cars in traffic

التضحية بالرفاهية لإنقاذ المناخ... والحياة

لا نستطيع أن نتحدّث عن إنقاذ المناخ، ولا عن العدالة المناخية أو الانتقال العادل في قضايا المناخ، إذا أصرّينا على تبنّي مفهوم «الرفاهية» كما استقر في النموذج الاقتصادي الحديث، أي باعتباره هدفاً أعلى للحياة، يقاس بزيادة الدخل والقدرة على الاستهلاك وتراكم السلع والخدمات.

هذه الإشكالية سبق أن طرحتها عام 2008، عندما أطلقت الأمم المتحدة للبيئة «مبادرة الاقتصاد الأخضر»، في محاولة لإعادة توجيه الاقتصاد نحو مسار أكثر استدامة، ولكن من دون التخلّي عن فكرة تحسين رفاه الإنسان باعتبارها أحد أهداف الاقتصاد. فقد عرّفت الأمم المتحدة للبيئة الاقتصاد الأخضر بأنه اقتصاد يؤدّي إلى تحسين رفاه الإنسان والعدالة الاجتماعية، مع الحدّ بصورة كبيرة من المخاطر البيئية والندرة الإيكولوجية.

لكن السؤال الذي لم يحسمه الاقتصاد الأخضر، وربما لا يستطيع وحده حسمه، هو: أي رفاه نريد؟ ورفاه من؟ وعلى حساب من؟ وعلى حساب ماذا؟

قبل ذلك بوقت طويل، كانت الثورة الصناعية قد رسّخت فكرة أن زيادة الإنتاج، ورفع القدرة على الاستهلاك، وإحلال الآلة محل جزء كبير من العمل اليدوي، يمكن أن تؤدّي إلى حياة أكثر راحة ووفرة. ثم تطوّر هذا التصوّر داخل الاقتصاد الكلاسيكي والاقتصادات اللاحقة، بحيث أصبحت زيادة الدخل والقدرة على الحصول على السلع والخدمات أحد المؤشّرات الأساسية على تحسّن مستوى المعيشة. وفي الاقتصاد النيوليبرالي اتسع الأمر أكثر، مع تعظيم المنفعة الفردية والاختيار الفردي والسعي إلى إشباع الرغبات.

وهكذا انتقلنا تدريجياً من سؤال: كيف يعيش الإنسان حياة جيدة؟ إلى سؤال أضيق: كم يستطيع الإنسان أن يستهلك؟

هنا تبدأ المشكلة المناخية.

فقد تحوّل هذا المعنى الاقتصادي والاجتماعي والتقني للرفاهية، مع الوقت، إلى أحد مكوّنات الأزمة البيئية والمناخية التي نعيشها. وسبقت مدرسة فرانكفورت كثيراً من النقاش المناخي المعاصر في نقدها للمجتمع الصناعي والاستهلاكي. ولعل أحد أكثر التعبيرات وضوحاً عن ذلك ما قدمه إريك فروم في كتابه «أن تملك أم أن تكون؟» الصادر عام 1976، حين وضع أمام الإنسان نمطين متعارضين للوجود: نمط «الامتلاك» ونمط «الكينونة».

تبدأ المشكلة عندما يتحوّل تحسين الحياة إلى تراكم لا نهائي للاستهلاك، وعندما يصبح المزيد من السلع والخدمات غاية بحد ذاتها، حتى بعد تجاوز الحاجات الأساسية

لم تكن المسألة عند فروم مجرد امتلاك منزل أو سيارة أو سلعة، بل تحوّل الامتلاك إلى طريقة في تعريف الذات والعالم: أنا ما أملك، وما أستهلك. وفي المقابل، تصبح «الكينونة» مرتبطة بالحياة والعلاقة والمشاركة والإبداع والمعنى. ومن اللافت أن فروم كان يرى في الحضارة الصناعية وعداً بالوفرة والسعادة غير المحدودتين، لكنه حذّر من أن يتحوّل هذا الوعد نفسه إلى أزمة، حين يصبح النمو الاقتصادي غاية مستقلة عن سؤال: ما الذي يفيد الإنسان فعلاً؟

ومن هنا تطورت المسألة لاحقاً لتصبح قضية تغير المناخ قضية وجودية بامتياز.

لكن علينا أن نكون أكثر حذراً في استخدام كلمة «الرفاهية». فالرفاه، في الاستخدام المعاصر، ليس شراً في ذاته. فالإنسان يحتاج إلى الغذاء والسكن والصحة والتعليم والتنقل والطاقة والوقت والراحة والأمان. تبدأ المشكلة عندما يتحوّل تحسين الحياة إلى تراكم لا نهائي للاستهلاك، وعندما يصبح المزيد من السلع والخدمات غاية بحد ذاتها، حتى بعد تجاوز الحاجات الأساسية.

وهنا خلقت الرفاهية، بوصفها هدفاً استهلاكياً، مفاهيم مصاحبة مثل الرغبة واللذة والمتعة، وساهمت جميعها في هدر معنى السعادة.

فالارتباط بين الرفاهية واللذة والمتعة يجعلها مرتبطة غالباً بالحاضر والآني، بينما توحي السعادة بمعنى أعمق وأكثر استدامة: حياة لها معنى ويمكن أن تستمر. والرفاهية، بهذا المعنى، ليست بالضرورة سعادة؛ فقد يستطيع الإنسان أن يحصل على مزيد من المتعة الآنية من دون أن يحصل على حياة أفضل.

كما ارتبط مفهوم الرفاهية بشكل بنيوي بمفهوم المصلحة، ولا سيما المصلحة الذاتية. فما هو جيد بالنسبة إليّ قد لا يكون جيداً بالنسبة إلى الآخر.

يمكن أن نرى ذلك في أبسط الأمثلة. فالمدخن قد يرى في سيجارته متعة أو رفاهية شخصية، بينما يمثل الدخان الذي يستنشقه الآخر ضرراً. يعرف المدخن أحياناً مخاطر التدخين، ومع ذلك يستمر فيه، لأنه يضع المتعة الآنية في مواجهة الضرر المستقبلي، ويختار الأولى.

والسؤال المناخي مشابه، وإن كان على مستوى أعقد بكثير:

كيف نفسّر استمرار الاستهلاك المفرط للموارد والطاقة، مع معرفتنا المتزايدة بأن هذا الاستهلاك يساهم في الكوارث المناخية التي سيدفع ثمنها جيلنا والأجيال المقبلة؟

هل التضحية بجزء من الرفاهية الاستهلاكية من أجل المناخ تشبه التخلي عن بعض الراحة الحالية من أجل صحة المستقبل؟

لماذا لم يكن هذا المنطق مقبولاً دائماً؟

نتذكر هنا احتجاجات «السترات الصفراء» في فرنسا عام 2018، عندما تحوّلت الزيادة المقترحة على ضرائب الوقود إلى احتجاج اجتماعي واسع، في مواجهة سياسة كانت الحكومة الفرنسية تقدّمها أيضاً في إطار التحوّل البيئي ومكافحة تغيّر المناخ. وظهرت في النقاش العبارة الشهيرة التي لخّصت التوتر بين الضرورتين: «نهاية الشهر أهم من نهاية العالم؟». وقد اضطرت الحكومة الفرنسية في النهاية إلى تعليق الزيادة المقترحة على ضرائب الوقود.

لكن أليس هذا التناقض شبيهاً بما نفعله عندما نذهب إلى طبيب الأسنان؟

نحن نقبل أحياناً ألماً قصيراً اليوم لتجنّب ألم أكبر غداً. نقبل علاج التسوّس بدلاً من انتظار أن تتفاقم المشكلة. أي أننا نعرف بالفطرة أن بعض التضحيات الحالية ضرورية لحماية المستقبل.

فلماذا يصبح الأمر أكثر صعوبة عندما يتعلّق الأمر بالمناخ؟

لم تصبح الحرية الفردية مشكلة بيئية عندما كانت تعني حرية التفكير أو التعبير. بدأت المشكلة عندما انتقلت الحرية إلى فضاء الفعل الاقتصادي: حرية الاستثمار والتملك والتجارة والتسويق والإنتاج والاستهلاك والوصول إلى الموارد وسحبها حتى الاستنزاف

ربما لأن المشكلة هنا لا تتعلق بألم فردي مباشر، بل بنمط حياة كامل، وبنظام اقتصادي واجتماعي تشكّلت حوله توقعاتنا ورغباتنا ومصالحنا.

وهنا يمكن الاستنتاج أن الإنسان كائن اجتماعي وأخلاقي، وليس مستهلكاً فقط.

فالحديث عن الرفاهية لا يستقيم إذا لم نقسه بنظام القيم في المجتمعات، وبحدود الأنظمة الإيكولوجية وقيمتها.

ما نأخذه من الطبيعة من أجل المزيد من الرفاهية ليس مالاً موجوداً في خزنة جمعناه نحن بعرق جبيننا. إن الأخذ من الطبيعة يعني الأخذ من مادة شاركت في صنعها التربة والمياه والشمس والكائنات الحيّة وتفاعلات دورات حياة وأنظمة إيكولوجية شديدة التعقيد. وهي ليست ملكاً لنا وحدنا. إنها حقّ للكائنات الأخرى التي نعرفها وتلك التي لا نعرفها، وحقّ للإنسان الحالي، وحقّ أيضاً للأجيال القادمة.

لذلك، إذا كان الأخذ من الطبيعة أحد مصادر الرفاهية، فإن هذا الأخذ يفترض أخلاقياً أن تحكمه حدود واضحة: ديمومة الموارد، والعدالة في توزيع استخدامها، وحفظ حقّ الأجيال المقبلة فيها.

ومن هنا يصبح السؤال المناخي أكبر من مجرد سؤال عن كمية ثاني أكسيد الكربون التي نطلقها. إنه سؤال عن حدود الحرية.

فالرفاهية ترتبط عملياً بالحرية الشخصية. ولطالما ارتبط الفكر الليبرالي الحديث بمفهوم الحرية الفردية، باعتبارها إحدى القيم المركزية في المجتمعات الحديثة.

ولم تصبح الحرية الفردية مشكلة بيئية عندما كانت تعني حرية التفكير أو الاعتقاد أو التعبير. بدأت المشكلة بصورة أكثر وضوحاً عندما انتقلت الحرية من فضاء الفكر والتخيل، الذي لا يستهلك بالضرورة موارد مادية، إلى فضاء الفعل الاقتصادي: حرية الاستثمار والتملك والتجارة والتسويق والإنتاج والاستهلاك، وحرية الوصول إلى الموارد وسحبها منها حتى الاستنزاف.

أي إننا انتقلنا من حرية التفكير، التي يمكن أن تكون بلا حدود مادية، إلى حرية استخدام موارد هي في أصلها محدودة.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى: كيف يمكن أن تكون الحرية مطلقة عندما تكون الموارد التي تمارس من خلالها هذه الحرية محدودة؟

إذا كان لكلّ فرد الحقّ في استهلاك ما يشاء، فهل يعني ذلك أن للأغنى الحقّ في استهلاك أضعاف ما يستهلكه الآخرون من الطاقة والمياه والأرض والمواد؟ وهل يبقى ذلك حقّاً فردياً خالصاً عندما تنتقل كلفته إلى الآخرين، وإلى الأنظمة البيئية، وإلى الأجيال المقبلة؟

لقد أدّى هذا التوسّع في حرية الاستهلاك والإنتاج والاستخراج إلى مشكلات وجودية، من تراجع التنوّع البيولوجي وبداية انقراض الأنواع، إلى تغيّر المناخ، وإلى تلوّث طويل الأمد لعناصر الحياة الأساسية: الماء والتربة والهواء.

ثم لا يمكن الحديث عن رفاهية الفرد من دون الحديث عن رفاهية المجتمع، مع ضرورة إعادة النظر أيضاً في بعض أشكال «دولة الرفاه» عندما تقاس رفاهية المجتمع فقط بزيادة الخدمات والاستهلاك، من دون وضع حدود إيكولوجية واضحة للموارد التي تقوم عليها هذه الخدمات.

نحن إذاً بحاجة إلى مفهوم جديد للحياة الجيّدة، يوفق بين تأمين الحاجات الأساسية للفرد والمجتمع، وحفظ حقوق الأفراد في المستقبل، وضمان ديمومة الموارد والأنظمة الإيكولوجية.

وهنا تصبح النظرة إلى الموارد مختلفة.

على الشمال أن يدفع ديونه المناخية، وأن يساهم في تمويل التكيّف والخسائر والأضرار والتحوّل العادل. في المقابل، ينبغي أن يكون للجنوب الحقّ في التنمية وتحسين شروط الحياة، لكن من دون أن يكرّر النموذج نفسه الذي أوصل العالم إلى أزمته الحالية

فلم يعد يكفي أن نسأل: هل يستطيع الإنسان الوصول إلى المورد؟

علينا أن نسأل أيضاً: هل يستطيع الوصول إليه من دون أن يستنفده؟

وهذه ربما هي النقلة الأخلاقية المطلوبة من اقتصاد الوفرة إلى اقتصاد الكفاية.

فمع اتساع قضية تغيّر المناخ والكوارث المناخية الشاملة، وارتفاع كلفتها، وتجاوز آثارها الحدود والقوميات والدول والطبقات الاجتماعية والأنظمة الاقتصادية، لم تعد رفاهية الإنسان منفصلة عن سلامة الأنظمة البيئية.

لا يمكن أن تكون هناك رفاهية دائمة في عالم منهار مناخياً.

من هنا تنشأ الحاجة الملحة إلى ابتكار مفاهيم جديدة، أو ربما إلى العودة إلى مفاهيم أقدم من المجتمع الصناعي الحديث: تعزيز شعور الكفاية بدل شعور «المزيد»، والعودة إلى جودة الحياة بدل كميتها.

فالرفاهية ليست بالضرورة تراكم سلع، بقدر ما يمكن أن تكون حكمة في كيفية العيش بتوازن. وليست إشباعاً مادياً فقط، بل يمكن أن تكون إشباعاً فكرياً وروحياً واجتماعياً. إنها محاولة لإعادة البحث عن المعنى بدل البحث الدائم عن الاستهلاك.

وهذا ليس خياراً تقنياً فقط، بل هو اختيار فلسفي وسياسي وأخلاقي.

فالرفاه الذي يبنى على تدمير الآخر، سواء كان الآخر إنساناً أو مجتمعاً أو نظاماً بيئياً، يفقد جزءاً أساسياً من شرعيّته الأخلاقية.

والرفاه الذي يقوم على نمو اقتصادي لا ينفصل عن زيادة استهلاك الموارد والطاقة، لا يمكن اعتباره نجاحاً مطلقاً عندما تكون نتيجة هذا النمو حرمان آخرين من موارد محدودة أو ناضبة أو غير متجدّدة.

أليس هذا جزءاً من التاريخ الذي أوصلنا إلى الأزمة الحالية؟

لقد راكمت البلدان الصناعية الغنيّة ثرواتها عبر قرون من التصنيع والاستهلاك المكثّف للطاقة والموارد، في وقت كانت فيه الشعوب المستعمَرة ومجتمعات الجنوب العالمي تتحمّل جزءاً كبيراً من الكلفة الاقتصادية والبيئية لذلك المسار.

واليوم، بينما يعاني العالم من آثار تغيّر المناخ، تظهر المفارقة بوضوح: الذين ساهموا بأقل قدر في تراكم الانبعاثات التاريخية هم في كثير من الحالات الأكثر تعرّضاً للخسائر والأضرار المناخية.

ولذلك ليست المسألة مجرد اختلاف في مستويات الدخل، بل هي أيضاً مسألة توزيع غير عادل للفضاء البيئي والغلاف الجوي.

وقد ظهرت بالفعل داخل مفاوضات المناخ مفاهيم مثل «الدين المناخي» و«الدين الإيكولوجي» لتوصيف هذه العلاقة. ففي وثيقة قدّمت ضمن مفاوضات الأمم المتّحدة للمناخ عام 2009 في كوبنهاغن، جرى الربط صراحة بين الانبعاثات التاريخية للدول المتقدّمة وبين ما وصفته الوثيقة بالدين المناخي، بما يشمل الأثر التاريخي للاستهلاك المفرط للموارد والطاقة وتراجع التنوّع البيولوجي والخدمات الإيكولوجية.

لكنني أعتقد أن المطلوب اليوم يتجاوز مجرد المطالبة بالتعويض المالي. نحن بحاجة إلى صفقة تاريخية جديدة أو عقد اجتماعي جديد. صفقة تعترف بأن جزءاً من رفاه الشمال العالمي بُني تاريخياً على استهلاك غير متناسب من الموارد والطاقة والفضاء الجوي، وأن الجنوب العالمي يدفع اليوم جزءاً كبيراً من كلفة هذا المسار. لكن هذه الصفقة لا ينبغي أن تعني أن الجنوب مطالب بتكرار المسار نفسه. بل العكس. على الشمال أن يدفع ديونه المناخية، وأن يساهم في تمويل التكيّف والخسائر والأضرار والتحوّل العادل، وأن يخفض استهلاكه المفرط وانبعاثاته بسرعة أكبر. وفي المقابل، ينبغي أن يكون للجنوب الحقّ في التنمية وتحسين شروط الحياة، لكن من دون أن يكرّر النموذج نفسه الذي أوصل العالم إلى أزمته الحالية.

أي إن المطلوب ليس تعميم الرفاهية الاستهلاكية الغربية على العالم كله، بل تعميم الحق في حياة كريمة ضمن حدود الكوكب.

وهنا يمكن أن نعيد تعريف الاقتصاد نفسه. فالاقتصاد، في معناه الأوسع، لا ينبغي أن يكون علماً لتبرير التبذير أو تعظيم الاستهلاك، بل علماً لكيفية إدارة الموارد المحدودة لتلبية الحاجات الحقيقية للناس، بعدالة، واستدامة، وكفاية.

ربما تكون هذه هي اللبنة الأولى في بناء العدالة الاجتماعية التي لا يمكن أن تقوم من دونها عدالة مناخية حقيقية. وربما يكون السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس: كيف ننقذ رفاهيتنا من أزمة المناخ؟ بل: كيف ننقذ الإنسان من مفهوم الرفاهية الذي يقوده إلى تدمير شروط حياته؟ وللموضوع صلة.