Starlink_5_train

كيف تهدِّد «ستارلينك» سيادة لبنان؟

في بلد يعيش حرباً مفتوحة مع إسرائيل ويعاني انهياراً مزمناً في قطاع الاتصالات، يُقدَّم «ستارلينك» في لبنان اليوم كحل سريع لمشكلة الإنترنت. لكن السؤال ليس كيف يحصل اللبنانيون على اتصال أسرع بالشبكة، بل ماذا يحدث عندما تصبح البنية التي تنقل بيانات الدولة والشركات والمؤسسات خارج السيطرة اللبنانية؟

فبدلاً من أن تدفع أزمة الاتصالات نحو إعادة بناء الشبكات الوطنية وتعزيز سيادتها الرقمية، يفتح الاعتماد المتزايد على الإنترنت الفضائي الباب أمام نقل جزء من حركة الاتصالات والبيانات إلى منظومة تديرها شركة أجنبية خارج البنية اللبنانية وخارج رقابة الدولة المباشرة. وهنا لا يعود الإنترنت مجرد خدمة تقنية، بل يتحول إلى قضية تتعلق بالسيادة والأمن والتحكم بالمعلومات.

وتزداد خطورة هذا التحول في ظل الحرب المفتوحة مع إسرائيل. فقد كشف تحقيق نشرته صحيفة «هآرتس» أن شركتين إسرائيليتين طورتا أدوات قادرة على تتبع بعض مستخدمي «ستارلينك» وتحديد مواقعهم وكشف هوياتهم. وفي حالة لبنان، لا يتعلق الأمر بمستخدمين عاديين فقط، بل بمؤسسات رسمية وسفارات ومنظمات وجهات حساسة يمكن أن تتحول إلى أهداف للرصد والمتابعة. فكيف تعمل هذه الأدوات؟ وماذا تكشف عن المخاطر الأمنية والسيادية المرتبطة بالاعتماد على «ستارلينك»؟

1. ماذا كشفت «هآرتس» عن أدوات التعقّب الإسرائيلية؟

كشف تحقيق «هآرتس» أن شركات إسرائيلية طوّرت أدوات قادرة على تحويل شبكة «ستارلينك» من وسيلة اتصال إلى مصدر معلومات استخبارية عن مستخدميها. وبحسب الصحيفة، طوّرت شركة «تارغت تيم»، التي أسسها خبير الاستخبارات السيبرانية رون زيلكا، نظاماً يحمل اسم «ستارغتز» يتيح تتبّع مستخدمي «ستارلينك» وربط بعضهم بهويات محددة.

في عرض اطلعت عليه الصحيفة، راقب النظام نحو مليون محطة «ستارلينك» حول العالم، تؤمّن الاتصال لما يقارب 5.5 ملايين جهاز، وتمكّن من تحديد هوية نحو 200 ألف مستخدم. كما تبيع شركة «رايزون» الإسرائيلية قدرات مشابهة ضمن منصات أوسع لتحليل البيانات الضخمة، وتخضع صادراتها لإشراف وزارة الدفاع الإسرائيلية.

تكمن أهمية هذه الأدوات في أنها لا تعتمد بالضرورة على اعتراض الرسائل أو اختراق مضمون الاتصال. إذ لا تأتي القيمة الاستخبارية من معرفة ما يقوله المستخدم، بل من معرفة من هو، وأين يوجد، وكيف يتحرك، ومع من يتواصل. يكفي جمع آثار رقمية متناثرة، مثل بيانات الموقع، ومعرّفات الأجهزة، وسجلات التصفح والتطبيقات، ثم ربطها ببعضها البعض لبناء صورة متكاملة عن المستخدم.

بهذا المعنى، يتحول الاتصال نفسه إلى مادة للتحليل الأمني. وحتى عندما تبقى الرسائل والمواقع محمية بالتشفير، يمكن للبيانات المحيطة بها أن تكشف هوية المستخدم وموقعه وأنماط نشاطه، وهي معلومات قد تكون في بعض الحالات أكثر قيمة من محتوى الاتصال نفسه.

2. كيف يصبح المستخدم مكشوفاً من دون اعتراض اتصاله؟

بحسب ما نقلته «هآرتس»، لا تعتمد أدوات التعقب الإسرائيلية على اختراق معلن لشبكة «ستارلينك» أو على اعتراض الرسائل والاتصالات مباشرة. بدلاً من ذلك، تقوم على جمع كميات هائلة من البيانات المتناثرة وربطها ببعضها البعض لبناء صورة عن المستخدم وهويته وموقعه.

تشمل هذه البيانات معلومات مصدرها الهواتف الذكية، وسجلات التصفح، ومنصات التواصل الاجتماعي، وتطبيقات الهاتف، إضافة إلى سوق الإعلانات الرقمية الذي يجمع ويبيع بيانات المواقع الجغرافية ومعرّفات الأجهزة لأغراض تجارية. وعندما تُدمج هذه الطبقات المختلفة من المعلومات، يصبح بالإمكان تتبع حركة المستخدم وربط نشاطه الرقمي بمكان محدد أو جهة محددة.

يترك كل جهاز متصل بمحطة «ستارلينك» وراءه آثاراً رقمية. وبمقارنة هذه الآثار مع بيانات أخرى متوافرة في الأسواق التجارية أو قواعد البيانات المتخصصة، يمكن تحديد موقع المحطة وربطها بمستخدم أو مؤسسة أو نمط نشاط معين. هنا لا تصبح الرسائل نفسها هي الهدف، بل البيانات المحيطة بها: من يتصل؟ ومن أين؟ ومتى؟ وبأي أجهزة؟

تكشف هذه الآلية جانباً أعمق من اقتصاد البيانات الرقمي. تجمع الشركات بيانات المستخدمين أساساً لأغراض الإعلان والتسويق، لكن البيانات نفسها يمكن أن تتحوّل إلى مادة استخبارية ذات قيمة أمنية عالية. ومع «ستارلينك»، تزداد حساسية المسألة لأن المحطة الفضائية تمثل نقطة اتصال جغرافية واضحة نسبياً، ما يجعل ربطها بمؤسسة رسمية أو سفارة أو منظمة عاملة في بيئة حساسة أكثر سهولة وقيمة بالنسبة لأي جهة تسعى إلى الرصد أو المراقبة.

1

3. لماذا لا يشبه ذلك اختراق الإنترنت العادي؟

يرى خبير الاتصالات وسيم منصور أن ما كشفته «هآرتس» لا يشبه نماذج الاختراق المعتادة التي تستهدف مستخدماً أو جهازاً بعينه. ففي شبكات الإنترنت التقليدية، سواء عبر الألياف الضوئية أو الشبكات الأرضية، تتركز معظم الهجمات على التطبيقات أو الحسابات أو المواقع الإلكترونية أو الأجهزة نفسها. أما البنية الأساسية للشبكة فتبقى منفصلة نسبياً عن هوية المستخدم النهائي وموقعه المباشر.

في المقابل، يقوم «ستارلينك» على شبكة فضائية مغلقة تديرها شركة واحدة وتتحكم بمحطاتها وبياناتها. ومن المفترض أن تبقى معلومات المحطات النشطة، ومواقعها، وهوية المشتركين المرتبطين بها، ضمن الدائرة التشغيلية الخاصة بالشركة. لذلك لا تكمن أهمية ما كشفته الشركات الإسرائيلية في الوصول إلى محتوى الاتصالات، بل في القدرة على الوصول إلى بيانات مرتبطة بالبنية نفسها.

من هذا المنطلق، يعتبر منصور أن المسألة تتجاوز الأمن السيبراني التقليدي لتصبح مسألة سيادية. فإذا أصبح بالإمكان تحديد موقع محطة «ستارلينك» ومعرفة الجهة التي تستخدمها أو ربطها بنشاط معين، فإن ما ينكشف ليس مستخدماً فردياً فقط، بل جزء من البنية التي تقوم عليها الخدمة نفسها.

لهذا لا يتعلق الأمر بمستخدم تعرّض لخداع إلكتروني أو حمّل تطبيقاً خبيثاً، بل بإمكانية الوصول إلى بيانات التموضع والتعريف المرتبطة بشبكة الإنترنت الفضائي. وعندما تصبح هذه البيانات متاحة لجهات خارج الشركة المشغلة، يتحول السؤال من أمن المستخدم إلى أمن البنية التحتية ذاتها ومن يملك القدرة على مراقبتها أو رسم خريطة استخدامها.

4. لماذا «ستارلينك» أداة سياسية قبل أن تكون تقنية؟ 

يرى منصور أن النقاش حول «ستارلينك» لا يقتصر على جودة الخدمة أو سرعتها، بل يتعلق بطبيعة البنية التي تتحكم بها. فالشبكة الفضائية لا تعمل كبنية عامة مستقلة، بل كمنظومة تديرها شركة خاصة تمتلك القدرة على تشغيل الخدمة أو تقييدها أو توسيع نطاقها وفق قراراتها الخاصة. ويشير إلى أن تجارب السنوات الأخيرة أظهرت أن الوصول إلى «ستارلينك» لم يكن مسألة تقنية بحتة. فقد استُخدمت الخدمة لدعم أوكرانيا خلال الحرب، وأُتيح الوصول إليها لمعارضين إيرانيين عبر محطات جرى تهريبها إلى البلاد، في حين واجه استخدامها قيوداً في غزة. بالنسبة إليه، تكشف هذه الحالات أن التحكم بالاتصال أصبح جزءاً من توازنات سياسية وجيوسياسية، لا مجرد قرار تقني يتعلق بإدارة الشبكة.

تكمن أهمية هذه المسألة في أن الجهة التي تملك البنية التحتية للاتصال تملك أيضاً القدرة على تحديد من يستطيع الوصول إليها وتحت أي شروط. ومع توسع الاعتماد على الإنترنت الفضائي، لا يعود السؤال مقتصراً على كفاءة الخدمة، بل يمتد إلى الجهة التي تتحكم بها والسلطة التي تكتسبها من خلال هذا التحكم.

وفي هذا السياق، يطرح منصور تساؤلات إضافية حول ما كشفته «هآرتس». فإذا كانت جهات خارجية قادرة على الوصول إلى بيانات مرتبطة بمستخدمي «ستارلينك»، فإن ذلك يثير أسئلة عن كيفية انتقال هذه البيانات وحدود الحماية المفروضة عليها. ويرى أن الحديث عن أدوات تعقب أو اختراقات محتملة قد يخلق مساحة رمادية يصعب معها التمييز بين ما هو ناتج عن جمع بيانات من خارج الشركة وما يرتبط بالبنية التي تديرها الشركة نفسها، وهي أسئلة تزداد حساسية كلما توسع استخدام الخدمة داخل مؤسسات ودول تعتمد عليها في اتصالاتها الأساسية.

5. كيف انتقل «ستارلينك» من خدمة للشركات إلى بنية تستخدمها جهات حساسة؟

بحسب هيئة تنظيم الاتصالات، يُتوقع إطلاق «ستارلينك» تجارياً في لبنان في 15 حزيران/يونيو 2026. وعندما أُقرّ إطار الترخيص الأول في أيلول/سبتمبر 2025، كان استخدام الخدمة محصوراً بالشركات التجارية. لكن الحكومة تحجّجت بحالة الحرب لتوسيع نطاق الاستخدام تحت عنوان تأمين بدائل لشبكات الاتصالات المحلية في حالات الطوارئ.

في 5 آذار/مارس 2026، أصدرت الحكومة القرار رقم 11 الذي سمح لشركة «ستارلينك لبنان» ببدء بيع الخدمة قبل استكمال جميع المراحل التنظيمية التي كانت مطروحة سابقاً. كما وسّع القرار الفئات القادرة على استخدام الخدمة لتشمل جهات رسمية ووزارات وإدارات عامة وسفارات ومنظمات مجتمع مدني وقطاعات النقل البحري والجوي.

تكمن أهمية هذا التوسع في أنه نقل «ستارلينك» من خدمة موجهة أساساً للشركات الخاصة إلى بنية اتصال يمكن أن تعتمد عليها مؤسسات تمتلك قيمة أمنية وسياسية عالية. وفي الوقت نفسه، أتاح القرار بدء الاستخدام قبل استكمال ترتيبات «مركز التحكّم الأمني» الذي يقع في قطر، ما أثار نقاشاً عن حدود الرقابة اللبنانية على الشبكة وآليات تطبيق متطلبات الأمن والاعتراض القانوني عليها.

وتشترط الهيئة المنظمة للاتصالات أن تُستورد الأجهزة عبر «ستارلينك لبنان» أو موزعين معتمدين، وأن يخضع المشتركون لإجراءات التحقق من الهوية، إضافة إلى الموافقات الجمركية والأمنية المطلوبة. إلا أن هذه الإجراءات تركز على تنظيم الاستخدام أكثر من تركيزها على طبيعة الجهات التي ستعتمد على الشبكة ومدى حساسية البيانات التي تمر عبرها.

ويرى وسيم منصور أن المشكلة لا تكمن في استخدام «ستارلينك»، بل في توسيع نطاقه ليشمل مؤسسات رسمية وسفارات ومنظمات تعمل في بيئات حساسة من دون وجود منظومة رقابية واضحة تتيح للدولة معرفة من يستخدم الأجهزة وأين تعمل وكيف تُدار. ووفق هذا المنظور، كلما توسع استخدام الشبكة خارج البنية الوطنية للاتصالات، انتقل جزء أكبر من حركة الاتصال إلى منظومة لا تمتلك الدولة اللبنانية سيطرة مباشرة عليها. ويحذر منصور من أن غياب آليات رقابية فعالة قد يفتح المجال أمام تشغيل أجهزة اتصال فضائي من جهات مختلفة من دون قدرة الدولة على التحقق الكامل من أماكن استخدامها أو طبيعة تشغيلها، وهو ما يضيف بعداً أمنياً جديداً إلى النقاش الدائر حول الخدمة.

2

6. أين تتركّز الخسارة ومن يدفع ثمنها؟

لا تبدأ خسارة السيادة الرقمية عند اختراق البيانات، بل عندما تفقد الدولة القدرة على التحكم بالبنية التي تنقلها. فكلما انتقلت حركة الاتصالات إلى شبكة تعمل خارج الأراضي اللبنانية وخارج بنيتها التنظيمية، تراجعت قدرة الدولة على معرفة من يستخدم هذه الشبكة، وأين تعمل محطاتها، وكيف تُدار بياناتها. وفي حالة «ستارلينك»، لا تقتصر المسألة على استخدام أقمار صناعية بدلاً من الكابلات الأرضية. فبحسب وسيم منصور، تبقى إدارة الشبكة ومعلومات المحطات والحسابات ومسارات الاتصال ضمن منظومة تديرها الشركة خارج لبنان. ويشير إلى أن الاتفاق ينص على مرور بيانات المستخدمين اللبنانيين وتخزينها في مركز بيانات في قطر بدلاً من مرورها عبر نقطة حضور داخل لبنان، ما يجعل جزءاً من البنية الرقمية اللبنانية خاضعاً لمسار تقني وقانوني يقع خارج الولاية المباشرة للدولة.

اقتصادياً، تكسب «ستارلينك» سوقاً جديدة في بلد يعاني ضعفاً مزمناً في البنية التحتية للاتصالات، فيما يستفيد الموزّعون المحليون من الاشتراكات والخدمات المرتبطة بها. لكن القيمة لا تقتصر على الاشتراكات وحدها. فكل مستخدم جديد، وكل محطة جديدة، تضيف طبقة إضافية من البيانات القابلة للتحليل، وتزداد قيمة هذه البيانات كلما ارتبطت بمؤسسات أو جهات تمتلك أهمية سياسية أو أمنية أو اقتصادية. وفي المقابل، تقع الكلفة الأساسية على قدرة الدولة على الإشراف على إحدى أكثر البنى التحتية حساسية. فكلما توسع اعتماد المؤسسات الرسمية أو الجهات الحساسة على شبكة لا تملك الدولة سيطرة مباشرة على إدارتها، أصبح جزء من الاتصالات الوطنية مرتبطاً بقرارات شركة أجنبية وبأطر قانونية وتنظيمية تقع خارج لبنان.

من هذا المنطلق، يرى منصور أن النقاش لا يتعلق فقط بإمكانية تحديد موقع بعض المستخدمين أو كشف هوياتهم، بل بالسؤال الأوسع: من يملك السلطة الفعلية على البنية التي تنقل اتصالات الدولة ومؤسساتها؟ فكلما توسع الاعتماد على «ستارلينك» كبديل دائم لا كخدمة احتياطية، انتقل جزء أكبر من هذه السلطة إلى خارج الحدود اللبنانية.

3

7. ما الحد الأدنى لحماية لبنان؟

لا يكمن التحدي في منع استخدام «ستارلينك» بالكامل، بل في تحديد موقعه داخل منظومة الاتصالات اللبنانية. فبحسب منصور، قد تؤدي الشبكة الفضائية دوراً مهماً كحل احتياطي خلال الحروب أو الكوارث أو انهيار الشبكات المحلية، لكنها تتحول إلى قضية سيادية مختلفة عندما تصبح البنية الأساسية التي تعتمد عليها مؤسسات الدولة والجهات الحساسة في اتصالاتها اليومية.

من هذا المنطلق، يرى منصور أن أي استخدام واسع للخدمة يجب أن يخضع لشروط تضمن بقاء الحد الأدنى من الرقابة والسيادة الوطنية على البنية الرقمية. ويشمل ذلك مرور الخدمة عبر نقطة حضور داخل لبنان، وإنشاء سجل وطني للأجهزة المفعّلة، وفرض رقابة واضحة على الجهات المستخدمة، ومنع إدخال أو تشغيل الأجهزة خارج الأطر التنظيمية المعتمدة. كما يدعو إلى استبعاد الشبكة الفضائية من الاتصالات الدفاعية والأمنية الحساسة، بحيث تبقى أداة احتياطية لا بديلاً دائماً للبنية الوطنية. فكلما ارتفع مستوى حساسية المؤسسة المستخدمة، ارتفعت أيضاً كلفة فقدان السيطرة على مسار بياناتها واتصالاتها.

    أنيس الجرماني

    طبيب متخصّص في الطبّ الداخلي وباحث في سياسات الأنظمة الصحّية