لماذا وقعت الدول النامية في فخ المديونية؟ وكيف أضاعت عقداً كاملاً من التنمية؟
منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، توسّعت معظم الاقتصادات النامية في الاقتراض، مستفيدة من حقبة طويلة من انخفاض أسعار الفائدة وتدفق التمويل الخارجي. غير أن هذا الخيار، الذي بدا في حينه منطقياً، تحوّل مع مرور الوقت إلى أحد أكبر القيود على التنمية، بعدما أصبح تراكم الديون يحدّ من قدرة الدول على الاستثمار وتحفيز النمو وخلق فرص العمل.
حالياً، تمثّل مستويات الدين الحالية تهديداً متزايداً للاستقرار الاقتصادي في عدد كبير من الدول النامية الناشئة، بعدما بلغ الدين الحكومي أعلى مستوياته التاريخية، وقد يؤدي استمرار هذا المسار إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض، وتفاقم أعباء خدمة الدين، وزيادة احتمالات التعثر المالي.
فكيف تتحوّل الديون من أداة لتمويل التنمية إلى عامل يعيقها؟ يجيب تقرير البنك الدولي بعنوان «الآفاق الاقتصادية العالمية» الصادر في حزيران/يونيو 2026، عن هذا السؤال من خلال سلسلة مترابطة من الآثار الاقتصادية التي تبدأ بارتفاع الدين، ولا تنتهي إلا بتباطؤ النمو والعودة إلى الاقتراض من جديد.
1. كل دين إضافي يصبح أكثر كلفة
بحسب بيانات البنك الدولي، ارتبط ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي منذ عام 2010 بزيادة متوسط فروق العائد على السندات السيادية المقومة بالدولار بنحو 110 نقاط أساس، وبارتفاع عوائد السندات الحكومية المحلية بنحو 30 نقطة أساس.
ولا يقتصر أثر هذه الزيادات على الحكومات وحدها، بل يمتدّ إلى الاقتصاد ككل، إذ يؤدي ارتفاع كلفة اقتراض الحكومات إلى زيادة كلفة التمويل على القطاع الخاص أيضاً.
وتُظهر البيانات نفسها أن العلاقة بين الدين العام وأسعار الفائدة لم تعد خطية؛ فكلما ارتفع مستوى الدين، أصبحت كل زيادة إضافية في الاقتراض أكثر كلفة من الزيادة التي سبقتها. وبمعنى آخر، فإن دولة يبلغ دينها 90% من الناتج المحلي الإجمالي قد تواجه ارتفاعاً أكبر بكثير في كلفة الاقتراض عند زيادة دينها، بالمقارنة مع دولة لا يتجاوز دينها 40% من الناتج المحلي الإجمالي.
ولا يتوزّع أثر الديون بالتساوي بين الدول النامية. فالبلدان التي سبق أن تعرّضت للتعثر في السداد، أو تمتلك تصنيفات ائتمانية منخفضة، أو تعتمد بدرجة كبيرة على الديون قصيرة الأجل، أو تعاني من ضعف المؤسسات والحوكمة، تواجه زيادات أكبر بكثير في أسعار الفائدة مقارنة بغيرها.
لا تقتصر النتيجة على ارتفاع كلفة الاقتراض، بل تؤدي أيضاً إلى زيادة حساسية الأسواق تجاه أي شكوك في أوضاع المالية العامة للدول.
2. الديون الخفية ترفع كلفة الاقتراض لأنها تدمّر الثقة
تزداد هذه الحساسية عندما لا يكون حجم الدين الحقيقي معروفاً بالكامل. يشير البنك الدولي إلى أن ظاهرة الديون الخفية تكررت في الاقتصادات الناشئة والنامية على مدى السنوات الخمسين الماضية. ويؤكد التقرير أن مراجعات أرصدة الدين الخارجي، التي جاءت عقب اكتشاف التزامات مالية غير معلنة، كانت «شائعة وكبيرة»، وأن حجم هذه المراجعات، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، كان أكبر في البلدان منخفضة الدخل. ولتوضيح ذلك، حلّل البنك الدولي 7 حالات شهدت اكتشاف ديون أو التزامات مالية غير معلنة خلال العقدين الماضيين.
تُعد حالة السنغال من أكثر الحالات دلالة على ظاهرة الديون الخفية. فبعد مراجعة الحسابات الحكومية عقب انتخابات عام 2024، ارتفعت نسبة الدين العام المعلنة لعام 2023 من 73.8% إلى 111% من الناتج المحلي الإجمالي، أي بزيادة بلغت 37.2 نقطة مئوية دفعة واحدة. كما ارتفع عجز الموازنة من 4.9% إلى 13.4% من الناتج المحلي الإجمالي، ما أدى إلى تعليق برنامج تمويل بقيمة 1.8 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، وارتفاع هامش المخاطر السيادية بنحو 77%، من 530 إلى 940 نقطة أساس خلال شهرين فقط.
أما في موزمبيق، فقد أدّى الكشف عن ديون غير معلنة بقيمة 1.15 مليار دولار، تعادل 9% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى ارتفاع كلفة الاقتراض الخارجي بنحو 700 نقطة أساس خلال 3 أشهر، من 1,100 إلى ما يقارب 1,800 نقطة أساس. ولم يقتصر الأثر على ذلك، إذ انخفض متوسط معدل النمو الاقتصادي من 7% سنوياً خلال السنوات الخمس السابقة للأزمة إلى 3.6% فقط خلال السنوات الثلاث اللاحقة، ما يعني أن الاقتصاد فقد نحو نصف معدل نموه تقريباً.
لكن النتيجة الأهم التي توصل إليها التقرير لا تتعلق بحالات بعينها، بل بالسلوك العام للأسواق المالية. فقد أظهر التقرير أن الكشف عن الديون الخفية يؤدي إلى ارتفاع تراكمي في هوامش المخاطر السيادية يبلغ 250 نقطة أساس خلال 60 يوماً من الإعلان، وأن نحو 50% من هذه الزيادة يحدث خلال الأسبوعين الأولين فقط. ويعكس ذلك أن الأسواق لا تعاقب الدول بسبب حجم الدين المكتشف فحسب، بل أيضاً بسبب تراجع الثقة في شفافية بياناتها المالية. لذلك، حتى الحالات التي كانت فيها الديون المكتشفة محدودة نسبياً، مثل باكستان (1% من الناتج المحلي الإجمالي)، وزامبيا (0.9%)، وتركيا (0.13%)، شهدت هي الأخرى ارتفاعات ملموسة في تكاليف الاقتراض.
وتقود هذه النتائج إلى خلاصة مهمة، مفادها أن كلفة الديون الخفية لا تُقاس فقط بحجم الأموال غير المعلنة، بل أيضاً بما تسببه من ارتفاع في أسعار الفائدة، وتراجع في ثقة الأسواق، وزيادة في كلفة التمويل التي تتحملها الدولة لسنوات طويلة بعد الكشف عن تلك الالتزامات.
3. ارتفاع كلفة الاقتراض يرفع خدمة الدين ويلتهم الإنفاق على التنمية
تترجم هذه الزيادة في كلفة الاقتراض سريعاً إلى ارتفاع مدفوعات خدمة الدين. يشير البنك الدولي إلى أن أخطر ما في ارتفاع الدين العام لا يتمثل في زيادة حجم الالتزامات المالية فقط، بل في انتقال جزء متزايد من الموارد العامة إلى سداد الفوائد وأقساط الديون، بما يقلص الموارد المتاحة للاستثمار العام والإنفاق الاجتماعي. لذلك، لا يُقاس أثر الدين العام بنسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي فحسب، وإنما أيضاً بحجم الموارد التي تُسحب سنوياً من الاقتصاد لتغطية تكاليف التمويل.
وتزداد حدة هذه المشكلة في الدول التي تعاني من ضعف المؤسسات أو لديها سجل سابق من التعثر المالي. ويوضح البنك الدولي أن هذه الدول تواجه علاوات مخاطر أعلى، وبالتالي تتحمل تكاليف تمويل أكبر، ما يؤدي إلى توجيه نسبة متزايدة من الإيرادات الحكومية إلى خدمة الدين بدلاً من الإنفاق على التنمية.
ومن الناحية العملية، تخلق هذه الدينامية ما يمكن وصفه بحلقة إعادة إنتاج المديونية؛ فارتفاع الدين يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة، وارتفاع أسعار الفائدة يرفع مدفوعات خدمة الدين، وزيادة مدفوعات خدمة الدين تقلص الاستثمار العام والإنفاق الاجتماعي، ما يبطئ النمو الاقتصادي ويزيد الحاجة إلى الاقتراض من جديد.
ولهذا السبب، يحذّر البنك الدولي من أن الكثير من الاقتصادات النامية تواجه خطر الوقوع في ما يشبه «فخ الديون»، حيث تصبح القدرة على تمويل التنمية مقيّدة بصورة متزايدة بارتفاع تكاليف الاقتراض، وليس فقط بحجم الديون القائمة. وهكذا لا يعود الدين مجرد التزام مالي، بل يتحول إلى عامل يضعف الاستثمار والنمو ويزيد الحاجة إلى الاقتراض من جديد.
4. عقد ضائع
ومع استمرار هذه الحلقة عاماً بعد عام، يصبح تباطؤ النمو نتيجة شبه حتمية. فباستثناء الصين والهند، يشير التقرير إلى أن الاقتصادات الناشئة والنامية لن تتمكن من استعادة مسار التقارب مع مستويات دخل الاقتصادات المتقدمة قبل عام 2028، ما دفع البنك الدولي إلى التحذير من دخول جزء كبير من العالم النامي فيما يشبه «العقد الضائع» للتنمية.
وتعكس توقعات النمو هذا التحول بوضوح. فقد خفّض البنك الدولي توقعاته لنمو الاقتصادات الناشئة والنامية إلى 3.6% في عام 2026، مقارنة بـ4.4% في عام 2025، أي بانخفاض قدره 0.8 نقطة مئوية خلال عام واحد فقط. كما يتوقع أن يظل التعافي خلال عامي 2027 و2028 محدوداً. وعلى المستوى العالمي، خفّض البنك الدولي توقعاته للنمو الاقتصادي إلى 2.5% في عام 2026، وهو أحد أضعف معدلات النمو منذ جائحة كورونا، باستثناء سنوات الركود العالمي.
لكن الأزمة لا تتعلق بالنمو وحده. يشير التقرير إلى أن نمو دخل الفرد في الاقتصادات النامية يتجه إلى تسجيل أحد أضعف مستوياته منذ الجائحة، ما يعني أن تباطؤ النمو الاقتصادي ينعكس مباشرة على مستويات المعيشة، وقدرة الحكومات على خفض الفقر وتحسين الخدمات العامة.
وفي الوقت نفسه، تواجه هذه الدول بيئة دولية أكثر صعوبة. فقد ارتفعت أسعار السلع الأساسية عالمياً بنحو 22% خلال عام 2026، وارتفع متوسط سعر النفط إلى نحو 94 دولاراً للبرميل، بزيادة بلغت 36% مقارنة بعام 2025، كما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بنحو 30%. وتؤدي هذه التطورات إلى زيادة الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد في الكثير من الدول النامية.
ويؤكد البنك الدولي أن اجتماع هذه العوامل معاً ــ ارتفاع الديون، وارتفاع أسعار الفائدة، وتباطؤ الاستثمار، وضعف النمو، وارتفاع أسعار الطاقة ــ يخلق بيئة اقتصادية تجعل الخروج من أزمة المديونية أكثر صعوبة. فكلما تباطأ النمو، تراجعت قدرة الحكومات على زيادة الإيرادات، وكلما ارتفعت كلفة التمويل، ازدادت الحاجة إلى الاقتراض، بما يعيد إنتاج الأزمة من جديد.
ولهذا يخلص التقرير إلى أن أزمة الديون في الدول النامية لم تعد مجرد مشكلة مالية، بل أصبحت قضية تنموية شاملة تهدد قدرة هذه الاقتصادات على تحقيق النمو، وخلق فرص العمل، وتحسين مستويات المعيشة خلال السنوات المقبلة.
بهذا المعنى، لا ينظر البنك الدولي إلى أزمة الديون باعتبارها مجرد مشكلة في ارتفاع المديونية، بل باعتبارها حلقة اقتصادية مغلقة. يبدأ المسار بالاقتراض، ثم ترتفع كلفة التمويل، فتزداد مدفوعات خدمة الدين، ويتراجع الاستثمار والنمو، قبل أن تجد الحكومات نفسها مضطرة إلى الاقتراض مرة أخرى وبكلفة أعلى.