الملكيات العربية تتجه إلى وادي السيليكون
إنفيديا في الخليج
في أيار/مايو 2025، سافر دونالد ترامب، ومعه عدد من كبار وجوه وادي السيليكون، إلى السعودية وقطر والإمارات، في أول جولة خارجية من ولايته الرئاسية. وفي اليوم نفسه الذي وصل فيه إلى الرياض، ألغى «إطار نشر الذكاء الاصطناعي» الذي أقرّته إدارة بايدن. وبموجب هذا الإطار، فرض سلفه ضوابط تفصيلية على تصدير الرقائق الأميركية، سعياً إلى حماية التقنيات الاستراتيجية واحتواء صعود الصين. أما في الخليج، فكشف ترامب عن مقاربة محكومة أكثر بمنطق الصفقة، يجمع بين الإثراء الشخصي وترسيخ هيمنة الشركات الأميركية في أسواق رئيسة.
رأى مضيفو ترامب في هذا التحوّل السياسي فرصة ذهبية. فبعد تعهّد السعودية باستثمارات تصل إلى تريليون دولار داخل الولايات المتحدة، حصلت على حق استيراد 18,000 وحدة من أحدث خوادم بلاكويل التي تنتجها إنفيديا، من طراز «جي بي 300».1 وفي الوقت نفسه، مُنحت شركة «جي 42» الإماراتية، وهي الشركة القابضة التكنولوجية التي تدير أبو ظبي عبرها معظم مشاريعها في الذكاء الاصطناعي، إذناً باستيراد 500,000 وحدة سنوياً من رقائق «إتش 100»2 التي تنتجها إنفيديا. شكّل ذلك انعطافة لافتة. ففي خلال العقدين الماضيين، ضخّ الخليج الائتمان والاستثمارات بالأسهم في المنظومة التكنولوجية الأميركية. ومع أن هذه التدفقات المالية لم تجفّ، تشير الترتيبات الجديدة في مجال الذكاء الاصطناعي إلى أن هذه البلدان بدأت توطين عناصر حيوية من البنية التحتية للتكنولوجيا الأميركية. تطرح صفقات إنفيديا الأخيرة، وما تمثّله من تحوّل جيو-اقتصادي، أسئلة عدّة: لماذا تراجعت واشنطن عن نهجها الحمائي واتجهت إلى هذه الروابط التجارية مع الخليج؟ ولماذا راهنت الرياض وأبو ظبي، بهذا الحجم، على الذكاء الاصطناعي الأميركي؟ وماذا يعني ذلك للاستراتيجية الإمبريالية الأميركية على نطاق أوسع؟
على مدى سنوات، ألحقت الاستثمارات الخليجية الخارجية المنطقة بدوائر تراكم تهيمن عليها عمالقة قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الأميركي. وبعد الأزمة المالية العالمية، أدّت صناديق الثروة السيادية الخليجية دوراً حاسماً في تلبية حاجة وادي السيليكون النهمة إلى السيولة. وأسند ذلك اقتصاداً سياسياً أميركياً صار أكثر ارتباطاً بارتفاع تقييمات الأصول. غير أن الحصص المالية الخليجية في وادي السيليكون تركت أثراً اقتصادياً محدوداً في الداخل الخليجي، إذ لم تجلب معها إلا القليل من نقل التكنولوجيا أو تطوير القدرة الإنتاجية المحلية. وبقيت الشركات في هذه البلدان بعيدة عن طليعة التكنولوجيا. لكن صفقات دول مجلس التعاون الخليجي مع إدارة ترامب توحي بأن هذه الدول بدأت تبدّل وجهتها. فالتكتل الذي يضم السعودية والبحرين والإمارات والكويت وعُمان وقطر لم يعد يعيد النظر في علاقته بقطاع التكنولوجيا وحده، وإنما في موقع هذا القطاع داخل اقتصاد عالمي آخذ في التصدّع.
حتى الآن، ما زال هذا التحوّل محفوفاً بالتوترات وغير مكتمل. ففي اللحظة التي ربطت فيها دول الخليج رهاناتها بصعود التكنولوجيا الأميركية الذي بدا كأنه لا يتوقف، عادت السياسة لتفرض أولويتها بعنف، مع ردّ طهران على الحرب الأميركية-الإسرائيلية لتغيير النظام بقصف مراكز بيانات «أمازون ويب سيرفيسز» (Amazon Web Services) في الإمارات والبحرين. لذلك، لم يتضح بعد ما إذا كان تحالف مجلس التعاون الخليجي مع واشنطن، بوساطة وادي السيليكون، سيتحوّل إلى مصدر حيوية اقتصادية أو إلى نقطة هشاشة شديدة. وسيحمل المآل النهائي لهذا المسار تبعات بعيدة المدى على الشرق الأوسط وموقعه في نظام الدول.
واشنطن ووادي السيليكون
تعود الصلة بين وادي السيليكون والخليج إلى التراجع الطويل الأمد في قدرة الدولة الأميركية على البحث والتطوير. ففي خلال الستينيات، استحوذت الوكالات الفدرالية التي كُلّفت قيادة الأبحاث العامة الموجّهة نحو التكنولوجيا بعد الحرب العالمية الثانية، مثل ناسا ووكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة الدفاعية ومؤسسات شبيهة، على نحو 17% من الإنفاق الفيدرالي التقديري. أما في العقد الأول من الألفية الثالثة، فقد تراجعت الحصة إلى أقل من 10%. وكنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، هبط الإنفاق الفيدرالي على البحث والتطوير من ذروة قاربت 2% في منتصف الستينيات إلى نحو 0.5% في منتصف العقد الثاني من الألفية.3
أدّت الملكيات الخليجية دور الحليف الذي لا غنى عنه للمشروعين الإمبرياليين البريطاني والأميركي، إذ ضمنت دوران النفط بما يخدم أغنى الدول، وساعدت في إسناد النظام المالي العالمي القائم على الدولارغيّر ذلك علاقة الدولة بجزء محدد من رأس المال الأميركي، بعدما صارت الكيانات العملاقة الصاعدة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، مثل مايكروسوفت وأمازون وألفابت/غوغل وميتا/فيسبوك، تضطلع أكثر فأكثر بعمليات التخطيط وتمويل الأبحاث المتصلة بتطوير التقنيات الجديدة. وساعد نموذج «الابتكار الافتراسي» والمنخفض الكلفة لدى عمالقة التكنولوجيا، القائم على التعهيد والسيطرة على البنية التحتية واستخلاص الريع من الملكية الفكرية، في بناء ما سيُعرف لاحقاً باسم الاحتكارات الفكرية. ومع تغوّل المنصات الرقمية، استحوذت هذه الشركات على حصّة متزايدة من الثروة التي ولدها اقتصاد رقمي جديد قائم على الخدمات4.تحوّل وادي السيليكون تدريجاً إلى أكثر من المحرّك الرئيس للنمو الاقتصادي الأميركي. فمع حلول العقد الثاني من الألفية، صار كياناً عملاقاً يستغل الشركات الأصغر ويبتلعها، ويُخضع صناعات كاملة لإرادته، ويصنع في الطريق ثروات هائلة. وراح يطوّر تقنيات أكثر التصاقاً بالأمن القومي، إلى حد أن البنتاغون، بعدما استثمر بكثافة في وادي السيليكون، بات يعتمد على شركات التكنولوجيا الكبرى في كل شيء، من المراقبة إلى الاتصالات السحابية، ومن الروبوتات إلى الذكاء الاصطناعي. ومع ازدياد اعتماد الدولة الأميركية وجودياً على قطاع التكنولوجيا، راكم هذا القطاع نفوذاً أكبر في رسم السياسات. والأهم أن «لجنة التجارة الفدرالية» تجاهلت قوانين مكافحة الاحتكار، وسمحت للشركات التكنولوجية الكبرى، مثل غوغل وفيسبوك وأمازون، بأن تحصّن مواقع احتكارية عصيّة على المنازعة في مجالات عدّة. وبالقدر نفسه، اتسعت قوة هذه الشركات داخل النظام العالمي.5
في خلال سنوات أوباما الثماني في الرئاسة، ارتفعت المصالح القطاعية لوادي السيليكون إلى مرتبة المصالح العامة. استحدث أوباما مناصب تنفيذية جديدة، منها كبير مسؤولي التكنولوجيا وكبير علماء البيانات في مكتب سياسة العلوم والتكنولوجيا، وكبير مسؤولي الأداء في مكتب الإدارة والموازنة، وأسندها إلى شخصيات صديقة للقطاع. ومع إطلاق القيادة السيبرانية الأميركية في عام 2009، ثم صدور استراتيجية الأمن القومي ومراجعة الدفاع الرباعية في عام 2010، ترسّخ التشابك بين شركات التكنولوجيا الكبرى والأمن القومي، وصُنّفت البنية التحتية الرقمية «أصلاً استراتيجياً وطنياً».6
صعود الذكاء الاصطناعي الأميركي
لكن بعد طفرة النمو الأولى هذه، وجد قطاع التكنولوجيا نفسه بلا بوصلة في أواخر العقد الثاني من الألفية. ومع تضاؤل قدرته على الحفاظ على وتيرة الابتكار، ومع تضاؤل قدرته على الحفاظ على وتيرة الابتكار، حاول بدلاً من ذلك تعظيم أرباحه من المنتجات القائمة، ما قاد إلى تدهور حاد في جودتها. وكان استثمار فيسبوك 77 مليار دولار في الميتافيرس، من دون أن ينتج في النهاية أي منتج جديد أو يحقق أي إيرادات إضافية، علامة على يأس متزايد. في هذا السياق، اتجهت التكنولوجيا الأميركية إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي انطلق للمرة الأولى في عام 2012، بوصفه مخرجاً محتملاً.
استجابت إدارة ترامب الأولى لسباق الذكاء الاصطناعي من خلال الأمر التنفيذي 13859 والمبادرة الوطنية للذكاء الاصطناعي، وهما تدخّلان اتّسما بمنطق عدم التدخّل الواضح، ومنحا القطاع الخاص صلاحية قيادة تطوير التكنولوجيا الجديدة. رحّب وادي السيليكون بهذا النهج الذي يسلّم للقطاع الخاص قيادة تطوير التكنولوجيا الجديدة، واستمرّ إلى حد بعيد في عهد إدارة بايدن. ومع أن رئيسة لجنة التجارة الفدرالية، لينا خان، حاولت فرض قوانين مكافحة الاحتكار بقدر أكبر من الجدية، نجحت ميتا ومايكروسوفت في الالتفاف عليها في المحاكم لمواصلة الاستحواذ على منافسين محتملين.7ومع أن البيت الأبيض حاول وضع بعض الضوابط على تطوير الذكاء الاصطناعي، مثلاً عبر مخطط وثيقة حقوق الذكاء الاصطناعي، بقي الاتجاه العام لسياسة الدولة قائماً على دعم صريح للاعبين الكبار في وادي السيليكون والتزام صارم بتعزيز مصالحهم. وقد ظهر ذلك بوضوح في مذكرة الأمن القومي التي أصدرها بايدن في خريف عام 2024، وأعادت تأكيد ضرورة قيادة القطاع الخاص لتطوير الذكاء الاصطناعي في سياق تصاعد التنافس مع الصين. وفي الوقت نفسه، كان «قانون الرقائق والعلوم» لعام 2022 قد قدّم أصلاً عشرات مليارات الدولارات من الإعانات والحوافز الضريبية لتصنيع أشباه الموصلات والبحث فيها، في محاولة لحماية وادي السيليكون من المنافسة. ومن خلال وضع النقاش حول سياسة الذكاء الاصطناعي داخل ساحة الأمن القومي، منحت الإدارة شركات التكنولوجيا إذناً عملياً بالتملّص من مسؤولياتها الرسمية في ما يتعلق بالمعايير التنظيمية والإبلاغ والشفافية.8
وساعدت إدارة بايدن أيضاً في تأمين كميات التمويل الهائلة التي كان وادي السيليكون يطلبها. هنا جاء دور الخليج. ففي حزيران/يونيو 2023، رتّب البيت الأبيض اجتماعات بين الشيخ طحنون بن زايد من أبو ظبي وكبار المسؤولين التنفيذيين في مايكروسوفت وغوغل وأوبن إيه آي. وفي الفترة نفسها تقريباً، أدّت وزيرة التجارة جينا ريموندو بنفسها دور الوسيط لسام ألتمان لدى أصحاب النفوذ في دول مجلس التعاون الخليجي. وبفضل هذه الجهود جزئياً، ارتفع تمويل دول مجلس التعاون للشركات الأميركية العاملة في الذكاء الاصطناعي 5 أضعاف في عام 2024. وأظهرت الإفصاحات العامة أن «سنابل للاستثمار»، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، قدّمت دعماً لشركات رأس المال المغامر التي ساعدت في إسناد منظومة الذكاء الاصطناعي في وادي السيليكون، ومنها «كوتو مانجمنت» و«إنسايت بارتنرز» و«أندريسن هوروويتز» و«فاوندرز فاند» و«ريدييت فنتشرز» و«جنرال أتلانتيك». كما موّلت «إم جي إكس وجي 42» في أبو ظبي، وهما مملوكتان في الغالب للدولة، شركات الحوسبة السحابية العملاقة، مثل «أمازون ويب سيرفيسز» و«أوراكل» و«غوغل»، الساعية إلى توسيع قدرة الذكاء الاصطناعي الأميركية. وكانت «إم جي إكس» أحد الداعمين الرئيسين لـ«أوبن إيه آي» في جولة تمويل بلغت 6.6 مليار دولار في تشرين الأول/أكتوبر 2024، بعد أشهر فقط من استحواذ «مبادلة»، ثاني أكبر صندوق ثروة سيادي في الإمارة، على الحصة الكبيرة التي كانت تملكها شركة «إف تي إكس» التابعة لسام بانكمان-فريد في أنثروبيك.9
كانت أبو ظبي قد لوّحت ببدائل صينية في مجال الذكاء الاصطناعي في النصف الأول من ولاية بايدن، لكن مفاوضات سرية بين وزارة التجارة بقيادة «ريموندو» و«جي 42» أقنعت الشركة في النهاية بالتخارج من شركات التكنولوجيا الصينية وإزالة رقائق هواوي من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي التابعة لها. بقي الابتعاد عن الصين جزئياً، إذ نُقلت حصص «جي 42» في شركة «بايت دانس»، المالكة لتيك توك، إلى أداة أخرى مملوكة للدولة، هي «لونيت» التابعة لطحنون بن زايد، فيما واصلت الإمارات شراكتها مع الصين في تقنيات الجيل الخامس والطائرات المسيّرة والتكنولوجيا العسكرية. ومع ذلك، قرّب هذا التراجع أبو ظبي من معسكر الذكاء الاصطناعي الأميركي. فهو لم يمهّد الطريق فقط أمام مايكروسوفت لتوقيع صفقة بقيمة 1.5 مليار دولار مع الإمارات في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي في نيسان/أبريل 2024، وإنما وضع أيضاً موارد البلاد، المالية والطاقوية، وكذلك منفذها إلى أسواق الجنوب العالمي، في خدمة وادي السيليكون.
التوطين الخليجي
تسخّر إدارة ترامب الثانية سياستها في الذكاء الاصطناعي لخدمة شركات الحوسبة السحابية العملاقة، ولو تخلّل هذا المسار قدر من التخبّط واللاعقلانية. ففي يومه الأول بعد عودته إلى البيت الأبيض، أصدر ترامب أمراً تنفيذياً بعنوان «إزالة العوائق أمام القيادة الأميركية في الذكاء الاصطناعي»، استهدف إجراءات حماية المستهلك ومتطلبات الإبلاغ الضعيفة أصلاً في عهد بايدن، تحت شعار تفكيك القيود التنظيمية. كما تحرّكت وزارة العدل لتحرير عمالقة التكنولوجيا من هواجس مكافحة الاحتكار، وبحلول آب/أغسطس 2025 كانت المدعية العامة بام بوندي قد أسقطت أكثر من ثلث الدعاوى والتحقيقات المرتبطة بقطاع التكنولوجيا والموروثة من إدارة بايدن. وفي الربيع والصيف الماضيين، تعهّد الأمر التنفيذي «النهوض بتعليم الذكاء الاصطناعي للشباب الأميركي» وخطة العمل للذكاء الاصطناعي بنسف «الروتين الإداري»، ودفع اعتماد الذكاء الاصطناعي في التعليم الأميركي من الروضة حتى الصف الثاني عشر، وكذلك في وزارة الدفاع التي ستُعاد تسميتها قريباً وزارة الحرب، مع حماية الملكية الفكرية الأميركية وإزالة العوائق أمام بناء مراكز بيانات ومنشآت جديدة لتوليد الطاقة. ثم صدر في كانون الأول/ديسمبر 2025 أمر تنفيذي آخر هدف إلى منع حكومات الولايات من فرض قواعد تنظيمية على الذكاء الاصطناعي أو تطبيقها.10
ارتكز التراكم المحلي لرأس المال على هذه الأدوار التي فرضتها التبعية. وكان أوضح دليل على خدمة الخليج للإمبراطورية الأميركية تسعير النفط بالدولار، وإعادة توجيه عائداته إلى أسواق رأس المال الخاضعة للهيمنة الأميركيةوبتشجيع من البيت الأبيض، واصلت الرساميل الخليجية تدفقها إلى وادي السيليكون. فقد تعهّدت «إم جي إكس» و«جي 42» باستثمار 1.4 تريليون دولار في الولايات المتحدة على مدى 10 سنوات. وشاركت «إم جي إكس» أيضاً في جولة تمويل كبيرة من الفئة الثالثة لشركة «إكس إيه آي» التابعة لإيلون ماسك، وساعدت في تمويل جولة لجمع 10 مليارات دولار لصالح داتابريكس، وهي منصة أميركية لتطوير الذكاء الاصطناعي.11 وبعد زيارة ترامب في أيار/مايو، تسارعت وتيرة التمويل الخليجي لوادي السيليكون على نحو كبير. ففي أيلول/سبتمبر الماضي، ضمّت جولة تمويل أنثروبيك البالغة 13 مليار دولار جهاز قطر للاستثمار بوصفه «مستثمراً مهماً»، كما انضم الجهاز إلى «إم جي إكس» الإماراتية في دعم جولة لجمع 20 مليار دولار لصالح «إكس إيه آي». واللافت أن هذه الاستثمارات اعتمدت في كثير من الأحيان على أموال تمرّ عبر شبكات زبائنية شخصية.12 فقبيل تنصيب ترامب بقليل، اشترى ممثلون عن طحنون بن زايد حصة قدرها 49% في «وورلد ليبرتي فايننشال»، وهو مشروع للعملات المشفرة تقوده عائلتا ترامب وويتكوف، مقابل 500 مليون دولار. وقبل أسبوعين من زيارة الرئيس للخليج في أيار/مايو 2025، تعهّدت «إم جي إكس» بضخ ملياري دولار إضافيين من أموالها في شركة العملات المشفرة التابعة لترامب وويتكوف.13
ولعل الأشد أهمية من ذلك هو انتقال دول الخليج مؤخراً إلى توطين الذكاء الاصطناعي، أي عدم الاكتفاء بضخ الأموال في القوة المهيمنة، وتسخير قدراتها التكنولوجية ضمن خططها للتنمية المحلية. فقد انضمت «إم جي إكس»، مثلاً، إلى ائتلاف تقوده «إنفيديا» و«مايكروسوفت» و«بلاك روك» و«إكس إيه آي» لشراء «ألايند داتا سنترز» مقابل 40 مليار دولار، وهي شركة تدرس الآن إمكان إصدار ديون تصل إلى 50 مليار دولار لتوسيع محفظتها في الذكاء الاصطناعي. وهناك أيضاً «ستارغيت» الإمارات، وهو مشروع مشترك لإنشاء مجمّع حوسبة للذكاء الاصطناعي بقدرة 1 غيغاواط، تشارك فيه «أوبن إيه آي» و«إنفيديا» و«سيسكو» و«سوفت بنك» و«جي 42». وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2025، منحت وزارة التجارة الأميركية «جي 42» موافقة رسمية على شراء عشرات آلاف خوادم جي بي 300 لهذا المشروع.
يدعم البيت الأبيض بالكامل خطة بناء مجمّعات حوسبة للذكاء الاصطناعي في الخليج، وقد وضع ثقله خلف عدد من المشاريع المشتركة. فقد وقّعت قطر والإمارات على «إعلان السيليكون» الصادر عن البيت الأبيض، وهو اتفاق لتطوير سلسلة الإمداد والبنية التحتية الرقمية اللازمتين لتطوير الذكاء الاصطناعي. وبدأ المخططون السعوديون الآن تحويل الجهود والرساميل نحو بناء مركزهم الخاص لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. ففي العام الماضي، أطلق «صندوق الاستثمارات العامة» و«إكس إيه آي» شركة «هيوماين»، بوصفها «بطلاً وطنياً» في الذكاء الاصطناعي، لتشغيل مراكز البيانات باستخدام خوادم جي بي 300 التي اشترتها السعودية من «إنفيديا». ويقول رئيسها التنفيذي، طارق أمين، إنه يريد تشغيل قدرة حوسبة للذكاء الاصطناعي تبلغ 6.6 غيغاواط بحلول عام 2034، ما يعني أن السعودية ستتحمّل بين 6% و7% من عبء عمل الذكاء الاصطناعي في العالم، وهي حصة سوقية لا تتجاوزها إلا الولايات المتحدة والصين. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2025، أقامت «هيوماين» و«إنفيديا» شراكة استراتيجية تتيح للأولى شراء ما يصل إلى 600,000 وحدة معالجة رسومية من الثانية في خلال السنوات الثلاث المقبلة، وهي دوائر إلكترونية متخصصة تُستخدم في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. وتشير الصحافة المتخصصة إلى أن هذه الرقائق ستُستخدم في مراكز بيانات داخل الولايات المتحدة والسعودية معاً. ففي الولايات المتحدة، ستُدار مراكز البيانات ضمن مشروع مشترك بين «هيوماين» و«غلوبال إيه آي»، وهي شركة لبنية الذكاء الاصطناعي أسسها مسؤولون تنفيذيون سابقون في «آي بي إم». أما في السعودية، فتطوّر «هيوماين» و«أمازون ويب سيرفيسز» منشأة مخصصة للذكاء الاصطناعي قرب الرياض، من المتوقع أن تستخدم منتجات «إنفيديا». وفي الوقت نفسه، تشير تقارير إلى أن سام ألتمان يضغط منذ مطلع عام 2026 لجمع 50 مليار دولار أو أكثر من صناديق الثروة السيادية الخليجية الكبرى.14
تبدو قدرة دول مجلس التعاون الخليجي على الجمع بين التبعية للقطاع الخاص الأميركي والاستثمار الوطني على امتداد سلسلة القيمة التكنولوجية لافتة. تنشر «أوبن إيه آي» الآن أكثر نماذجها المفتوحة تقدماً من مراكز بيانات في السعودية، وستبدأ «إكس إيه آي» قريباً تدريب نماذجها المملوكة هناك أيضاً. وتبني القوى الخليجية عملياتها الخاصة في الذكاء الاصطناعي على نحو متكامل عمودياً، إذ تطوّر «هيوماين» و«جي 42» بنية الذكاء الاصطناعي التحتية، وتدريب النماذج، والتطبيقات الاستهلاكية. وتختبر «هيوماين» حالياً منتجاً يعمل بالصوت، تأمل أن ينافس يوماً ما ويندوز وماك أو إس وغيرهما من أنظمة تشغيل الحواسيب الرائدة عالمياً.15
خلاصة الأمر أن اعتماد الرأسمالية الأميركية على وادي السيليكون، والتدمير الذاتي لقدرة الدولة على قيادة البحث والتطوير، دفعا واشنطن إلى التنازل عن قيادة تطوير الذكاء الاصطناعي للاعبين المهيمنين في هذا المجال. وقد جعلت الوفرة النسبية في الموارد المالية الخليجية، وإمكان الوصول إلى كهرباء رخيصة، والقدرة على توليد الطاقة، هؤلاء اللاعبين، الذين بنوا استراتيجيات أعمالهم على توسيع القدرة الحاسوبية، ينظرون إلى ممالك مجلس التعاون الخليجي بوصفها حلفاء أساسيين. وهذه الممالك تسعى الآن إلى أن تصبح قوى في الذكاء الاصطناعي بحد ذاتها، بمباركة إدارة ترامب.
في خدمة الإمبراطورية
يمكن ردّ رهان دول مجلس التعاون الخليجي على وادي السيليكون إلى عوامل رئيسة قليلة.16 العامل الأول تقني، فحتى الآن تنتج «إنفيديا» الرقائق الواقعة عند طليعة الصناعة، ما يجعل اصطفاف الخليج مع التكنولوجيا الأميركية خياراً منطقياً. والعامل الثاني أيديولوجي، فافتتان محمد بن سلمان بالنموذج الأميركي للمستقبل التكنولوجي، وجماليات المدن التقنية القاتمة، موثّق جيداً، فيما يصف سام ألتمان طحنون بن زايد بأنه «صديق شخصي عزيز». لكن العامل الثالث، وهو الأبرز، يتمثل في الحوافز والقيود وارتهانات المسار التاريخي التي يفرضها موقع المنطقة داخل الإمبراطورية الأميركية، وهو موقع يسبق طفرة الذكاء الاصطناعي بوقت طويل.
أثبتت الولايات المتحدة أنها تفتقر إلى الإرادة والوسائل لحماية زبائنها في دول مجلس التعاون الخليجي من تداعيات مغامرتها العسكرية. ومع غياب أي تسوية سياسية مستقرة في المنطقة، قد تتبدّد أحلام الخليج بتطوير بنية تحتية كبرى للذكاء الاصطناعي
بدأ اندماج دول مجلس التعاون الخليجي في النظام الذي قادته الولايات المتحدة بعد الحرب في عام 1933، مع حصول «ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا» على امتياز للتنقيب عن النفط في الظهران، وترسّخ بعد عام 1974، حين جرى التوصل إلى اتفاقات مع واشنطن بشأن إعادة تدوير البترودولار، أي استثمار عائدات الصادرات في مصارف وول ستريت. وبالنسبة إلى الأنظمة الخليجية، ارتكز التراكم المحلي لرأس المال على هذه الأدوار التي فرضتها التبعية. وكان أوضح دليل على خدمة الخليج للإمبراطورية الأميركية تسعير النفط بالدولار، وإعادة توجيه عائداته إلى أسواق رأس المال الخاضعة للهيمنة الأميركية. ومع الوقت، دفع الموقع التابع للخليج إلى قبول دور أكبر في إسناد الصحة المالية للولايات المتحدة. ففي التسعينيات، وسّعت مجموعة العليان السعودية حصتها في «تشايس مانهاتن»، فيما هبّ أحد أفراد العائلة المالكة السعودية، الوليد بن طلال، لإنقاذ «سيتيكورب» حين كانت مهددة بالخطر في عام 1991.17 ثم جاءت الأزمة المالية العالمية في عام 2008 لترسّخ هذا المسار، إذ تحرك «جهاز أبو ظبي للاستثمار» سريعاً لإنقاذ «سيتي غروب»، فيما أصبحت مشتريات الخليج من الدين السيادي الأميركي حاسمة في «نجاح» برنامج التيسير الكمي الذي أطلقه الاحتياطي الفيدرالي.18
ومع بدء انحسار الأزمة، أثبتت استثمارات دول مجلس التعاون الخليجي أهميتها أيضاً في التعافي الأميركي المعتمد على التكنولوجيا من الركود العظيم. وفي هذه الفترة، ازداد وعي دول المجلس بالحاجة إلى تنويع اقتصاداتها الوطنية بعيداً من النفط والغاز. وبفعل اعتماد هذه الحكومات على حفنة ضيقة ومتشابهة من شركات الاستشارات، جاءت استراتيجياتها الوطنية متقاربة إلى حد كبير، فأطلقت أبو ظبي ودبي والسعودية وقطر والكويت خطط رؤية تقوم على القالب الأساسي نفسه. وبالنسبة إلى الإمارات والسعودية خصوصاً، عنى ذلك إبداء اهتمام أكبر بالذكاء الاصطناعي. وبحلول أواخر العقد الثاني من الألفية، صار رأس المال السعودي أكبر مصدر منفرد للاستثمار في الشركات الناشئة التي ظهرت في محيط سان فرانسيسكو.19 وقد عطّلت جريمة قتل جمال خاشقجي على يد الدولة السعودية العلاقة الصاعدة بين السعودية ووادي السيليكون لفترة وجيزة، إذ غادر ألتمان مجلس إدارة نيوم احتجاجاً، لكن ردود الفعل سرعان ما انحسرت وعادت الأمور إلى مسار الأعمال المعتاد. وفي خلال أزمة الائتمان التي أعقبت جائحة كوفيد، واصل المال السعودي والإماراتي إسناد الثروات الشخصية وإعادة رفع أسعار أسهم أبرز نجوم وادي السيليكون.
وتستند علاقات الخليج بوادي السيليكون أيضاً إلى منطق أمن الأنظمة. فمن خلال استخدام رساميلها لإسناد قطاع، أو شريحة طبقية، تحتل موقعاً مركزياً في الاقتصاد والدولة الأميركيين، تتوقع دول مجلس التعاون الخليجي من واشنطن أن تردّ بالمثل، أي أن تسند قبضة العائلات الحاكمة على السلطة في شرق أوسط يزداد اضطراباً. واللافت أن صفقة «إنفيديا» السعودية الأخيرة جاءت بعد توقيع محمد بن سلمان وترامب اتفاقية دفاع استراتيجية جديدة، تضمّنت إلى جانب بنود حول التعاون في الطاقة النووية المدنية مشتريات سعودية ضخمة من المعدات العسكرية الأميركية. وستشمل هذه المشتريات عدداً غير محدد من مقاتلات إف 35، أغلى منظومة سلاح في التاريخ، والدجاجة التي تبيض ذهباً لشركة «لوكهيد مارتن».20هذا استثمار في الذكاء الاصطناعي بوصفه بدل حماية.
حين لا تصمد أفضل الخطط
ماذا قد يعني هذا الاصطفاف بالنسبة إلى المستقبل؟ مع محاولتها الجديدة استيراد القدرة الحاسوبية للذكاء الاصطناعي، تلقّت الأنظمة الخليجية الرئيسة وعوداً بفرص فريدة لاستخلاص الريع. ففي عام 2022، افترض محللو ماكينزي أن اعتماد الذكاء الاصطناعي قد يضيف 150 مليار دولار سنوياً إلى اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي. وقدّرت «بي دبليو سي» في وقت أحدث أن الذكاء الاصطناعي سيساهم بما لا يقل عن 135.2 مليار دولار في الاقتصاد السعودي بحلول عام 2030، أي 12.4% من الناتج المحلي الإجمالي المتوقع، و96 مليار دولار في اقتصاد الإمارات،21أي 13.6% من الناتج المحلي الإجمالي. وهذه التوقعات الضخمة بدأت بالفعل تولّد ترتيبات مؤسسية جديدة، مع إنشاء هيئات جديدة للتخطيط والتنظيم والتمويل، فضلاً عن كيانات شركاتية قد تؤدي دور المستثمرين الرئيسين.22
جعلت الوفرة النسبية في الموارد المالية الخليجية، وإمكان الوصول إلى كهرباء رخيصة، والقدرة على توليد الطاقة، هؤلاء اللاعبين، الذين بنوا استراتيجيات أعمالهم على توسيع القدرة الحاسوبية، ينظرون إلى ممالك مجلس التعاون الخليجي بوصفها حلفاء أساسيين
لكن التهديدات تلوح في الأفق. وأكثرها إلحاحاً يأتي من تبعات الحرب مع إيران. فقد أظهرت طهران قدرتها على فرض شروطها في مضيق هرمز، وعلى تهديد حلفاء الولايات المتحدة إلى غربها متى شاءت. وفي المقابل، أثبتت الولايات المتحدة أنها تفتقر إلى الإرادة والوسائل لحماية زبائنها في دول مجلس التعاون الخليجي من تداعيات مغامرتها العسكرية الكارثية. فشبكة الحماية التي تديرها لا تمتد إلا إلى حدود معينة. ومع غياب أي تسوية سياسية مستقرة في المنطقة، قد تتبدّد أحلام الخليج بتطوير بنية تحتية كبرى للذكاء الاصطناعي.
حتى لو استعيد الوضع السابق، قد تقوّض المخاطر المالية النظامية التي يطرحها نموذج الذكاء الاصطناعي في وادي السيليكون آفاق الخطط الأميركية-الخليجية للهيمنة العالمية على الذكاء الاصطناعي في المدى المتوسط. فالمعدل الاستثنائي لحرق السيولة لدى مطوّري التكنولوجيا الأميركيين الناشئين، وحجم الإنفاق الرأسمالي غير المسبوق من جانب شركات الحوسبة السحابية العملاقة، والمتوقع أن يتجاوز 800 مليار دولار في عام 2026، والعلاقات الدائرية التي تربط اللاعبين الأساسيين في هذا القطاع، وتجاهل وادي السيليكون العام لمسألة تحقيق الإيرادات، كلها تجعل التوقعات الاقتصادية الخليجية الطويلة الأمد غير يقينية. 23وفي السابق، كان المستثمرون مستعدين لتجاهل الفجوة الواسعة بين الإنفاق على الذكاء الاصطناعي وإيراداته، لكن ذلك بدأ يتغيّر في الأشهر الأولى من عام 2026، وسط الفوضى التي أطلقتها إدارة ترامب الثانية. فبعد مكالمة إعلان الأرباح في نهاية كانون الثاني/يناير، خسرت «مايكروسوفت» 357 مليار دولار من قيمتها السوقية في يوم واحد.
وهناك أسباب أخرى تدفع إلى الاعتقاد بأن العواقب قد تعود سريعاً إلى أصحابها. فقد أصدرت «أوراكل» ديوناً بمليارات الدولارات لبناء مراكز بيانات تعهّدت «أوبن إيه آي»، بين شركات أخرى، باستئجارها. لكن قدرة «أوبن إيه آي» على الوفاء بتعهداتها تتوقف على استمرار الشركة في جمع التمويل من جهات مثل «إنفيديا» و«سوفت بنك»، وهما شركتان ألمحتا إلى أنهما قد تتراجعان عن التزاماتهما غير الملزمة. وإذا تعثّر الشركاء الأميركيون الأساسيون، فقد تمتدّ التداعيات إلى مالية دول مجلس التعاون الخليجي وخططها لتطوير بنياتها الوطنية المتكاملة للذكاء الاصطناعي.
ويزيد الإنفاق الرأسمالي المتوقع لدول الخليج على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي الصورة المالية تعقيداً. فبحسب تقديرات «إس آند بي» (S&P)، سيشهد الحمل الكهربائي المقاس بالميغاواط في قطاع مراكز البيانات السعودي نمواً سنوياً مركباً بنسبة 29% بين عامي 2024 و2030. وسيتطلب رفع قدرة التوليد بهذا الحجم طفرة كبيرة في الطلب، وإلا فإن الخسائر الناتجة من فائض القدرة قد تكون هائلة. ويأتي ذلك بصرف النظر عن التحديات الكبيرة المرتبطة بتقادم الرقائق، إذ قد يجري تجاوز الرقائق المتقدمة الحالية في غضون 5 إلى 7 سنوات. ومع معاناة ما يسمّى الأبطال الوطنيين في الذكاء الاصطناعي في الخليج من نقص في اليد العاملة الماهرة، على الرغم من الاستثمارات السعودية واستثمارات أبو ظبي الكبيرة في التعليم والتدريب وعروض الأجور الضخمة، تبدو عقبات النجاح شاقة.
وتُطرح أسئلة أوسع عن المنفعة التنموية الفعلية لصناعة الذكاء الاصطناعي. ففي هذه المرحلة، لا يوجد أساس كافٍ للافتراض بأن الذكاء الاصطناعي سيولّد زيادات كبيرة في الإنتاجية. وعلى المستوى العالمي، تشير البيانات إلى أن أثره الأكثر مباشرة في سوق العمل يتمثل في إلغاء وظائف مبتدئة كانت تُعدّ آمنة في السابق، ولا سيما في البرمجيات والقطاعات المرتبطة بها. وتعاني السعودية أصلاً من معدل بطالة بين الشباب يدور حول 15%، فيما يحتاج خرّيجو المدارس الثانوية والجامعات السعوديون إلى 40 أسبوعاً في المتوسط للحصول على عمل. وتحدّد دراسات مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية النساء والشباب بوصفهم الفئتين الأكثر عرضة للإزاحة الوظيفية الناجمة عن الذكاء الاصطناعي.25 إن تجاهل هذه المؤشرات التحذيرية وضخّ الذكاء الاصطناعي في جسد المملكة المأزوم ينطوي على خطر إحداث معاناة اجتماعية واسعة.
ويجب النظر أيضاً في الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي في ضوء التحديات المناخية التي يواجهها الخليج، ولا سيما في السعودية، حيث تخطط الدولة لاستخدام محطات تعمل بالغاز الطبيعي لتزويد مجمّعات الذكاء الاصطناعي قيد الإنشاء بالكهرباء. ومع إقامة مراكز البيانات في مواقع شديدة الحرارة، بعيدة جداً من الظروف المثلى للتشغيل، فإن كلفة الانبعاثات الناتجة من تبريد هذه المنشآت ستكون هائلة، حتى عند استخدام أنظمة هوائية وتبخيرية أكثر كفاءة. أما إمكانات خفض البصمة الكربونية للذكاء الاصطناعي عبر استخدام محطات الطاقة الشمسية، فتواجه عقبات عدّة، منها تقطّع إنتاج الطاقة المتجددة. وحتى مع القفزات الكبيرة التي حققتها السعودية في السنوات الأخيرة في قدرة البطاريات على مستوى الشبكة، ما زالت البلاد بعيدة من تخزين مستويات الطاقة اللازمة لضمان تزويد مراكز البيانات بإمدادات كهرباء ثابتة تحتاج إليها بلا انقطاع.26
أدّت الملكيات الخليجية دور الحليف الذي لا غنى عنه للمشروعين الإمبرياليين البريطاني والأميركي، إذ ضمنت دوران النفط بما يخدم أغنى الدول، وساعدت في إسناد النظام المالي العالمي القائم على الدولار. ويتمثل الدور الصريح لهذه الأنظمة داخل النظام العالمي في توسيع حصة الأرباح من الدخل. وقد أتقن حكامها فنّ استغلال العمال في الداخل واستخلاص القيمة في الخارج، من خلال استخدام إعادة تدوير البترودولار لنهب الجنوب العالمي في السبعينيات والثمانينيات، ثم تصميم نماذج شركاتية تلتف على قوانين العمل وتمنع التفاوض الجماعي في الألفية الجديدة. لذلك، تملك هذه الأنظمة ألفة طبيعية مع الذكاء الاصطناعي، الذي لا يشكّل وسيلة بسيطة لاستبدال العمال بقدر ما يشكّل أداة معقدة لتردية العمل ونزع مهاراته وتسريع وتيرته وتعهيده إلى الخارج. ومن هنا، تأتي مشاركة الخليج في مشاريع ألتمان ومن معه، مدفوعة بمزيج من المصلحة الاقتصادية والحسابات السياسية والالتزام الأيديولوجي، بوصفها المرحلة الأحدث في مسار تاريخي أطول بكثير. لكن على الرغم من أن دول الخليج استفادت حتى الآن من دورها كوكلاء أميركيين مذهّبين، قد تنقلب هذه الاستراتيجية عليها في المستقبل القريب، بفعل التقلبات التي يصنعها العدوان الأميركي والتناقضات الداخلية لطفرة الذكاء الاصطناعي معاً. وفي العقد المقبل، ستتوقف صحة الإمبراطورية في الشرق الأوسط، إلى حد غير قليل، على قدرة هذه الصلة بين الخليج ووادي السيليكون على الصمود.
نُشر هذا المقال في عدد حزيران/يونيو 2026 من Phenomenal World، وتُرجم إلى العربية ونُشر في «صفر» بموجب اتفاق مع الجهة الناشرة.
- 1
Kif Leswing, “Nvidia sending 18,000 of its top AI chips to Saudi Arabia”, CNBC, May 13, 2025.
وقبيل عيد الشكر مباشرة، وافق مكتب الصناعة والأمن في وزارة التجارة رسمياً على تعهّد ترامب، مانحاً السعودية في الواقع ترخيصاً للحصول على ما يصل إلى 35,000 من خوادم جي بي 300.
- 2
Natasha Turak, “US, UAE agree on path for Emirates to buy top American AI chips, Trump says”, CNBC, May 16, 2025.
- 3
The Task Force on American Innovation, “American exceptionalism, American decline? Research, the knowledge economy, and the 21st century challenge”, Report, December 2012. Rebecca Mandt, Kushal Seetharam, Chung Hon Michael Cheng, “Federal R&D funding: the bedrock of national innovation”, Report: MIT Science Policy Review, 2020.
- 4
Cecilia Rikap, “The US national security state and Big Tech: frenemy relations and innovation planning in turbulent times”, Review of Keynesian Economics 12:4, 2024. Cecilia Rikap and Bengt-Ake Lundvall, “Big tech, knowledge predation and the implications for development”, Innovation and Development 12:3, 2022.
- 5
Jessica Crobett, “’Total scandal’: Memos expose failure of Obama-era FTC to stop Google’s monopoly power”, Common Dreams, March 16, 2021.
ويمكن الاطلاع سريعاً على هذا التاريخ هنا: Stavroula Pabst, “How the Pentagon built Silicon Valley”, Analysis: Responsible Statecraft, August 24, 2024.
- 6
من أجل حماية الحيازات الأميركية في هذا الأصل، دعت إدارة أوباما أيضاً صراحة إلى تعزيز الشراكات مع قادة القطاع الخاص.
Cristina Soreanu Pecequilo and Francisco Luiz Marzinotto Junior, “US power and the multinational tech companies of the digital era: an analysis of the Obama and Trump governments’ oligopolization (2009-2021),” Austral: Brazilian Journal of Strategy & International Relations 11:21, 2022.
أما ثاني كبير مسؤولي التكنولوجيا في عهد أوباما، تود بارك، فأسّس وأدار عدداً من شركات البرمجيات الناشئة المتخصصة في الرعاية الصحية. وجاءت الثالثة في هذا المنصب، ميغان سميث، إليه بعد عملها نائبة للرئيس في غوغل.
- 7
Federal Trade Commission v. Meta Platforms Inc., et al, No. 5:2022cv04325 – Document 570, N.D. Cal. 2023. Federal Trade Commission v. Microsoft Corporation et al, No. 3:2023cv02880 – Document 305, N.D. Cal. 2023.
واستأنفت لجنة التجارة الفدرالية قرار مايكروسوفت. وفي أيار/مايو 2025، أيّدت الدائرة التاسعة قرار المحكمة الأدنى.
- 8
تناقش المعاملة التنظيمية التفضيلية بإسهاب في: Karen Hao, Empire of AI: Dreams and Nightmares in Sam Altman’s OpenAI, Penguin Books, 2025. وعن ضوابط تصدير أشباه الموصلات وتداعياتها غير المقصودة، انظر.ي: Rodrigo Balbontin, “Backfire: export controls helped Huawei and hurt US firms”, Report: Information Technology & Innovation Foundation, October 27, 2025.
- 9
Mackenzie Sigalos, “FTX estate selling majority stake in AI startup Anthropic for $884 million, with bulk going to UAE”, CNBC, March 25, 2024. Elizabeth Dwoskin, Ellen Nakashima, Nitasha Tiku, and Cat Zakzrewski, “How the authoritarian Middle East became the capital of Silicon Valley”, Washington Post, May 14, 2024. Kate Rooney and Kevin Schmidt, “Middle Eastern funds are plowing billions of dollars into hottest AI startups”, CNBC, September 22, 2024.
وعن اتساع حضور رأس مال صندوق الاستثمارات العامة داخل مشهد رأس المال الجريء، انظر.ي: Jessica Matthews, “Silicon Valley and Saudi Arabia are still closely intertwined despite age-old controversy,” Fortune, April 4, 2023.
- 10
Leonie Allard and Julian Blum, “US foreign policy: power in the age of AI”, Report: Institut Montaigne, 2025. Adi Robertson, “US removes ‘safety’ from AI Safety Institute”, The Verge, June 4, 2025. Rick Claypool, “Deleting tech enforcement”, Report: Public Citizen, August 2025.
وعملاً بتصميمات خطة العمل الخاصة بوزارة الحرب، وبتمويل من مبلغ 13.4 مليار دولار خُصّص صراحة لاعتماد الذكاء الاصطناعي في موازنة البنتاغون، يُشار إلى أن بيت هيغسيث وآخرين أطلقوا في الشتاء الماضي استراتيجية تسريع الذكاء الاصطناعي.
- 11
إلى جانب التزامات رأس المال الجريء، زاد صندوق الاستثمارات العامة السعودي حيازاته في أمازون، وهي مطوّر رئيس للذكاء الاصطناعي بحد ذاتها، في الربع الأول من عام 2025، رافعاً مركزه إلى 1.2 مليون سهم.
Steve Holland and Federico Maccioni, “UAE commits to $1.14 trillion US investment, White House says”, Reuters, March 21, 2025.
وعن داتابريكس، انظر.ي: Marlize van Romburgh, “Databricks raises $10B in 2024’s largest venture funding deal”, Crunchbase News, December 17, 2024.
- 12
Mark Bergen and Adveith Nair, “Anthropic stake propels Qatar’s $524 billion wealth fund deeper into AI”, Bloomberg, September 3, 2025. “Elon Musk’s xAI raises $20 billion in Nvidia-backed funding round”, Agence France-Presse, January 7, 2026.
- 13
Sam Kessler, Rebecca Ballhaus, Eliot Brown, Angus Berwick, “’Spy sheikh bought secret stake in Trump company”, Wall Street Journal, January 31, 2026. Eric Lipton, David Yaffe-Bellany, Bradley Hope, Tripp Mickle, and Paul Mozur, “Anatomy of two giant deals: the UAE got chips. The Trump team got crypto riches”, New York Times, September 15, 2025.
- 14
“Humain expands strategic partnership with Nvidia, advancing global AI infrastructure with xAI, Global AI, and AWS at the US-Saudi Investment Forum”, Humain, November 19, 2025. Adam Satariano and Paul Mozur, “Saudi Arabia’s new power play is exporting A.I. to the world”, New York Times, October 27, 2025. Pramod Kumar, “Humain invested $3bn in xAI before merger with SpaceX”, Arab Gulf Business Insight, February 19, 2026. “Is OpenAI betting its future on the GCC? Altman’s big ticket pitch to Middle East investors”, Tech Revolt, January 23, 2026.
- 15
Tala Alrajjal, “Saudi Arabia is making a massive bet on becoming a global AI powerhouse”, CNN Business, November 2, 2025.
- 16
ملاحظة: لا تزال السعودية مرتبطة بكيانات صينية في عدد من المجالات المتصلة بالذكاء الاصطناعي. وتواصل جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية امتلاك عدد من الشراكات البحثية. كما دمجت أرامكو نماذج ديب سيك في مراكز بياناتها في الدمام، ولدى آلات، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، مشروع مشترك بقيمة 2 مليار دولار مع لينوفو لتصنيع خوادم البيانات. انظر أيضاً شركة لونيت الاستثمارية التابعة لطحنون بن زايد.
- 17
Michael Quint, “Saudi prince to become Citicorp’s top stockholder”, New York Times, February 22, 1991. Sarah Barlett, “Saudi group now owns over 5% of Chase stock”, New York Times, April 23, 1991.
- 18
Ben Bernanke, 21st Century Monetary Policy: The Federal Reserve from the Great Inflation to COVID-19, W.W. Norton & Company, 2022.
وبحسب برنانكي، خفّضت مشتريات الخليج من سندات الخزانة الأميركية معدلات الاقتراض الأميركية بنحو 1% بين عامي 2005 و2014.
- 19
Eliot Brown and Breg Bensinger, “Saudi money flows into Silicon Valley—and with it qualms”, Washington Post, October 16, 2018.
- 20
Ashley Roque, “F-35, tank sales part of new US-Saudi strategic defense agreement”, Breaking Defense, November 18, 2025. Dan Grazier, “Has the Pentagon learned from the F-35 debacle?”, Analysis: Program on Government Oversight, June 8, 2023. Rich Smith, “Lockheed scores blockbuster $24 billion sale of 296 F-35s”, The Motley Fool, October 12, 2025.
- 21
Niklas Berglind, Ankit Fadia, and Tom Isherwood, “The potential value of AI—and how governments could look to capture it”, Article: McKinsey & Company, July 25, 2022. Shivangi Jain, “US $420 billion by 2030? The potential impact of AI in the Middle East”, Report: PwC, 2025.
وتمثّل توقعات الشركتين إجماعاً سائداً، فعند اتخاذ الاقتصاد العالمي مقياساً للتحليل، تتوقع غولدمان ساكس أن يرفع الذكاء الاصطناعي التوليدي وحده الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 7% خلال السنوات العشر المقبلة، فيما تزعم ماكينزي أن الذكاء الاصطناعي التوليدي سيزيد إنتاجية العمل بنسبة تراوح بين 0.1% و0.6% سنوياً حتى عام 2040.
- 22
في الإمارات، يقود طحنون بن زايد آل نهيان هذه الحملة. ويتركز البحث في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، التي افتتحت مؤخراً مختبراً بحثياً في سانيفيل في كاليفورنيا، وفي معهد الابتكار التكنولوجي، الذي طوّر نماذج لغة كبيرة بالعربية مثل فالكون. أما في السعودية، فتتحمّل الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي مسؤولية تحديد المسار. وتأسست الهيئة في عام 2019، ويرأسها ولي العهد. وإلى جانب تولي زمام البحث، غالباً عبر مشاريع مشتركة مع شركاء صينيين، مرّ جزء كبير من جهود الدولة الأولى في رأس المال الجريء ونقل التكنولوجيا عبر جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية. لكن هيوماين، التي أنشأها صندوق الاستثمارات العامة، أصبحت الآن الجهة الرئيسة لتوجيه الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وتطوير بنية وطنية متكاملة للذكاء الاصطناعي، بمشاركة عدد كبير من الكيانات العامة والشراكات الخاصة.
- 23
“David Sacks Says AI Could Drive 75% Of US GDP Growth As Morgan Stanley Sees Big Tech AI Capex Surging Past $800 Billion In 2026,” Yahoo Finance, May 5, 2026.
- 24
Mai Barakat, “The Saudi Arabia data center market: a catalyst for economic innovation”, Special Report: S&P, December 2025. Chris Hamill-Stewart and Megha Merani, “$1m salaries, but Gulf still can’t woo enough AI talent”, Arab Gulf Business Insider, August 25, 2025.
- 25
Erik Brynjolfsson, Bharat Chandar, Ruyu Chen, “Canaries in the coal mine? Six facts about the recent employment effects of artificial intelligence”, Working Paper: Stanford Digital Economy Lab, August 2025. “Slow transitions drain billions from Saudi economy”, Wamda, November 17, 2025. Cian Mulligan, “AI and green jobs in the Saudi labor market: exposure and complementarity”, Report: King Abdullah Petroleum Studies and Research Center, November 2025.
- 26
Hazel Gandhi and Rina Chandran, “We mapped the world’s hottest data centers”, Rest of World, December 15, 2025. Rachel Millard, “There’s a new ‘breakout star’ in the battery storage market”, Financial Times, February 3, 2026.