لماذا لا تكفي المعرفة التقنية لصنع قوة طبقية سياسية؟

الطبقة العاملة التقنية:
لماذا لا تكفي المعرفة التقنية لصنع قوة طبقية سياسية؟

  • يبقى التنظيم المحلي نقطة الانطلاق لأي تنظيم أوسع، من دون أن يتحوّل إلى أفقه النهائي. فالأممية، في هذا السياق، تعني بناء سياسة مادية مضادة للطريقة التي يستخدم بها رأس المال الحدود لإدخال العمال في منافسة بين أسواق العمل الوطنية، وتفريق شروطهم، والضغط على قدرتهم المشتركة على الفعل.
  • قد يُقرأ التعطيل، عندما يبقى فعلاً تقنياً مغلقاً، بوصفه خللاً أمنياً، أو نزاعاً مهنياً، أو تهديداً لاستقرار خدمة يعتمد عليها آخرون. لكنه يكتسب معنى مختلفاً عندما يرتبط بمطلب اجتماعي واضح، وبقدرة على شرح موضع الضرر، وبآليات تحمي الفئات الأضعف من كلفة الانقطاع. 
  • التعطيل، أو الكشف، أو الرفض الجماعي، لا يكتسب أثراً سياسياً إلا عندما يرتبط بمطالب الحلقات الأضعف داخل السلسلة، وبأشكال ديمقراطية قاعدية تضمن استقلال العمال داخل أي جبهة أوسع، وبمطالب انتقالية تصل بين الأجر، والعقد، وشروط العمل، وبين الرقابة العمالية على البنية الرقمية وغايات استخدامها.

 

من هم عمّال التقنية؟ يبدو هذا السؤال بسيطاً، لكنه يكشف سريعاً أن هذا القطاع لا يقتصر على المبرمجين والمهندسين الأكثر حضوراً. فمع اتضاح شبكة العمل التي تقوم عليها المنظومات الرقمية، من البنية التحتية إلى التشغيل والصيانة والمراجعة والتوسيم والدعم، تبرز إشكالية أساسية: كيف يمكن لمن يعملون في مواقع متباينة، وبشروط متفاوتة، ومن دون معرفة متساوية بالبنية التي يساهمون في تشغيلها، أن يتحرّكوا ضمن قطاع واحد؟

يتجسّد التناقض الأساسي في أن الإنتاج الرقمي يقوم على تعاون اجتماعي واسع، لكنه لا ينتج تلقائياً وعياً عمّالياً مشتركاً، لأن الخبرة اليومية للعاملين تبقى  مُفتتة وموزّعة بين مواقع وشروط عمل متباينة. ومن هذه الفجوة تنطلق المسألة السياسية الأساسية: كيف يمكن لعمّال يشكّلون، في الواقع، جزءاً من عملية إنتاج جماعية واحدة أن ينتقلوا من هذا الوجود الموضوعي المشترك إلى قوة واعية بموقعها ومصالحها، وقادرة على التنظيم على هذا الأساس؟

الإنتاج الرقمي يقوم على تعاون اجتماعي واسع، لكنه لا ينتج تلقائياً وعياً عمّالياً مشتركاً، لأن الخبرة اليومية للعاملين تبقى  مُفتتة وموزّعة بين مواقع وشروط عمل متباينة.

لا ينشأ التنظيم من تصوّر شامل يسبق التجربة، بل من موضع محدّد، كفريق داخل شركة، أو مجموعة متعاقدين، أو مركز بيانات، أو حلقة تشغيل ضمن سلسلة أكبر. وفي هذا الموضع تتشكّل الثقة الأولى، وتبرز المطالب في صورتها المباشرة، ويُختبر استعداد العاملين لتحمّل كلفة المواجهة. فالتنظيم المحلي أكثر من مجرد خطوة عملية أولى؛ إنه الموضع الذي تتشكّل فيه البذرة الأولى للوعي الطبقي من داخل التجربة نفسها. غير أن هذا الوعي، على ضرورته، يبقى مرتبطاً بإطاره المباشر ما لم يجد سبيله إلى تعميم سياسي يتجاوز حدوده.

لكن هذا الموضع لا يطابق المجال الفعلي الذي يتحرّك فيه رأس المال التقني. إذ تستطيع الشركات إعادة توزيع العمل، وتغيير صيغ التعاقد، واستغلال الفوارق القانونية والجغرافية بين المواقع، بما يُبقي النزاع المحلي مكشوفاً أمام بنية أوسع منه. ذلك أن رأس المال يوحّد عملية الإنتاج والتشغيل على نطاق عالمي، ثم يعيد توزيعها وفق تطور غير متكافئ ومركّب بين المواقع.

من المحلّي إلى الأممي

حين ينظّم رأس المال التقني العمل عبر بلدان ومواقع وشركات وموردين متعدّدين، يبدو القفز المباشر إلى شعار الأممية إغراءً سهلاً. غير أن التنظيم العابر للحدود لا ينشأ في الفراغ، وإنما يرتكز إلى مواقع تنظيم ملموسة، مثل موقع عمل أو فريق أو مورد أو مدينة أو نقابة أو مجموعة متعاقدين أو شبكة ثقة نشأت حول نزاع محدّد.

لذلك يبقى التنظيم المحلي نقطة الانطلاق لأي تنظيم أوسع، من دون أن يتحوّل إلى أفقه النهائي. فالأممية، في هذا السياق، تعني بناء سياسة مادية مضادة للطريقة التي يستخدم بها رأس المال الحدود لإدخال العمال في منافسة بين أسواق العمل الوطنية، وتفريق شروطهم، والضغط على قدرتهم المشتركة على الفعل.

غير أن التنظيم المحلي يصطدم سريعاً بهذه الحدود. تنقل الشركات الكبرى المهام، وتوسع التعهيد، وتبدل الموردين، وتحول التوظيف المباشر إلى تعاقد، وتستغل الفروق بين القوانين الوطنية ومستويات الأجور والحماية النقابية. ولا يقتصر أثر ذلك على الضغط على موقع بعينه، وإنما يدفع العمال أيضاً إلى تبني أفق دفاعي أو حمائي ينشغل بحماية موقعه المباشر أكثر من انشغاله بكسر الآلية التي تجعل نقله أو استبداله ممكناً أصلاً. لهذا ينبغي تجاوز هذا الأفق بدل التكيف معه. إذ لا يكتفي رأس المال باستخدام الحدود إطاراً قانونياً، وإنما يحولها أيضاً إلى أداة تنظيمية تضعف التماسك العمالي.

ويبقى التضامن الأخلاقي بين العمّال الأقوى موقعاً والعمّال الأضعف محدود الأثر إذا لم يستند إلى مطالب مادية مشتركة، إذ قد ينتهي إلى علاقة دعم من أعلى بدلاً من أن يتحول إلى تنظيم عمالي عابر للحدود

وقد ينجح موقع بعينه في رفع الأجور، أو تحسين العقود، أو فضح سياسة إدارية، أو انتزاع اعتراف نقابي، ثم يجد هذا المكسب معرضاً للالتفاف عليه عبر نقل العمل إلى مورد آخر، أو بلد آخر، أو صيغة تعاقدية تقلل مسؤولية الشركة وتضعف قدرة العمال على الدفاع عن انتصارهم. لذلك يحتاج هذا الانتصار، منذ لحظة تحققه، إلى امتداد تنظيمي يربطه بمواقع أخرى داخل عملية الإنتاج نفسها. ويتحول هذا الامتداد من مجرد تبادل للمعلومات وبيانات التضامن إلى قدرة على توحيد الإيقاع النضالي بين الموردين والعقود والمواقع المتجاورة داخل السلسلة، بحيث لا يبقى كل موقع معزولاً أمام قدرة الشركة على إعادة توزيع العمل والمخاطر.

ويبقى التضامن الأخلاقي بين العمّال الأقوى موقعاً والعمّال الأضعف محدود الأثر إذا لم يستند إلى مطالب مادية مشتركة، إذ قد ينتهي إلى علاقة دعم من أعلى بدلاً من أن يتحول إلى تنظيم عمالي عابر للحدود. تبدأ المصلحة المشتركة القابلة للتنظيم من مطالب الحلقات الأضعف داخل السلسلة، مثل عمال التوسيم، ومشرفي المحتوى، والمتعاقدين، والعاملين عبر الموردين، ثم تمتد إلى من يطورون المنظومات ويختبرونها ويشغلون بنيتها اليومية. ويركز رأس المال في هذه الحلقات أشد درجات الابتزاز والهشاشة واستخراج فائض القيمة، ومنها قد يتشكل ضغط قادر على جر السلسلة كلها إلى مستوى أعلى من الصراع.

وعندئذ تتحول الأممية من تعاطف سياسي عام إلى علاقة تنظيمية تنطلق من أضعف حلقات السلسلة وتعيد وصلها ببقية حلقاتها. وتزداد متانتها كلما قامت على برنامج مادي مشترك يحدّد بوضوح من يدفع كلفة المنافسة بين المواقع، ومن يستفيد منها، وكيف يمكن تحويل هذه المنافسة إلى مصلحة عمّالية مشتركة، بدلاً من الاكتفاء بلغة التعاطف المتبادل.

قوة الموقع وحدودها السياسية

هناك إغراء دائم بتصوير العاملين في التقنية بوصفهم «طليعة المستقبل»، لمجرد أن المجتمعات باتت أكثر اعتماداً على الأنظمة الرقمية. غير أن هذا التصور يضعف التحليل منذ البداية، لأنه يستبدل فحص مواقع العمال داخل عملية الإنتاج بصورة رمزية عن التقدم والمعرفة. فلا تحدد المهارة التقنية، في ذاتها، الدور السياسي أو التاريخي لأي فئة، كما لا يمنحه القرب من أدوات أكثر تقدماً، وإنما يتحدّد هذا الدور بالموقع الذي تشغله هذه المهارة داخل تناقضات رأس المال، وبقدرتها على الالتحام ببقية الطبقة.

لا تحدد المهارة التقنية، في ذاتها، الدور السياسي أو التاريخي لأي فئة، كما لا يمنحه القرب من أدوات أكثر تقدماً، وإنما يتحدّد هذا الدور بالموقع الذي تشغله هذه المهارة داخل تناقضات رأس المال، وبقدرتها على الالتحام ببقية الطبقة

ويؤدي التعامل مع المعرفة التقنية بوصفها مصدراً كافياً للقيادة إلى إعادة إنتاج منطق استبدالي يفصل السياسة عن الصراع الطبقي الفعلي، ويستعيض عن بناء القوة الجماعية بمنح فئة بعينها دوراً سياسياً مسبقاً بحكم موقعها المهني.

صحيح أن بعض فئات العمل التقني تشغل مواقع حساسة داخل قطاعات الاقتصاد والمال والاتصال والإدارة العامة، ولذلك قد تمتلك، في ظروف محددة، قدرة نوعية على التعطيل، أو الإبطاء، أو الكشف، أو الحماية. غير أن هذه القدرة لا تنتج وعياً سياسياً تلقائياً، ولا تمنح أهلية قيادية جاهزة. وقد يولد هذا الموقع الحساس وهماً بالاستثناء المهني أو بالوصاية على الآخرين، فيحوّل قوة العمال إلى نخبوية جديدة ما لم تُكبح سياسياً وتُربط بأفق جماعي أوسع.

وتتجسد إحدى صور هذه القوة في القدرة على التعطيل. فكلما ازداد اعتماد المؤسسات، والشركات، والدول على الخدمات السحابية، والمنصات، والشبكات، ومراكز البيانات، والكابلات البحرية، وأنظمة الدفع، ازداد الوزن النسبي للعمال الذين يشغّلون هذه العقد، أو يصونونها، أو يضمنون استمرار عملها.

ولا تشغل جميع فئات القطاع هذا النوع من المواقع. غير أن مهندسي البنية التحتية الرقمية، وفرق التشغيل، وبعض عمال مراكز البيانات، وفنيي الشبكات والكابلات، وفرق الجودة المركزية، والعاملين عند نقاط محددة من عملية الإنتاج، قد يحتلون مواقع يتجاوز أثرها حدود الشركة الواحدة. ويشبه ذلك، من حيث الموقع لا من حيث الشكل المباشر، ما عرفته قطاعات مثل النقل، والطاقة، والموانئ، حيث يزداد الثقل السياسي كلما مست نقطة العمل إعادة الإنتاج الاجتماعي الأوسع، لا حدود المؤسسة وحدها.

ولا تستمد هذه المواقع أهميتها من مهارة العامل الفردية وحدها، وإنما من موضعها داخل سلسلة تربط البنية المادية بالتشغيل الرقمي وبقطاعات أخرى من الاقتصاد والإدارة والاتصال. لذلك لا تُقاس قوتها بقربها من مركز تقني حرج فحسب، وإنما أيضاً بدرجة اعتماد قطاعات أخرى من المجتمع عليها. وعند هذه النقطة يتكشف بعدها الاجتماعي، لا بعدها التقني وحده.

ويأخذ التأثير شكلاً آخر في القدرة على الكشف. يعرف العاملون داخل الأنظمة ما يجهله المستخدمون، وأحياناً ما تجهله فئات أخرى داخل الشركة. فهم يعرفون كيف تُدار البيانات، وكيف تُبنى الضوابط، وما الذي تخفيه واجهة المنتج، وأين تمر العقود الحساسة، وما يُحجب من شروط العمل أو من الآثار الاجتماعية للمنصة. غير أن هذه المعرفة تبقى محدودة الأثر سياسياً ما دامت تُمارس في صورة بطولة فردية أو تسريب معزول. وتكتسب معناها حين تصبح معرفة جماعية قابلة للتداول والتنظيم.

وعندما تتحول إلى شهادة أو فضح منظم، تتيح تفسير الصلة بين ما يُقدَّم بوصفه مسألة تقنية محضة وما يرتبط، في الواقع، بقرارات سياسية ومؤسسية. ولولا هذا الكشف لبقيت العقود العسكرية، وممارسات الإشراف، وأوضاع العمل الخفي، خارج المجال العام، أو محصورة في نطاق ضيق لا يهدد صورة الشركة ولا نموذج عملها.

غير أن الفضح يبلغ أثراً أعمق عندما يتجاوز كشف واقعة منفردة ليصبح تحقيقاً عمالياً يربط المنتج بالعقد الذي يحكمه، وبالملكية التي توجهه، وبالدولة التي تحمي شروطه أو تستفيد من مخرجاته. وعندئذ يغادر الفضح حدود الإدانة الأخلاقية إلى تفسير البنية التي تنتج الضرر، وتعيد إنتاجه، وتحميه.

وتأخذ قوة الموقع شكلاً ثالثاً في الحماية المضادة. ففي لحظات القمع، أو الاستقطاب الحاد، أو الأزمات الكبرى، يمتلك بعض العاملين في الأنظمة الرقمية معرفة نوعية بكيفية حماية الاتصالات، أو الالتفاف على الرقابة، أو فهم آليات إدارة المنصات وتشغيلها ومراقبة مستخدميها، أو تفسير أنظمة التتبع والحجب. غير أن هذه المعرفة قد تتحول بدورها إلى سلطة خبراء فوقية إذا عوملت بوصفها احتكاراً مهنياً. ولا تكتسب معناها التحرري إلا عندما توضع في خدمة أشكال أوسع من التنظيم الذاتي، فتوسع قدرة الآخرين على الفعل، بدلاً من أن تتحول إلى وصاية تقنية عليهم.

تحيل القدرة على تعطيل الإنتاج الرقمي إلى شكل محدّد من القوة السلبية، لا إلى موقع ثوري مكتمل. فهي تتيح إيقاف التدفق أو إبطاءه أو جعل الاعتماد المخفي على العمل مرئياً. وهذه قوة حقيقية لكنها لا تعني السيطرة على عملية الإنتاج نفسها

حدود قوة الموقع وشروط تحولها السياسي

ولا يتوزع هذا الإمكان بالتساوي بين العاملين، كما لا يكتسب معنى تحررياً بمجرد امتلاكه على المستوى الفردي. وإنما يكتسب دلالته السياسية عندما يرتبط بتنظيم عمالي وتحالف فعلي مع من يتعرضون لآثار هذه الأنظمة، من مستخدمين مراقَبين، ومجتمعات مستهدفة، وعمال تُدار شروط عملهم خوارزمياً، وفئات تعتمد على البنية الرقمية في الاتصال والخدمات الأساسية. ومع ذلك، تحيل القدرة على تعطيل الإنتاج الرقمي إلى شكل محدّد من القوة السلبية، لا إلى موقع ثوري مكتمل. فهي تتيح إيقاف التدفق أو إبطاءه أو جعل الاعتماد المخفي على العمل مرئياً. وهذه قوة حقيقية لكنها لا تعني السيطرة على عملية الإنتاج نفسها.

ثمة فرق بين القدرة على الشل والقدرة على فرض بديل؛ تكشف الأولى هشاشة النظام، بينما تفتح الثانية سؤال السلطة على تشغيله وتوجيهه. فالعامل الذي يستطيع تعطيل نظام، أو وقف خدمة عند نقطة حساسة، يثبت أن رأس المال لا يعمل من دون العمل الحي. لكنه لا يبرهن، بهذا الفعل وحده، على قدرة العمال على إعادة توجيه البنية، أو إدارتها اجتماعياً، أو إخضاعها لغايات مختلفة. التعطيل يكشف التناقض، لكنه لا يحله. ويبقى بعده سؤال من يستطيع تشغيل النظام من جديد، وتحت أي سلطة، ولأي غاية. وعند هذه النقطة ينتقل النقاش من إثبات الاعتماد على العمل الحي إلى أفق الإدارة العمالية الفعلية.

لذلك تختلف قوة التعطيل عن القوة المنتجة سياسياً. فالأولى تثبت أن النظام قابل للإيقاف، بينما تثبت الثانية أن تشغيله يمكن أن يخضع لإرادة جماعية ومصلحة اجتماعية أوسع. وبين المعنيين مسافة سياسية وتنظيمية وبرنامجية، لا مسافة تقنية فحسب. ومن ثم لا تتحول نقطة التعطيل الحساسة إلى قوة سياسية بمجرد امتلاكها، وإنما تحتاج إلى تصور مسبق لكيفية انتزاع القرار وإعادة تنظيم وظيفة البنية الرقمية.

وقد يُقرأ التعطيل، عندما يبقى فعلاً تقنياً مغلقاً، بوصفه خللاً أمنياً، أو نزاعاً مهنياً، أو تهديداً لاستقرار خدمة يعتمد عليها آخرون. لكنه يكتسب معنى مختلفاً عندما يرتبط بمطلب اجتماعي واضح، وبقدرة على شرح موضع الضرر، وبآليات تحمي الفئات الأضعف من كلفة الانقطاع. عندئذ يصبح جزءاً من صراع على من يملك حق تقرير وظيفة البنية الرقمية وحدود استخدامها. ويحتاج هذا الصراع إلى خطاب يحدد بوضوح من ينبغي حمايته، ومن ينبغي تعطيل سلطته، لأن غياب هذا التحديد يتيح لرأس المال تصوير الفعل بوصفه اعتداءً على المجتمع، لا دفاعاً عنه.

ويتحقق الأثر السياسي الأوسع لقوة الموقع عندما تتجاوز المطالب حدود الشركة أو الوظيفة الضيقة، من غير انتقاص من شأن المطالب الاقتصادية المباشرة، وإنما عبر دفعها إلى نتائجها السياسية.

ويحتفظ النزاع بشأن الأجر والعقود وساعات العمل بأهميته لأنه يمس شروط بيع قوة العمل نفسها. لكنه يستطيع، في قطاع التقنية، أن يفتح مسائل تتجاوز مكان العمل لتشمل من يقرر استخدام العمل التقني في الحرب والرقابة وإدارة الحدود ومن يملك حق الرفض الجماعي عندما تتحول المعرفة والعمل إلى أدوات سيطرة أو قمع. وعند هذه النقطة يمتد النزاع من الشركة إلى الدولة، ومن علاقة العمل إلى العسكرة والحدود وأجهزة السيطرة التي يتقاطع معها هذا القطاع.

ويتوقف هذا التحوّل على بناء تحالفات مستقرة وتنظيم دائم. فلا يستطيع العاملون في التقنية، حتى في المواقع الأكثر حساسية داخل عملية التشغيل، أن يحلوا محل بقية الفئات الاجتماعية أو أن يتحولوا إلى بديل عنها. وإذا وقعوا في هذا الوهم، أعادوا إنتاج نخبوية مهنية تستبدل العامل الجماعي بصورة الخبير القادر وحده على تفسير العالم أو تعطيله. وفي قطاع متشظٍ من هذا النوع، لا تكفي الشبكات التي تنشأ مع كل نزاع ثم تتبدّد بانتهائه. لذلك تبرز الحاجة إلى أداة سياسية تحفظ الذاكرة والبرنامج بين الانفجارات المحلية، وتربط الخبرات المتفرقة في أفق تنظيمي واحد. وتكتسب قوة الموقع معناها السياسي عندما تندمج في مشروع اجتماعي أوسع يربط العاملين في المواقع الأعلى بالمتعاقدين، وبالحلقات الأدنى أجراً داخل السلسلة، وبالنقابات القائمة، وبالمجتمعات المتأثرة بالعقود الرقمية وسياسات المنصات.

 لا تكفي الشبكات التي تنشأ مع كل نزاع ثم تتبدّد بانتهائه. لذلك تبرز الحاجة إلى أداة سياسية تحفظ الذاكرة والبرنامج بين الانفجارات المحلية، وتربط الخبرات المتفرقة في أفق تنظيمي واحد

ويظل التحالف شرطاً لتحويل قوة الموقع إلى قوة طبقية، لكنه يفقد هذا المعنى إذا ذاب في أطر ليبرالية أو في نقابات بيروقراطية تفصل المطالب عن سلطة رأس المال داخل الشركة. فالتعطيل، أو الكشف، أو الرفض الجماعي، لا يكتسب أثراً سياسياً إلا عندما يرتبط بمطالب الحلقات الأضعف داخل السلسلة، وبأشكال ديمقراطية قاعدية تضمن استقلال العمال داخل أي جبهة أوسع، وبمطالب انتقالية تصل بين الأجر، والعقد، وشروط العمل، وبين الرقابة العمالية على البنية الرقمية وغايات استخدامها. ومن هنا تقاس قيمة أي تحالف بقدرته على صون هذا الاستقلال، لا بقدرته على توسيع جبهاته. فالجبهات التي تفصل بين نقد المنتج ونقد الملكية التي تنظمه تعيد الصراع إلى حدود إصلاحية ضيقة، مهما اتسع خطابها الأخلاقي.

ويتطلب بناء هذا التنظيم عضوية مستقرة، وتدريباً، وذاكرة تنظيمية، وتمويلاً، وقدرة قانونية، ولجاناً منتخبة خاضعة للعزل والمساءلة، حتى تبقى أدوات التنظيم في يد العمال، لا بديلاً من فعلهم الجماعي. كما يتطلب إعداد كوادر قادرة على ربط المواقع المتفرقة، واللغات المختلفة، والإيقاعات المتباينة للعمل التقني، بحيث لا تبقى الذاكرة التنظيمية حبيسة شركة واحدة، أو بلد واحد، أو حملة عابرة.

التقنية والعمل والسؤال الطبقي

يبقى سؤال الطبقة قائماً مع التقنية، لأنها أعادت ترتيب علاقات العمل التي يتشكل منها هذا السؤال في صورة أشد تركيباً. فالسلعة الرقمية الواحدة قد تختزن في داخلها مستويات متباعدة من التطور تشمل عملاً عالي المهارة إلى جانب عمل منخفض الأجر، وبنية شديدة الحداثة إلى جانب أشكال استنزاف تقترب من البدايات القسرية للرأسمالية. 

ومن هذه البنية المركبة يقوم القطاع على سلسلة واسعة تجمع بين عمل البنية المادية وعمل التشغيل الرقمي، وتجعل المنصات، والأنظمة السحابية، وأدوات الذكاء الاصطناعي، والشبكات، ومراكز البيانات قابلة للتصميم والتشغيل والصيانة والضبط.

لكن وحدة هذه السلسلة لا تعني أن العاملين داخلها يؤدون الوظيفة نفسها أو يشغلون الموقع نفسه. فالمهندس، وفني مركز البيانات، ومشرف المحتوى، ومصنف البيانات، والمتعاقد عبر مورد، يدخلونها عبر شروط وأجور ودرجات حماية شديدة التفاوت. ولا يتعلق هذا التفاوت باختلاف الوظائف فقط، بل أيضاً باختلاف معدلات الاستغلال، وسرعة الاستبدال، والقدرة على الانسحاب من السوق، والقدرة على مقاومة صاحب العمل أو التفاوض معه. وهنا تكتسب الخريطة الطبقية داخل القطاع حدتها الفعلية، بوصفها تفاوتاً في الموقع والقدرة والهشاشة.

ومع ذلك، يجمع رأس المال هذه الأعمال المختلفة داخل عملية إنتاج وتشغيل واحدة، ثم يعيد تنظيمها عبر التعهيد، والتوزيع الجغرافي غير المتكافئ، والتراتبية المهنية، بحيث تصبح وحدة العامل الجماعي غير مرئية في التجربة اليومية. وتستفيد الشركات من الترابط الفعلي بين عمل البنية المادية وعمل التشغيل الرقمي، ومن الأهمية الاجتماعية المتزايدة لهذه السلسلة، من دون أن تسمح بسهولة بتحول هذا الترابط إلى وعي مشترك أو قوة جماعية منظمة. 

ولا تكتفي هذه الشركات بجمع هذه الأعمال داخل عملية واحدة، بل تحتكر أيضاً صورة ترابطها ومعرفة حركتها الكلية. ومن هنا تصبح السيطرة على المعرفة بسلسلة العمل نفسها جزءاً من السيطرة الطبقية، لأن من يرى السلسلة كاملة لا يملك فقط سلطة الإدارة، بل يملك أيضاً سلطة حجب إمكان تسييس هذا الترابط.

ولا يقود ذلك إلى افتراض أن كل من يعمل في التقنية ينتمي إلى ذات سياسية واحدة، أو أن الشرائح الأعلى أجراً تحتل الموقع نفسه الذي تشغله الحلقات الأضعف داخل السلسلة، أو أن الموقع الحساس لبعض الفئات يمنحها قيادة سياسية تلقائية. فالشرائح الأعلى أجراً لا تُحسم سياسياً سلفاً، لا مع رأس المال ولا ضده، وإنما تتحدد مواقفها تبعاً للأزمة، والبرنامج المطروح، والضغط الصاعد من الأسفل. وبذلك تستعيد المسألة طابعها السياسي، بعيداً عن الأحكام الأخلاقية التي توزع البراءة أو الإدانة مسبقاً.

والأدق أن التقنية لا تخرج عن تاريخ العمل الرأسمالي، وإنما تكثف بعض تناقضاته الأساسية: عمل عالي المهارة إلى جوار عمل خفي ومنخفض الأجر، وعمل مرئي إلى جوار عمل ممحو من خطاب الابتكار، وتوظيف مباشر إلى جوار تعاقد هش، وموقع محلي للنزاع إلى جوار سلسلة عالمية لنقل العمل والمخاطر، وقدرة موضوعية على التعطيل أو الكشف تقابلها هشاشة تنظيمية تعوق تحويلها إلى فعل طبقي مستمر.

وتكشف موجات التسريح، وفقاعات الاستثمار، والانهيارات السريعة في بعض فروع القطاع أن ما يسمى «الاقتصاد الجديد» لا يتجاوز أزمات الرأسمالية، وإنما يعيد إنتاجها في صورة أكثر كثافة، يغدو فيها عدم الاستقرار جزءاً من آلية التراكم نفسها.

ومن هنا لا يكفي التعاطف مع عمال التقنية، ولا الاعتراف بأن وراء الذكاء الاصطناعي عملاً بشرياً. فالسؤال الحاسم يتعلق بكيفية إدارة سلسلة الإنتاج والتشغيل التي تعتمد عليها قطاعات واسعة من المجتمع، من الكابلات، ومراكز البيانات، والطاقة، والتبريد، إلى البرمجيات، والنماذج، والمنصات، وأنظمة المراقبة والضبط.

تبقى النضالات محدودة إذا انحصرت في مطالب الشفافية أو المساءلة المؤسسية. فالمشكلة لا تكمن في غموض القرار وحده، وإنما في تمركزه داخل ملكية خاصة وشركات تتحكم في البنية الرقمية بوصفها مصدراً للربح والسلطة.

ويظهر المنتج الرقمي غالباً في صورة معلومة، أو خدمة، أو منصة، بينما يخفي العمل المتراكم داخله ويطمس العلاقات الاجتماعية التي أنتجته. لذلك يشكل كشف هذا العمل خطوة أساسية لفهم من يملك هذه البنية، ومن يوجهها، ومن يتحمل كلفتها.

ولهذا تبقى النضالات محدودة إذا انحصرت في مطالب الشفافية أو المساءلة المؤسسية. فالمشكلة لا تكمن في غموض القرار وحده، وإنما في تمركزه داخل ملكية خاصة وشركات تتحكم في البنية الرقمية بوصفها مصدراً للربح والسلطة. وحتى مطالب الشفافية يمكن أن تستوعبها إدارة رأسمالية أكثر كفاءة ما دامت لا تمس حق الملكية وحق الأمر، ولا تتجاوز المطالبة بمعرفة أفضل بما يجري.

ومن هنا يصبح السؤال السياسي الأساسي: كيف يمكن انتزاع رقابة عمالية وديمقراطية اجتماعية على هذه البنية، بوصفها حقاً مؤسسياً في الاطلاع، والتعطيل، والمساءلة، واتخاذ القرار داخل مواقع الإنتاج والبنية التحتية الرقمية؟ رقابة يشارك فيها العاملون الذين ينتجونها ويشغلونها، والمتعاقدون، والحلقات الأدنى أجراً داخل السلسلة، والمجتمعات المتأثرة باستخداماتها في العمل، والرقابة، والحرب، والخدمات العامة.

وعندئذ تتحول المعرفة التقنية ومواقع العمل الحساسة إلى مورد سياسي يتجاوز حدود النخبة المهنية والاحتجاج الأخلاقي المؤقت، ويدخل في صراع أوسع على ملكية التقنية، وشروط إنتاجها، والغايات الاجتماعية لاستخدامها.

ومن دون ذلك سيظل الحديث عن سلسلة الإنتاج والتشغيل الرقمية وصفاً لواجهتها اللامعة، لا تفسيراً لعلاقات العمل ورأس المال التي تحركها. وستبقى الخبرات التي تولدها مواقع العمل المتفرقة مبعثرة ما لم تتراكم في أفق سياسي أممي يبني برنامجاً مشتركاً، وينسق بين المواقع، وينقل هذه الخبرات من حدود الشركة، والبلد، والنزاع المنفصل، إلى قوة تنظيمية أوسع. وعند هذا المستوى فقط تتحول المعرفة والموقع من مورد متفرق إلى قدرة تاريخية فعلية.

    محمد الطاهر

    خبير تقني وباحث في الحقوق الرقمية.