capitalism

الرأسمالية تلتهم نفسها

 

  • مراجعة لكتاب هيتي أوبراين، «فئة الأصول: كيف قلب الاستثمار في الأسهم الخاصة الرأسمالية على نفسها»، الذي يكشف كيف تحوّل الاستحواذ على الشركات بالديون إلى نموذج يراكم الأرباح لقلّة من المستثمرين، فيما ينقل الخسائر إلى العمّال والمستهلكين والمال العام. ويشرح كيف أنتج هذا القطاع نمطاً من الملكية يفصل بين الربح والمسؤولية، ويُخضع السكن والرعاية الصحية ومدّخرات التقاعد لقرارات شركات تعمل بعيداً من الرقابة والمساءلة.

منذ صعوده في أواخر سبعينيات القرن الماضي، أعاد المشروع السياسي–الاقتصادي النيوليبرالي، الذي حملت لواءه شخصيات مثل رئيسة الوزراء البريطانية المحافظة مارغريت تاتشر والرئيس الأميركي الجمهوري رونالد ريغان، صياغة دور الدولة ليتمحور حول تمكين الأسواق بدلاً من تقييدها.

رُفِعت القيود التنظيمية عن القطاعات المالية في الاقتصادات الرأسمالية المتقدّمة، بعدما كانت القوانين التي سُنّت في أثناء الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي تفرض قيوداً نسبية على نطاق أنشطتها وما يجوز لها فعله. ودُفِعت الأصول العامة نحو الخصخصة، من البنى التحتية الأساسية كالمياه والطاقة، إلى المساكن المدعومة من الدولة وشبكات الاتصالات، بحجّة أن القطاع الخاص أكثر كفاءة من الدولة وأن المستهلكين سيستفيدون من تعدّد العروض وتنافسها. أما النقابات العمّالية التي كان بإمكانها التصدّي لهذه السياسات، فقد أُضعفت عبر نقل الوظائف إلى الخارج بموجب اتفاقيات التجارة الحرّة، أو عبر القمع مباشرة.

بشّرت تعويذة النيوليبرالية بأن إطلاق يد القطاع الخاص سيعود بالفائدة على الجميع. وبعد نصف قرن، لا يمكن اعتبار هذه التجربة، إذا قيّمناها انطلاقاً من وعودها المعلنة، إلا تجربة فاشلة. فقد ارتفعت تكاليف المقوّمات الأساسية للحياة الكريمة، أي السكن والرعاية الصحّية والطاقة والتعليم، بوتيرة أسرع بكثير من الأجور الحقيقية، ما زاد الضغط على موازنات الأسر. وفي المقابل، حقّق مالكو الأصول أرباحاً طائلة مع تزايد أمولة اقتصادات البلدان الرأسمالية المتقدّمة، حتى بات أغنى 1% من سكّان العالم يملكون، وفق التقديرات، 43.8% من ثروته.

لم يعد خافياً الدور المشبوه، إن لم يكن الخبيث، الذي أدّته مؤسّسات مالية دولية كصندوق النقد الدولي، منذ تسعينيات القرن الماضي، في الترويج لصيغة من العولمة والتجارة الحرة صبّت إلى حدّ كبير في مصلحة رأس المال.1 وفي هذا المشهد الذي جمع بين أسواق محرّرة من القيود، ورأس المال طليق، وهوة آخذة في الاتساع بين مالكي الأصول وسائر الناس، وجدت قوّة داخل القطاع المالي الظروف المثالية للازدهار والتوسّع، فخرجت تدريجياً من الظل لتزيد الأعباء على الظروف المعيشية لغالبية الناس.

بشّرت تعويذة النيوليبرالية بأن إطلاق يد القطاع الخاص سيعود بالفائدة على الجميع. وبعد نصف قرن، لا يمكن اعتبار هذه التجربة، إذا قيّمناها انطلاقاً من وعودها المعلنة، إلا تجربة فاشلة

تتناول الصحافية هيتي أوبراين، في أحدث كتبها «فئة الأصول: كيف قلب الاستثمار في الأسهم الخاصة الرأسمالية على نفسها»، هذه القوّة التي باتت تقدّم نفسها تحت تسمية محترمة ظاهرياً هي «الاستثمار في الأسهم الخاصة»، أو الـ private equity. 

يقدّم كتاب أوبراين مدخلاً تشتدّ الحاجة إليه لفهم هذا العالم الذي يكتنفه الغموض، وتربط بين فصوله فكرة أساسية واحدة، هي وجود فجوة عميقة بين ما تخلّفه الأفعال من عواقب وبين المساءلة عنها، إذ تتمكّن شركات الاستثمار في الأسهم الخاصة من ارتكاب بعض أشدّ الأفعال فداحةً، ثم تفلت من تبعاتها. وفي نهاية المطاف، يُنتج قطاع الأسهم الخاصة نمطاً من الملكية يناقض الديمقراطية في جوهره؛ إذ يتركّز صنع القرار في أيدٍ قليلة جداً، فيما تتدفّق العوائد إلى قلّة ثرية من داخل المنظومة، على حساب سائر الناس.

التاجر في السندات الذي خشي أن تصبح أميركا سوفياتية

من نقاط قوّة الكتاب أنه يعرض الخلفية التاريخية للأسهم الخاصة من خلال ويليام إي. سايمون، رجل الأعمال الأميركي ورائد الاستحواذ (takeover) بالرافعة المالية، وهو أحد أركان النيوليبرالية المؤثّرين، وإن غاب اسمه عموماً عن الذاكرة. بدأ سايمون مسيرته المهنية في «سالومون براذرز» (Salomon Brothers)، وهو بنك استثماري، حيث عمل متاجراً في السندات، ولم يكن من المعجبين ببرامج «المجتمع العظيم» (Great Society) التي أطلقتها إدارة ليندون بي. جونسون. فقد رأى أن توسيع الخدمات الاجتماعية الأساسية لمكافحة الفقر والإقصاء العنصري لا ينبغي أن تُقدم عليه الدولة، ولا سيما إذا اضطرت إلى الاقتراض لتمويل هذه البرامج.

وبعد أن تولّى منصب وزير الخزانة في عهد الرئيسين ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد، توجّه سايمون إلى موسكو لإجراء محادثات تجارية مع الاتحاد السوفياتي، فتركت الزيارة أثراً بالغاً في أفكاره. إذ اقتنع بأن الاقتصاد الأميركي آخذ في الانزلاق نحو اقتصاد موجّه على النمط السوفياتي؛ وزعم أن الشركات الكبرى غدت شديدة البيروقراطية والترهّل بفعل طبقة إدارية تفتقر إلى النزعة الريادية وتتّسم بالرضا عن الذات، في مقابل تمتّع العمّال النقابيين بحقوق واسعة وقوّة تفاوضية كبيرة. ومن ثمّ، شرع سايمون في الدعوة إلى تطبيق صيغة متشدّدة من البرنامج النيوليبرالي.2

غير أن آراءه بلغت من التطرّف حدّاً جعل رونالد ريغان نفسه يحجم عن تعيينه في أي منصب وزاري رفيع. فعاد سايمون إلى القطاع المالي عبر شركة «ويسراي كابيتال كوربوريشن» (Wesray Capital Corporation)، التي أسّسها مع شريكه لشراء الشركات وتحقيق مكاسب من بيعها.

ومن عمليات الاستحواذ عبر الاقتراض النموذجية التي نفّذتها الشركة، استحواذها على «غيبسون غريتينغز» (Gibson Greetings)، المصنّعة لبطاقات المعايدة. ففي عام 1982، اقترضت «ويسراي» كامل سعر الشراء البالغ نحو 80 مليون دولار، ولم تستثمر في الصفقة سوى جزء صغير من رأسمالها، ثم تقاضت من الشركة رسوماً لقاء «امتياز» أن تصبح مملوكة لها. وعندما طُرحت الشركة للاكتتاب العام للمرة الأولى بعد أقل من عامين، بلغ تقييمها 290 مليون دولار، فلفت هذا الربح الاستثنائي انتباه وول ستريت.

البرابرة عند فجر النيوليبرالية

تعود جذور قطاع الأسهم الخاصة إلى أواخر سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، حين أصبحت صفقات شراء الحصص عبر الاقتراض، كاستحواذ «ويسراي» على «غيبسون غريتينغز»، سمة ثابتة تدريجياً في عالم الشركات الأميركية. وقد خلّد الكتاب المرجعي «البرابرة عند البوابة»[3]، الصادر عام 1989 لمؤلّفَين من الصحافيين الاستقصائيين، هذا النوع من الصفقات، إذ يوضح كيف دبّرت شركة «كيه كيه آر» (KKR)، التي كانت تُعرف آنذاك بالتسمية غير الرائجة «شركة استحواذ» (leveraged buyout firm)، استحواذاً «عدائياً» على «آر جي آر نابيسكو» (RJR Nabisco)، وهي شركة أميركية كبرى مصنّعة للسلع الاستهلاكية.

وتنطوي عملية الاستحواذ عبر الاقتراض على بساطة تكاد تكون مستفزّة: تعثر شركة الاستحواذ، أي «البرابرة»، أولاً على شركة تعتقد أنها لم تبلغ كامل إمكاناتها، على غرار «غيبسون غريتينغز» أو «آر جي آر نابيسكو». ولإتمام العملية، تستقطب شركة الاستحواذ أموالاً من مستثمرين في القطاع الخاص، وتقترض مبالغ ضخمة من المصارف، وتصدر سندات. وما إن تشتري الشركة المستهدفة من مساهميها حتى تسيطر على إدارتها وتلقي على كاهلها الديون التي اقترضتها لشرائها، فتصبح الشركة المستحوذ عليها مسؤولة عن خدمة الدين الذي موّل الصفقة. والغاية من ذلك وضعها تحت ضغط يدفعها إلى تحقيق عوائد أعلى تبرّر استثمار شركة الاستحواذ فيها.

ما إن تشتري الشركة المستهدفة من مساهميها حتى تسيطر على إدارتها وتلقي على كاهلها الديون التي اقترضتها لشرائها، فتصبح الشركة المستحوذ عليها مسؤولة عن خدمة الدين الذي موّل الصفقة

ونظراً إلى ثقل عبء الدين المنقول إلى الشركة المستحوذ عليها، لا تتوانى الإدارة الجديدة، المدعومة من شركة الاستحواذ، في خفض النفقات في كلّ مجال متاح، بما يشمل الوظائف ومزايا العاملين وجودة الخدمات. وهكذا، لا يتحمل المموّلون تقريباً أيّ مخاطر، بينما تعود المكاسب عليهم وعلى المستثمرين الذين وفّروا رأس المال، على حساب العاملين في الشركة المستحوذ عليها ومستهلكي خدماتها.

ولا تُعدّ شركات الاستثمار في الأسهم الخاصة في جوهرها سوى صورة معاصرة لشركات الاستحواذ في ثمانينيات القرن الماضي، وإن كانت تميل اليوم إلى تقديم نفسها بتسميات تبدو أكثر وقاراً وحياداً، مثل «شركة استثمار في الأسهم الخاصة» (private equity firm) أو «مدير أصول بديلة» (alternative asset manager) يستثمر في الأصول الخاصة.

أرباح للقلّة وتكاليف للكثرة

تعرض أوبراين بدقّة هذه الممارسة التي تتّبعها شركات الاستثمار في الأسهم الخاصة بوصفها عملية لإسناد تبعات الدين إلى أطراف أخرى؛ فكل دولار تدفعه الشركة المستحوذ عليها كفائدة هو دولار لا تنفقه على الأجور أو الصيانة أو التدريب أو المعدّات. ويزخر الكتاب بدراسات حالة تُظهر حجم الدمار الذي يُحدثه نموذج الأعمال هذا.

لنأخذ «ساذرن كروس هيلثكير» (Southern Cross Healthcare)، الشركة البريطانية التي تأسّست عام 1996 لتقديم خدمات رعاية المسنّين. استحوذت عليها «بلاكستون» (Blackstone) عام 2004 في صفقة استحواذ عبر الاقتراض بلغت قيمتها 266 مليون دولار، ثم باعتها بعد عامين عبر طرح عام أولي حقّق لها عائداً يعادل 4 أضعاف استثمارها. غير أن هذا الربح المذهل تحقّق عبر بيع عقارات قيّمة كانت تملكها «ساذرن كروس»، وتحميلها التزامات إيجارية غدت تدريجياً غير قابلة للاستمرار، ما دفعها إلى الإعسار بحلول عام 2012. ومن نافل القول إن ذلك أوقع أعباء عاطفية ونفسية ثقيلة على نزلاء دور الرعاية وأسرهم، واضطرت الحكومة إلى التدخّل لضمان عملية إعادة هيكلة منظّمة.

وإذا كان نهب أصول شركة ترعى الفئات الهشّة، ثم إغراقها في دين هائل أفضى إلى سقوطها، لا يثير ما يكفي من النفور، فإن جعبة «بلاكستون» ونظيراتها في قطاع الأسهم الخاصة لم تكن قد فرغت بعد. ففي كوبنهاغن، العاصمة الأوروبية المعروفة برصيدها الكبير والقيّم من المساكن الاجتماعية المنخفضة الإيجار، أطلت «بلاكستون» من جديد، ساعية إلى الاستحواذ على هذه المساكن وانتزاع مزيد من الإيجارات من قاطنيها، فيما تُدار هذه المباني بشكل رديء خفضاً للتكاليف.

ولا تسعى أوبراين إلى إعداد قائمة بالأشرار، بل إلى إظهار براعة قطاع الأسهم الخاصة في استعمار الأماكن التي أخلتها الدولة تحديداً، حيث يكون الطلب غير مرن ولا يملك الزبون خيار الانسحاب، كالسكن أو الرعاية الصحية.

مقاومة بنتائج متواضعة

مع أن شركات الاستثمار في الأسهم الخاصة تتحرّك في الظل، إذ تبقى الشركات التي تستحوذ عليها خاصة ولا يلزمها القانون بالإفصاح للجمهور عن كثير من المعلومات، فإن الستار بدأ يُرفع تدريجياً عن اتساع أنشطتها المشينة.

في كوبنهاغن، أسفرت التحرّكات الاحتجاجية التي قادها المواطنون المتضرّرون، إلى جانب الغضب الشعبي من عمليات شراء المساكن التي نفّذتها «بلاكستون»، عن إقرار ما عُرف لاحقاً باسم «قانون بلاكستون» (Blackstone Law). ويحظر هذا القانون على المالكين رفع الإيجارات لمدة 5 سنوات، كما يمنعهم من عرض المال على المستأجرين مقابل إخلاء مساكنهم.

لا تسعى أوبراين إلى إعداد قائمة بالأشرار، بل إلى إظهار براعة قطاع الأسهم الخاصة في استعمار الأماكن التي أخلتها الدولة تحديداً، حيث يكون الطلب غير مرن ولا يملك الزبون خيار الانسحاب، كالسكن أو الرعاية الصحية

وفي يوركشاير، ضاق عدد من المتقاعدين ذرعاً بشركة المياه المخصخصة بعدما راحت تصرّف مياه الصرف الصحي غير المعالجة في الأنهار. فنظّموا أنفسهم واستعانوا بأحد أبرز علماء جودة المياه في العالم، فوضع نظام فحوص نفّذه السكّان بأنفسهم مستخدمين أنابيب الاختبار على ضفاف النهر. ونجحوا في إثبات زيف تطمينات الشركة وإخفاق الهيئات التنظيمية في أداء مهماتها. وأجرت الحكومة البريطانية لاحقاً إصلاحاً شاملاً للإطار التنظيمي لقطاع المياه، وأنشأت هيئة تنظيمية موحّدة للمياه.

تستحق هذه الانتصارات المحدودة على قطاع الأسهم الخاصة الاحتفاء بها، لكنها تظلّ أقلّ بكثير مما يلزم. فالمتضرّرون في القطاعات التي تستهدفها شركات الاستثمار في الأسهم الخاصة يجدون أنفسهم عادةً في موقع ضعيف، من دون الموارد أو القدرة على خوض معركة طويلة ضد خصوم يتمتّعون بنفوذ كبير. ولهذا، يجب أن تتحرّك الحكومة للحدّ من الاعتماد على الخصخصة، وفرض مزيد من الشفافية وقيود أكثر صرامة ومزيد من المساءلة على نشاط هذا القطاع.

من سيتحمّل الخسارة في النهاية؟

لكن أكثر ما يثير القلق في الكتاب يتعلّق بآخر التطوّرات الآتية من مهد قطاع الأسهم الخاصة. ففي آب/أغسطس 2025، وقّع دونالد ترامب الأمر التنفيذي رقم 14330 تحت عنوان ذي نبرة أورويلية واضحة: «إتاحة الأصول البديلة لجميع المستثمرين في خطط 401K». ويفتح الأمر، ببساطة، الباب أمام إدخال استثمارات الأسهم الخاصة والائتمان الخاص والعقارات والأصول المشفّرة إلى خطط التقاعد في أماكن العمل، مكلّفاً وزارة العمل وهيئة الأوراق المالية والبورصات بإزالة العقبات أمام ذلك. وفي آذار/مارس 2026، اقترحت وزارة العمل «قاعدة تاريخية» لـ«إزالة الأعباء التنظيمية وخفض مخاطر التقاضي على المؤتمنين المتوخّين للحيطة». ومع اشتراك أكثر من 90 مليون أميركي في خطط 401k المحدّدة الاشتراكات، وفق الوزارة، بات أمام شركات الاستثمار في الأسهم الخاصة مصدر جديد وضخم من رأس المال.

وتكمن هنا مشكلة كبيرة بحدّ ذاتها. فمعظم العمال لا يعرفون الكثير عمّا يحدث داخل حساباتهم الاستثمارية التقاعدية، وربما لم يسمعوا يوماً بمصطلح الاستحواذ عبر الاقتراض. ومن المستبعد أن يرحّبوا بمعرفة أن اقتطاعاتهم التلقائية تساعد شركات الاستثمار في الأسهم الخاصة المراوغة على زيادة أرباحها على حساب الجميع. وتضاف إلى ذلك الرسوم الباهظة التي يفرضها مديرو الأصول البديلة، ونقص السيولة، إذ لا يمكن بيع العقارات وأصول البنية التحتية سريعاً في البورصات العامة كما يمكن بيع الأسهم والسندات. والأسوأ من ذلك أن تقييم هذه الأصول يتم عبر نماذج تقييم داخلية لشركات الاستثمار في الأسهم الخاصة، لا وفق أسعار السوق، ما يحول دون تكوين صورة دقيقة وعادلة عن قيمة المعاش التقاعدي المنتظر.

لكن الحكاية تنطوي على ما هو أكثر خبثاً. فمنذ أن بدأت المصارف المركزية في الاقتصادات المتقدّمة رفع أسعار الفائدة في عام 2022، بعد أكثر من عقد من الفائدة شديدة الانخفاض، واجهت شركات الاستثمار في الأسهم الخاصة صعوبة في بيع استثماراتها، أو ما يُعرف في لغة القطاع بـ«التخارج» (exit) منها. وبحلول أواخر عام 2025، كان قد تراكم لديها نحو 32 ألف شركة ضمن محافظها الاستثمارية لم تتمكّن من بيعها، بقيمة إجمالية تقارب 3.8 تريليون دولار. وحتى الآن، لا توجد مؤشرات إلى تعافي قطاع الأسهم الخاصة، ولا سيما بعدما بدأ المستثمرون الكبار، كصناديق الثروة السيادية وصناديق التقاعد، إعادة النظر في مخصّصاتهم الاستثمارية بعد حماسهم طوال العقدين الماضيين للعوائد المذهلة التي كان القطاع يَعِد بها.

وهكذا، يضفي أمر ترامب طابعاً «ديمقراطياً» على الخسائر، بينما يمدّ قطاع الأسهم الخاصة بطوق النجاة. إذ يحصل مديرو الأصول البديلة على رأس مال دائم وثابت ومدرّ للرسوم من أموال عمال لا يستطيعون الانسحاب بسهولة، وقد لا يدركون حتى أين توضع مدّخراتهم. أما ما يناله العمّال في المقابل، فهو التعرّض لمخاطر صناديق الأسهم الخاصة التي تتعثّر في بيع شركات محافظها الاستثمارية بربح، ولا تطفو مخاطرها إلى السطح إلا حين يحصل هبوط اقتصادي واسع أيضاً. وعندها، سيكون العمّال على الأرجح هم من يُتركون ليدفعوا الثمن.

لا يتعمّق كتاب «فئة الأصول» كثيراً في هذا الموضوع، على الرغم من أن هذه عمليةدفع العمال إلى الاستثمار في الأصول الخاصة تجري أيضاً في الاتحاد الأوروبي وبريطانيا، وكان يمكن أن تشكّل محوراً قوياً لاختتام الكتاب. كذلك، يفتقر الكتاب إلى فصل ختامي يقدّم للقرّاء خلاصة نهائية وخيطاً ناظماً يربط بين الحالات التي تناولها والخلفية التاريخية التي أدّت إلى ظهور قطاع الأسهم الخاصة. ويجعل غياب هذا الفصل الكتاب يبدو كأنه ينتهي على نحو مفاجئ.

لكن هذه الملاحظات لا تقلّل من قيمة الكتاب. فهو ينضمّ إلى كتاب بريندان بالو، المتخصّص في قطاع الأصول الخاصة الأميركية، «النهب: خطة قطاع الأسهم الخاصة لنهب أميركا»، وإلى كتاب بريت كريستوفرز ذي التوجّه الأكاديمي «حياتنا في محافظهم: لماذا يملك مديرو الأصول العالم؟»، وكلاهما صدر عام 2023. ويشكّل كتاب أوبراين إضافة مرحّباً بها إلى حقل معرفي مهمّ ومتنامٍ، يعمل على كشف قطاع يتّسم بالغموض والتدمير ومناهضة الديمقراطية، ويستدعي رقابةً أدقّ بكثير.

بعدما قضى هذا القطاع نحو نصف قرن مطالباً بالعمل بعيداً من أعين الجمهور، اكتشف فجأةً حماسه لـ«إتاحة الأصول البديلة للجميع». ولهذا تحديداً، بات فرض ضوابط وتشريعات صارمة عليه أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

  • 1

    See Stiglitz, J. ‘Globalisation and its Discontents.’ W. W. Norton & Company. 2002.

  • 2

    Simon, W. ‘A Time for Truth.’ McGraw. 1978.

  • 3

    Burrough, B. and Helyar, J. ‘Barbarians at the Gate: The Fall of RJR Nabisco.’ Harper & Row. 1989.

أكرم مفرّج

كاتب وباحث في الشؤون الاجتماعية والاقتصادية.

سري أبو المنى

أستاذ فلسفة في التعليم الثانوي، وطالب ماجيستير في الفلسفة