دولار ترامب
بعد عامٍ على بدء الولاية الثانية لدونالد ترامب، يخضع النظام الاقتصادي العالمي لعملية تجميل لا تبدو بعيدة من أجواء ناديه الشاطئي في مارالاغو. حوّل الرئيس ولعه المعروف بالرسوم الجمركية، «أجمل كلمة في اللغة الإنكليزية»، إلى برنامج لإحياء قومي، وفرضها على الحلفاء والخصوم على حدّ سواء. حاول محلّلون مرتبكون تفسير القيود التجارية الواسعة بطرائق شتّى: قطيعة مع دور الولايات المتّحدة في الإشراف على الرأسمالية العالمية، أداة لابتزاز دول بعينها ودفعها إلى توقيع اتفاقات مواتية، أو تعبير فجّ عن استعراض القوّة. ومع ذلك، لا يزال الإجماع غائباً حول طبيعة هذا التحوّل وتداعياته البعيدة المدى.
يبحث بعضهم عن إجابات في عمل مستشار ترامب الاقتصادي السابق ستيفن ميران، الذي يشغل اليوم عضوية مجلس محافظي الاحتياطي الفدرالي. نُشرت وثيقته السياسية «دليل المستخدم لإعادة هيكلة النظام التجاري العالمي» قبيل انتخابات 2024، وبدت كأنها تفكّ شيفرة كثير من القرارات اللاحقة. تدعو الورقة إلى «تغيير جيلي» يضع الصناعة الأميركية على «أسس أكثر عدالة» في مواجهة بقية العالم، وتجعل الرسوم الجمركية أداتها الرئيسة. يرى ميران أن قوة الدولار طوال نصف القرن الماضي رفعت كلفة الصادرات الأميركية إلى حدّ عجز العالم عن شرائها، وفي المقابل جعلت الواردات رخيصة إلى حدّ يصعب على المستهلكين الأميركيين تفويتها. والنتيجة، بحسبه، تآكل التصنيع الأميركي وتراجع الإنتاج الصناعي. يعزو ميران ما يسميه «فرط تقييم الدولار المستمر» إلى عمل «الأصول المقوّمة بالدولار» بوصفها عملة الاحتياط العالمية. فالولايات المتّحدة، في رأيه، لم تعد تحتمل كلفة توفير أصول الاحتياط ومظلّة الدفاع، فيما تتحمّل قطاعات التصنيع والقطاعات القابلة للتبادل التجاري العبء الأكبر.
لا ينفرد ميران بالدعوة إلى خفض قيمة الدولار. يعود الاعتقاد بأن الدور العالمي للعملة يضع الولايات المتّحدة في موقع ضعف بنيوي إلى العقود الأولى من مرحلة ما بعد الحرب. لكن استمرار هذا التصوّر بعد أفول عالم أسعار الصرف الثابتة وقابلية التحويل إلى الذهب، ثم تبنّيه أخيراً داخل دائرة ترامب، يكشف سوء فهم عميقاً لكيفية عمل النظام النقدي الدولي في القرن الحادي والعشرين. فبعدما افترض كثيرون سابقاً أن ديناميات التجارة تشكّل الأساس المحدِّد لأسعار الصرف، تبدّل الوضع جذرياً، وصارت الالتزامات المقوّمة بالعملات مرتبطة بعالم التمويل المتضخّم.
اليوم، تمتدّ معظم الالتزامات الدولارية إلى ما وراء الحدود التقليدية للدولة القومية. فقد اتّسع إصدار الدولار في الخارج إلى حدّ يدفعنا إلى التفكير فيه بوصفه عملة مُخصخصة ومنزوعة الصفة الوطنية إلى حدّ ما. تشكّل الشبكة الهائلة لإصدار الدولار وتداوله وإقراضه خارج الولايات المتّحدة نظام الدولار الخارجي، الذي يؤدي دوراً حاسماً في إسناد القوة الأميركية. ويطيح الفهم الدقيق لهذا النظام بفكرة ميران القائلة إن وضع الولايات المتّحدة كمدين يمثّل عرضاً من أعراض الانحدار، وإن خفض قيمة العملة عبر الرسوم الجمركية يفتح طريقاً إلى الاستعادة.
في ما يأتي، نصف أولاً تطوّر النظام النقدي الدولي من حقبة بريتون وودز إلى عصر الدولار الخارجي. ثم نشرح كيف يُرجَّح أن يُعاد تشكيل هذا النظام في خلال الأعوام المقبلة، فيما يدفع برنامج ترامب للرسوم الجمركية، القائم على تصوّر خاطئ، نحو حروب تجارية غير مسبوقة ويصعّد التنافس مع الصين. ما تبعات هذا الاضطراب المتفاقم؟ يمكن تخيّل أربعة سيناريوهات متباعدة، يساند كلّاً منها ائتلاف سياسي مختلف: صعود كتل نقدية متنافسة مع اصطفافاتها الجيوسياسية الخاصة؛ استمرار العولمة المالية مع اضطلاع الولايات المتّحدة بدور أكثر قسراً؛ انهيار النظام النقدي إلى وضع فوضوي؛ وتأسيس اتحاد مدفوعات جديد عابر للحدود.
أصول ما بعد الحرب
صُمّم نظام بريتون وودز في أواخر الحرب العالمية الثانية، فربط الدولار الأميركي بالذهب، وثبّت أسعار صرف كل وحدات الحساب الأخرى أمام الدولار مع إبقاء إمكان تعديلها. يقدّم الرسم التالي عرضاً تخطيطياً لهذا النظام ولمختلف مناطقه النقدية، التي تتميّز بوحدات حساب وطنية أو عملات خاصة بها. تعتمد جميع المناطق النقدية، بما فيها الولايات المتّحدة في قمة الهرم، على نقود المصرف المركزي، من أوراق نقدية واحتياطيات، وعلى نقود المصارف التجارية، من ودائع.1
في مطلع هذه المرحلة، كبحت إصلاحات الصفقة الجديدة المصرفية النشاط المالي الأميركي خارج النظام المصرفي المنظَّم إلى حدّ كبير. أدّت الدول دوراً مهيمناً داخل النظامين النقدي والمالي. وجرى خلق النقود، مثل خلق الودائع في مقابل القروض، غالباً داخل الحدود، ضمن الحيّز القانوني للولاية القضائية النقدية. لذلك، نشأ ما سُمّي تطابقاً ثلاثياً بين المجالات السياسية والاقتصادية والنقدية. وعلى الرغم من قابلية التحويل إلى الذهب، بقي بريتون وودز في جوهره نظام نقود ائتمانية، وكانت ميزانيات الاحتياطي الفدرالي والمصارف الأميركية قلبه النابض.
جادلت إدارة نيكسون بأن نظام بريتون وودز، مع الدولار الأميركي في مركزه، صُمِّم على نحو منحاز ضد الولايات المتّحدة. وفي ظل هذا الترتيب، أشارت إلى أن أميركا انتقلت من امتلاك أكبر فائض تجاري في العالم إلى تسجيل أكبر عجز. ومع تعرّض نظام أسعار الصرف الثابتة لضغوط ناجمة عن خروج الذهب وتقلّبات الأسواق، رفضت واشنطن الدفاع عنه، وأنهت من طرف واحد قابلية التحويل إلى الذهب في عام 1973. فتح ذلك الباب أمام مرحلة أسعار الصرف العائمة بين العملات الوطنية.2
غير أن الدولار الأميركي ظلّ وحدة الحساب الدولية. وللحفاظ على دوره بوصفه مرساة لسعر الصرف، اضطرّت المصارف المركزية خارج الولايات المتّحدة إلى الاحتفاظ بأدوات مقوّمة بالدولار، من أوراق نقدية وودائع وسندات خزينة أميركية، ضمن احتياطيات النقد الأجنبي. وبالمثل، بدأت المؤسسات المالية الخاصة إنشاء أدواتها المقوّمة بالدولار الأميركي واستخدامها لتنفيذ مدفوعات عابرة للحدود من دون وسيط من العملات المحلية الأخرى. هكذا صدر الدولار الخارجي ودخل التداول خارج الولاية الرسمية للاحتياطي الفدرالي. وبذلك، تفكّك الاقتران الثلاثي.
ما بعد بريتون وودز
يقدّم الرسم التالي نظرة عامة إلى توسّع إصدار الدولار الخارجي. بدأ سوق اليورودولار، أي الدولارات التي تصدر بصورة خاصة وخارج الحدود، بالظهور أولاً في أواخر خمسينيات القرن العشرين، فيما كان بريتون وودز لا يزال قائماً. في ذلك الوقت، رأى فيه كثير من محافظي المصارف المركزية تهديداً للسيادة النقدية وحاولوا كبح صعوده. لكنهم بدّلوا المسار بعد صدمة نيكسون في عام 1973، وأيّدوا بصورة نشطة إصدار الدولار الخارجي عبر مصارف غير أميركية، فقفز هذا الإصدار بشكل حاد في العقود التالية. ومع تحرير الأسواق المالية، طُوّرت في الولايات المتّحدة أدوات مالية جديدة تؤدي دور بدائل للودائع أو نقود الظل: صناديق سوق المال، واتفاقيات إعادة الشراء، والأوراق التجارية المدعومة بالأصول. ومنذ ثمانينيات القرن العشرين فصاعداً، أخذت هذه الأدوات المالية نفسها تظهر بصورة متزايدة في الخارج.
شكّلت الأزمة المالية في 2007-2008 نقطة انعطاف، إذ اندفع المودعون والمستثمرون داخل الولايات المتّحدة في تهافت على نظام مصارف الظل المتمركز أميركياً، وترافق ذلك مع تهافت خارجي على سوق اليورودولار. تحرّك الاحتياطي الفدرالي لإنقاذ نظام الدولار الخارجي عبر إعادة العمل بخطوط المبادلة، ووافق على تقديم سيولة دولارية طارئة إلى بقية العالم، أحياناً بكميات غير محدودة. ومنذ ذلك الحين، واصلت الأدوات المقوّمة بالدولار ضمن فضاء الدولار الخارجي توسّعها، فيما يؤدي الاحتياطي الفدرالي دور دعامة خلفية عالمية، ويتدخل لتوفير الدولارات بشروط ميسّرة للغاية كلما تعثّر النظام، كما حصل في خلال أزمة اليورو وجائحة كوفيد-19.
يُظهر الرسم أدناه العلاقة الهرمية بين مختلف المناطق النقدية في نظام ما بعد بريتون وودز. يبقى الدولار الأميركي في قمة الهرم، فيما تتوزّع العملات الأخرى تحته بحسب مستوى وصولها إلى سيولة الدولار3. تقع منطقة اليورو واليابان وبريطانيا مباشرة تحت الولايات المتّحدة، نظراً إلى وصولها غير المحدود إلى خطوط المبادلة مع الاحتياطي الفدرالي. وتأتي بلدان بريكس في طبقة أدنى، إذ لا تملك خطوط مبادلة، لكنها تظل قادرة على الوصول إلى سيولة الدولار الطارئة بوسائل أخرى. وفي المستوى التالي، تقع بلدان الجنوب العالمي، التي يبدو أن رهانها الأفضل للحصول على سيولة الدولار الطارئة يمرّ عبر نظام حقوق السحب الخاصة الذي يديره صندوق النقد الدولي.
قوة الدولار
على خلاف بريتون وودز، لم يتكوّن نظام الدولار الخارجي وفق تصميم مسبق، بل عبر سلسلة تطوّرات طارئة. صحيح أن الساسة كثيراً ما روّجوا لدور الدولار الأميركي في الخارج، لكن الفاعلين الأساسيين هنا كانوا فاعلي السوق، الذين حاولوا الالتفاف على رقابة صانعي السياسات عبر إصدار الدولار الخارجي وإنتاج أدوات مالية مقوّمة بالدولار. قادت أنشطتهم غير المنظَّمة إلى أزمات متكرّرة، وحاول التكنوقراط احتواءها عبر سلسلة إجراءات ظرفية، مثل خطوط المبادلة، التي صارت بدورها جزءاً من البنية النقدية العالمية.
على الرغم من غياب التخطيط المسبق، لا شكّ في أن هذا النظام منح الولايات المتّحدة امتيازات هائلة. إذ تتيح القمة الهرمية للسلطات الأميركية تسليح الوصول إلى التمويل الدولي ضد البلدان الأدنى في السلم، بوصفه أداة حاسمة لممارسة النفوذ على الأطراف العالمية. كما تستطيع الخزانة بيع ديونها في الخارج لمشترين يجدون أنفسهم مضطرين إلى القبول بشروطها. ويصبّ ذلك كله في مصلحة المؤسسات المالية الأميركية، ويصون موقع نيويورك بوصفها المركز المالي الأول في العالم.
كما رأينا، يستند نظام الدولار الخارجي إلى الاحتياطي الفدرالي للحفاظ على تماسكه في لحظات الأزمة. فعادةً ما تدفع الصدمات التي تصيب النظام فاعلي السوق إلى نقل دولاراتهم من الخارج إلى الداخل، وعندها يغدو الاحتياطي الفدرالي عملياً المُقرِض الأخير لما وراء البحار. لكن بما أن الاحتياطي الفدرالي لا يملك تفويضاً رسمياً لأداء هذا الدور بوصفه المصرف المركزي للعالم، فهو يضطر دائماً إلى تأطير عرضه للسيولة الطارئة للدول الأخرى ضمن اعتبارات داخلية. هذه ثغرة سياسية يحاول منتقدون مثل ميران استغلالها الآن، عبر القول إن المصالح الوطنية تُوضَع في مرتبة أدنى لمصلحة استقرار النظام الاقتصادي الدولي. وبحسب ميران، دفعت ممارسة تزويد بقية العالم بالعملة الولايات المتّحدة إلى مراكمة عجز تجاري هائل، ويصف ذلك بأنه «تضحية» في سبيل هيمنة الدولار العالمية.
يمثّل هذا قلباً مباشراً للعلاقة الفعلية. الأدق أن نقول إن هيمنة الدولار الأميركي، بوصفه عملة منزوعة الصفة الوطنية جزئياً، هي التي تمنح الولايات المتّحدة هامش الحرية لاستيراد ما يفوق صادراتها بكثير. صحيح أن البلد صار مثقلاً بالدين تجاه بقية العالم، لكن ديونه مقوّمة بعملة يتحكّم هو بوسيلة تسويتها النهائية. كما تستطيع الولايات المتّحدة تمويل هذا العجز جزئياً عبر بيع دينها السيادي إلى أطراف دولية مقابلة، وهو دين نجحت واشنطن في تسويقه بوصفه أصلاً آمناً عالمياً. يمنح ذلك الحكومة الأميركية والطبقات المالكة للأصول امتيازات فريدة، منها القدرة على خفض الضرائب، وتعويض انخفاض الإيرادات نسبياً عبر إصدار الدين السيادي ونظام متشعّب يبقي سوق سندات الخزينة الأميركية عميقاً وسائلاً. يبقى أثر هذا التكوين المعقّد في التقييم الخارجي للدولار موضع تخمين واسع، لأن سعر الصرف يتحدّد بعوامل كثيرة تتجاوز موقع الحساب الجاري. لذلك، لا يمكن ردّ نقص تقييم الدولار الأميركي أو المبالغة في تقييمه إلى سبب واحد، ما يجعل طموح ميران إلى استعادة قيمته الصحيحة عبر تعديل الميزان التجاري وحده طموحاً في غير محلّه.
أربع نهايات محتملة
كيف ستؤثر أفكار ميران في مستقبل النظام النقدي؟
يمكن توقّع أربعة مآلات. أولها أن تؤدي الرسوم الجمركية المستمرة إلى خفض التجارة العالمية وتزايد الطابع الإقليمي لسلاسل القيمة. سيُبطئ ذلك مسار العولمة المالية، الذي اندفع بوتيرة متسارعة طوال العقود الأربعة الماضية. وعلى الأرجح، سيتقلّص العجز التجاري الأميركي، إذ تُدفَع الشراكات إلى اتفاقات تجارية تفضيلية لمصلحة واشنطن، وقد يتراجع الامتداد العالمي لنظام الدولار الخارجي. ومع انكفائه، قد تتيح زيادة المدفوعات الإقليمية تدويل عملات أخرى، بما يقلّص هيمنة الدولار الأميركي.
قد نشهد عندها صعود كتل نقدية متنافسة، تتجمّع فيها الولايات القضائية النقدية حول عملات إقليمية محورية. وعلى الأرجح ستشكّل الولايات المتحدة كتلة مع دول أنغلوفونية أخرى مثل بريطانيا وأستراليا، مع مزيد من فكّ الارتباط عن الاتحاد الأوروبي وإضعاف التعاون الأمني عبر الأطلسي، كما في تلويح الولايات المتحدة مؤخراً بالتصعيد حول غرينلاند. والنتيجة أن ذلك سيشجّع الصين على مواصلة تدويل الرنمينبي وتحويله إلى عملة إقليمية كبرى. وفي ظل ضغط تنافس الولايات المتحدة والصين المتصاعد، قد يسرّع صانعو السياسات الأوروبيون جهودهم للحفاظ على موقعهم في الجغرافيا السياسية وفي الشؤون النقدية الدولية، مثلاً عبر مبادرات جديدة لتعزيز إصدار اليورو الخارجي.
يتمثّل السيناريو الثاني في أن يتيح «اتفاق مارالاغو»، الذي لم يرَ النور بعد ويروّج له ميران، استمرار العولمة المالية، مع تعزيز تنافسية العملات الأخرى في مواجهة الدولار الأميركي. تمثّل هذه النتيجة الخيار المفضّل لتيار وول ستريت داخل إدارة ترامب الثانية، بوصفه الأكثر استفادة من البنية القائمة. سيسمح ذلك للدولار بالحفاظ على موقعه الهيمني، مع تحميل الشركاء التجاريين بعض مساوئه المتصوّرة. وقد يجري مزيد من تسليح شبكة خطوط المبادلة التابعة للاحتياطي الفدرالي، بحيث لا يُمنَح الوصول إليها إلا للبلدان التي ترضخ لمطالب واشنطن، فيما يواصل الثقل العالمي للنقود الخارجية ونقود مصارف الظل نموّه.
لكن فيما يفترض السيناريوهان الأول والثاني أن إدارة ترامب ستتجنب أزمة نقدية كبرى لا يمكن التعامل مع ذلك بوصفه أمراً مضموناً. فبما أن نظام الدولار الخارجي يرتكز إلى مكانة سندات الخزانة الأميركية بوصفها أصلاً آمناً عالمياً سيتبدّل المشهد جذرياً إذا عمدت وكالات التصنيف إلى خفض تصنيف الخزانة الأميركية بوصفها مُصدِراً للدَّين السيادي. يلمّح ميران في «دليل المستخدم» إلى إمكان تحويل سندات الخزانة الأميركية قسراً إلى سندات قرن خاصة وهو ما يوازي تخلّفاً تقنياً عن السداد في الدَّين السيادي الأميركي. وإذا قرّر الاحتياطي الفدرالي التوقف عن لعب دور الدعامة الخلفية النهائية لنظام الدولار وهو احتمال معقول في ضوء ترشيح كيفن وورش المقرّب من ترامب لرئاسة المصرف فقد يطلق ذلك تهافتاً على الأدوات الخارجية المقوّمة بالدولار ويفكك النظام النقدي الدولي كما نعرفه.
في هذا السيناريو، يتعرّض النظام القائم للعملات والمؤسسات والأدوات لهزّة جذرية. يصل نظام الدولار الخارجي إلى نهايته، لكن من دون بنية واضحة تحلّ مكانه، فننحدر سريعاً إلى وضع فوضوي. يلقى ذلك ترحيباً من جناح التكنولوجيا الكبرى داخل إدارة ترامب، الذي يراهن على تقليص دراماتيكي لدور الدولة الأميركية. ويشكّل تفكيك شبكة خطوط المبادلة التابعة للاحتياطي الفدرالي حدثاً نهائياً أقرب إلى ضربة منشار كهربائي، بمستوى لم تقترب منه مبادرة وزارة كفاءة الحكومة المرتبطة بإيلون ماسك.
يرسم المخطط أدناه السمات الرئيسة لهذا المستقبل الافتراضي، حيث تتكاثر الترتيبات النقدية المختلفة. تحافظ الدولة «أ» على نظام قريب من القائم اليوم، إنما مع مكوّنات أقل من نقود الظل والعناصر الخارجية. وتعود الدولة «ب» إلى نظام داخلي منظَّم يشبه نظام خمسينيات القرن العشرين، ولا يضم سوى نقود المصرف المركزي ونقود المصارف التجارية. وتعتمد الدولة «ج» نظاماً عاماً بالكامل لا يوجد إلا داخل الحدود. في المقابل، تُنشئ الدولة «د» نظاماً مصرفياً خاصاً بالكامل مع مكوّن خارجي قد يكون قوياً. وتخوض مجموعة أخرى من الدول تجارب تتجاوز أنظمة نقود الائتمان المألوفة. قد تكون الدولة «هـ» واحدة من «المناطق الليبرتارية» بالمعنى الذي يقصده كوين سلوبوديان، فتُدخل نظاماً قائماً على عملة مشفّرة خالصة. وتعود الدولة «و» إلى عملة قائمة على الذهب. أما الدولة «ز»، فتهوي إلى حالة طبيعية هوبزية تنهار فيها الثقة اللازمة لأي نظام نقدي بالكامل، ويحلّ محلّها اقتصاد المقايضة.
في هذا الاحتمال، قد تعمل أشكال جديدة من حلول المدفوعات العابرة للحدود لمصلحة التكنولوجيا الكبرى. في عام 2019، تصدّر مشروع ليبرا التابع لفيسبوك العناوين بسبب محاولته تسييل شبكة الشركة العالمية عبر وصلها بخدمات الدفع. أسقط المنظّمون الخطة، لكنها كانت قد تنجح في ظروف أكثر فوضوية.
يُرجّح أن يتخذ السيناريو الأخير، الذي قد يتبلور أيضاً وسط أزمة نقدية، شكل اتحاد مدفوعات دولي يقوم على تعاون عابر للحدود بين تكنوقراط نقديين. صحيح أن سؤال البديل يفتح باباً واسعاً للتكهنات، لكن الشكل أدناه يحدّد احتمالاً لا يقتضي قطيعة مع المؤسسات القائمة. تنطلق الفكرة العامة من أن المصرفيين المركزيين، بعد فشل شبكة خطوط المبادلة والتقليص واسع النطاق للدولار الخارجي، يتوافقون على إعادة تصميم مراكز القيادة في النظام النقدي الدولي. ولتحقيق ذلك، ينقلون مهام المقاصّة والتسوية في المدفوعات الدولية، التي لا تعود محمية بالمُقرِض الأخير الأميركي، إلى مؤسسة دولية. يبرز في هذا السياق مرشّح واضح هو بنك التسويات الدولية في بازل، وهو أيضاً المكان الذي يلتقي فيه مجتمع المصارف المركزية الدولي بانتظام لمناقشة الشؤون النقدية الدولية. شغل البنك موقعاً قمّياً داخل اتحاد المدفوعات الأوروبي الذي عمل بين عامي 1950 و1958، واعتمد وحدة حساب خاصة لتشغيل المقاصّة والتسوية في المدفوعات العابرة للحدود.
إذا تولّى بنك التسويات الدولية تشغيل اتحاد مدفوعات دولي لا يُقوَّم بالدولار الأميركي، فمن المرجّح أن يعتمد حقوق السحب الخاصة (XDR)، وهي سلة تضم العملات الكبرى في العالم، بوصفها وحدة الحساب، إذ يستخدمها البنك أصلاً داخلياً. في هذا السيناريو، حيث تُقاصّ المدفوعات العابرة للحدود عبر بنك التسويات الدولية، لن تبقى هناك ضرورة لإصدار النقود الخارجية بوحدات الحساب الوطنية. ينحصر نطاق العملات مجدداً ضمن ولايات قضائية نقدية محددة. يستتبع ذلك عودة ما إلى السيادة النقدية بمعناها «الويستفالي». وبما أن نظاماً يتمحور حول المصارف المركزية لا يستطيع عملياً ترك تحديد سعر الصرف لقوى السوق، فمن المرجّح أن تعود أيضاً أسعار الصرف الثابتة سياسياً مع إبقاء إمكانية تعديلها، على غرار ما شهدناه في حقبة بريتون وودز.
لن توافق إدارة ترامب على مثل هذا الاتحاد، كما لن يحظى بدعم أيّ مكوّن من مكوّنات الائتلاف السياسي الحاكم. ولن يصبح هذا المآل قابلاً للتصوّر إلا إذا استُبدل نظام «ماغا» بحكومة تسعى إلى إعادة بناء المؤسسات الدولية، مسنودةً بتكنوقراط نقديين أميركيين مستعدّين للانخراط في تعاون نقدي دولي. وحتى الآن، يبدو ذلك احتمالاً بعيداً للغاية.
تكشف حُجّة ترامب–ميران حول ضرورة إضعاف قيمة الدولار الأميركي سوء فهم بنيوي لديناميات النظام النقدي العالمي. فمَن يسعون إلى ترجمة سياساتهم القومية الإقصائية إلى مبادئ نقدية أخفقوا في إدراك الطبيعة الائتمانية للنقود اليوم، إذ يُنشأ جزء كبير منها خارج الحدود ضمن نظام الدولار الخارجي. ما سيخرج من هذا الحقل الأيديولوجي لا يزال غير واضح، لكن يُرجَّح أن تتكاثر الانشقاقات. سيسعى القوميون الشعبويون المتصلّبون إلى نظام عالمي أقل اندماجاً، أملاً في إعادة توطين وظائف الياقات الزرقاء؛ وستتمسّك وول ستريت أكثر بالوضع القائم لأنها لا تريد قتل الدجاجة التي تبيض ذهباً؛ فيما سيرى الليبرتاريون في وادي السيليكون فرصة للترويج لحلول تكنولوجيا مالية بديلة عبر انتزاع السيطرة على شبكات الدفع العالمية. وفي كل حالة، ستؤدّي محاولات قلب الإطار القائم إلى توليد مشكلات تفوق ما تعالجه. ومع تقويض الولايات المتّحدة نظاماً دولياً مُصمَّماً لمصلحتها، تخاطر بتعميق وضعها كقوة في طور التراجع الإمبراطوري. أما النظام النقدي الذي تفرضه اليوم على الجميع، فسيورث مشتريه ندماً متأخراً.
نُشِر هذا المقال في موقع «Phenomenal World» بتاريخ 6 شباط/فبراير 2026، وتُرجِم إلى العربية ونُشِر في موقع «صفر» بموافقة مسبقة من الجهة الناشرة.
- 1
See Steffen Murau and Tobias Pforr, “What is Money in a Critical Macro-Finance Framework?”, Finance and Society. 2020; 6(1): 55–66.
- 2
Robert McCauley and Catherine Schenk (2020) Central Bank Swaps Then and Now. Swaps and Dollar Liquidity in the 1960s, https://www.bis.org/publ/work851.pdf.
- 3
They can do this through the FIMA repo facility, thanks to their sizable volume of US Treasury securities to pledge as collateral.