قارعة الطريق، وتنشب المناقيد والمخالب في الأجساد الطفلة. ها إن الواقع يقلّد الفن ويؤكده أضعافاً مضاعفة. انقلبت غربان الفيلم إلى الطيور علم المعدنية الضارية العاملة على الذكاء الاصطناعي، يجري تشغيلها مثل ألعاب الفيديو. تنقض إحداها في جنوب لبنان على رجل على دراجته النارية وخلفه ابنته ذات الاثني عشر ربيعاً. لا يصيب الصاروخ هدفه أول الأمر. الأب وابنته يجريان، تطاردهما المسيرة، تطلق صاروخاً ثانياً يقتل الأب. تواصل الابنة الجريحة الجري إلى أن يضرب الغراب المعدني بالضربة القاضية. هو نفسه الضاري المعدني يلاحق صحفيتين نجحتا في التفلت من الضربة الأولى. تحتمي واحدة في أحد المنازل. يستنجد المُسيِّر وراء شاشته بالطيران الحربي ليطبق المنزل على الصحافية التي بقيت لساعات حيّة تحت الركام قبل أن تسلم الروح، إذ حال جيشُ الاحتلال دون وصول الصليب الأحمر لإنقاذها. وهذا شاب خارج من مخبزة، يهجم عليه الضاري المعدني ذاته ويرديه أمام عيني والده.
لكن أين هذه ممّا ابتكره القتل من السماء ضد المدنيين!
يفيد تحقيق أجرته قناة «الجزيرة» القطرية (12/2/2025) بأن الدفاع المدني الفلسطيني في غزة أفاد بأن 2,842 فلسطينياً قد تبخّروا. لنتوقف قليلاً أمام «تبخّروا» - يُقال تبخّر مجازاً عن شيء ضاع. هنا المعنى هو «العدم». لقد استخدمت القوات الإسرائيلية قنابل حرارية أميركية تطلق سحابة من الوقود المتفجّر تتمدّد في الهواء، ثم تشتعل فجأة مولّدة حرارة هائلة تصل إلى 3,500 درجة، مترافقة مع موجة صدم هائلة تلتهم الاجساد وتجعلها تتبخّر بعد أن تشفط الأوكسجين من المكان. فلا تُبقي تلك الدرجة من الحرارة أي أثر مادي للضحايا. هو سلاح «الحرق والصدم»، وقد اجتهد خبير عسكري بريطاني بالقول إن التبخّر ليس ناجماً عن الحرارة قدر ما هو وليد الضغط الصادم الذي تطلقه تلك القنابل. وهو «زنار النار» كما يسميها أهالي غزة. وجدير بالذكر أن قنابله ليست محرّمة دولياً.
«المحو» مصطلح يرد كثيراً في الفكر والأدب الفلسطينيين. على أن المحو جدلي في الصهيونية. أعلنت غولدا مائير أن لا وجود للفلسطينيين. ولما كان ثمة وجود معاند للشعب الفلسطيني، كان على الجيش الاسرائيلي أن يبذل محاولات متكرّرة لمحو الفلسطينيين على مدى ما يقارب ثلاثة أرباع القرن: محو الأرض والذاكرة والتاريخ، والمحو بواسطة التجويع والمجازر والتهجير. ونحن الآن شهود على الارتقاء بالمحو إلى مستوى الإبادة الجماعية الذي بلغه في الحروب الأخيرة على غزة.
المحرقة النازية ضد اليهود خلّفت الرماد. المحارق التي يرتكبها أبناء وأحفاد ضحايا المحرقة النازية من الإسرائيليين تُعدم حتى الرماد.
منذ أن كانت البشرية والديانات تعمد إلى دفن موتاها، حتى تلك التي تحرقهم كانت تلتقط منهم الرماد، تعيده إلى الأرض أو تذرّه في الأنهار المقدسة. في الديانات السماوية، شكّل الموت عودة إلى أصل، يذكّر الإنسان بأنه «من التراب والى التراب تعود». انتقل تقليد الحرق الآسيوي القديم إلى أوروبا وأميركا ليتحوّل إلى ممارسة واسعة النطاق. لكننا لا نزال في عالم الرماد.
أتساءل الآن: هل نودّع المتبّخّرين كما نودّع الموتى العاديين؟ وكيف نصلّي عليهم؟ وهل تكفي صلاة الغائب؟ كم من أسئلة وكم من أسى. ما نعرفه إلى الآن أن الأسر الفلسطينية في مواكب التشييع بغزة ترفع محامل الذين تبخّروا فارغة إلا من العلم الفلسطيني. كأنما هو إعادة تكوين للجسد!
يثير المشهدان أعلاه سؤالين. الاول حول إمكان الحياة، ناهيك عن الأمان، إلى جوار دولة احتلال تعرّف نفسها إنها عنصرية، تعيش على محاولة محو شعب بأكمله، ولا تستطيع أن تعيش في محيطها إلا إذا سيطرت عليه سيطرة متواصلة، طالما أن الدفاع عن أمن إسرائيل مهدّد أبداً، وهي المدجّجة بمئتي رأس نووي، والمدعومة بأحد أعتى الجيوش العالمية. إنه المنتصر الذي يخاف من ضحاياه، في الوقت الذي يريد إقناع نفسه والعالم بأن الضحية غير موجودة، فيما يسعى إلى إبادتها. أما الأمر الثاني فهو أن الطيور المعدنية الضارية والمحارق التي تبخّر الأجساد تشكّل قفزة نوعية في سؤال المسافحة بين المعدن والجسم البشري في زمن الذكاء الاصطناعي والروبوتات.
أجوبة على أسئلة تقليدية:
نعم لا أزال ماركسياً أغتني بالتراث بمجمله، وبموارد فكرية أخرى. والماركسية عندي نظرة إلى الحياة، هي الأجدر برأيي في فهم عالمنا الحديث في ظل الرأسمالية، وفي فهم وإدارة العلاقة بين أبرز معضلات الحياة والفكر: الحرية والمساواة. وأرى إلى الرأسمالية والاشتراكية على مثال بطلين من الملاحم اليونانية، في صراع مقيم لن يفنى الواحد منهما دون الآخر في نهاية المطاف.
لن أخفي عليكم أنني أتقدّم نحو التسعين، متقلباً بين أمل لا شفاء منه ويأس يرفض الهزيمة والاستسلام. ولكنني اثابر بالكتابة وما تيسّر من فعل، بشغف وتعب وشغب، من أجل لبنان «وطناً لا يرجُفُ فيه الأمل»
ونعم، اليسار الجذري في زمن الشيخوخة أبلغ جواب عاقل على جنون العالم ودخوله مرحلة فاشية جديدة يحل محل نيوليبرالية خرّبت عولمتها. أبرز رموزها شبه التريليونير إيلون ماسك، رافعاً التحية النازية، ومرتكب الإبادة الجماعية بنيامين نتنياهو، المنبوذ الهارب من الاعتقال في نيويورك، يرغي ويزبد ضد أكثرية مندوبي العالم في الأمم المتحدة يقاطعون كلامه.
ونعم أيضاً، الجواب على الفاشية الجديدة الصاعدة هو اليسار واليسار الجذري، يمثله شاب أميركي أوغندي مسلم يرأس المجلس البلدي لعاصمة المال العالمية، وشابة ألمانية تركية مسلمة مرشّحة للفوز برئاسة بلدية مدينة برلين بعد نجاح لائحة حزب اليسار فيها. من دون أن ننسى جان لوك ميلانشون، قائد حزب «فرنسا العاصية»، الذي إن لم يفز في انتخابات الرئاسة الفرنسية القادمة، فهو يواصل قطع الطريق على مرشحة اليمين المتطرف.
في ختام هذا الحديث، لن أخفي عليكم أنني أتقدّم نحو التسعين، متقلباً بين أمل لا شفاء منه ويأس يرفض الهزيمة والاستسلام. ولكنني اثابر بالكتابة وما تيسّر من فعل، بشغف وتعب وشغب، من أجل لبنان «وطناً لا يرجُفُ فيه الأمل»، حسب عبارة رفيقي المناضل البحريني عبد الرحمن النعيمي.
كلمة شكر لرئيس الجامعة الأنطونية الأب ميشال الصغبيني على مبادرة التكريم وإصدار الكتاب التكريمي، وخصوصاً على ما ورد منه عن سيرتي ونتاجي في كلمته السمحة. أضمّ صوتي إلى ما ورد فيها عن دور الجامعة في صون الذاكرة وتربية الحسّ النقدي والمعرفة الحرّة والحوار بين الأجيال. والشكر أيضاً إلى إدارة الجامعة وهيئتها التعليمية والطلاب. وأخصّ الدكتورة باسكال لحود بجزيل الشكر والامتنان على مبادرتها باسم «اسم علم»، وعلى الجهود التي بذلتها خلال عام بأكمله في التحضير لهذا الاحتفال والتغلّب على العقبات والصعاب التي اعترضته، وفي الإشراف على تحرير وإصدار كتاب «الكتابة بشغف وشغب». وأسجّل شكري لجميع من ساهم في الكتابة عن سيرتي وأعمالي في هذا الكتاب.
تشاركني شريكة حياتي نوال عبود في تلقي هذا التكريم، وقد تحمّلت ما تحمّلت معي وبسببي من مشاق في حياة حالمة وصاخبة وملهَمة وممتعة، عبر نصف قرن من الحب، ننعم فيها بوجود ومشاركة ابنتنا جنى وزوجها هاشم والحفيد الرفيق نور عدنان، الذي يشاركنا الاحتفال.