morocco local shop

البقال المغربي في مواجهة تحوّل تجارة التجزئة
تغوّل المتاجر الكبرى

في زاوية الحي الشعبي، وبين رائحة الخبز الساخن وصوت التلفاز المنبعث خلف منضدة الدكان، يقف البقال المغربي (مُولْ الحَانُوت) ثابتاً في مكانه المعتاد خلف رفه الضيق. يفتح محله قبل أن تُضيء أنوار الشوارع، وينهي يومه بعد أن تخلو من المارة. إذ يصرف لهذا الزبون الحليب بالحساب، ويمنح تلك الأسرة بالدَّين، ما تحتاجه من مواد أساسية إلى أن يحلّ آخر الشهر. مدوّناً الديون في دفتر مهترئ يحوي من أسرار الحي أكثر مما تستوعبه أي قاعدة بيانات. لكن، وعلى بُعد أمتار قليلة، يشرع متجر السلسلة الدولية أبوابه بإضاءة بيضاء ناصعة، ورفوف منظمة، وبطاقات أسعار واضحة. 

يشتغل هذان الفاعلان التجاريان في الفضاء المكاني عينه، يتنافسان على الطلب اليومي للأسر، ويبيعان غالباً السلعة نفسها. بيد أن هذا المشترك الظاهري في المكان والمنتج يخفي اختلافاً جذرياً في الأدوات، والشروط، وحجم رأس المال الداعم لكل طرف على حدة. 

البقال المغربي يتحرّك في منطقة رمادية

تُصنّف وزارة الصناعة والتجارة الدكاكين التقليدية ضمن خانة نقاط البيع بالتجزئة؛ وهو تصنيف دقيق شكلياً، لكنه يظل قاصراً عن استيعاب الدور الفعلي لهذه الوحدات. ذلك أن الحانوت التقليدي، من منظور اقتصادي صارم، يعمل على مستويات عدة. فهو يشتري ويبيع، ويُقرض ويؤجّل الاستحقاقات، ويتولى أحياناً تحصيل فواتير الماء والكهرباء نيابة عن الجيران، بل ويُودع لديه الزبائن مفاتيحهم الاحتياطية أو رسائلهم العاجلة خصوصاً في البوادي والقرى. 

تحيل هذه الوظائف المتشعبة الدكان التقليدي إلى أن يكون أقرب إلى مؤسسة خدمات متعددة الأبعاد، إذ يندمج فيها النشاط التجاري بالوساطة الاجتماعية، مقدماً ما يشبه الخدمة المصرفية في مناطق نائية تفتقر إلى فروع البنوك.

الدكان التقليدي أقرب إلى مؤسسة خدمات متعددة الأبعاد، إذ يندمج فيها النشاط التجاري بالوساطة الاجتماعية، مقدماً ما يشبه الخدمة المصرفية في مناطق نائية تفتقر إلى فروع البنوك

والشاهد على ذلك ما كشفه وزير الصناعة والتجارة، رياض مزور، خلال جلسة برلمانية، إذ أوضح أن متوسط ما يُسلفه «مول الحانوت» لكل زبون يصل إلى 840 درهماً (حوالي 84 دولاراً). واللافت أن 30% من هذه المبالغ ليست بدل شراء مواد غذائية، وإنما تُوجّه لسداد فواتير أو تلبية احتياجات شخصية لا تدر على البقالة أي ربح تجاري مباشر. ويؤشر هذا الرقم، عند وضعه في سياقه الجغرافي الواسع إلى أن القطاع يدير بصمت نظاماً ائتمانياً غير رسمي، لا أثر له في التقارير المالية، ولا يُحصيه البنك المركزي. 

من ناحية أخرى، تُهيمن التجارة التقليدية على 80% من نقاط البيع وطنياً، وعلى 99% من نقاط توزيع المواد الغذائية حصراً، وتساهم بنحو 58% من إجمالي رقم معاملات التجارة الداخلية. بيد أن هذه الأرقام تحتاج إلى قراءة أعمق. فاستحواذ الحانوت على هذه النسبة الكاسحة بهامش ربح ضيق وفي غياب شبه تام للدعم الهيكلي، يعني أنه يؤدي دور القناة الرئيسة لتوزيع المواد الغذائية في المغرب بكلفة اجتماعية منخفضة تتحمّلها أسر عائلية بسيطة، خلافاً للشركات الاستثمارية الكبرى المدرجة في البورصة والتي لا تعمل إلا بمنطق العائد المالي البحت. كما أن هذا القطاع غير المهيكل يُشغّل أكثر من 600 ألف شخص، أي ما يعادل 36% من إجمالي العاملين في قطاع التجارة، حسب تصريح كاتب الدولة عمر حجيرة أمام مجلس النواب.

يتحرّك الدكان بشكله التقليدي السائد في المغرب ضمن منطقة رمادية تفصل الاقتصاد المنظّم عن نظيره غير المنظّم؛ ليس بدافع التهرب الضريبي، بل لغياب آليات الاندماج المناسبة داخل النظام القائم. لا يقتصر هذا الواقع على البقّال وحده، وإنما يعكس حالة قطاع أوسع يساهم بنحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي، وفي حين سجل رقم معاملات بلغ 526.9 مليار درهم (حوالي 52 مليار دولار) سنة 2023، إذ تراجعت مساهمته في القيمة المضافة الوطنية من 16.6% إلى 13.6% بين عامي 2014 و2023. ويُعزى التناقض القائم بين التوسع الكمي والتراجع النسبي للإنتاجية إلى تكاثر الدكاكين، كون باب الاقتصاد الرسمي يظل مكلفاً لصغار الفاعلين، وليس لأن نموذجها يفرز قيمة متصاعدة.

لذا، يجد التاجر الصغير نفسه في خضم هذه المعادلة مطالباً بالامتثال لضوابط القطاع المهيكل من دون امتلاك أدواته، كما يضطر للاشتغال داخل هامش ضيّق يولّد قيمة اجتماعية واسعة، ما يتيح للجميع الاستفادة منها من دون أن يتحمّل أي طرف تكلفتها. وهذا يعمّق عزلته ويتركه في مواجهة تحديات هيكلية تتضمّن مشاكل معقّدة في الربط بالمنظومتين المالية والرقمية، وفي الولوج السلس لشبكات الحماية الاجتماعية. 

سوبرماركت في كل مكان

امتد توسّع السوبرماكت في السنوات الأخيرة لتشمل كل الأحياء الشعبية والمتوسطة التي كانت، إلى وقت قريب، معقلاً لتجارة القرب التقليدية (الدكاكين). إذ افتتحت شركة BIM التركية حوالي 144 متجراً جديداً للقرب خلال عام 2025 وحدها، لترتفع شبكتها إلى أكثر من 933 نقطة بيع، متطلعةً لتجاوز عتبة الألف متجر. في السياق ذاته، ولجت مجموعة «كازيون» المصرية السوق عام 2023 مُفتتحة 120 متجراً في عام واحد (سنة 2023)، مُعلنة عن استثمارات تفوق 144 مليون دولار للسنوات الأربع القادمة. وتُكمل Coopérative U الفرنسية هذا المشهد بسعيها لافتتاح 20 فرعاً بحلول عام 2030. وبذلك، صارت السوق المغربية قِبلة مغرية لرؤوس الأموال الدولية في قطاع التوزيع الغذائي تحديدا.

تتجاوز مزايا هذه الكيانات ثقلها المالي لتصل إلى هيكلة شروط نشاطها التجارية. إذ توفر اتفاقيات التبادل الحر المبرمة مع الاتحاد الأوروبي، وتركيا وسواها امتيازات جمركية تمنحها حق استيراد السلع بأسعار تنافسية يصعب مقارعتها. هذا في وقت يقبع فيه البقال التقليدي تحت وطأة سلاسل توريد محلية متعددة الوسطاء، بينما تفرض السلاسل الكبرى سطوتها اللوجستية عبر أنظمة متكاملة تضمن تحكماً دقيقاً في المخزون، وتقليصاً للهدر، وقدرة على التفاوض المباشر. وعلى سبيل المثال، تستخدم سلسلة «بيم» التركية نموذج التخفيض القائم على تقليص التكاليف وتكثيف الاعتماد على العلامة الخاصة، إذ تعرض ما يقارب 900 منتج، 59% منها تحت علامتها التجارية نفسها، الأمر الذي يمنحها هامش ربح لا يستطيع البقال بلوغه على سلعة يشتريها جاهزة من وسيط.

تهيمن «كارفور» و«مرجان» (شركة مغربية) على ثلثي حصة «الهايبرماركت»، وتمركز 46% من نقاط البيع الحديثة و50% من مساحتها الإجمالية في الرباط والدار البيضاء

في هذا السياق، رصد مجلس المنافسة (مؤسسة حكومية) في رأيه الصادر في تموز/يوليو 2025 أن إيرادات التوزيع الحديث تجاوزت 40.9 مليار درهم (حوالي 4 مليار دولار) في 2024، بزيادة ناهزت 17% سنوياً و33% بالمقارنة مع عام 2021. غير أن هذا التوسع المتسارع يمضي من دون ضوابط مجالية واضحة، إذ تهيمن «كارفور» و«مرجان» (شركة مغربية) على ثلثي حصة «الهايبرماركت»، وتمركز 46% من نقاط البيع الحديثة و50% من مساحتها الإجمالية في الرباط والدار البيضاء حصراً. ويثبت هذا التمركز بأن دافع التوسع هو الجدوى الاقتصادية البحتة المرتبطة بكثافة القدرة الشرائية، من دون فرض التزامات تنظيمية من الدولة تضمن توازناً مجالياً يحمي التجارة التقليدية.

اللاتكافؤ

يتجلى جوهر المنافسة في فجوة بنيوية تفصل بين طريقتين متباينتين في إدارة رأس المال، ففي الوقت الذي تستند البقالة التقليدية إلى تمويل ذاتي محدود يكبّلها أمام تعقيد المساطر البنكية، تحظى السلاسل الكبرى بامتيازات تمويل دولي يمنحها حرية التوسع. ويبرز هذا التفاوت في تجربة شركة BIM، التي مكنها دخول صندوق Helios Investment Partners كشريك استراتيجي من خوض غمار التوسع بنحو 144 متجراً في عام واحد. وتمنح  هذه القدرة التمويلية الشركة ترف تحمّل خسائر تشغيلية مؤقتة بانتظار استقطاب الزبائن، في حين يظل البقال رهينة لتمويله المحدود، حيث يتحوّل أي تعثر مالي ولو لعام واحد إلى تهديد مباشر لاستقرار عيشه، وهو ما يجسد بوضوح استحالة التكافؤ بين منطق السلسلة الكبرى المراهن على الاستدامة بعيدة المدى، ومنطق البقال المقهور بضرورة تحقيق ربح آني للبقاء. 

يفاقم هذه الفجوةَ التمويليةَ اختلالٌ موازٍ في هوامش الربح؛ إذ يبرز مجلس المنافسة اعتماد السلاسل الكبرى على ما يُسمى «الهوامش الربح الخلفية»، وهي عمولات يفرضها الموردون لضمان عرض السلع، وتشكّل امتيازات يفتقدها البقال لضعف قوته التفاوضية. تترجم هذه الهيمنة أرقاماً صارخة، إذ قفز هامش ربح الحليب في المساحات الكبرى إلى 44% بين عامي 2021 و2023، وناهز 55% في المعجنات والكسكس. وفي حين اضطرت البقالة التقليدية لرفع هامشها في مادة الحليب من 10% إلى 22%، لم تكن هذه الزيادة حصيلة تفاوضٍ ندّي، بل استجابةً قسريةً لضغط تكاليف الوسطاء، ما يكرّس تبعية التاجر الصغير أمام سطوة اللاعبين الكبار.

يبرز مجلس المنافسة اعتماد السلاسل الكبرى على ما يُسمى «الهوامش الربح الخلفية»، وهي عمولات يفرضها الموردون لضمان عرض السلع، وتشكّل امتيازات يفتقدها البقال لضعف قوته التفاوضية

بالموازاة، تكمن المفارقة الكبرى لقطاع التجزئة والتوزيع بالبلد في غياب إطار تنظيمي يقيّد توسع السلاسل الكبرى، في مقابل إلزام البقالين بمتطلبات إدارية من دون منحهم إمكانات اندماج فعلية. وعلى الرغم من أن برنامج «رواج» الحكومي لتحديث تجارة القرب دعم 25,780 تاجراً بزيادة رقم معاملاتهم بمعدل 4,000 درهم شهرياً (حوالي 400 دولار)، إلا أن هذه النتيجة تبدو متواضعة أمام كيان ضخم يفتتح 144 متجراً دفعة واحدة لسلسلة واحدة. إذ تسبق وتيرة تغلغل السلاسل الكبرى قدرة التاجر الصغير على التأقلم مع معايير السوق الجديدة، ما يحوّل المبادرات الحكومية من حلول هيكلية إلى مسكنات محدودة الأثر. 

ماذا عن الرقمنة؟

عندما تُسأل الحكومة عن مصير «مول الحانوت» أمام هذا الطوفان، فإنها ترفع غالباً لواء الرقمنة. إذ أكد كاتب الدولة المكلف بالتجارة الخارجية في تموز/يونيو 2025 على ضرورة التأهيل التكنولوجي لدمج التاجر في المنظومة الرقمية بغية تنويع دخله وتعزيز علاقته بزبائنه. واقترح مجلس المنافسة تحويل محلات البقالة إلى «نقاط خدمات متعدّدة» لتسوية الفواتير والأداء الجبائي. ويعكس هذا الطرح منطقاً تعويضياً لافتاً: بما أن الحانوت يعجز عن منافسة السوبرماركت في السلع، فليتحول إلى منفذ لوجستي. لكن التساؤل الجوهري الذي يغيب عن هذا الخطاب يتركز على من يحدّد شروط هذا الدمج؟ ومن يجني قيمته في النهاية؟

تقدّم المعطيات المتوفرة إجابات بالغة الوضوح عن هذه التساؤلات؛ وتتشكّل شروط الدمج الرقمي بعيداً من إرادة البقال، لتُصاغ داخل أروقة الشراكات الرابطة بين الوزارة والمنصات الكبرى والمؤسسات البنكية. وتعلن وزارة الصناعة والتجارة عن إبرام اتفاقيات مع شركات مثل «جوميا» و«غلوفو»، معتبرة إياها «قاطرات» لرقمنة تجارة القرب. ويغيب التاجر الصغير تماماً عن طاولة التفاوض، ليُختزل دوره في صفة مستفيد مفترض من قرارات تُهندس باسمه خارج أسوار دكانه.

يستمر الخطاب الحكومي في ترويج الرقمنة بوصفها طوق نجاة لتاجر التجزئة، وهو ما تعكسه شعارات «اليوم الوطني للتاجر» المتمحورة حول العصرنة الرقمية

وفيما يتعلق بتوزيع القيمة، تستأثر المنصات بثلاثة مكاسب جوهرية تُحجب كلياً عن البقال: العمولة المالية المفروضة على الطلبات، والبيانات الدقيقة عن أنماط الاستهلاك المحلي، إلى جانب احتكار خوارزميات الترتيب داخل التطبيقات. وتمنح هذه العناصر أوراق قوة غير مسبوقة، تعجز الأدوات التنظيمية أو التفاوضية المتاحة للتاجر عن مجاراتها.

وفي سياق متصل، يستمر الخطاب الحكومي في ترويج الرقمنة بوصفها طوق نجاة لتاجر التجزئة، وهو ما تعكسه شعارات «اليوم الوطني للتاجر» المتمحورة حول العصرنة الرقمية. وتصطدم هذه السردية بواقع الإحصائيات الفاضحة لبون شاسع بين سقف الطموح وحجم التغطية الميدانية للدكاكين والمحلات؛ إذ تقتصر أهداف برامج الشراكة على دمج عشرات الآلاف من التجار بحلول عام 2025، بينما تستحوذ البقالة التقليدية فعلياً على نحو 80% ضمن شبكة التوزيع الغذائي الوطنية، وذلك بشهادة وزير الصناعة والتجارة نفسه.

مازال يفتح دكانه…

وفي المحصلة، لا يكشف قطاع تجارة التجزئة في المغرب عن أزمة تاجر ضد سلسلة، بقدر ما يعكس تفاوتاً في الشروط التي تنشط فيها كل فئة؛ إذ نبه مجلس المنافسة  إلى ضرورة «تفادي التمركز غير المتوازن للمساحات/المتاجر الكبرى». وبينما تستأثر السلاسل التجارية بالامتيازات في ظل غياب سياسات عمومية حازمة، تتكبّد الحلقة الأضعف أعباء التحول كاملة، مقصية من أي حصة عادلة من قيمته. وعلى ذلك وفي انتظار أن تلحق به هذه السياسات، يواصل البقال فتح محله في الصباح الباكر حاملاً وحده ثمن تحوّل لم يُستشَر فيه. فيما يظل دكانه، إلى الآن، أحد الأعمدة الأساسية التي تنظم تفاصيل المعيشة اليومية للأسر في أحياء المغرب، صامداً في وجه تغوّل المتاجر الكبرى المحلية والعالمية التي تزحف على الفضاء نفسه دون أن تنجح بعد في انتزاع مكانته جذريا من يوميات الساكنة.

    سعيد ولفقير

    كاتب وصحافي مغربي، ساهم مع عددٍ من المنصات العربية منذ أواخر عام 2014. درس إدارة المقاولات والصحافة وعلم الاجتماع، ومهتم بأنماط الصحافة المتأنية والتفسيرية والبحثية.