digital-utopia

من يوتوبيا الإنترنت إلى الرأسمالية الرقمية
عالقون في الشبكة

  • مراجعة لكتاب سيباستيان بروكا «عالقون في الشبكة»، الذي يفكّك السردية التي تضع حركات التحرّر الرقمي في مواجهة شركات التكنولوجيا، ويكشف كيف استوعبت الرأسمالية الرقمية مبادئ الانفتاح والتعاون واللامركزية وأعادت توظيفها لتعزيز توسّعها.

تستند السردية السائدة عن تاريخ الإنترنت إلى تقابل أخلاقي يفصل بين نزعة تحررية مثالية ارتبطت بثقافة الهاكرز في تسعينيات القرن الماضي، وبين هيمنة احتكارية فرضتها لاحقاً شركات التكنولوجيا الكبرى بالتواطؤ مع الحكومات. على النقيض من هذا الفهم الاختزالي، يقرّ عالم الاجتماع سيباستيان بروكا في كتابه «عالقون في الشبكة» بوجود علاقة ترابطية بين حركات التحرّر الرقمي ومصالح الرأسمالية الرقمية، ويرى أن صعود الرأسمالية الرقمية لم يتحقق من خلال إقصاء البدائل التقنية والفكرية المنافسة بقدر ما تحقّق عبر استيعابها وإعادة توظيفها داخل منطقها الخاص، فالكثير من المبادرات التي طُرحت بوصفها بدائل للنموذج السائد تحولت تدريجياً إلى عناصر أسهمت في دعم توسع الشركات الرقمية وتعزيز شرعيتها. كما وفّر المدافعون عن الحقوق الرقمية، بوعي أو من دونه، غطاءً إيديولوجياً أخفى الروابط العميقة لوادي السيليكون مع المجمع الصناعي العسكري، وأسهموا في هندسة إطار قانوني استثنائي حصّن الشركات من المساءلة.

الفضاء العام المخصخص: حين تتلاعب منصات التكنولوجيا بالتشريعات

لتتبع أصول هذا التواطؤ غير المعلن بين نشطاء الحريات ورأس المال، يرجع الكاتب الى المعارك القانونية التأسيسية التي دارت رحاها في الولايات المتحدة الأميركية خلال التسعينيات. ففي عام 1996، وتحت مُسوِّغ حماية الفضاء السيبراني الناشئ من تدخل الدولة ورقابتها، مارست منظمات حقوقية رقمية، وفي مقدمها مؤسسة التخوم الإلكترونية، ضغطاً هائلاً لتمرير تشريعات تعفي منصات الإنترنت من أي مسؤولية قانونية تجاه ما ينشر عبرها. وأثمرت هذه الجهود عن إقرار المادة 230 الشهيرة في القانون الأميركي للاتصالات (47 U.S.C). وهي المادة التي نزعت عن شركات التكنولوجيا صفة الناشر، واعتبرتها مجرد منصات وسيطة غير مسؤولة قانونياً عن المحتوى المنشور عبرها. وهو ما وفر لها هامشاً واسعاً لممارسة سلطة تحريرية فعلية تتيح التحكم في المحتوى بحذفه أو ترويجه أو تقييده، مع التمتع في الوقت نفسه بحصانة قانونية واسعة. 

ويُظهر هذا المسار أن جزءاً مهماً من الثقافة الرقمية المبكرة تأسس على قدر من الارتياب تجاه دور الدولة في تنظيم الفضاء الإلكتروني. وقد وجد هذا التصور أحد أبرز تعبيراته في «إعلان استقلال الفضاء السيبراني» الذي كتبه جون بيري بارلو، حيث طُرح الفضاء الرقمي بوصفه مجالاً مستقلاً عن السلطات السياسية والمؤسسات التنظيمية القائمة. والمفارقة أن هذا الدفاع عن استقلال الإنترنت عُرض في منتدى دافوس، بما يعكس التداخل الذي نشأ مبكراً بين الخطاب التحرري الرقمي وبعض دوائر العولمة الاقتصادية.

تحول التعديل الأول للدستور من أداة لحماية الأفراد من تعسف السلطة العامة إلى آلية تُستخدم لحماية المصالح الاقتصادية للشركات العملاقة من المساءلة الديمقراطية

وعلى الرغم من أن هذا التصور انطلق من الرغبة في حماية حرية الإنترنت من التدخل الحكومي، فإن نتائجه العملية كانت أكثر تعقيداً. فقد أتاح غياب الضوابط التنظيمية مجالاً واسعاً أمام الشركات الكبرى لترسيخ مواقعها داخل الفضاء الرقمي والتحكم المتزايد في تدفقات المعلومات والبيانات. وتجاوز الأمر مسألة استقلالية المجال الرقمي، ليطال إعادة تأويل المبادئ الدستورية نفسها بما يخدم مصالح الفاعلين التكنولوجيين. ففي أعقاب المعركة القضائية التي دافعت عن اعتبار الشيفرة البرمجية شكلاً من أشكال التعبير المحمي بموجب التعديل الأول للدستور الأميركي، ترسخت مقولة «الشيفرة بوصفها خطاباً» (Code is Speech) كإحدى الركائز الفكرية للفضاء الرقمي. ليتحول التعديل الأول للدستور من أداة لحماية الأفراد من تعسف السلطة العامة إلى آلية تُستخدم لحماية المصالح الاقتصادية للشركات العملاقة من المساءلة الديمقراطية، في مفارقة أفضت إلى إخضاع الفضاء الرقمي تدريجياً لسلطة الخوارزميات والنخب التكنولوجية المتمركزة في وادي السيليكون.

رأسمالية المصادر المفتوحة: البنية التحتية المجانية للهيمنة الرقمية

لا ينحصر التفاعل بين حركات الإنترنت وشركات التكنولوجيا في الإطار القانوني لحرية التعبير، بل يتجاوزه ليطال البنية العميقة لعملية الإنتاج التكنولوجي ذاتها. ففي أواخر تسعينيات القرن الماضي، خاضت حركات الإنترنت مواجهات حادة مع احتكارات الملكية الفكرية، مدفوعة برؤية مثالية سعت إلى تأسيس مشاع رقمي (Digital Commons) يضمن إتاحة المعرفة والبرمجيات للجميع بعيداً عن منطق السوق. غير أن الرأسمالية الرقمية لم تتأثر جوهرياً بهذا النموذج البديل، بل عملت على إعادة توظيفه ضمن بنيتها، محولة إياه إلى بنية تحتية مجانية تُسهم في تسريع ديناميات التراكم الرأسمالي وتعزيز هيمنتها الاقتصادية.

تحولت المصادر المفتوحة، التي نشأت في الأصل كبديل يسعى إلى الحد من التمركز والاحتكار، إلى أحد المكونات الأساسية للاقتصاد الرقمي المعاصر، وإلى مورد استراتيجي أسهم بصورة غير مباشرة في تعزيز تمركز القوة داخل الأسواق الرقمية

ولتتبع مسار هذا الاحتواء، يعود الكاتب إلى سنة 1998 حين خلص عدد من روّاد البرمجة إلى أن الخطاب الأخلاقي والسياسي الصارم لحركة البرمجيات الحرة (Free Software) يحدّ من قابليتها للانتشار داخل الأوساط التجارية. وفي هذا السياق حل مصطلح البرمجيات الحرة محل المصادر المفتوحة (Open Source)، في تحول لم يكن مجرد تعديل لغوي، بل إعادة تموضع استراتيجية هدفت إلى إزاحة الحمولة السياسية المناهضة للاحتكار، وإعادة تقديم النموذج بوصفه آلية إنتاجية تقوم على الكفاءة والابتكار والتعاون التقني. وقد مهَّد هذا التحول لدمج مبادئ الانفتاح البرمجي داخل منطق السوق، الأمر الذي استفادت منه شركات التكنولوجيا الكبرى بصورة لافتة. فمؤسسات مثل غوغل وأمازون ومايكروسوفت أدركت مبكراً أن البرمجيات مفتوحة المصدر توفر بنية تحتية رقمية منخفضة التكلفة وقابلة للتطوير المستمر، ما مكنها من توظيف الرصيد البرمجي الجماعي لتوسيع قدراتها التقنية وتسريع نموها. وهكذا تحولت المصادر المفتوحة، التي نشأت في الأصل كبديل يسعى إلى الحد من التمركز والاحتكار، إلى أحد المكونات الأساسية للاقتصاد الرقمي المعاصر، وإلى مورد استراتيجي أسهم بصورة غير مباشرة في تعزيز تمركز القوة داخل الأسواق الرقمية.

رافق هذا التحول، تراجع ملحوظ في الاهتمام بسؤال جوهري في الاقتصاد السياسي يتعلق بطبيعة العمل وحدود الاستغلال في الاقتصاد الرقمي. فخلف خطاب التعاون والمشاركة والشغف بالبرمجة، ساهم آلاف المبرمجين حول العالم في إنتاج عمل رقمي تطوعي عالي القيمة جرى لاحقاً استيعابه داخل نماذج الأعمال الخاصة بالشركات الكبرى وتحويله إلى مصدر للأرباح وتراكم النفوذ الاقتصادي. واليوم، يُعاد إنتاج هذه الدينامية داخل حقل الذكاء الاصطناعي؛ إذ تتبنى شركات كبرى الذكاء الاصطناعي المفتوح المصدر (Open Source AI)، ليس بوصفه تعبيراً رقمياً لدمقرطة المعرفة، بل كخيار استراتيجي يتيح تعبئة مساهمات تقنية موزّعة لتحسين النماذج وتعزيز القدرة التنافسية. كما يُستثمر خطاب الانفتاح والابتكار سياسياً في مواجهة محاولات التنظيم والتقنين، بما يجعل المشاع الرقمي جزءاً من استراتيجية مؤسسية تهدف إلى إدارة العلاقة مع الدولة وإعادة التفاوض حول حدود التدخل التشريعي في مجال الذكاء الاصطناعي.

تسليع البيانات وإشكاليات الخصوصية وحدود الخطاب النقدي

إذا كانت البرمجيات المفتوحة المصدر قد أسهمت في توفير بنية تحتية رقمية منخفضة التكلفة، فإن البيانات الشخصية للمستخدمين أصبحت المورد الاستراتيجي الأهم في الاقتصاد الرقمي المعاصر. فقد تحولت بيانات الأفراد واهتماماتهم وأنماط سلوكهم إلى أصول قابلة للاستخراج والتحليل والتسليع، تُوظّف في تدريب خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتغذية أسواق الإعلانات الموجهة، في إطار يُعرف بتسليع البيانات (Data Commodification). وفي مواجهة هذا التحول، انصب جزء مهم من خطاب الخصوصية على آليات الموافقة الفردية والضبط القانوني، كما تجسد ذلك في اللائحة العامة لحماية البيانات الأوروبية (GDPR). بيد أن هذا الطرح ينطوي على اختلال جوهري، إذ يفترض وجود مستخدم قادر على اتخاذ قرارات واعية ومستنيرة داخل بيئة رقمية معقدة صُممت أساساً لتعظيم جمع البيانات واستثمارها. وبدلاً من مقاربة الخصوصية باعتبارها مسألة ترتبط بتوزيع السلطة داخل الاقتصاد الرقمي، جرى اختزالها في مسؤولية فردية، بما عمّق الفجوة بين الضمانات القانونية والممارسات الفعلية، ورسّخ تصوراً مبالغاً فيه حول قدرة الأفراد على التحكم في بياناتهم الشخصية.

ولا تتوقف أهمية تحليل اقتصاد البيانات عند فهم آليات جمع المعلومات واستغلالها، بل تمتد أيضاً إلى تقييم طبيعة الخطاب النقدي الموجه لشركات التكنولوجيا. فبعض الانتقادات، على الرغم من اختلافها عن خطاب هذه الشركات، قد تنتهي إلى تبني افتراضات مشابهة عن حجم التأثير الذي تمارسه التكنولوجيا في المجتمع. فسواء تعلق الأمر بأعمال شوشانا زوبوف عن رأسمالية المراقبة (Surveillance Capitalism)، أو تحذيرات تريستان هاريس، أو حتى السرديات الوجودية التي يطرحها بعض رواد الذكاء الاصطناعي بشأن تهديده للبشرية، فإن هذه المقاربات تميل في مجملها إلى تضخيم القدرة التأثيرية للخوارزميات في تشكيل السلوك الجمعي بصورة شاملة.

هذا النوع من التهويل لا يفضي بالضرورة إلى تقويض شرعية الفاعلين التكنولوجيين، بل قد يسهم بصورة غير مباشرة في إعادة إنتاج سرديتهم التسويقية، بما يعزز رصيدهم الرمزي لدى المستثمرين والرأي العام

وانطلاقا من هذه الزاوية، فإن هذا النوع من التهويل لا يفضي بالضرورة إلى تقويض شرعية الفاعلين التكنولوجيين، بل قد يسهم بصورة غير مباشرة في إعادة إنتاج سرديتهم التسويقية، بما يعزز رصيدهم الرمزي لدى المستثمرين والرأي العام، وإن تحت غطاء نقدي. في المقابل، يُثمّن بروكا اتجاهاً نقدياً أكثر انشغالاً بالبنى المادية للهيمنة الرقمية، تقوده باحثات وناشطات مثل تيمنيت جيبرو وميريديث ويتاكر. وينصب اهتمام هذا التيار على الآثار الملموسة للصناعة الرقمية، من قبيل إعادة إنتاج التحيزات العرقية داخل النماذج الخوارزمية، واستغلال العمالة الهشة في سلاسل إنتاج البيانات بالجنوب العالمي، فضلاً عن الكلفة البيئية المتصاعدة للبنية التحتية الحاسوبية. وما يلفت النظر في أبحاثهن، ولا سيما دراسة «الببغاوات العشوائية» أن ما يُسوَّق باعتباره ذكاءً اصطناعياً متقدماً لا يعدو في جوهره أنظمة إحصائية واسعة النطاق تعيد تركيب الأنماط اللغوية البشرية وتحيزاتها، مقابل استهلاك كثيف للطاقة والموارد. ومن هذا المنظور، ينصب الاهتمام على البنى الاقتصادية والاجتماعية التي تنتج التكنولوجيا وتوجه استخدامها، أكثر مما ينصب على المخاوف الوجودية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والتي قد تحجب أشكال الهيمنة والاستغلال المتجذرة في الواقع الرقمي المعاصر.

خلف الشاشات المضيئة: استعمار بيئي وعمالة مستعبدة في دول الأطراف

يقوم الخطاب الترويجي لوادي السيليكون على ما يسميه الكاتب «الصنمية التكنولوجية» Technological) Fetishism)، أي تجريد التقنيات الرقمية من شروط إنتاجها المادية وتقديمها بوصفها كيانات مستقلة عن علاقات العمل والموارد والطاقة. وانطلاقاً من ذلك، يفكك بروكا أسطورة «السحابة» بوصفها فضاءً افتراضياً لامادياً، مؤكداً أنها في الواقع بنية تحتية صناعية كثيفة الارتباط بالعالم المادي، تقوم على مراكز بيانات وخوادم وشبكات اتصالات تستهلك كميات هائلة من الطاقة، لا يزال جزء معتبر منها يعتمد على الوقود الأحفوري. ولا تقتصر البصمة البيئية للاقتصاد الرقمي على مرحلة التشغيل، بل تمتد إلى سلاسل استخراج وتوريد المعادن الاستراتيجية، مثل الكوبالت والتانتالوم والليثيوم، حيث تتحمّل دول الجنوب العالمي، وفي مقدمها جمهورية الكونغو الديمقراطية، الأعباء البيئية والاجتماعية لعمليات التعدين التي تغذي الصناعة الرقمية العالمية. ويخلص الكاتب إلى أن الاقتصاد الرقمي لا يمثل قطيعة مع الأنماط الاستخراجية التي ميزت الرأسمالية، بل يعيد إنتاجها في أشكال جديدة تتمحور حول البنية التحتية الرقمية والموارد الاستراتيجية.

لا تقف حدود الاستعمار الرقمي عند مراحل الاستخراج والتشغيل، بل تمتد إلى نهاية دورة حياة الأجهزة التقنية، حيث تتحول دول الجنوب إلى وجهة رئيسة للنفايات الإلكترونية السامة تحت غطاء برامج إعادة التدوير

ويلفت بروكا الانتباه إلى أن الخطابات التي تربط الاقتصاد الرقمي بالأتمتة الشاملة (Global Automation) تغفل البنية البشرية التي يقوم عليها هذا الاقتصاد. فخلف النماذج الخوارزمية وشبكات الذكاء الاصطناعي توجد أعداد كبيرة من العمال الذين يضطلعون بمهام فرز البيانات وتصنيفها ومراجعتها وتدريب النماذج، في ظل أوضاع تشغيل هشة وأجور متدنية، ولا سيما في دول الجنوب العالمي. ولا تقتصر كلفة هذه الأعمال على بعدها الاقتصادي، بل تمتد إلى أعباء نفسية ناتجة عن التعامل المستمر مع محتويات حساسة أو عنيفة.  ومن ثم، فإن ما يبدو عملية تقنية مؤتمتة بالكامل يقوم، في جانب منه، على مساهمات بشرية أساسية تظل غالباً غير مرئية في الخطابات السائدة عن التكنولوجيا الرقمية.

ولا تقف حدود الاستعمار الرقمي عند مراحل الاستخراج والتشغيل، بل تمتد إلى نهاية دورة حياة الأجهزة التقنية، حيث تتحول دول الجنوب إلى وجهة رئيسة للنفايات الإلكترونية السامة، بعدما يُنقل إليها العبء البيئي الناتج عن التقادم السريع للأجهزة تحت غطاء برامج إعادة التدوير. ويكشف ذلك أن الرأسمالية الرقمية لا تكتفي بالاستحواذ على العوائد الناتجة عن الابتكار والإنتاج، بل تعيد أيضاً نقل كلفتها البيئية إلى هوامش النظام العالمي، بحيث تتحمّل دول الأطراف أعباء التلوث والتخلص من المخلفات الإلكترونية، بينما تتركز المنافع الاقتصادية والتكنولوجية في المراكز الرأسمالية، ما يؤكد أن التكنولوجيا الرقمية لا تنفصل عن البنى الاستخراجية التي تقوم عليها الرأسمالية المعاصرة.

الرفض الجذري للتكنولوجيا: عندما يصبح تحطيم الشاشات وخوادم البيانات فعلاً سياسياً

في تحليله لإمكانات مقاومة التوسع المتسارع للرأسمالية الرقمية، يستحضر الكاتب تجارب عدد من الحركات الاجتماعية الراديكالية التي رفضت النظر إلى التكنولوجيا كأداة محايدة، معتبرة أنها جزء لا يتجزأ من البنى الاقتصادية والاجتماعية التي تنتج علاقات الهيمنة ذاتها. وارتباطاً بهذا الطرح، يتوقف عند تجربة «اللوديين الجدد» (Neo-Luddites) التي برزت في الولايات المتحدة خلال تسعينيات القرن الماضي، مستلهمة الإرث الرمزي لحركة اللوديين الذين قادوا احتجاجات عمالية ضد التحولات الصناعية في القرن التاسع عشر. وقد عبّرت هذه الحركة عن موقفها النقدي من الرقمنة المتسارعة عبر أشكال متنوعة من الاحتجاج الرمزي والمباشر، من أشهرها إقدام الناشط كيركباتريك سيل على تحطيم حاسوب خلال فعالية عامة، في فعل احتجاجي استهدف لفت الانتباه إلى الآثار الاجتماعية والثقافية للتكنولوجيا الحديثة وما تسببه، في نظر منتقديها، من تعميق للعزلة الإنسانية وإعادة هيكلة لعلاقات العمل وفق مقتضيات السوق الرأسمالية.

ومع أن هذه المواقف قوبلت آنذاك بقدر كبير من السخرية والرفض داخل الأوساط التكنولوجية السائدة، باعتبارها تعبيراً عن نزعة معادية للتقدم، فإن التطورات اللاحقة دفعت الكثير من الباحثين إلى إعادة تقييمها ضمن أفق نقدي أوسع. فقد بدا أن بعض التحذيرات التي رفعتها تلك الحركات استبقت نقاشات أصبحت اليوم مركزية في أدبيات الاقتصاد السياسي للتكنولوجيا، لاسيما ما يتعلق بالأثر البيئي للبنية التحتية الرقمية، واستنزاف الموارد الطبيعية، وتفاقم أنماط العمل الهش، واتساع أشكال المراقبة والتحكم الخوارزمي. ومن ثمّ، لم يعد الإرث اللودي يُقرأ بوصفه رفضاً للتكنولوجيا في حد ذاتها، بل باعتباره نقداً للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي تُنتج التكنولوجيا وتحدّد وظائفها واتجاهات استخدامها، الأمر الذي أعاد دمجه ضمن مقاربات نقدية معاصرة تربط بين العدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية والديمقراطية التكنولوجية.

وفي السياق الأوروبي، اتخذ نقد الرأسمالية الرقمية والتوسع التكنولوجي مساراً أكثر ارتباطاً بالفلسفة السياسية والنظرية النقدية، حيث برزت تيارات مناهضة للصناعة والتقنية رفضت الأطروحة الليبرالية القائلة بحياد التكنولوجيا، واعتبرت أن البنى التقنية الحديثة ليست مجرد أدوات قابلة للاستخدام في اتجاهات مختلفة، بل مكونات أساسية في إنتاج علاقات السلطة وإعادة تشكيل أنماط الضبط الاجتماعي. وانطلاقاً من هذا التصور، انتقلت بعض هذه المقاربات من مستوى النقد النظري إلى أشكال متنوعة من الفعل المباشر، كما في حالة مجموعات مثل «أوبلوموف» (Oblomov)، التي ارتبط اسمها بأعمال استهدفت بصورة رمزية وميدانية بعض تقنيات المراقبة الرقمية، ولا سيما أنظمة التعرف البيومتري وكاميرات الرصد الذكية التي شهدت انتشاراً متزايداً داخل الفضاءات الحضرية الأوروبية.

 لم يعد الإرث اللودي يُقرأ بوصفه رفضاً للتكنولوجيا في حد ذاتها، بل باعتباره نقداً للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي تُنتج التكنولوجيا وتحدّد وظائفها واتجاهات استخدامها، الأمر الذي أعاد دمجه ضمن مقاربات نقدية معاصرة تربط بين العدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية والديمقراطية التكنولوجية

كما ارتبطت بعض أشكال الاحتجاج المعاصرة بانتقاد البنية التحتية للتكنولوجيا الرقمية، خصوصاً شبكات الجيل الخامس، التي ينظر إليها منتقدوها بوصفها جزءاً من منظومة أوسع لإدارة البيانات وتوسيع قدرات المراقبة. وقد تُرجم هذا الرفض أحياناً إلى ممارسات ميدانية استهدفت بعض تجهيزات الاتصالات، في تعبير عن الاعتراض على تنامي الاعتماد على البنى التقنية المركزية. ويعكس هذا التوجه فهما للتكنولوجيا باعتبارها ظاهرة اجتماعية وسياسية بقدر ما هي منظومة تقنية، وهو ما يفسر اختلافه عن المقاربات الإصلاحية التي تراهن على الأطر التنظيمية والقانونية لمعالجة التحديات المرتبطة بالتحول الرقمي.

ما وراء اليوتوبيا الرقمية: نحو إعادة تأطير الصراع في الاقتصاد السياسي للتكنولوجيا

في خاتمة تحليله، يفكّك الكاتب الأسس النظرية التي تقوم عليها اليوتوبيا الرقمية ومقولات الحتمية التكنولوجية، رافضاً التصورات التي تمنح التكنولوجيا قدرة ذاتية على إنتاج التحول الاجتماعي أو تجاوز تناقضات الرأسمالية المعاصرة. وفق هذا الفهم، تُنظر إلى التكنولوجيا بوصفها نتاجاً لمسارات اجتماعية ومؤسساتية محددة، لا باعتبارها قوة مستقلة قادرة بذاتها على حل الإشكالات السياسية والاقتصادية والبيئية. ومن ثمّ، فإن اختزال أزمات اللامساواة أو التدهور البيئي أو تركز السلطة في نقص الابتكار التقني يتجاهل علاقات القوة التي تحكم إنتاج التكنولوجيا وتوزيع منافعها.

ويشير بروكا إلى أن البدائل التي تنشأ لمواجهة الهيمنة القائمة قد تجد نفسها، مع مرور الوقت، مندمجة داخل المنظومة الاقتصادية نفسها التي سعت إلى نقدها أو تجاوزها. فحتى المبادرات المفتوحة واللامركزية والتعاونية قد تتحوّل، في كثير من الحالات، إلى عناصر قابلة للاحتواء داخل نماذج اقتصادية جديدة تعيد إنتاج الهيمنة بوسائل مختلفة. ولا تتوقّف عملية الاحتواء عند حدود الابتكار التقني، وإنما تمتد إلى توظيف بعض الخطابات الحقوقية والبيئية بما يخدم إعادة إنتاج مواقع الهيمنة داخل الاقتصاد الرقمي.

وبناءً على ذلك، يرفض الكتاب المقاربات التي تختزل التحرر الرقمي في مجرد تطوير منصات بديلة أو حلول تقنية داخل المنظومة القائمة، باعتبار أن هذه المبادرات تظل معرضة لإعادة إنتاج القواعد نفسها التي وضعتها الشركات التكنولوجية الكبرى. وبدلاً من ذلك، يدعو إلى تجاوز الأوهام السيبرانية التي فصلت بين التقنية وسياقاتها الاجتماعية والمادية، والنظر إلى التكنولوجيا باعتبارها جزءاً من علاقات إنتاج قابلة لإعادة التنظيم. وهو ما يقتضي توجيه النقاش نحو قضايا أكثر عمقاً، مثل الاحتكار الرقمي، وتوزيع القيمة، والعمل غير المرئي (Ghost Work)، والكلفة البيئية الممتدة من استخراج الموارد الأولية إلى تشغيل البنى التحتية الرقمية العالمية.

لا يختزل بروكا مسألة التحرر الرقمي في الابتكار التقني أو في تطوير بدائل تكنولوجية داخل المنظومة القائمة، بل يربطها بإعادة توزيع السلطة والموارد التي تتحكم في إنتاج التكنولوجيا وتوجيه استخدامها

انطلاقاً من ذلك، لا يختزل بروكا مسألة التحرر الرقمي في الابتكار التقني أو في تطوير بدائل تكنولوجية داخل المنظومة القائمة، بل يربطها بإعادة توزيع السلطة والموارد التي تتحكم في إنتاج التكنولوجيا وتوجيه استخدامها. فالمشكلة، في نظره، لا تكمن في هيمنة منصة بعينها، وإنما في البنية التي تسمح بإعادة إنتاج هذه الهيمنة بصورة مستمرة. ولهذا، فإن بناء بدائل حقيقية يقتضي التفكير في الشروط الاقتصادية والاجتماعية التي تحكم المجال الرقمي، وفي السبل الكفيلة بجعل التكنولوجيا أكثر ارتباطاً بقيم العدالة والمساءلة والمصلحة العامة.

الاستعمار التكنولوجي: تحويل البيانات إلى مورد استراتيجي في خدمة المراكز الرأسمالية

حاول سيباستيان بروكا بناء إطار تفسيري لفهم الكيفية التي تفاعلت بها الحركات الرقمية البديلة مع مسار تشكل وتطور الرأسمالية الرقمية، متجاوزاً الثنائية التقليدية التي هيمنت على الأدبيات السابقة، والتي صورت هذه الحركات بوصفها إما قوى مقاومة للرأسمالية الرقمية أو ضحية مباشرة لها. إذ يبين أن المبادئ التي تبنتها حركات البرمجيات الحرة والمصادر المفتوحة والمشاعات الرقمية، مثل الانفتاح والتعاون واللامركزية وإتاحة المعرفة، لم تُستوعب من قبل شركات التكنولوجيا الكبرى فحسب، بل أُعيد توظيفها وفق منطق السوق، بما أتاح تحويل قيم التحرر الرقمي نفسها إلى استراتيجية لإنتاج القيمة وتعظيم التراكم الرأسمالي. وبهذا يفتح الكتاب أفقاً بحثياً يتجاوز تفسير الهيمنة الرقمية بعوامل الابتكار التقني وحدها، ليكشف تفاعل المصالح الاقتصادية، والأطر القانونية والخيارات السياسية والأيديولوجية في إنتاج النظام الرقمي المعاصر، وهو ما يمنح الكتاب قيمة معرفية ومنهجية تتجاوز موضوعه المباشر إلى تجديد أدوات دراسة التكنولوجيا والسلطة في العلوم الاجتماعية.

وتكتسب أطروحة بروكا أهمية خاصة عند إسقاطها على الحالة العربية، حيث تكشف التجارب العربية عن وجاهة كثير من الاستنتاجات التي يخلص إليها الكتاب، ولا سيما ما يتعلق بحدود الوعود التحررية التي ارتبطت بالتكنولوجيا، وارتهان توظيفها لمنطق السلطة والاقتصاد السياسي. فمنذ اندلاع موجة الاحتجاجات العربية سنة 2011، انجذبت قطاعات واسعة إلى السرديات التحررية التي روجت لها شركات التكنولوجيا الرقمية، على أمل أن توسع منصات التواصل فضاءات الحرية والمشاركة. غير أن التجربة أثبتت أن التأثير السياسي للتكنولوجيا لا يتحدد بخصائصها التقنية في ذاتها، وإنما بالكيفية التي تُوظَّف بها داخل السياقات السلطوية، ما حوّل هذه المنصات من فضاءات للتعبئة إلى آليات فعالة للمراقبة وجمع البيانات، أسهمت في ترسيخ أنماط الهيمنة القائمة.

ولا يقتصر هذا المنطق على المجال السياسي، بل يمتد إلى الموقع الذي تشغله المنطقة العربية في النظام الاقتصادي العالمي، بما يجعلها عرضة لإعادة إنتاج المنطق الاستخراجي في صورته الرقمية. فكما أُدمجت تاريخياً بوصفها خزاناً للطاقة والمواد الأولية، يُعاد إدماجها اليوم عبر ما يسميه الكاتب «الاستعمار التكنولوجي» (Technocolonialism)، حيث تتحول البيانات إلى مورد استراتيجي يُستخرج ويُوظَّف بما يخدم مصالح مراكز الابتكار الرأسمالية. وينعكس هذا المنطق أيضا في تنظيم العمل الرقمي؛ فبدلا من تركيز العمال في مواقع إنتاج مشتركة، تُجزَّأ مهام تدريب النماذج ومعالجة البيانات بين آلاف العاملين في عزلة شبه تامة، بما يحد من قدرتهم على التنظيم الجماعي والمطالبة بالحقوق. ومن ثم، لا يمكن اختزال قضية السيادة الرقمية في المنطقة العربية في امتلاك الأدوات والتقنيات وحدها، بل ينبغي ربطها بالموقع الذي تشغله المنطقة في سلاسل الإنتاج الرقمي، وبأنماط توزيع العمل والموارد والسلطة التي تحكم الرأسمالية الرقمية.

    عبد الرفيع زعنون

    حاصل على شهادة الدكتوراه في القانون والعلوم الإدارية، باحث مشارك في المعهد المغربي لتحليل السياسات، رئيس فريق البحث في القانون العام بمركز اسبارطيل لخدمة القانون وحسن الأداء القضائي، حاصل على جوائز عدّة عن أعمال بحثية وأوراق السياسات الاجتماعية.