من هم العمّال الأكثر تأثراً بالحرب؟

من هم العمّال الأكثر تأثراً بالحرب؟

تُعد الحرب الأميركية الإسرائيلية في غرب آسيا من أبرز الصدمات التي تؤثر على أوضاع العمال عالمياً في الوقت الحالي. تقدّر منظمة العمل الدولية أن الحرب ستؤدي إلى خسارة ساعات عمل يعادل مجموعها نحو 14 مليون وظيفة بدوام كامل، إضافة إلى خسائر بنحو تريليون دولار  لمجمل دخل العمال في عام 2026. لكنّ تأثير هذه الأزمة ليس متساوياً بين جميع عمال العالم، بل يختلف بحسب البلدان وقطاعات العمل.

فالحرب تتسبب باضطرابات في أسواق الطاقة والغذاء والمعادن والسلع الأساسية، كما انعكست آثارها على مجالات الصناعة والزراعة والتجارة والطيران والسياحة والعديد من القطاعات الاقتصادية الأخرى. أدّى ذلك إلى تراجع الطلب على السلع والخدمات، وانخفاض ثقة المستثمرين، واتجاه الشركات إلى خفض تكاليف التشغيل، ما فرض تداعيات سلبية على العمال، تمثلت في فقدان الوظائف، وتقليص ساعات العمل، وتراجع الدخل الحقيقي.

لتحديد العمّال الأكثر عرضة لهذه التداعيات، أجرت منظمة العمل الدولية (ILO) تحليلاً سريعاً لقياس مدى اعتماد المناطق الجغرافية حول العالم والقطاعات الاقتصادية على النفط والغاز والأسمدة عموماً، وعلى إمدادات بلدان الخليج بصورة خاصة. كما أخذ التحليل في الحسبان مدى ارتباط قطاعات العمل بالسياحة وحركة الطيران الدولية. وبناءً على ذلك، جرى تصنيف العمال في هذه المناطق والقطاعات إلى 3 فئات وفق مستوى التأثر بالحرب: فئة التأثر المرتفع، وفئة التأثر المتوسط، وفئة التأثر المنخفض.

في أي مناطق يعيش العمّال الأكثر تأثراً بالحرب؟

يُعدّ العمال في المنطقة العربية الأكثر تعرضاً لتداعيات الحروب، ولا سيما مع تمركز الصراع في منطقة الخليج ولبنان، فقد صنّفت منظمة العمل الدولية نحو 40% من العمال في العالم العربي ضمن فئة التأثر المرتفع بالحرب، أي ما يقارب 3 أضعاف المعدل العالمي، بينما صنّفت 51% منهم ضمن فئة التعرض المتوسط، ليبقى 9% فقط ضمن فئة التأثر المنخفض.

 أدّت الحرب إلى تضرر البنية التحتية لقطاع الطاقة في بلدان مجلس التعاون الخليجي والعراق، كما تعطّلت صادرات النفط والغاز لهذه البلدان عبر مضيق هرمز، وتسببت الحرب في تعليق أنشطة الطيران والشحن والسياحة. أدى ذلك إلى تراجع النشاط الاقتصادي في الخليج بشكل عام، ودفع العديد من الشركات إلى تقليص إنفاقها على تشغيل الموظفين، مما انعكس سلباً على فرص العمل، ودفع العمّال المهاجرين في الخليج للعودة الى بلدانهم، كما تعرّض العمال لتوقف أو تعليق أيام العمل نتيجة الأوضاع الأمنية الخطرة.

في لبنان، أدى العدوان الإسرائيلي إلى دمار واسع النطاق طال المباني السكنية والتجارية، إضافة إلى التدمير الكامل لعدد من القرى الواقعة على امتداد عدة كيلومترات من الحدود الجنوبية، وتضرر خُمس الأراضي الزراعية، وتأثرت مختلف القطاعات الاقتصادية بالحرب، بما في ذلك الصحة والتعليم والزراعة والطيران والسياحة، وارتفعت معدلات النزوح لتشمل أكثر من مليون شخص. أسهمت هذه التطورات في تعميق هشاشة الاقتصاد اللبناني، مما جعل العمال في لبنان يواجهون ظروفاً مأساوية للغاية.

من هم العمّال الأكثر تأثراً بالحرب؟

يأتي عمال آسيا والمحيط الهادئ في المرتبة الثانية من حيث مستوى التأثر، فقد بلغت نسبة العمال ضمن فئة التأثر المرتفع نحو 22%، أي اعلى 7 نقاط مئوية بالمقارنة مع المعدل العالمي، بالإضافة إلى 62% من العمال ضمن فئة التأثر المتوسّط.

تُصنَّف إيران ضمن هذه المنطقة وتُعدّ من أكثر البلدان تضرراً بالحرب. ووفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي، من المتوقع أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لإيران بنسبة 6.1% في العام 2026، بما يعكس حجم الأضرار العميقة التي لحقت بالبنية التحتية نتيجة العدوان الأميركي–الإسرائيلي، إلى جانب استمرار القيود المفروضة على صادرات النفط في ظل الحصار الأميركي. أدى تراجع النشاط الاقتصادي واتساع نطاق النزوح، الذي تجاوز ثلاثة ملايين شخص، إلى تداعيات قاسية على أوضاع العمال في إيران.

أما بلدان آسيا والمحيط الهادئ عموماً، فيعود تأثرها بالحرب إلى اعتماد العديد منها، كالصين والهند، على واردات النفط والغاز المارة عبر مضيق هرمز، فضلاً عن ارتباطها اللوجستي الوثيق بمنطقة الخليج. ويعمل عدد كبير من مواطني بلدان كبنغلادش ونيبال والفلبين وباكستان في بلدان مجلس التعاون الخليجي ويرسلون التحويلات المالية إلى أسرهم في بلدانهم الأصلية.

في المقابل، تعتبر الفئة ذات التأثر المرتفع أقل شيوعاً في أفريقيا والأميركتين وأوروبا وآسيا الوسطى. ولا يعني ذلك أن هذه المناطق غير متأثرة، بل إن ارتباط أسواق العمل فيها بصدمات الطاقة المحددة في هذا التحليل هو ارتباط غير مباشر مقارنة بالمناطق الأخرى.

في أي قطاعات يتركز العمّال الأكثر تأثراً بالحرب؟

تعتمد درجة تأثر العمال بالحرب إلى حد كبير على القطاع الذي يعملون فيه، ومدى استهلاكه للنفط والغاز، ولذلك يُعدّ العاملون في قطاع خدمات النقل الأكثر تضرراً من الحرب على مستوى العالم، إذ يندرج نحو 52% منهم ضمن فئة التأثر المرتفع ثم العاملون في قطاع التصنيع بنسبة 23%. 

بينما يُصنّف ما لا يقل عن ثلثي العاملين عالمياً في قطاعات الزراعة، وتجارة الجملة والتجزئة، وخدمات الإقامة والطعام ضمن فئة التأثر المتوسّط على الأقل، في حين تُعدّ القطاعات الأخرى، كالخدمات العامة والاجتماعية، أقل تأثراً نسبياً.

مع ذلك، تُخفي هذه النتائج العالمية تبايناً كبيراً بين المناطق. فعلى سبيل المثال، في العالم العربي، تتركز فئة التأثر المرتفع في القطاعات الأكثر تعرضاً بارتفاع التكاليف وضعف الطلب واضطرابات النقل. وتشمل هذه القطاعات تدريجياً تجارة الجملة والتجزئة، تليها قطاعات البناء والتصنيع والزراعة، ثم النقل والتخزين، وخدمات الإقامة والطعام.

من هم العمّال الأكثر تأثراً بالحرب؟

العمّال الأفقر هم الأكثر تأثراً

صنّفت منظمة العمل الدولية حوالي 17% من العمال غير النظاميين حول العالم ضمن فئة التأثر المرتفع، مقارنة بـ 11% من العمال النظاميين. كما أن العمال ذوي المهارات المنخفضة والمتوسطة أكثر تعرضاً من العمال ذوي المهارات العالية، وذلك يعكس تركّزهم في قطاعات الزراعة والنقل والبناء وبعض مجالات التصنيع، والتي تستهلك النفط والغاز والاسمددة بشكل كثيف.

تكتسب هذه الفروقات أهمية لأن العمال في الوظائف غير النظامية أو أصحاب المهارات المنخفضة، هم عادة الأكثر فقراً، ويمتلكون مدخرات أقل للصمود في خضم الأزمات، وتضعف إمكانية حصولهم على الحماية الاجتماعية، وقوة تفاوضية محدودة عندما يتم تقليص ساعات العمل أو انخفاض الدخل.

من هم العمّال الأكثر تأثراً بالحرب؟

    محمد الخنسا

    طالب اقتصاد في الجامعة اللبنانية.