قراءة في المشهد الجيوسياسي لعام 2026
التحوّلات الهيكلية وديناميات الاحتجاج الاجتماعي في أميركا اللاتينية
تشهد منطقة أميركا اللاتينية منذ منتصف عام 2026 تفاعلات سياسية واجتماعية مُتسارعة، تعيد صياغة المشهد العام وموازين القوى التي استقرّت خلال العقدين الماضيين. وتأتي هذه التحوّلات في سياق تداخل معقّد بين صعود تيّارات اليمين الليبرالي والمحافظ في دول عدة، وبين استمرار فاعلية الحركات الاحتجاجية والنقابية التي تقاوم سياسات الإصلاح الهيكلي القائمة على التقشف وتحرير الأسواق والخصخصة وإعادة تنظيم استغلال الموارد الطبيعية.
وتكشف القراءة التحليلية لهذا الفضاء الجغرافي عن وجود نمطين رئيسيين من التفاعل السياسي والاجتماعي. يتمثّل النمط الأول في المواجهات المباشرة والعلنية بين الشارع والحكومات ذات التوجّهات اليمينية أو الوسطية، وتتخذ الاحتجاجات طابع الإضرابات الشاملة وحصار المراكز الحيوية، كما هو مشهود في بوليفيا والإكوادور والأرجنتين. فيما يتجسّد النمط الثاني في عمليات التحوّل الهيكلي الهادئ لآليات الدولة ووظائفها الاجتماعية، والتي تنفّذها نخب حاكمة محسوبة تاريخياً على معسكر اليسار، لكنها تتبنّى عملياً سياسات تقشفية صارمة ومواءمات اقتصادية تتناقض مع أدبياتها الأيديولوجية التقليدية، كما هو الحال في التجربة الفنزويلية المعاصرة.
الأزمة البوليفية: تفكيك بنية الاحتجاج وحالة الاستعصاء السياسي
بعد مرور 6 أشهر فقط على تولي رئيس بوليفيا المنتمي إلى تيّار يمين الوسط، رودريغو باز بيريرا (نجل الرئيس الأسبق خايمي باز زامورا)، مقاليد السلطة، تواجه حكومته أزمة شرعية واستقرار حادة. إذ نجحت موجة من الاحتجاجات المنظّمة والإضرابات العامة، المستمرة لأكثر من 5 أسابيع، في شلّ الحركة الاقتصادية وتطويق العاصمة الإدارية، لا باز، عبر قطع المحاور الاستراتيجية للطرق.
وتتوزّع جغرافيا الغضب ومراكز الثقل الاحتجاجي في بوليفيا على ركيزتين أساسيتين؛ تتمثّل الركيزة الأولى في المحافظات الخمس الكبرى وهي سانتا كروز وأورورو وبوتوسي وتشوكيساكا وكوتشابامبا، حيث يقود القطاع الزراعي والفلاحي، الذي تشكّل الشعوب الأصليّة (الناطقة بالكيشوا والأيمارا) عموده الفقري، حصاراً ممتدّاً وشاملاً. أما الركيزة الثانية فتمثلها الكتلة العمّالية الحضرية في مدينة إل ألتو المتاخمة للعاصمة، والتي تُعد المحرّك البشري والتنظيمي الأبرز للاحتجاجات. هذه المدينة، التي يقطنها قرابة 900 ألف نسمة من المهاجرين الريفيين ذوي الأصول السكّانية الأصلية، نجحت عبر التنسيق مع حلف نقابات المعلّمين، وعمّال المناجم، وعمّال المصانع، في عزل العاصمة لا باز جغرافياً، ما أدّى إلى فصل الأحياء الشمالية والمركز التجاري للعاصمة عن المنطقة الجنوبية (Zona Sur) التي تقطنها الفئات الاجتماعية ذات الدخل المرتفع والنخب السياسية والاقتصادية.
يعود الانفجار الاجتماعي الراهن في بوليفيا إلى مراجعة الرئيس باز لبرنامجه السياسي بعد الانتخابات، حين تبنّى فور تسلمه السلطة في كانون الثاني/يناير 2026 حزمة «إصلاحات اقتصادية» تحت شعار «الرأسمالية للجميع». وترتكز هذه السياسات على 4 تدابير رئيسة تشمل: أولاً، إصلاحات ضريبية وهيكلية في قطاع الاستخراج عبر تشريع قوانين طوارئ تمنح إعفاءات ضريبية وتسهيلات واسعة للشركات الأجنبية والمتعددة الجنسيات المستثمرة في قطاعات الطاقة والتعدين. ثانياً، اعتماد سياسات التقشف المالي التي قضت بخفض الإنفاق الحكومي العام، وإلغاء منظومة الدعم الموجّهة للمحروقات (الديزل) والمواد الغذائية الأساسية كالخبز. ثالثاً، بروز أزمة قطاع النقل نتيجة تزويد الأسواق المحلية بوقود منخفض الجودة أدّى إلى أعطال واسعة في مركبات النقل العام، ما دفع قطاع النقل والنقابات الشاحنة إلى إعلان إضراب مفتوح زاد من حدة الحصار. رابعاً، التوجّه نحو الالتجاء للمؤسّسات الدولية عبر البدء في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي لتنفيذ برنامج تكيّف هيكلي مشروط للحصول على قروض ائتمانية.
إن المجتمعات المحلية والمنظمات النقابية تجد نفسها في مواجهة معضلة هيكلية ترتبط بالدفاع عن شروط الاستقرار المعيشي والسيادة على المقدرات الاقتصادية والطبيعية في ظل ضغوط العولمة المالية وإصلاحات السوق الحر
ترافقت هذه الإجراءات مع تحول في طبيعة النخبة الحاكمة، إذ شُكّلت الحكومة من شخصيات تكنوقراطية وخلفيات مرتبطة بالقطاع الخاص والمؤسسات المالية الدولية، مع غياب تام للمرأة والمكوّنات الممثلة للحركات الشعبية والسكان الأصليين. ويمثل هذا البناء الحكومي تراجعاً عن المكتسبات التمثيلية التي تحقّقت في العقود السابقة، ما زاد من فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع. وما يبرز مفارقة المشهد الانتخابي البوليفي، أن المناطق التي تقود الحصار اليوم كانت قد منحت أصواتها للرئيس باز بناءً على الوعود الموجّهة إلى الفئات الشعبية التي طرحها نائبه إدموند لارا، الذي جرى تهميشه وإقصاؤه من دائرة صنع القرار لاحقاً.
تتبنّى الرئاسة البوليفية موقفاً صارماً يرفض تقديم التنازلات أو الدخول في حوار سياسي قبل الإنهاء الكامل لحالة الحصار، واصفة الإضرابات بأنها تدابير تؤدّي إلى «شلل كيان الدولة». ومع تفاقم الآثار الاقتصادية والإنسانية الناتجة عن نقص المواد الطبية والأكسجين في المستشفيات، وارتفاع مؤشرات التضخّم وأسعار السلع، حاولت الحكومة كسر العزلة عبر التنسيق اللوجستي مع الرئاسة الأرجنتينية بقيادة خافيير مايلي، مستعينة بطائرات شحن لنقل الأغذية والالتفاف على نقاط غلق الطرق.
ومع استمرار الاستعصاء، تطوّرت المواجهات الميدانية إلى صدامات مسلّحة، أسفرت عن وفاة الشاب فيكتور كروز كيسب (من قومية الأيمارا) برصاص القوات الأمنية خلال عمليات فتح طريق أورورو الاستراتيجي. وردّت الأجهزة الأمنية بتوسيع نطاق التوقيفات والمداهمات، ما أسفر عن اعتقال نحو 500 كادر نقابي في إل ألتو ولا باز.
على الصعيد التشريعي، حظيت الحكومة بدعم من الكتل البرلمانية المحافظة واليمينية، وتحت تأثير قوى سياسية يقودها الرئيس الأسبق توتو كيروجا، حيث قام البرلمان بتعديل القوانين المقيّدة لاستخدام القوة من القوات المسلّحة في مواجهة الاضطرابات مدنية. وتوّج هذا المسار بتوقيع الرئيس باز على مرسوم يمهّد لفرض «حالة الاستثناء» وقانون الطوارئ العسكري، مكمّلاً بذلك الإطار القانوني للتعامل الخشن مع الاحتجاجات.
تعيد المشاهد الراهنة في بوليفيا إلى الأذهان الديناميات السياسية لانتفاضات عامي 2003 و2005، التي أدّت إلى استقالة رئيسين متعاقبين وفتحت المجال لصعود إيفو موراليس وحركته (MAS) كأول رئيس ينتمي إلى السكان الأصليين. إلا أن هذا النموذج السياسي تآكل بنيوياً نتيجة الانقسامات الحادة والنزاع القيادي المعقّد بين موراليس وخلفه لويس آرس.
لقد أدى تبادل الاتهامات بالفساد، وإساءة استخدام السلطة، وتدبير الانقلابات والتآمر، إلى تفتيت الحاضنة الشعبية للحركة نحو الاشتراكية وفقدانها شرعيتها الأخلاقية والسياسية. وانعكس هذا الانقسام الداخلي بوضوح في الاستحقاق الانتخابي لعام 2025، حين خسر الحزب غالبية مقاعده الحيوية في مجلس الشيوخ، ما مهّد الطريق لعودة تيار يمين الوسط إلى سدة الحكم عبر الصناديق، مستفيداً من الفراغ السياسي الذي خلفه صراع الأجنحة داخل اليسار البوليفي.
الحالة الفنزويلية: إعادة الهيكلة النيوليبرالية تحت غطاء أيديولوجي رسمي
في الوقت الذي تتخذ فيه الصراعات في بوليفيا طابع المواجهة المكشوفة في الفضاء العام، تشهد فنزويلا مساراً مختلفاً تصنفه تقارير السياسة الخارجية والإدارة الأميركية الحالية (وفقاً لتصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو) تحت مسمى مرحلة «الاستقرار والتثبيت». إلا أن القراءة التحليلية للمضمون الاقتصادي والتشريعي لهذه مرحلة تكشف عن عملية تفكيك هيكلي للمنظومة الاجتماعية ودولة الرعاية التي أرساها الدستور البوليفاري.
وتسير آليات إعادة الهيكلة الاقتصادية في فنزويلا عبر مسارين متوازيين؛ يخص المسار الأول الإصلاحات الصناعية والاستخراجية من خلال إجراء مواءمات تشريعية لفتح قطاع الهيدروكربونات والتعدين أمام رأس المال الخاص والشركات الأجنبية، إلى جانب خصخصة شبكات إنتاج وتوزيع الطاقة الكهربائية لرفع كفاءتها الربحية وجذب المستثمرين. أما المسار الثاني فيتعلق بالإصلاحات الزراعية، حيث بادرت النخبة القيادية لـ «حزب فنزويلا الاشتراكي الموحد» (PSUV) بقيادة حكومة ديلسي رودريغيز بفتح هذا الملف. وظهر ذلك جلياً حينما أعلن رئيس الجمعية الوطنية، خورخي رودريغيز، عن مراجعات نقدية لسياسات إعادة توزيع الأراضي التي أقرّت في عهد تشافيز، وتوّج هذا التحوّل بإصدار قانون جديد لتنظيم قطاع تربية الماشية، يهدف عملياً إلى إعادة إحياء نموذج الملكيات الزراعية الكبرى والإقطاعيات (Latifundismo)، وهي المنظومة المسؤولية تاريخياً عن موجات العنف والاضطرابات بين كبار الملاك والفلاحين في الريف.
يثير استمرار النخبة التشافيزية العليا في إدارة هذه التحوّلات الهيكلية من دون صدام مباشر مع القوى الدولية المؤثرة تساؤلات بشأن طبيعة التفاهمات الضمنية والحسابات السياسية الدقيقة التي تحكم المشهد. ويمكن تفسير هذا التوجّه من خلال عاملين استراتيجيين؛ يتمثل العامل الأول في تحييد الكلفة السياسية والاجتماعية؛ فإلغاء السياسات الاجتماعية، والمؤسسات الحمائية، وصمامات الأمان التي تشكلت على مدار العقود الثلاثة الماضية يمثل تراجعاً تاريخياً للمشروع البوليفاري. ومن خلال ترك هذه المهمة التقشفية لتنفّذها النخبة الحاكمة المحسوبة على تشافيز، يتم ضمان تمرير القرارات الاقتصادية الصعبة من دون أن تتحمّل أي حكومة يمين قادمة تبعاتها السياسية أو الأخلاقية أمام المجتمع. ويتمثل العامل الثاني في شل آليات الاعتراض والمقاومة المدنية؛ فلو أُقرت هذه الحزم التقشفية والخصخصة الشاملة من حكومة يمينية تقليدية، لكانت الكوادر التشافيزية والنقابات المرتبطة بها في موقع المعارضة، تقود الشارع لتعطيل تلك السياسات. أما في الوضع الراهن، فإن السلطة توظف أجهزتها التنفيذية والقمعية وأدبياتها الأيديولوجية السابقة لتحييد قدرة القواعد الشعبية على الحركة والاحتجاج الفعال ضد هذه القرارات. تأتي الأزمة انعكاساً لسياسات «العلاج بالصدمة» والتقشف المالي الصارم التي تبنتها الإدارة الحالية، والتي نتج عنها تراجع حقيقي وتراكمي في المخصصات المالية المحوّلة إلى التعليم العالي، وانخفاض القوة الشرائية لأجور الأساتذة والموظفين
وعلى الرغم من البيئة السياسية المعقدة، لم تتقبّل الحركات الفلاحية والنقابات العمالية والتشكيلات اليسارية المستقلة سياسات التقشف والتحول الهيكلي، وتحركت في قطاعات عدة للدفاع عن مكتسباتها. إلا أن الاستجابة الحكومية اتسمت بالصرامة والاعتماد على أدوات احتواء متعددة المستويات، تشمل الملاحقات القانونية والتوقيفات بحق قادة النقابات، واختراق التنظيمات المهنية لتقسيمها من الداخل، وصولاً إلى إلغاء التراخيص الانتخابية والسياسية للأحزاب والكتل اليسارية التي أعلنت انشقاقها عن التوجه الرسمي للحزب الحاكم.
وفي أعقاب الاستحقاق الانتخابي الذي جرى في 28 تموز/يوليو، شهدت الأحياء الشعبية والفقيرة في العاصمة كاراكاس – والتي كانت تاريخياً تمثل الخزان البشري والانتخابي الأبرز للتيار التشافيزي – تفعيلاً واسعاً للأجهزة الأمنية والرقابية. وهدف هذا الانتشار المنظّم إلى السيطرة على الفضاء العام، ومنع تشكّل أي بؤر احتجاجية مستقبليّة يمكن أن تنبثق من القواعد الاجتماعية المتضررة من السياسات الاقتصادية الجديدة.
ديناميات الاحتقان في الإكوادور والأرجنتين: صراع الموارد والسياسات العامة.
يعيش الشارع الإكوادوري حالة من الاحتقان المتزايد ضد سياسات الرئيس اليميني دانيال نوبوا، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية مع معضلات دستورية وأمنية بالغة التعقيد. وتجسّد هذا الاحتقان في الإضراب الوطني الشامل الذي شهدته البلاد في الفترة الممتدّة بين 24 و26 حزيران/يونيو، بقيادة «الاتحاد الوطني للقوميات السكان الأصليين» (CONAIE) وائتلاف الحركات البيئية والمدنية.
وتتداخل أبعاد الأزمة الإكوادورية لعام 2026 عبر 3 مسارات حيوية؛ البعد الأول هو الأزمة البيئية المتمثلة في تجاوز الدستور والمضي في مشاريع التعدين والنفط العملاقة في المناطق المحمية من دون الحصول على الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة للمجتمعات المحلية، وتجاهل نتائج الاستفتاء الشعبي القاضي بوقف إنتاج النفط في الكتلة 43 بمتنزه «ياسوني» الوطني. ويتمثّل البعد الثاني في الأزمة القضائية والمالية الرامية لملاحقة وتجميد حسابات قادة الحراك؛ حيث قامت النيابة العامة بتجميد الأرصدة البنكية لأكثر من 61 منظمة وقائداً مدنياً وبيئياً بتهم فضفاضة مثل الإثراء غير المشروع لكسر شوكتهم. أما البعد الثالث فهو الأزمة الأمنية وتفعيل «حالة الاستثناء» الدائمة؛ إذ أعلن الرئيس نوبوا فرض حالة طوارئ جديدة لمدة 60 يوماً تشمل 10 مقاطعات رئيسة وتمنح الجيش والشرطة صلاحيات واسعة كحق تفتيش المنازل من دون إذن قضائي لمواجهة عنف الكارتلات، وسط مخاوف الحركات الجماهيرية من استخدام العسكرة لتطويق الإضرابات.
وتترافق هذه الأبعاد مع خطط الحكومة لتحرير أسعار المحروقات والخدمات العامة استجابة لإملاءات اقتصادية وتسهيلاً لعمل الشركات الكبرى. وفي مواجهة هذا الاستعصاء، تحرّكت المنظّمات المدنية نحو المجلس الوطني الانتخابي لبدء الآليات القانونية لجمع التوقيعات اللازمة لتفعيل مسار «سحب الثقة» (Recall Process) وعزل الرئيس. وفي المقابل، يسعى الرئيس نوبوا لطرح استفتاء شعبي لإنشاء «جمعية تأسيسية» تستهدف تعديل الدستور الحالي لإعادة صياغة صلاحيات «المحكمة الدستورية»، التي شكلت تاريخياً العقبة القانونية الأبرز أمام المراسيم الرئاسية المتعلقة بتقليص الحمايات البيئية وتعديل الحريات المدنية.
في الجزء الجنوبي من القارة، يواجه رئيس الأرجنتين، خافيير مايلي، موجة احتجاجية واسعة النطاق تقودها الحركة الطالبية والأكاديمية، والتي تحوّلت من نزاع بشأن الميزانية إلى قضية رأي عام تمس الهوية الاجتماعية وبنية الطبقة الوسطى في البلاد. وتأتي الأزمة انعكاساً لسياسات «العلاج بالصدمة» والتقشف المالي الصارم التي تبنتها الإدارة الحالية، والتي نتج عنها تراجع حقيقي وتراكمي بنسبة 45.6% في المخصصات المالية المحوّلة إلى التعليم العالي، وانخفاض القوة الشرائية لأجور الأساتذة والموظفين بنسبة 37.13%، فضلاً عن عجز المستشفيات الجامعية العامة عن تأمين المستلزمات الطبية الأساسية وتعليق العمليات الجراحية.
ويتجلى مسار النزاع الأكاديمي في الأرجنتين عبر 3 مستويات متقاطعة؛ المستوى الأول هو المواجهة القانونية والدستورية بعد أن وافق الكونغرس الأرجنتيني على قانون يلزم الحكومة بزيادة التمويل تماشياً مع التضخم، فقام مايلي باستخدام الفيتو الرئاسي لإلغائه، لكن البرلمان نجح في كسر الفيتو وإقرار القانون، ليرفض مايلي التنفيذ متذرّعاً بالعجز المالي وينتقل الصراع إلى أروقة المحكمة العليا. ويبرز المستوى الثاني في التدابير الميدانية وتدحرج كرة الثلج؛ حيث انتقل الطلاب من المسيرات المليونية الحاشدة في بوينس آيرس إلى خيار الاعتصامات واحتلال الكليات والمدارس الثانوية التابعة لـ «جامعة بوينس آيرس» (UBA) بشكل مفتوح ومراجعته يومياً. فيما يعكس المستوى الثالث الأبعاد السياسية والمعنوية للمعركة؛ فالتعليم العالي المجاني يُعد في الوجدان القومي الأداة الأساسية للحراك الاجتماعي الصاعد وصمام الأمان للطبقات الوسطى والفقيرة، ولذلك قام الأساتذة بنقل فصولهم الدراسية إلى الشوارع والساحات العامة مثل ساحة «لافالي» أمام مقر المحكمة العليا، للتأكيد على أن الديمقراطية واستقلالية المؤسسات أصبحت على المحك في مواجهة رئيس يحاول الحكم بفرض إرادته فوق القوانين.
البعد الدولي والتقاطعات الإقليمية للأزمات المائية والسياسية
تتخذ الخارطة الجيوسياسية الإقليمية لعام 2026 مساراً استقطابياً حاداً يعكس تدويل الاضطرابات الداخلية في أميركا اللاتينية؛ حيث تحركت واشنطن عبر أطر التنسيق المشترك ومؤسسات مثل منظمة الدول الأميركية، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي لإصدار تحذيرات وتصنيف الاحتجاجات وحصار المدن كأنشطة تخريبية تتداخل مع شبكات الجريمة والمخدرات، وهو ما ترفضه النقابات وتعتبره غطاءً لتنسيق مشبوه يستهدف حماية أجهزة الأمن للمصالح الاستثمارية الدولية والنهب الاقتصادي.
وينقسم الموقف الدبلوماسي الإقليمي إزاء هذا الحراك إلى معسكرين بارزين؛ المعسكر الأول التحفظي والرافض للاحتجاجات، ويضم جبهة موحدة تتشكل من حكومات الأرجنتين وتشيلي والباراغواي والإكوادور وبيرو، التي سارعت إلى إدانة أساليب الحصار وقطع الطرق المنفذة في بوليفيا باعتبارها محاولات تخريبية، وانضمت إليها البرازيل بقيادة لولا دا سيلفا التي اتخذت موقفاً مهادناً يدعو إلى فضّ الحصارات تماشياً مع مصالح النخب الاقتصادية والتبادل التجاري. أما المعسكر الثاني فيتمثل في الجانب الداعم والمؤيد، حيث برزت كولومبيا بقيادة غوستافو بيترو كصوت إقليمي وحيد يدافع علناً عن المنتفضين واصفاً إياهم بالانتفاضة الشعبية التي تحمي الكرامة اللاتينية، وهو ما أسفر عن أزمة دبلوماسية حادة أدت إلى طرد السفير الكولومبي من بوليفيا.
من خلال ترك هذه المهمة التقشفية لتنفّذها النخبة الحاكمة المحسوبة على تشافيز، يتم ضمان تمرير القرارات الاقتصادية الصعبة من دون أن تتحمّل أي حكومة يمين قادمة تبعاتها السياسية أو الأخلاقية أمام المجتمع
قراءة استشرافية: تحولات الوعي الاجتماعي وتحديات البناء القاعدي
تؤكد الخارطة الجيوسياسية الممتدة من جبال الأنديز إلى حوض الكاريبي والقطب الجنوبي للقارة أن الصراعات الراهنة في أميركا اللاتينية تجاوزت الأنماط التقليدية للمنافسة الحزبية والمواسم الانتخابية الدورية بشأن صناديق الاقتراع. إن المجتمعات المحلية والمنظمات النقابية تجد نفسها في مواجهة معضلة هيكلية ترتبط بالدفاع عن شروط الاستقرار المعيشي والسيادة على المقدرات الاقتصادية والطبيعية في ظل ضغوط العولمة المالية وإصلاحات السوق الحر.
ويتجلى هذا الصراع عبر 3 مسارات رئيسة تعيد صياغة المشهد الراهن:
- الدفاع عن الإطار المعيشي وحقوق الأرض:
وهو ما تظهره الحالة البوليفية، حيث لا يمثل الحصار الريفي مجرد احتجاج عابر على إدارة باز بيريرا، بل هو ممانعة هيكلية ضد آليات تسليع الموارد الأساسية كالمياه والوقود وتفويض حقوق التعدين للشركات الدولية. وهي ذات الملامح التي تتشكل في الإكوادور من خلال تمسّك السكان الأصليين بالحمايات الدستورية للبيئة في مواجهة النماذج الاستخراجية الجائرة المدعومة بعسكرة المناطق.
- حماية المكتسبات الاجتماعية والتاريخية:
تجسّدها الحركة الأكاديمية والطالبية في الأرجنتين، حيث تحوّل الدفاع عن مجانية التعليم الجامعي إلى خط دفاع مؤسسي لحماية قنوات الحراك الاجتماعي الصاعد في مواجهة برامج التقشّف الصارمة والقرارات التي تتجاوز التوازن بين السلطات.
- تفكيك نماذج الإصلاح المزدوجة:
تبرز خطورتها في التجربة الفنزويلية، حيث تجري إعادة صياغة الحقوق الاجتماعية وتمليك الأراضي وإدارة الخصخصة عبر النخبة الحاكمة ذاتها، ما يسمح بامتصاص الصدمات الاجتماعية وتوظيف الهياكل القائمة لتمهيد الطريق أمام إصلاحات اقتصادية جذرية كان من الصعب على تيارات اليمين التقليدي تمريرها من دون إحداث اضطرابات واسعة.
الرهان على الفاعلية التنظيمية وتحدي الاحباط الهيكلي
بناءً على المعطيات السابقة، فإن التحدي الأبرز الذي يواجه الحركات الشعبية والنقابية في أميركا اللاتينية – وفي فنزويلا وبوليفيا على وجه التحديد – لا يقتصر على التراجع المؤقت في مستويات الأجور أو خسارة بعض المكتسبات الاقتصادية، بل يكمن في خطر القبول الجمعي بفكرة أن «تفكيك عناصر الحماية الاجتماعية وسحق الأطر النقابية التاريخية هو مسار حتمي لا يمكن مواجهته أو تعديله». إذ إن النتيجة الأكثر استدامة للتحالفات الاقتصادية والنخب الحاكمة المتوافقة معها تتمثل في إيصال القواعد الاجتماعية إلى حالة من العزوف السياسي والاقتناع بعدم جدوى التنظيم والمقاومة المدنية.
ولتجاوز هذا المنعطف التاريخي، يبرز التحدي التنظيمي المستقبلي في ضرورة الانتقال من الأنماط الاحتجاجية العفوية أو الدفاعية المؤقتة نحو إعادة بناء النسيج الاجتماعي والسياسي من الأسفل. ويمر هذا المسار الهيكلي عبر تفعيل العمل القاعدي المباشر داخل الفضاءات الحيوية للمجتمع: في الأحياء والمجمعات الحضرية الطرفية، وداخل المصانع، والمؤسسات المهنية، والجامعات، وعبر الجمعيات الزراعية المدافعة عن حقوق الأرض.
يعود الانفجار الاجتماعي الراهن في بوليفيا إلى مراجعة الرئيس باز لبرنامجه السياسي بعد الانتخابات، حين تبنّى فور تسلمه السلطة حزمة «إصلاحات اقتصادية» تحت شعار «الرأسمالية للجميع»
ولا يستهدف هذا التحول إعادة إنتاج الأطر الأيديولوجية التقليدية أو التمترس خلف الهياكل الحزبية الهرمية التي أثبتت التجارب قابليتها للتآكل الداخلي والانفصال عن قواعدها (كما حدث للحركة نحو الاشتراكية MAS في بوليفيا أو النموذج الحاكم في فنزويلا)، بل يهدف إلى بناء قوى حية تمتلك المرونة التنظيمية والقدرة على حماية المصالح المادية الملموسة واليومية للمواطن اللاتيني. ويشمل ذلك تأمين الحق في السكن والتعليم والأجر العادل وحماية البيئة واستدامة الموارد.
ومن خلال هذا النمط من العمل التنظيمي اليومي التراكمي، يمكن صياغة توازن قوى جديد ينبثق من القواعد الاجتماعية؛ توازن يمتلك الوعي والقدرة المؤسسية على كبح التغول الهيكلي للسياسات المالية والأمنية المشتركة، وإجبار النخب السياسية – بغض النظر عن لافتاتها الأيديولوجية وصراعاتها الحزبية – على الاستجابة للمصالح التنموية للأغلبية وحماية المسارات المستقبلية للأجيال القادمة في القارة.