Preview رأس المال اليقظ

رأس المال اليقظ

  • استخدمت الشراكات بين القطاعين العام والخاص إعانات الدعم الحكومية والمتعددة الأطراف لإثراء الشركات الخاصة. وبينما كان التكنوقراط والاقتصاديون يتقاتلون على تفاصيل خطط التنمية، قامت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية بمعاقبة أو عزل أو اغتيال السياسيين الذين وقفوا في طريق رأس المال.
  • أصبحت الشراكات بين القطاعين العام والخاص الصيغة السحرية التي يروّج لها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ووكالات تمويل التنمية، على الرغم من أنها تنطوي على مخاطر يُلقى بها على عاتق الجماهير في الوقت الذي تجري فيه خصخصة الأرباح.

عندما اجتمع مُنظّرو المؤامرة، وأنصار ترامب المتشدّدون، ومؤيدو النمو السكاني (البيض)، في لندن خلال شهر أيار/مايو الماضي في إطارِ المؤتمر الوطني المحافظ في المملكة المتحدة، شوهد عرض جانبي أخّاذ تمثل بالشجار على جثة مارغريت تاتشر. قُبيل أسابيعٍ قليلةٍ من الحدث، حذَّر ريان بورن، الخبير الاقتصادي في معهد كاتو الليبراليِّ، أولئك الذين حضروا المؤتمر من «نقل أسوأ السرديات الأميركية إلى السياسة البريطانية» والتّخلِّي في إطارِ هذه العملية عن إرث السوق الحرّة الذي خلّفته تاتشر. في يوم الافتتاح ردّ مدير المؤتمر كريستوفر ديموث بأنه «تواصل» مع شبح المرأة الحديدية، الذي أخبره بأنها «معنا» في سيرك العَلَم والعائلة والأمة. عندما بدأت الإجراءات، هيمنت اليقظة على جدول الأعمال. المدارس يقظة والجامعات يقظة بالطبع، بالإضافة أيضاً إلى العدو الجديد: «رأس المال اليقظ». 

ويشمل رأس المال اليقظ أنواع الخطأة كافة: المموِّلين العالميين، وشركات الترفيه، والمستثمرين البيئيين والاجتماعيين، ومستثمرو الحوكمة، الذين يقلِقون قادة الشاحنات الأميركيين. إن أُمميّة الرأسماليين اليقظين مشبوهة وغير فعّالة، وتشكل كَوْنيّتهم تهديداً للقومية المسيحية، وجهودهم المبذولة لفطمِ العالم عن الوقود الأحفوري لكي يجنوا المزيد من المال من مصادر الطاقة المتجددة لن تؤدّي إلّا إلى تأجيل نهاية العالم.

ويُعدّ عارف نقفي مثالاً على رأس المال اليقظ، وهو مليونير الأسهم الخاصة والمؤيد المتعصب للسوق الحرة العالمية الذي اعتاد على التسكُّعِ مع بيل كلينتون، واعتلى ذات مرة خشبة المسرح في دافوس إلى جانب بيل غايتس ورئيس منظمة الصحة العالمية. وكان عضواً في مجلس إدارة لجنة الأعمال والتنمية المستدامة والميثاق العالمي للأمم المتحدة، الذي يرفع شعار «الأعمال كقوةٍ لفعلِ الخير». وهو باكستاني مُسلم يستطيع أن يُلقي غيباً مقاطع طويلة من شكسبير، وكان موضع حفاوة في مهرجانات نيويورك.

تمثل الأسهم الخاصّة أحد مجالات إدارة الأصول التي تستهدف غالباً الشركات التي تواجه مشكلات، وتُحوّلها إلى شركاتٍ خاصّة ثم تعيد تجهيزها أو تبيعها على أجزاء. كما تستخدمها كضمانٍ للقروض التي تسدّدها بواسطةِ الربح المتحصِّل من بيع الشركات

التحق نقفي، وهو ابن أحد رجال الصناعة الصغار في كراتشي، بمدرسةٍ للنحوِ على الطراز البريطاني وتخرّج في كلية لندن للاقتصاد. شقّ طريقه إلى دبي عبر الوظائف في شركة «آرثر أندرسن» المنحلَّة وشركة «العليان» الاستثمارية السعودية العملاقة. وفي دبي، انطلق في سبيل الاستحواذ على شركةٍ تجاريةٍ إمبراطورية سابقة (Inchcape)، عملت بحلول التسعينيات في مجال الشحن والخدمات اللوجستية وتجارة السيارات وغيرها من الخدمات. وبعد بضع سنوات، قام نقفي بتقسيم الشركات التابعة لـ Inchcape التي اشتراها وباعها جانياً ربحاً قدره 70 مليون دولار. واستثمر المال في تدشين شركة «أبراج» للأسهم الخاصة في العام 2002. تمثل الأسهم الخاصّة أحد مجالات إدارة الأصول التي تستهدف غالباً الشركات التي تواجه مشكلات، وتُحوّلها إلى شركاتٍ خاصّة ثم تعيد تجهيزها أو تبيعها على أجزاء. تستخدم شركات الأسهم الخاصة الشركات التي تمتلكها كضمانٍ للقروض التي تسدّدها بواسطةِ الربح المتحصِّل من بيع الشركات - وهي استراتيجية أتقنتها في الثمانينيات شركات مثل كولبيرج كرافيس روبرتس وكارلايل وبلاكستون.

وسرعان ما أصبحت «أبراج» لاعباً رئيسياً في تلك الأجزاء من العالم التي توصف بأنها أسواق «ناشئة» أو «حدودية». فقد قامت بشراءِ أرامكس (شركة بريد سريع أردنية)، وكراتشي إلكتريك (شركة مرافق)، وسبينس التي تدير محلات السوبر ماركت في جميع أنحاء العالم العربي. لم تتضرّر أبراج من الأزمة الاقتصادية العالمية في العام 2008، لأنه، كما أعلنت مجلة «انستيتيوشنال إنفيستور»، كان الشرق الأوسط غارقاً في «الائتمان الرخيص لعمليات الاستحواذ بالاستدانة». كان نقفي، «ملك الاستحواذ في الخليج»، يتواصل مع الرؤساء ورؤساء الوزراء ومشاهير الأعمال، وتحدث في مؤتمرات الاستثمار التي عقدتها الأمم المتحدة والبنك الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي. وكدّست شركته المليارات من المستثمرين، بما في ذلك وكالات تمويل التنمية الأميركية والبريطانية. وسمحت هذه الأموال العامة لنقفي بالتحوّل التدريجي إلى «مستثمرٍ مؤثّر» يعرف عن نفسه كمُخلِّص رأسمالي لمعذّبي الأرض، ودُعي للمشاركةِ في مجالس إدارة العديد من المجالس واللجان الخاصة بالرؤساء التنفيذيين المعنيّين بالتنمية المستدامة.

في العام 2012، دفع نقفي نصف مليون دولار لرعاية حدث مبادرة كلينتون العالمية في نيويورك وظهر في لجنة أدارها مدير تحرير مجلّة «تايم». وقد صرّح بحسب تقرير مجلّة «تايم» إنه في «عالمٍ مترابطٍ بشكل متزايد، عالم تصبح فيه المجتمعات المزدهرة أسواقاً مزدهرة»، يمكن للتنمية المستدامة أن تكون مربحة للغاية. وظهر مقال «التايم» المتعلق بهذا الحدث تحت عنوان «هل يمكن للشركات أن تكون خيِّرة وتعمل جيِّداً؟» وبعد بضعة أيام، اعترف بيل كلينتون بسخاءِ نقفي أثناء التحدّث إلى مستثمري «أبراج» خلف الأبواب المغلقة. في ذروتها، سيطرت «أبراج» على أصولٍ بقيمة 14 مليار دولار، وكانت تخطّط لبناء أو شراء مستشفيات خاصّة ومرافق رعاية طبّية في جميع أنحاء أفريقيا وآسيا: يعتبر قطاع الرعاية الصحّية منجماً للذهب بالقياس إلى المستثمرين. امتلك نقفي منازل في باكستان وأوكسفوردشاير ولندن وكوت دازور ودبي. وسافر في طائراتٍ خاصّة وأمضى عطلته على يخته الفاخر المكسو بخشبِ الساج. اشترى فيلا في سانت كيتس ونيفيس ومعها جواز سفر ذهبي.

ولكن بعد ذلك جاء السقوط. في أواخر العام 2017، بدأ مدير صندوق في مؤسّسة بيل وميليندا غايتس يتساءل عن مآل استثمارات المؤسّسة البالغة 100 مليون دولار في صندوق «أبراج» الصحي: فالمشاريع الموعودة لم تُنفذ. سرَّب المطّلعون رسائل البريد الإلكتروني والوثائق المالية إلى سيمون كلارك وويل لوش في صحيفة «وول ستريت جورنال»، اللذين شرعا في نشرِ أدلةٍ على المخالفات. ووجّه المدعون الفيدراليون الأميركيون تُهم الاحتيال إلى نقفي، وفي نيسان/أبريل 2019 أُلقي القبض عليه عند نزوله من طائرةٍ في لندن. ودفع كفالة قدرها 15 مليون جنيه استرليني، ودُمِغ بعلامةٍ إلكترونية ووُضِع تحت الإقامة الجبرية في شقته في أحد القصور جنوبي كنسينغتون في لندن، حيث بدأ في مقاومةِ تسليمه إلى الولايات المتّحدة. اضطر إلى بيع ممتلكاته في أوكسفوردشاير، حيث سبق له أن أقام بطولات الكريكيت بين عامي 2010 و2012 لجمع أموال الحملة الانتخابية لعمران خان. وقد حوُكم غيابياً في الإمارات وحُكم عليه بالسجن ثلاث سنوات لدوره في انهيار «أبراج» وتحرير شيكات بلا رصيد. وفي آذار/مارس من العام نفسه، قضت المحكمة العليا بإمكانية تسليمه إلى الولايات المتّحدة لمحاكمته بتهمة الاحتيال وغسيل الأموال.

كانت الشروط الخاصّة بقروض صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والتصنيفات الائتمانية للدول التي أصدرتها وكالات التصنيف سبباً في تأديب الدول التي لم تلتزم بتدابيرِ التقشّف

يقدَّم كتاب كلارك ولوتش على أنه قصّة صعود المحتال الواثق من الفقر المدقع إلى الثراء الفاحش. نقفي الذي يرسمَانه لا يختلف عن كاريكاتير استشراقي: ماكر، فاسد، زئبقي، يعاني من النوبات العاطفية، بيد أنه ساحر وذكي. وهما يجدان فيه الكثير ممّا يثير الإعجاب: فطنته في اختيار الوقت المناسب لشراء الشركات، وقدرته على خفض التكاليف إلى أقصى حدّ. وفي نظرهما، يشكّل استحواذ أبراج على شركة كراتشي إلكتريك واستغنائها عن المئات من موظّفيها دليلاً على الإدارة الفعّالة، وليس على فسخ العقد الاجتماعي الذي يُلزِم شركة المرافق أمام عامليها وزبائنها. تنحصر جريمة نقفي الحقيقية الوحيدة، بنظرِ كلارك ولوتش، في قيامه بخداع المستثمرين الشرفاء، وغالبيتهم من الولايات المتّحدة أو أوروبا. ويُثنيان على استثمار نقفي في البنية التحتية الصحية في أفريقيا - إنهما لا ينظران إلى الرعايةِ الصحّيةِ كحقٍ أساسي بل كسلعةٍ مربحة - غير أنهما ينتقدانهِ لتضخيمِ قيمة أصول «أبراج» وإنفاق الأموال على نمطِ حياة مُسْرفٍ ومشاريع خاصّة.

وكان هناك آخرون أكثر تعاطفاً مع نقفي، من بينهم بريان بريفاتي، الذي عدَّهُ رجلاً فاضلاً أودت به الغطرسة ومكائد اعدائه. تشمل كتب بريفاتيِ السابقة «نهاية التدهور: بلير وبراون في السلطة»، بالإضافة إلى السير الذاتية لرجال حزب العمّال اللورد غودمان وهيو غايتسكيل. التقى بريفاتي بأسرة نقفي بعد اعتقاله في لندن مباشرة. محور الكتاب هو خطّة «أبراج» لبيع شركة كراتشي إلكتريك لشركة صينية، والتي يقول بريفاتي إنها جعلت نقفي يمثّل تهديداً لمصالح الأمن القومي الأميركي. ويعتقد بريفاتيِ أن وسائل الإعلام اليمينية المتشدّدة التي صَوَّرت نقفيِ كمثالٍ على ازدواجية رأس المال اليقظ» هي جزء من مؤامرة ضد رجلٍ باكستاني صَنَع خيراً. ويشير إلى أن السلطات القانونية الأميركية كانت تنظّم مزايدات شركات الأسهم الخاصة التي أرادت جمع ما تبقى من أموال «أبراج». وبريفاتي، الذي أيّد بشدّة في كتابه عن أفغانستان التدخّل العسكري الليبرالي الذي تبناه بلير، يدافع عن ما يسمى باستثمارات نقفي المؤثرة ونسخته من التدخل الليبرالي: التنمية الاقتصادية التي يقودها النمو. إن نَصّ «إيكاروس» مخصّص لـ «الآلاف حول العالم الذين لم يستفيدوا من الاستثمار المؤثر بسبب إغلاق أبراج».

إن مفهوم التنمية الاقتصادية كنشاطٍ مخطَّطٍ يعود إلى ما يزيد عن مئة عام. في العام 1920، نشر صن يات صن أطروحة عن التنمية الدولية للصين. واقترح خطة «لتطوير الموارد الهائلة للصين دولياً في إطار مخطّط اشتراكي، من أجل خير العالم عموماً والشعب الصيني على وجه الخصوص». دعا إلى الاستثمار الأجنبى فى الموانئ والطرق والقنوات والسكك الحديدية والبنية التحتية للاتصالات وأعمال الصلب والإسمنت والموارد الزراعية والمعدنية. ومن شأن هذه الأرباح أن تسدّد الاستثمارات الرأسمالية، وتزيد الأجور، وتحسّن تكنولوجيا الإنتاج، وتخفض تكلفة السلع والخدمات العامة للمستهلكين الصينيين. وهذا الزواج المنظّم بين الاشتراكية المحلّية والرأسمالية العالمية «من شأنه أن يخلق سوقاً غير محدودة للعالم كله».

شأنها شأن المؤسسة العسكرية، كانت صناعة التنمية تنجذب على نحو لا يمكن مقاومته إلى الشركات الخاصة التي تتباهى بحلول فعّالة تتفادى التدقيق العام والعمل المتباطئ المتمثل في تأمين الموافقة الشعبية

في العام 1922، بعد ثلاث سنوات من انتهاء فترة ولايته كحاكم استعماري لنيجيريا، نشر اللورد فريدريك لوغارد دليله عن الحكم الاستعماري غير المباشر، بعنوان «الانتداب المزدوج في أفريقيا الاستوائية البريطانية». أدرج لوغارد فصولاً عن التنمية الاقتصادية، واستشهد باقتباسٍ من وزير الدولة السابق للمستعمرات:

في رسالة تعميمية إلى حكام المستعمرات، لاحظ اللورد ميلنر أنه «من الضروري أكثر من أي وقت مضى أن يتم تطوير الموارد الاقتصادية للإمبراطورية إلى أقصى حد»، في ضوء استنزاف المواد الخام، والأعباء المالية التي خلفتها الحرب. ويضيف أن معظم النقص الحالي يمكن أن تنتجه المستعمرات المدارية إذا طُوِّرت مواردها الكامنة الكبيرة بشكل ملائم.

بالنسبة للوُغارد وغيره من المسؤولين الاستعماريين، كانت «التنمية» تعني استخراج الموارد الزراعية والمعدنية للمستعمرات. أعطت السياسة البريطانية الأولوية لبناء البنية التحتية - بما في ذلك السكك الحديدية المؤدّية إلى مناطق مترامية مثل أوغندا وفلسطين - لنقل هذه المواد إلى العاصمة من أجل إمداد الصناعة البريطانية. في العام 1921، كتب ونستون تشرشل خليفة ميلنر يقول أن أحد الشروط المسبقة لمساعدات التنمية يستوجب «أن يُطلب أي مصنع أو مواد مطلوبة» من بريطانيا نفسها. إن الطلب المتزايد على المنتجات البريطانية من شأنه أن «يطوّر الأسواق» ويزيد القوة الشرائية للمستعمرات، التي ستشتري المزيد من السلع من بريطانيا. بعبارة أخرى، لم تكن المستعمرات منتجة للمواد الخام فحسب، بل كانت أسواقاً للسلع البريطانية وضامنةً للوظائف في المدن الكبرى، في وقت كانت فيه الثورة الروسية تستهوي العمّال في أوروبا الغربية.

ارتأت الشركات البريطانية أن توسيع الأسواق في المستعمرات يمثّل مصدراً هائلاً للربح. ومن بين المشاريع الخاصة التي كانت تضغط على الحكومة من أجل تحسين شروط التجارة مع المستعمرات - أي الشراء بسعرٍ رخيص والبيع بسعرٍ مرتفع - مصانع الصلب والشركات الهندسية ومنتجي السلع الاستهلاكية. وفي ثلاثينيات القرن العشرين، كتب المدير الإداري لشركة يونيليفر - التي كانت قد استحوذت على العديد من الشركات التجارية البريطانية الكبرى في غرب أفريقيا - إلى المكتب الاستعماري يشكو من أن شركته لم تُمنح أفضلية الوصول إلى الأسواق الاستعمارية. وقد ألزمت الحكومة بذلك: ففي العام 1934 قرّرت لجنة مشتركة بين الإدارات في وستمنستر أنه من أجل منع الصناعات الاستعمارية من التنافس مع الصناعة الداخلية، «لا ينبغي تشجيع الصناعات الاستعمارية بصورةٍ مفتعلة».

لقد ربطت اللجان التنفيذية للبرجوازية، التي أنشأت النظام الاقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية، النضالات المناهضة للاستعمار من أجل السيادة الاقتصادية بالتهديد الشيوعي. في أوروبا، سعت الإمبراطوريات الآفلة إلى ربط مستعمراتها على نحوٍ أوثق بالمركز المتروبولي عبر إقراضها الفرنك والجنيه الاسترليني. في العام 1946، أنشأت فرنسا صندوق الاستثمار للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للأقاليم وراء البحار، وبعد عامين أسَّست بريطانيا ما يعادله، مؤسسة التنمية الاستعمارية (بعد تغيير الأسماء مرّات عدّة وحصول عدد من الاندماجات تحوّلت مؤسّسة التنمية الاستعمارية إلى مؤسّسة الاستثمار الدولية البريطانية في العام 2022). وفي الولايات المتّحدة، جرى تصميم برنامج النقطة الرابعة للرئيس ترومان في العام 1949 لتحدّي «المبادئ الزائفة» للشيوعية في العالم الثالث. أنشأ كينيدي الوكالة الأميركية للمساعدات الدولية في العام 1961. وفي العام 1971 انضمَّت إلى الوكالة الأميركية للتنمية الدولية مؤسسة الاستثمار الخاص في الخارج (التي اندمجت في مؤسسة تمويل التنمية في العام 2019). في خضم هذا الإعصار، كان هناك أمران مؤكّدان: كان النمو الاقتصادي بمثابةِ الكأس المقدسة، وشكّل كل من الاستثمار الأجنبي والإقراض الدولي الطريق إلى النمو.

يؤمِّن العديد من هذه الأعمال إعانات حكومية ودولية من خلال وكالات تمويل التنمية، وفي الحالات النادرة التي لا تُنقل فيها أرباحها إلى الخارج، فإنها تثري رجال الأعمال المحلّيين الذين لهم صلات بالشبكات الدولية

لقد حاولوا ببسالة، بيد أن الشخصيات السياسية المتطرّفة في الدول المتحرّرة حديثاً من الاستعمار وجدت صعوبة في تحدّي هيمنة هذه المؤسّسات العالمية وشعارها المتمثل في النمو باعتباره تنمية. في كتابه «صناعة العالم بعد الإمبراطورية» (2019)، يصف آدوم غيتاشيو التجارب السياسية والاقتصادية المناهضة للاستعمار التي اقترحها مفكّرون بارزون في أفريقيا ومنطقة البحر الكاريبي، من س.ل.ر. جيمس وجورج بادموُر وإريك ويليامز من ترينيداد، وكوامي نكروما من غانا، وجوليوُس نيريري من تنزانيا، ومايكِل مانلي من جامايكا. وقد دعا النظام الاقتصادي الدولي الجديد وميثاق الحقوق الاقتصادية لعام 1974 الذي قدّمته الجمعية العامة للأمم المتّحدة إلى الاعتماد على الذات اقتصادياً وسياسياً، و«السيادة الدائمة لكلِ دولةٍ على مواردها الطبيعية»، وإعادة التوزيع العالمي للثروة، والتخفيف من حدِّة اللامساواة المحلية. 

وسرعان ما حصّنت صناعة التنمية نفسها ضدّ النظام الاقتصادي الدولي الجديد والتهديد بالتأميم. وقد ضمنت محاكم التحكيم واتفاقيةِ البنك الدولي المتعلقة بتسوية منازعات الاستثمار أولوية المستثمرين الأجانب على الدول المستقلة حديثاً. والقانون الدولي ينسخ التشريعات المحلية. وكانت الشروط الخاصّة بقروض صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والتصنيفات الائتمانية للدول التي أصدرتها وكالات التصنيف سبباً في تأديب الدول التي لم تلتزم بتدابيرِ التقشّف. لقد استخرجت أنظمة الملكية الفكرية المعرفة والمنتجات المحلية من الجنوب العالمي وحصلت على براءات اختراع لها، مما أعاق النقل المتبادل للمعرفة العلمية والتكنولوجية. استخدمت الشراكات بين القطاعين العام والخاص إعانات الدعم الحكومية والمتعددة الأطراف لإثراء الشركات الخاصة. وبينما كان التكنوقراط والاقتصاديون يتقاتلون على تفاصيل خطط التنمية، قامت الأجهزة الأمنية والاستخباراتية بمعاقبة أو عزل أو اغتيال السياسيين الذين وقفوا في طريق رأس المال، بينما قرّبت وكافأت وحَمَت الشخصيات الأكثر مرونة، التي قامت بدورها بحماية المصالح الأوروبية والأميركية. بيد أنه في مقابل كل حاكم في الخليج الفارسي أو مرزبان على مذهب مونرو، أغدقت عليه الولايات المتحدة الأسلحة والأوسمة، كان هناك محمد مصدق أو جاكوبو أربينز أو سلفادور الليندي تجرّأ على تهديد حقّ الشركات الأوروبية الأميركية في موارد هذه البلدان.

منذ البداية، كانت صناعة تمويل التنمية أشبه بالمؤسّسة العسكرية الأميركية: المنظّمات الوطنية والإقليمية والدولية المتداخلة تحت إشراف بيروقراطيين منقسمون، ومجال عمليات متسع، ومبرّرات جيوُسياسية وجيواقتصادية أكثر تفصيلاً من أي وقت مضى للتدخّل. أدرجت عقيدة مكافحة التمرد الليبرالية سياسات التنمية في حرب فرنسا في الجزائر، وبريطانيا في ماليزيا، والولايات المتحدة في فيتنام. وأصبح شعار كل جنرال شارك في حرب العصابات في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية «بناء الطرق والمدارس والأسواق»، ليس فقط للتحضّر والاندماج، ولكن لاستخدامها لأغراض عسكرية واستخباراتية. وقد صاغ مصطلح «مكافحة التمرد» مستشار كينيدي للأمن القومي، والت روستو، الذي حملت أنشودتهُ المترنمة بالتنمية الاقتصادية والموسومة بـ«مراحل النمو الاقتصادي» عنواناً فرعياً هو «بيان غير شيوعي». كما كان لروستو دوراً فعّالاً في إنشاء الوكالة الأميركية للتنمية الدولية. وشأنها شأن المؤسسة العسكرية، كانت صناعة التنمية تنجذب على نحو لا يمكن مقاومته إلى الشركات الخاصة التي تتباهى بحلول فعّالة تتفادى التدقيق العام والعمل المتباطئ المتمثل في تأمين الموافقة الشعبية.

في تلك الأيام، تمت تسوية الجدل المتعلق بالتوازن بين الاستثمار الخاص والعام في الجنوب العالمي لصالح رأس المال الخاص. تعمل شبكات الهواتف المحمولة وشبكات الإنترنت المملوكة للقطاع الخاص، ومياه الشرب والصرف الصحي، وشركات المرافق، ونظم الدفع بالهواتف المحمولة، والبنى التحتية المالية، والمستشفيات والعيادات، جنباً إلى جنب مع الخدمات العامة المتهالكة، وتحلّ محلها أكثر فأكثر. ويؤمِّن العديد من هذه الأعمال إعانات حكومية ودولية من خلال وكالات تمويل التنمية، وفي الحالات النادرة التي لا تُنقل فيها أرباحها إلى الخارج، فإنها تثري رجال الأعمال المحلّيين الذين لهم صلات بالشبكات الدولية. والعديد من رجال الأعمال هؤلاء حاصلون على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من كليات إدارة الأعمال في أوروبا أو أميركا الشمالية، وقاموا بمهام في شركات الاستشارات الإدارية أو البنوك الاستثمارية في العواصم المالية والشركات على مستوى العالم. وفي الحالات التي تشتدّ فيها الحاجة، يكون رأس المال الخاصّ أشد وضوحاً: إن نسبة الـ 73% من مشاريع البنية التحتية في أفريقيا يرعاها مستثمرون أجانب. لقد أصبحت الشراكات بين القطاعين العام والخاص الصيغة السحرية التي يروّج لها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ووكالات تمويل التنمية، على الرغم من أنها تنطوي على مخاطر يُلقى بها على عاتق الجماهير في الوقت الذي تجري فيه خصخصة الأرباح. ويحلّل بريت كريستوفر في كتابه «حياتنا في محافظهم» الآليّات التي عن طريقها تلتهم شركات الأسهم الخاصة ومديرو الأصول البنية التحتية العامة التي تعتمد عليها حياتنا، خدمةً للربحِ الخاص.

في حزيران/يونيو 2009، ألقى الرئيس أوباما خطاباً في جامعة القاهرة يفترض أنه يهدف إلى «السعي لبداية جديدة بين الولايات المتحدة والمسلمين. يستند إلى المصلحة المتبادلة والاحترام المتبادل، ويستند إلى حقيقة أن أميركا والإسلام ليسا إقصائييْن ولا ينبغي لهما أن ينخرطاَ في تنافسٍ». وأشاد أوباما بعمل الولايات المتحدة للقضاء على شلل الأطفال إلى جانب منظمة المؤتمر الإسلامي. (بينما كان أوباما يتحدث، كان جاسوس لوكالة الاستخبارات المركزية متنكر في هيئةِ مُطعِّمٍ يتعقّب أسامة بن لادن في أبوت أباد. وبعد انتشار الخبر، قُتِل العشرات من العاملين في التطعيم في مختلف أنحاء العالم، وفي باكستان انخفضت معدلات التطعيم ضد شلل الأطفال). روَّج أوباما للسياسات الأميركية الجديدة في العالم الإسلامي: التعلُّم عبر الإنترنت لربط الطلاب بالتعليم في الخارج؛ مؤتمر قمة معنيٌّ بريادةِ الأعمال؛ مراكز التميُّز العلمي في أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا المرتبطة بالجامعات الأميركية؛ و«صندوق جديد لدعم التطور التكنولوجي في البلدان ذات الغالبية المسلمة، والمساعدة في نقل الأفكار إلى السوق حتى يتمكنوا من خلق المزيد من فرص العمل». إن التمويل ورأس المال كفيلان بمعالجة التفاوت العالمي، وتصحيح سنوات من العنف الأميركيّ، وتوفير المستقبل الوردي للشباب المسلم، وإحلال السلام في الشرق الأوسط.

كان عارف نقفي أحد الأشخاص الذين رأوا في كل هذا فرصة. وبمساعدة البنك الدولي وبنوك التنمية في الولايات المتحدة وأوروبا، أسَّس صندوقاً بقيمة 500 مليون دولار، كان فرعه الذي يحمل اسم «رأسمال النمو الفلسطيني» يعمل ـ بموافقة إسرائيلية ـ خارج رام الله. ولم أجد سوى شركة صغيرة واحدة استفادت من أموال «أبراج»: مزرعة في أريحا تديرها عائلة نسيبة الميسورة المعروفة جيداً، وكانت تقوم بتصدير الأعشاب التي تزرعها النساء الفلسطينيات. كان صندوق النمو الفلسطيني من الأمور التي يحبّها خبراء التنمية: برنامج زراعي غير ضار أشادت به إسرائيل باعتباره «تدريباً على بناء الجسور»، ويفترض أنه يعمل على تمكين المرأة.

وقد حظي نقفي بإشادة واسعة، على الرغم من أن «أبراج» خفّضت مشاركتها في الصندوق بحلول العام 2012. وفي العام التالي، حصل على جائزة أوسلو للأعمال من أجل السلام (تفتخر النرويج برعايتها لاتفاقيات «السلام» بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية بين عامي 1993 و1995). ويبرز محمد يونس بين أعضاء اللجنة المؤلفة من الفائزين بجائزة نوبل، والتي اختارت نقفي، وقد أدى برنامجه للقروض الصغيرة الذي حظي بتغطية إعلامية كبيرة إلى إغراق المزارعين الفقراء في جنوب آسيا بالديون، ولا سيما النساء. في حفل عشاء أقيم في نيويورك في العام 2014، قدّم إدغار برونفمان، وريث ثروة سيغرام، نقفي بالقول «عارف رجل قام بعمل جيّد للغاية، لكنه يعلم أن العمل الجيّد يعني عمل الخير»، وقارن بينه وبين «المحسنين العظماء» من الجيل السابق.

عندما انسحبت أبراج من صندوق فلسطين، تولت اللجنة الرباعية المعنية بالشرق الأوسط إدارة الصندوق. تتألّف اللجنة الرباعية، التي أنشئت في خلال الانتفاضة الثانية في العام 2002، من ممثلين من الأمم المتّحدة والولايات المتّحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا. تتمثل مهمّتها في «زيادة التنمية الاقتصادية والمؤسّسية والتمكين في فلسطين بما يعزز تحقيق حل الدولتين». وكان مبعوثها الأول الرئيس السابق للبنك الدولي، جيمس ولفنسون، الذي استقال في العام 2006، محبطاً بسبب المكائد التي حاكتها إدارة بوش ضده. وفي العام 2007 خلفه بلير، الذي كان أثناء الفترة التي قضاها كرئيسٍ للوزراء يموّل الشراكات بين القطاعين العام والخاص، في الداخل والخارج، أكثر من أي دولة أخرى في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

كانت فترة بلير كمبعوثٍ إلى الشرق الأوسط لا تُنسى، بسبب عدم كفاءته على الإطلاق، وقربه من الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ودفاعه المتحمّس عنها، وعلاقاته التجارية المتنوّعة والواسعة في الشرق الأوسط. عندما تنحَّى في العام 2015 حلّ محله كيتو دي بوير المدير الإداري السابق لشركة ماكينزي في الشرق الأوسط. كان دي بوير قد صادَقَ وأرشد نقفي خلال سنواته الأولى في دبي، وفي العام 2002 شجّعه على تأسيسِ «أبراج» بأرباحهِ من بيع «Inchcape». استمر دي بوير مبعوثاً لمدةِ عامين قبل أن يصبح شريكاً إدارياً في «أبراج»، وقبل أن تأتي النيران على الشركة.

ترجم هذا المقال في London Review of Books في 7 أيلول/سبتمبر 2023.