تاريخ طويل من السيطرة على المياه لم يعد ينفع

تاريخ طويل من السيطرة على المياه لم يعد نافعاً

تحمل السنوات الستة آلاف الماضية سمة حاسمة في تاريخ الحضارة البشرية، هي إخضاع الغلاف المائي عبر التقاط المياه وسدّها وشقّ القنوات فيها وإعادة توجيهها، ثم تحويلها إلى ملكية وخصخصتها واستهلاكها والتربّح منها واستنزافها وتسميمها. فمن الحضارات المائية القديمة إلى السدود العملاقة والخزّانات والقنوات والمرافئ العاملة بالطاقة المائية في القرن الحادي والعشرين، أعاد البشر توظيف المياه لمصلحة المجتمعات البشرية، غالباً على حساب ملايين الأنواع الأخرى التي تعتمد عليها. 

تحرير المياه

شكّل تسخير الغلاف المائي المجتمعات وميّز ثقافاتها عبر التاريخ. لكن البنية التحتية المائية حملت معها أكلافاً بيئية ومادية ثقيلة، أسهمت أحياناً في أفول مجتمعات وانهيارها. أما في العصر الصناعي القائم على الوقود الأحفوري، فلم تعد آثار استخدام المياه محلية أو إقليمية. فقد وسّع الترابط بين المياه والطاقة هذه الآثار إلى مستوى الكوكب، ودفع الأرض نحو الانقراض السادس.

اليوم، يأخذ الغلاف المائي في التحرّر من قيوده. ومع احترار الأرض، تتشنّج المياه وتنفلت بطرق لم يكن البشر يتخيّلونها قبل نصف قرن، فتتبدّل دوراتها وتخلّف آثاراً يصعب احتواؤها. ومن هنا يبدأ نقاش حول حشد جهود جماعية لتحرير المياه، وترك الغلاف المائي يتطوّر بذاته. هذه الاستجابات ضرورية وجديرة بالتقدير، لأنها تعبّر عن بداية تعلّم صعب، أن نكفّ عن إخضاع المياه للقيود البنيوية التي فرضناها عليها طوال قرون.

تغطي المياه نحو 70% من سطح الأرض، لكن المياه العذبة لا تمثّل سوى 2.5 إلى 3% منها، ولا يتاح الوصول بسهولة إلا إلى جزء ضئيل منها. وخلصت دراسة صادرة في عام 2021 إلى أن أقل من 19% من اليابسة لا يزال برياً، بعدما أدّى التوسع البشري إلى تقليص النظم البيئية أو القضاء عليها في أنحاء العالم. وبصورة متزايدة، تعيد دورة المياه تشكيل الكوكب، فتفكك البنية التحتية وتعيد توحّش المشاهد الطبيعية، فيما يضطر البشر إلى التكيّف مع طبيعة جديدة.

في خلال نصف القرن الماضي، تحوّلت المياه أكثر فأكثر إلى سلعة قابلة للتداول، وانتقلت من حق جماعي إلى مصدر ربح خاص. ولا تجد الشركات، في هذا النظام، سبباً قوياً لتحديث البنية التحتية أو تخفيف الكلفة

في العصر الصناعي، بُنيت مدن وضواحٍ فوق سهول فيضية نابضة بالحياة، بعدما جفّفها البشر وسدّوها وحوّلوا مجاريها. وفي بريطانيا، اختفى 90% من الأراضي الرطبة، ومعها كثير من الحياة البرية المحلية، مع تمدّد العمران الصناعي. لذلك تظهر اليوم جهود في بريطانيا وخارجها لتحرير الأنهار، واستعادة السهول الفيضية والموائل الطبيعية، وإزالة السدود من الخدمة. الفكرة بسيطة وهي أن على البشر أن يتكيّفوا مع المياه، لا أن يجبروها على خدمة التنمية. وتزداد الحاجة إلى هذه الجهود مع اشتداد دورات المياه وتهديدها البنى التحتية في المدن والأرياف. يشارك مواطنون ومتطوعون في مبادرات علمية أهلية، بالتعاون مع علماء أحياء بحرية وحكومات محلية، في استعادة الطابع البري لحضانات الأسماك والمستنقعات المالحة، ودعم مشاريع قادرة على امتصاص الكربون، وتخفيف الفيضانات، واستعادة الأنواع المحلية.

في حين حُوِّلت المحيطات إلى ملكية ولا تزال ترزح تحت ضغط شديد، خضعت المياه العذبة النادرة أيضاً للتسليع والسيطرة في السوق العالمية على يد حفنة من الشركات. وحتى أواخر القرن العشرين، أُديرت المياه العذبة إلى حد كبير بوصفها مورداً عاماً ومشتركاً. في خلال نصف القرن الماضي، تحوّلت المياه أكثر فأكثر إلى سلعة قابلة للتداول، وانتقلت من حق جماعي إلى مصدر ربح خاص. ولا تجد الشركات، في هذا النظام، سبباً قوياً لتحديث البنية التحتية أو تخفيف الكلفة. فالمرافق القائمة على السوق لا تعيش على الحاجة وحدها، بل على الإيراد والربح، حتى حين لا يتغير عدد السكان. هكذا يستمر انتزاع القيمة من خدمات المياه والصرف الصحي، في مجتمعات لا تملك غالباً بديلاً عن الدفع.

مع أن التجربة تكشف حدود الخصخصة ومشكلاتها، تسيطر 10 شركات عالمية على سوق مرافق المياه. تستفيد هذه الشركات من حوافز حكومية، وتفرض أسعاراً مرتفعة، وتقدّم أحياناً خدمات أدنى جودة. في الولايات المتّحدة، يدفع السكان للمرافق المملوكة للقطاع الخاص أسعاراً أعلى بنسبة 59% للمياه و63% للصرف الصحي، مقارنة بالمرافق المحلية العامة. ولا تقف الكلفة عند الفواتير، إذ يمكن للخصخصة أن ترفع كلفة تمويل مشاريع المياه بنسبة 50% إلى 150%. في المقابل، حققت البلديات التي أعادت تشغيل الخدمات بإدارة عامة وفورات وسطية بلغت 21% في خدمات المياه والصرف الصحي.

 السير مع التدفق بدلاً من توجيهه

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد أن احترار المناخ يعني ببساطة أن المياه تنفد. صحيح أن العواصف المطرية العنيفة والفيضانات صارت أوضح، لكنها غالباً ما تُفصل عن الجفاف كما لو أنهما مشكلتان مختلفتان. في الواقع، لا يفقد الكوكب مياهه العذبة. ما يحدث أن الغلاف المائي، مع تغير المناخ، يعيد ترتيب مواسم المطر وحدّته ومدته. المشكلة أن الحضارة المائية العالمية لا تزال تعمل وفق دورة مياه تخص مناخاً معتدلاً لم يعد موجوداً. لذلك يصعب على البشر الحصول على المياه للاستهلاك والصناعة والزراعة، في الوقت والمكان اللذين تحتاجها فيهما.

يتمثّل الحل الطويل الأمد في إعادة ضبط علاقة البشرية بالغلاف المائي، أي التكيّف مع المياه بدلاً من محاولة السيطرة عليها. وتعكس هذا التحوّل مجموعة متنامية من المبادرات، ومنها إبطاء حركة المياه والمدن الإسفنجية والنظم القائمة على الطبيعة والبنية التحتية الخضراء. تبتعد هذه المقاربات من الأنظمة المائية المركزية والمفرطة في الكفاءة، التي صُمّمت على افتراض قابلية التنبؤ التي طبعت عصر الهولوسين، وتتجه نحو أنظمة تكيفية تستجيب للغلاف المائي الذي يستعيد طابعه البري في عصر الأنثروبوسين. وفلسفياً، تنقل هذه المقاربات التركيز من إدارة المياه إلى رعايتها، أي السير مع التدفق بدلاً من محاولة توجيهه.

تركّز هذه المقاربة الموزعة على الانخراط العملي للسكان المحليين في نظمهم البيئية، بما يستعيد صدى حوكمة المشاعات، مع الإفادة من التقنيات. وتشجع حركات مثل «المياه البطيئة»، المستلهمة من حركتي «الطعام البطيء» و«المدن البطيئة»، المجتمعات على التخلي عن الاستخراج المفرط في الكفاءة، وعن التسليع وفرط الاستهلاك، والتكيّف محلياً بدلاً من ذلك مع الإيقاعات والدورات الطبيعية.

تكمن المشكلة في أن الحضارة المائية العالمية صُمّمت لحجز المياه بسرعة، ثم إعادة تدوير مياه الصرف سريعاً إلى النظام. فلا يبقى سوى حيّز ضئيل للامتصاص الطبيعي أو لتجدّد النظم البيئية

توضح إريكا غيز، وهي صحافية تكتب عن قضايا المياه وتغير المناخ وصاغت مصطلح «المياه البطيئة»، أن المياه في حالتها الطبيعية لا تندفع دائماً فوق سطح الأرض، فهي تمر أيضاً بـ«مراحل بطيئة»، فتتسرّب إلى التربة، أو تستقر في الأراضي الرطبة، أو تستكين في كهوف المياه الجوفية. وتقول إن هذا هو الموضع «الذي يحدث فيه السحر»، لأنه يوفّر موئلاً وغذاءً لأشكال كثيرة من الحياة فوق الأرض وتحتها. وتضيف أن «مفتاح بناء قدرة أكبر على الصمود هو العثور على طرق تسمح للمياه بأن تكون مياهاً، وأن تستعيد مساحة تتفاعل فيها مع الأرض».

تكمن المشكلة في أن الحضارة المائية العالمية صُمّمت لحجز المياه بسرعة، عبر تخزينها في خزانات اصطناعية، وضخّها عبر الأنابيب لريّ المحاصيل، وتوليد الكهرباء، وتزويد المنازل والشركات، ثم إعادة تدوير مياه الصرف سريعاً إلى النظام. ولا يبقى سوى حيّز ضئيل للامتصاص الطبيعي أو لتجدّد النظم البيئية.

فاقم التوسع الحضري هذه المشكلة. فالمدن والضواحي الكثيفة تقوم غالباً فوق أراضٍ رطبة وأنهار وجداول قديمة، لذلك لا يجد المطر مكاناً يذهب إليه. بدلاً من أن يتسرّب إلى التربة، يجري فوق الإسفلت والخرسانة غير المنفذين للمياه، فتُحرم التربة والنظم البيئية من الرطوبة. في المدن الصينية المتمددة، مثلاً، يتسرّب أقل من 20% من مياه الأمطار الجارية فوق المباني والأرصفة إلى التربة، بينما يذهب معظمها إلى المصارف والأنابيب. وفي بكين، التي اعتمدت طويلاً على ضخ المياه الجوفية، يهبط منسوب المياه الجوفية بنحو 1 متر سنوياً، وسط تجاهل واسع للعواقب. لذلك لا يمكن إعادة مواءمة البشر مع الكوكب من دون ترك المياه تتحرك وفق مجراها الطبيعي.

ممارسات مائية صديقة للنظم البيئية

تنتشر حول العالم تجارب لإعادة ممارسات مائية صديقة للنظم البيئية، وإن ظلّ معظمها في مرحلة الاختبار. يستخدم المهندسون والمخططون الحضريون ومصممو المناظر الطبيعية حلولاً مثل قنوات التصريف النباتية وحدائق المطر والأرصفة المنفذة للمياه لاستعادة شيء من التوازن الهيدرولوجي. فقنوات التصريف النباتية قنوات ضحلة تُزرع فيها أعشاب وشجيرات وأزهار محلية، وتُجهّز بطبقات من التربة والنشارة والحجارة كي تبطئ مياه الأمطار وتصفّي ملوثات مثل الأسمدة وزيوت المحركات والنفايات. وتعمل حدائق المطر بالطريقة نفسها تقريباً، لكن بتصميم يشبه الوعاء «يلتقط مياه الأمطار ويخزنها ويسمح بتسرّبها». أما الأرصفة المنفذة للمياه، فتُصنع من خرسانة أو إسفلت مساميين أو بلاطات متشابكة أو شبكات بلاستيكية، لتسمح للمطر والثلوج الذائبة بالنفاذ إلى التربة بدلاً من الجريان فوق الأسطح الصلبة.

تساعد الأسطح الخضراء أيضاً على إبطاء جريان المياه وتخفيف حرارة المدن. فبحسب وكالة حماية البيئة، توفر هذه الحدائق المرتفعة «الظل، وتزيل الحرارة من الهواء، وتخفض حرارة سطح السقف». وإذا انتشرت على نطاق واسع، يمكنها أن تخفض حرارة المدن بما يصل إلى 5 درجات فهرنهايت، وأن تسمح بتسرّب مزيد من المياه إلى التربة، وأن تقلل الطلب على الكهرباء.

تعيد استراتيجيات أكثر تكاملاً، مثل «المدن الإسفنجية»، إدخال التدفقات الطبيعية للمياه إلى المناطق الحضرية. وقد طوّر المخطط الحضري الصيني الراحل كونغجيان يو مفهوم المدن الإسفنجية، التي تحدّ من الفيضانات عبر إبطاء مياه الأمطار من خلال المشاهد الطبيعية، بما يسمح لها بالتسرّب إلى الأرض أو التخزين تحتها لاستخدامها لاحقاً. وتطبّق مدن سريعة النمو، مثل إزمير في تركيا، نماذج ملائمة لمواقعها من أجل التقاط المياه في المواسم الجافة وتقليل مخاطر الفيضانات. وغالباً ما يستشهد المخططون الحضريون بأهداف مثل تغطية 30% من المساحات بأسطح خضراء أو منفذة للمياه، كما توصي أطر مثل مسرّع الطبيعة الحضرية التابع لشبكة C40، بوصفها عتبة أساسية لامتصاص مياه الأمطار الغزيرة والتخفيف من الفيضانات.

تمنح هذه المبادرات الموزعة المدن قدرة على الصمود في وجه الفيضانات والجفاف وموجات الحر، لكنها تطرح أيضاً أسئلة عن مدى ملاءمة المدن العملاقة، المبنية فوق بنى تحتية مائية مركزية هائلة، لكوكب يزداد احتراراً بسرعة

مع اشتداد تغير المناخ لدورة المياه، وما يحمله من تساقط ثلوج أكثر غزارة، وفيضانات جارفة، وموجات جفاف طويلة، وموجات حر، وأعاصير، أصبح حصاد مياه الأمطار أولوية حتى في المدن عالية التقنية. وتتكيف أنظمة الصهاريج التقليدية، من الأردن إلى لاس فيغاس، وتتوسع أحياناً عبر دمجها بأجهزة استشعار وشبكات رقمية، من أجل تخزين المياه وتوزيعها محلياً والتقاط أمطار الشتاء لاستخدامها في المواسم الجافة.

بين عامي 2018 و2020، دعم برنامج المساعدة للمشاريع الصغيرة، التابع للوكالة الأميركية للتنمية الدولية، متطوعي فيلق السلام والمجتمعات المحلية في 9 بلديات ضمن 4 ولايات مكسيكية، لتركيب أنظمة حصاد مياه الأمطار في 68 منزلاً و23 مدرسة و23 مركزاً مجتمعياً، جمعت 1,633,330 لتراً من المياه. وركّب مهندسون محليون، بالتعاون مع متطوعين وفرق من الأحياء، صهاريج بسعة 12,000 لتر في المنازل، وصهاريج بسعة 50,000 لتر في المدارس. وتتكرر جهود مشابهة اليوم في أنحاء العالم، مع توجه المجتمعات أكثر فأكثر إلى جمع أمطار المواسم من أجل تحمّل الفترات المعرضة للجفاف.

تُعد مبادرة «مليون صهريج للساحل»، التي ترعاها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، من بين الجهود الأكثر طموحاً. إذ يجري تركيب أنظمة لحصاد المياه وتخزينها في 7 بلدان من منطقة الساحل، هي السنغال وغامبيا وكابو فيردي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد ومالي. وتستهدف المبادرة المجتمعات الريفية الأكثر هشاشة في هذه المناطق الجافة وشبه الجافة، التي تشهد كلها فيضانات هائلة تليها موجات جفاف متكررة. وتقول الفاو إن هذه التقلبات المتزايدة في دورة المياه «مدمّرة لأفقر الأسر الريفية، التي تكافح هذه الصدمات وترى هشاشتها تتفاقم». ويركّز البرنامج على تدريب المجتمعات على بناء الصهاريج وإدارتها وصيانتها، مع اهتمام خاص بإشراك النساء عبر أنشطة «النقد مقابل العمل»، لضمان رعاية منصفة لموارد المياه.

حتى الدول الصناعية تتجه إلى حصاد المياه. ففي ولايات مثل رود آيلاند وتكساس وفيرجينيا، يحصل السكان على حوافز ضريبية عند شراء معدات حصاد مياه الأمطار، على الرغم من استمرار قيود على الكميات والاستخدامات المشمولة. ولا يتعلق الأمر بالتكيّف المناخي فقط. فأنظمة المياه اللامركزية تمنح المجتمعات حماية إضافية من الهجمات السيبرانية أو تخريب البنية التحتية المركزية. ويمكن لشبكات المياه المصغّرة في الأحياء أن تبقي المياه جارية حتى إذا تعطلت الأنابيب الرئيسة.

ينتشر اليوم ما يُعرف بـ«إنترنت المياه»، أي استخدام أجهزة استشعار إنترنت الأشياء داخل الخزانات والأنابيب لمراقبة الضغط، وتآكل المعدات، والتسربات، وجودة المياه. يتيح ذلك صيانة تنبؤية وإدارة أكثر كفاءة. ففي الولايات المتّحدة وحدها، يُهدر يومياً نحو 6 مليارات غالون من المياه المعالجة بسبب تسربات الأنابيب، وأخطاء العدادات، وأعطال أخرى، وفق الجمعية الأميركية للمهندسين المدنيين. وتواجه بلدان أخرى خسائر مشابهة. لذلك تدعو دراسات كثيرة إلى شبكات مياه مصغّرة وموزعة، تشبه أنظمة الطاقة اللامركزية، وتسمح بمعالجة المياه وتخزينها وإعادة استخدامها محلياً.

قدّم مركز أوميغا للحياة المستدامة نموذجاً مبكراً لأنظمة تنقية المياه في الموقع، بطريقة تحاكي العمليات الطبيعية. تُسحب المياه من خزان جوفي، وتُضخ إلى صهاريج، وتُستخدم في المباني، ثم تُعالَج عبر آلات بيئية وبحيرات مهواة، قبل أن تعود إلى الخزان الجوفي في حلقة مغلقة. واليوم، تتوسع أنظمة أحدث في المنازل والفنادق والمصانع، مستخدمة الترشيح الغشائي والأشعة فوق البنفسجية والكلور لمعالجة المياه الرمادية والسوداء وإعادة استخدامها. ومع حصاد الشمس والرياح محلياً، تساعد أنظمة المياه اللامركزية على جعل الوصول إلى هذا المورد الحيوي أكثر ديمقراطية، ويمكنها أن تخفض الطلب على المياه بنسبة تصل إلى 75%.

 إعادة التفكير في علاقتنا بالطبيعة

تمنح هذه المبادرات الموزعة المدن قدرة على الصمود في وجه الفيضانات والجفاف وموجات الحر، لكنها تطرح أيضاً أسئلة حول مدى ملاءمة المدن العملاقة، المبنية فوق بنى تحتية مائية مركزية هائلة، لكوكب يزداد احتراراً بسرعة. لقد شكّلت الحضارات المائية الحضرية الكثيفة الأرض لخدمة البشر على مدى 6,000 عام، أما التحدي اليوم فيتمثّل في تكييف البشر مع الكوكب. وتشكل هذه المبادرات المائية محطات على طريق إعادة التفكير في علاقتنا بالطبيعة.

في لحظة يخيّم فيها اليأس على نظرة البشر إلى المستقبل، يفتح عصر الصمود سردية جديدة وقوية. وإذا تبنّاها العالم على نطاق واسع، فقد تضع أساساً لمستقبل مختلف جذرياً، مستقبل يعيد البشر إلى داخل الطبيعة، ويمنح الحياة فرصة ثانية كي تزدهر على الأرض.

نُشر هذا المقال على موقع «ذا أوبزرفاتوري» في 21 أيار/مايو 2026. تُرجم إلى العربية ونُشر في «صفر» بموجب رخصة المشاع الإبداعي.

    جيريمي ريفكين

    منظّر اقتصادي واجتماعي، ومؤلّف ومستشار سياسي

    سري أبو المنى

    أستاذ فلسفة في التعليم الثانوي، وطالب ماجيستير في الفلسفة