HERO

الجهاد عبر السوق: حين يصبح الاقتصاد أداة للنفوذ والهوية

  • قراءة لكتاب «الجهاد عبر السوق» لفلورنس بيرغو-بلاكليه الذي يكشف كيف تشكّل سوق الحلال داخل الاقتصاد الصناعي الحديث عبر الشهادات والرقابة وغياب معيار موحّد، فتتقاطع فيه الدولة والصناعة والفاعلون الدينيون ويتحوّل الاستهلاك إلى مجال نفوذ ومعيار اجتماعي.

في عالمٍ باتت فيه العولمة الاقتصادية الإطار الحاكم للعلاقات بين الدول والمجتمعات، لم يعد السوق مجرد فضاء لتبادل السلع والخدمات، بل تحول إلى ساحة تتقاطع فيها الهويات، وتُعاد فيها صياغة الانتماءات، وتُمارَس عبره أشكال جديدة من التأثير الرمزي والثقافي. من هذا المنظور، يندرج كتاب «الجهاد عبر السوق» الذي يثير منذ عنوانه تساؤلات عميقة حول طبيعة العلاقة بين الدين والاقتصاد، والكيفية التي يمكن أن يصبح بها الاستهلاك نفسه أداة لإعادة تشكيل المجال الاجتماعي.

الكتاب من تأليف فلورنس بيرغو-بلاكليه، وهي أنثروبولوجية وباحثة في المركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا، ومتخصصة في دراسة الحركات الإسلامية وسوسيولوجيا الدين وتحولات السوق الحلال في السياق الأوروبي والعالمي. عُرفت بأعمالها حول موضوع الحلال وإشكاليات التقنين الديني داخل المجتمعات العلمانية، وقد أثارت أبحاثها نقاشات واسعة في الأوساط الأكاديمية والإعلامية على حد سواء. صدر كتاب الجهاد عبر السوق عن دار أوديل جاكوب في باريس في عام 2025، ويأتي امتداداً لمسار بحثي طويل اشتغلت فيه الكاتبة على تفكيك نشأة السوق الحلال وتوسعه.

كلما أُثيرت الشكوك حول منتج تقليدي، أو أُعلن عن احتمال احتوائه على عنصر غير جائز، فُتح المجال لتسويقه في نسخة «مطابقة للمعايير الإسلامية»، وهكذا يتخطّى السوق حدود الاستجابة لحاجة قائمة، ليغدو أداة لإنتاج طلب جديد عبر إعادة تعريف الحاجة نفسها

يتناول هذا الكتاب «الحلال» خارج إطاره الفقهي المرتبط بالغذاء وخارج المقاربة الأخلاقية الوعظية، ويقدّمه بوصفه ظاهرة اقتصادية–اجتماعية حديثة نشأت في ظروف تاريخية محددة، ثم تحولت في خلال عقود قليلة إلى منظومة عالمية تشمل قطاعات متعددة: من اللحوم والمنتجات الغذائية، إلى مستحضرات التجميل والأدوية والسياحة والتمويل، بل وحتى الموضة والإعلام. هذا الاتساع السريع هو ما يدفع الكاتبة إلى طرح سؤالها المركزي: كيف تشكّل هذا السوق؟ ومن هم الفاعلون الذين ساهموا في بنائه؟ وما هي آليات توسعه واستمراره؟

تنطلق بيرغو-بلاكليه من ملاحظة أساسية مفادها أن السوق الحلال، كما نعرفه اليوم، ليس استمراراً تلقائياً لتقليد ديني قديم، بل هو بناء حديث تشكل في سياق تداخل عوامل سياسية واقتصادية ودينية منذ أواخر القرن العشرين. فمع تصاعد الهجرة نحو أوروبا، وظهور أجيال مسلمة في مجتمعات علمانية، برزت الحاجة إلى تنظيم مسألة الذبح والمنتجات الغذائية وفق معايير تُقدَّم على أنها «مطابقة للشريعة». غير أن هذه الحاجة تجاوزت حدود الاستجابة لطلب اجتماعي، وتحوّلت تدريجياً إلى مشروع تنظيمي واسع، يتضمن آليات اعتماد وهيئات رقابة وشهادات مطابقة ومعايير دولية.

اللافت في تحليل الكاتبة هو أنها تقرأ هذا التطور ضمن أفق أوسع من التكيّف الديني داخل اقتصاد حديث، وتعالجه بوصفه نموذجاً لتسخير أدوات السوق العالمي في مشروع معياري. فالسوق هنا لا يعمل فقط بمنطق العرض والطلب، بل يصبح وسيلة لإعادة تعريف ما هو «مباح» و«محظور»، وبالتالي لإعادة تشكيل السلوك الفردي والجماعي. ومن هنا يأتي استعمالها لمفهوم «الجهاد» بمعناه اللغوي الواسع، أي الجهد المنظم والمستمر، لا بمعناه العسكري، للدلالة على جهد يسعى إلى إعادة ضبط المجال الاجتماعي عبر الاقتصاد.

يعتمد الكتاب على منهج أنثروبولوجي وسوسيولوجي يجمع بين البحث الميداني والتحليل التاريخي ودراسة الخطابات. فالكاتبة تتتبع نشأة ما يسمى بالذبح الحلال الصناعي داخل المسالخ الحديثة، وتبين كيف تم تقنينه قانونياً، وإخضاعه لإشراف ديني خاص، ثم تحويله إلى معيار قابل للتصدير عبر سلاسل الإنتاج العالمية. ومع مرور الوقت، لم يعد الأمر مقتصراً على الذبح، بل امتد ليشمل كل ما يمكن أن يدخل في دائرة الاستهلاك: من مكونات الأغذية الدقيقة إلى سلاسل التوريد والخدمات المرتبطة بنمط الحياة.

وتبرز في الكتاب فكرة أساسية مفادها أن توسيع مجال «الحلال» غالباً ما يمر عبر تضييق أو توسيع تعريف «الحرام». فكلما أُثيرت الشكوك حول منتج تقليدي، أو أُعلن عن احتمال احتوائه على عنصر غير جائز، فُتح المجال لتسويقه في نسخة «مطابقة للمعايير الإسلامية». وهكذا يتخطّى السوق حدود الاستجابة لحاجة قائمة، ليغدو أداة لإنتاج طلب جديد عبر إعادة تعريف الحاجة نفسها. إننا أمام دينامية تتغذى من منطق المنافسة الاقتصادية ومن منطق التنافس الديني في آن واحد.

تضع بيرغو-بلاكليه هذا التحليل في إطار أوسع يتعلق بعلاقة الحركات الإسلامية المعاصرة بالعولمة النيوليبرالية. فهي تناقش الأطروحات التي ترى في «الإسلام السوقي» أو «الإسلام الاستهلاكي» علامة على تراجع الطابع السياسي للدين، وتقترح بدلاً من ذلك قراءة مختلفة: اندماج في آليات السوق لا يعني بالضرورة علمنة الخطاب الديني، بل قد يتيح له فضاءات جديدة للانتشار، أقل صدامية وأكثر مرونة. فبدل المواجهة المباشرة مع الدولة، يمكن العمل عبر القوانين التجارية والمعايير الدولية وشبكات الاستثمار، لإرساء منظومة معيارية ذات مرجعية دينية.

في السياق الفرنسي، حيث يحتدم الجدل حول العلمانية ومكانة الإسلام في المجال العام، يكتسب هذا التحليل أهمية خاصة. فالكتاب يعالج ظاهرة اقتصادية، ويتناول في الوقت نفسه إشكاليات الاندماج والاعتراف وحدود الحياد القانوني للدولة. إنه يدعو القارئ إلى التفكير في سؤال أعمق: هل يمكن للسوق أن يكون محايداً حقاً؟ أم أنه يتحول، في ظروف معينة، إلى حامل لمشروع رمزي وأيديولوجي؟

تقدّم قراءة "الجهاد عبر السوق" فهماً لتطور السوق الحلال، وتفتح كذلك أفقاً لإعادة التفكير في العلاقة بين الدين والحداثة، وبين الهوية والعولمة. فالكتاب يكشف كيف يمكن لمنطق اقتصادي عالمي أن يتقاطع مع مشروع معياري ديني، فينتج فضاءً جديداً تتداخل فيه الربحية مع الرمزية، والتقنين مع العقيدة، والاستهلاك مع الانتماء.

من «طلبٍ اجتماعي» إلى «اتفاقٍ صناعي»

تكشف قراءة الفصلين الأول والثاني من الكتاب أن تشكّل الحلال في أوروبا تبلور عبر مسار متدرّج تشابكت فيه تحوّلات اجتماعية دقيقة داخل الأسر المهاجرة مع تحوّلات قانونية وصناعية أعادت تعريف معنى الذبح في سياق الاقتصاد الحديث. وتُظهر خلاصة الفصلين أن «الحلال» دخل إلى السوق عبر عملية إعادة تركيب داخل بنيته التنظيمية، فغدا معياراً يُنتَج ويُدار ويُفاوض عليه، ويُعاد تحديده ضمن آليات السوق نفسها.

في المستوى الأول، يبيّن الكتاب أن علاقة المهاجرين الأوائل بالطعام لم تكن منذ البداية مشدودة إلى تعريف صارم للحلال. كان هناك هامش واسع من التكيّف مع شروط العيش الجديدة، واستعمال لخطاب «السفر» أو الضرورة لتبرير تجاوزات محدودة. هذا المعطى مهم لأنه يكسر الصورة النمطية التي تفترض أن الطلب على الحلال كان حاضراً بصفته مطلباً صلباً منذ اللحظة الأولى. ما حدث لاحقاً هو عملية تَشَكُّل بطيئة لوعي غذائي ديني يومي، تغذّيه الأسرة، وتنقله النساء عبر المطبخ والعادات، ويترسخ في وعي جيلٍ وُلد في أوروبا لكنه يبحث عن علامة ملموسة لانتمائه.

النيوليبرالية التي تسعى إلى تحرير التجارة وفرض معايير عالمية، توفّر الإطار نفسه الذي يسمح بانتشار معيار ديني خاص. لا يعني ذلك أن الطرفين يشتركان في الهدف، بل أن تلاقي المصالح يولد صيغة قابلة للتعميم

غير أن هذا الترسّخ لم يكن نتيجة خطاب ديني تنظيري بقدر ما كان نتاج ممارسات يومية وسرديات عن الطهارة والفساد. حين يُتداول داخل العائلات أن لحماً معيناً «ليس نقياً»، أو أنه يُشبه «الجيفة»، فإن الأمر لا يتوقف عند توصيف طعمي أو لوني، بل يتحول إلى ترسيم حدود. يؤدي الغذاء هنا وظيفة رمزية: إنه يرسم خطاً فاصلاً بين فضاءين اجتماعيين. اللافت أن الكتاب يصرّ على أن الفروق التقنية في الذبح داخل المسالخ الحديثة لا تبرّر هذا التصنيف الحاد، ما يعني أن السوق لا يقوم على اختلاف مادي خالص، بل على إعادة تأويل ذلك الاختلاف داخل مخيال جماعي. هكذا يُنتج الطلب نفسه عبر خطاب الطمأنينة والاشتباه.

في الوقت ذاته، يلفت النص إلى أن نمو هذا الطلب تزامن مع لحظة قلق أوروبي أوسع تجاه سلامة الغذاء.خلقت  الأزمات الصحية التي ضربت قطاع اللحوم فراغاً في الثقة، ودفعت الصناعات إلى البحث عن أسواق أكثر استقراراً. هنا يتقاطع المسار الاجتماعي مع الحساب الاقتصادي: بدت العائلات المسلمة، التي تحافظ على استهلاك مرتفع للحوم، قطاعاً واعداً في سياق ركود عام. وبهذا يتحول «الحلال» من شأن داخلي يخص أقلية إلى عنصر في استراتيجية صناعية. ما يُظهره هذا التحليل أن توسّع العرض الحلال لم يكن نتيجة ضغط ديني منظم، بل مبادرة تجارية استباقية رأت في هذا القطاع فرصة تعويض.

لكن إذا كان الفصل الأول يشرح تشكّل الطلب وتوسّع العرض داخل الفضاء الأوروبي، فإن الفصل الثاني يذهب إلى جذور أعمق، كاشفاً أن ما نعتبره اليوم «ذبحاً حلالاً صناعياً» ليس استمراراً بسيطاً لفقه قديم، بل تركيباً حديثاً. يعيد النص النظر في فكرة وجود نموذج فقهي واحد للذبح، مبرزاً التعدد الكبير في تفاصيله وشروطه عبر التاريخ. هذا التعدد ليس مجرد خلفية معرفية، بل هو مدخل لفهم أن توحيد الممارسة داخل خطوط إنتاج صناعية استلزم عملية اختيار وتثبيت لم تكن موجودة في النصوص على نحو ملزم. بمعنى آخر، الانتقال من تعددية فقهية إلى بروتوكول صناعي يتطلب قراراً سياسياً وتنظيمياً.

وتتضح هذه الدينامية حين يستعرض الكتاب لحظات قانونية وجيوسياسية ساهمت في صياغة «الذبح المحمدي» كفئة قانونية قابلة للتطبيق داخل منظومات حديثة. لم يكن إدخال هذه الفئة في التشريع البريطاني في بدايات القرن العشرين  نقلاً حرفياً لعقيدة دينية، بل استجابة لاعتبارات إدارية واستعمارية تتعلق بتنظيم العمل والتجارة. القانون هنا لا يعكس الدين فحسب، بل يعيد تشكيله في صورة قابلة للإدارة. بهذا المعنى، يمكن القول إن الحلال الحديث وُلد أيضاً في فضاء الدولة الحديثة، لا فقط في فضاء المسجد.

غير أن اللحظة الحاسمة التي يمنحها الفصل الثاني أهمية خاصة هي تلك التي تحوّل فيها الطعام إلى أداة سيادية في سياق الثورة الإيرانية. حين تُشترط مراقبة دينية لخطوط الإنتاج في الدول المصدّرة، لا يعود الأمر مسألة طقسية داخل مجتمع بعينه، بل يصبح بنداً في اتفاق تجاري دولي. الصناعة مضطرة حينها إلى تعديل تنظيم العمل، وتكييف سلاسل الذبح، والتعامل مع فاعلين جدد يملكون سلطة رمزية. وهنا تتجلى المفارقة التي يشدد عليها الكتاب: النيوليبرالية التي تسعى إلى تحرير التجارة وفرض معايير عالمية، توفّر الإطار نفسه الذي يسمح بانتشار معيار ديني خاص. لا يعني ذلك أن الطرفين يشتركان في الهدف، بل أن تلاقي المصالح يولد صيغة قابلة للتعميم.

ومن هذه الصيغة يولد فضاء جديد للوسطاء: هيئات الرقابة، وشركات الشهادات، والمراقبون الذين يجمعون بين وظيفة اقتصادية وخطاب ديني. يفتح غياب تعريف نهائي جامع للحلال الصناعي مجالاً للمنافسة على تحديده. تدّعي  كل جهة تمثيل «المعيار الأصح»، وكلها تعمل ضمن منطق سوق الخدمات. هكذا يصبح الحلال نفسه موضوع نزاع تنظيمي، لا مجرد حكم شرعي. وهذه النقطة تكمل ما بدأه الفصل الأول: إذا كان الطلب يتغذى من سرديات الهوية والطمأنينة، فإن العرض يتغذى من فراغ معياري يسمح بتوسيع الخدمات والرقابة.

يظهر أن السوق الحلال لم يُبنَ من أعلى فقط، عبر قرارات دولية، ولا من أسفل فقط، عبر عادات عائلية، بل من تداخل المستويين. في القاعدة، تعيد عائلات تعريف علاقتها بالطعام في سياق هجرة وتمييز ورغبة في الحفاظ على علامة انتماء. وفي القمة، تعيد دول وشركات ومؤسسات تنظيم الذبح والتجارة وفق بروتوكولات قابلة للتصدير. تتكوّن بين هذين المستويين مساحة يتكاثر فيها الفاعلون ويتحول فيها الحلال إلى معيار يتجاوز اللحوم ليصير نموذجاً لتوسيع المجال المعياري الديني داخل الاقتصاد العالمي.

بهذا المعنى، لا يقدّم الكتاب مجرد سرد تاريخي لنشأة سوق، بل تحليلاً لكيفية تشكّل نظام معياري داخل الرأسمالية المعولمة. الحلال ليس أثراً باقٍ من الماضي، ولا هو منتج استهلاكي عابر، بل نتيجة عملية تركيب معقدة تشارك فيها الأسرة والمخيلة والقانون والجيوسياسة وسلاسل الإنتاج. وهذه العملية هي التي يصفها العنوان بمفهوم «الجهاد عبر السوق»: جهد متدرّج يعيد ترتيب العلاقة بين الدين والاقتصاد من داخل منطق السوق ذاته.

الدولة تُقدّس… والسوق يُحكِم السيطرة

يُظهر الفصلان الثالث والرابع انتقالاً حاسماً في منطق الكتاب: بعد تتبع تشكّل الطلب وبناء الاتفاق الصناعي في الفصول السابقة، ينتقل التحليل هنا إلى آلية أكثر عمقاً وخطورة: كيف يصبح «الطقس» الديني منتجاً مؤسسياً داخل فضاء صناعي يفترض أنه أقصى درجات العقلنة التقنية، ثم كيف تتحول هذه «المنطقة الطقسية» إلى مجال تنافس اقتصادي ورأسمال رمزي تمسك به جهات خاصة عبر شهادات ومعايير متحركة. لا يعود السؤال: كيف نشأ الحلال؟ بل: من يملك تعريفه؟ ومن يستفيد من فراغ تعريفه؟

ينطلق الفصل الثالث من مفارقة قوية: المسلخ الصناعي في المجتمعات الغربية الحديثة يمثل فضاءً مغلقاً ومحكوماً بمنطق الصحة العامة والإنتاجية والربح، وهو فضاء «محمي من النظر» ومعزولاً عن المجتمع، لا يدخله سوى المخوَّلون بحكم الضرورات الأمنية والبيطرية. ومع ذلك، في قلب هذا المكان الذي يدار وفق نمط تايلوري يفتت العمل إلى عمليات صغيرة ويعلي من شأن السرعة، تتشكل اليوم «إنتاجية للسَّـمْت المقدس» داخل الموت الصناعي نفسه. المفارقة ليست في وجود ممارسة دينية داخل فضاء صناعي فحسب، بل في أن الدولة العلمانية، التي تعلن حيادها تجاه الدين، تصبح من حيث لا تريد طرفاً يصنع شروط إمكان هذا المقدس.

 السوق لا يظل محايداً داخل الحقل الديني، لأنه يعيد توزيع السلطة الدينية نفسها. فمن يملك الشهادة يملك القدرة على «تحديد الحلال»، ومن يحدد الحلال يؤثر في جزء من السلوك اليومي، ومن ثم يملك نفوذاً رمزياً ومادياً

لا يختزل التحليل الذي يقترحه الفصل  الأمر في «تكيّف تقليد قديم مع الحداثة»، بل يصف عملية متناقضة ظاهرياً: الدولة تمنح استثناءً قانونياً للذبح الطقسي، وفي الوقت نفسه تمتنع عن تعريف محتواه «باسم العلمانية»، فتخلق فجوة معيارية؛ هذه الفجوة تتحول تدريجياً إلى مساحة استثنائية داخل القانون العام. النتيجة ليست فقط السماح بممارسة دينية، بل بناء «منطقة» داخل النظام الصناعي لا تُدار بالمعايير المشتركة ذاتها، لأن معيارها الأساسي (الطقس) لا يملك القانون سلطة تعريفه. وهنا تتجلى فكرة الفصل الأكثر حدة: المقدس لا يُنتَج هنا فقط بفعل الطقس، بل بفعل الإطار القانوني والبيطري والصحي الذي يثبّت الحركة ويجعلها متميزة، ثم يترك تعريفها النهائي للفاعلين الدينيين. بهذا المعنى تصبح العلمانية، بشكل متناقض، أداة لخلق مجال غير قابل للحسم القانوني.

ويشرح الفصل كيف تتكوّن هذه «المنطقة» عبر تراكم تاريخي في التشريع: إدخال الاستثناء المرتبط بالذبح الطقسي في سياق الجدل حول الرفق بالحيوان وإلزام الصعق قبل الذبح، ثم تقنين شروط العمل داخل المسالخ، ثم حصر الذبح الطقسي داخل المسلخ،

ثم ربط العملية بترخيص للعاملين من طرف جهات دينية «معتمدة». يتداخل تاريخ آخر مع القصة: النموذج اليهودي في تنظيم «الكشروت» الذي امتلك منذ زمن طويل تقليداً مؤسسياً للفصل بين المراقبة الدينية والتجارة، إلى جانب تاريخ الدولة الفرنسية في بناء ممثلين رسميين للأديان (من نموذج نابليون إلى مؤسسات تمثيلية). يؤدي استحضار هذا التاريخ في الفصل دوراً تحليلياً، لأنه يكشف أن سعي الدولة إلى «مخاطب واحد» يعيد إنتاج نمط التحكم ذاته من خلال تنظيم الدين عبر ممثلين بدل تنظيم الممارسة نفسها.

لكن الفصل يذهب إلى نقطة أدق: الدولة لا تستطيع أن تقول بوضوح ما هو «الذبح الإسلامي» من دون أن تقع في تناقض مع قانون الفصل بين الدين والدولة؛ ومع ذلك، تدفعها  الحاجة العملية للإدارة إلى وصفه «ضمنياً» في تقارير أو تعليمات. ينتج من هذا التوتر وضعاً هجيناً: تعريف «رسمي» يتسلل عبر وثائق غير تشريعية، في حين يبقى الإطار القانوني العام صامتاً. وحين يحدث ذلك، تتسع عملية تحديد معيار الحلال لتشمل تدخل الدولة عبر الصمت الاستثنائي والتوصيف العملي في تثبيت صورة معينة للطقس داخل الصناعة إلى جانب النقاش الفقهي في المساجد.

ومن هنا ينتقل الفصل إلى فكرة «تحويل الذبائح الصناعية إلى سلع دينية»: ليس لأن لها خصائص مادية مختلفة بالضرورة، بل لأن قيمتها الدينية تُستنتج داخل تفاعل السوق. يستعمل النص منطقاً قريباً من أسواق الفن: الجودة لا تحتاج أن تُحسم قبل البيع، بل قد يصنعها التبادل نفسه. هذا يفسر كيف يمكن أن يشتغل سوقٌ ضخم على الرغم من غياب معيار موحد: لأن «الاعتقاد»، و» الطمأنة»، و» الشعارات»، و»الوسائط»، كلها تُنتج الجودة المتصورة بعد وقوع الصفقة. ويضاف إلى ذلك عامل بالغ الأهمية: بما أن المسلخ فضاء مغلق، فإن إمكانية الشفافية محدودة، ما يجعل «علامة الضمان» أهم من الواقع المادي ذاته، ويجعل مجال «الترتيبات» والاختلاط أو التلاعب ممكناً في بعض الحالات، سواء بقصد أو دون قصد.

هنا يأتي الفصل الرابع ليصف ما يحدث عندما تُترك هذه المنطقة الاستثنائية للسوق الخاص: تظهر «وكالات إصدار الشهادات» التيلا يضبطها القانون، ويمكن لأي جهة أن تنشئها، لأن الدولة لا تمنح اعتماداً لمراقبة الحلال كجودة، بل تمنح فقط «ترخيص دخول» للمسلخ عبر تأهيل للسفاحين المعتمدين من بعض المؤسسات الدينية. بمعنى آخر: القانون يضمن الحد الأدنى الذي يفتح الباب، لكنه لا ينظم ما يجري داخل الباب من عمليات ضبط وتوثيق وتسويق. وفي هذا الفراغ تتضخم صناعة الشهادات.

يوضح الفصل الرابع أن التنافس بين هذه الوكالات لا يسير نحو توحيد معيار الحلال، بل نحو مزايدة معيارية: كل وكالة ترفع عدد القيود التقنية والطقسية لتبدو أكثر «صرامة»، لأن الصرامة تُترجم في السوق إلى «أصالة» وإلى ثقة جماهيرية. لا تتعلق هذه المزايدة فقط بالذبح (الصعق أو عدمه)، بل تمتد إلى تفاصيل تقنية مثل الذبح الميكانيكي، أو اللحوم المفصولة ميكانيكياً، أو اتساع نطاق الرقابة من المسلخ إلى النقل إلى نقاط البيع. ومع اتساع شبكات التواصل الاجتماعي، تتحول «الشفافية المُعلنة» إلى أداة تسويق وضغط: نشر قوائم، وإطلاق تحذيرات، وخلق سمعة، وإدارة القلق الاستهلاكي.

الأثر الأعمق الذي يرسمه الفصل الرابع هو أن هذا السوق لا يظل محايداً داخل الحقل الديني، لأنه يعيد توزيع السلطة الدينية نفسها. فمن يملك الشهادة يملك القدرة على «تحديد الحلال»، ومن يحدد الحلال يؤثر في جزء من السلوك اليومي، ومن ثم يملك نفوذاً رمزياً ومادياً. هنا تظهر فكرة «أفضلية المتشدّد» التي يستعملها النص للدلالة على أن منطق المزايدة يميل لمصلحةالتيارات الأكثر تشدداً لأنها تستثمر في خطاب النقاء والفرز، وتدفع المنافسين إلى اللحاق بها حتى لا يُوصموا بالتساهل. بهذا تصبح الاعتدالية خاسرة في سوق تُكافئ الصرامة، لأن المستهلك الذي يعيش في مناخ شكّ دائم يميل إلى من يبيع له «ضمانًا أعلى».

ويلفت الفصل أيضاً إلى تحول تاريخي داخل الخطاب الإسلامي نفسه في فرنسا: ما كان يُعد «غير إجباري» أو قابلاً للتسامح في التسعينيات، يتحول لاحقاً إلى خطاب إلزامي أو شبه إلزامي، حتى إن شخصيات دينية «مترددة» أو ناقدة للمزايدة لا تعلن موقفها صراحة. ومع أن النص يورد رأياً ينتقد تضخم المسألة ويراها انشغالاً مبالغاً فيه، إلا أنه يخلص إلى أن الصمت أو الإنكار لدى التيارات الأقل تشدداً يتيح للفاعلين الأكثر حدة أن يحتلوا المجال الاقتصادي والرمزي في آن واحد.

يتضح أن التحكم في سوق الحلال لا يبدأ من «المستهلك» وحده، ولا من «المسلخ» وحده، بل من علاقة ثلاثية: الدولة تخلق الاستثناء وتترك تعريفه مفتوحاً، وتحتاج الصناعة إلى حل عملي داخل فضاء مغلق وشديد التعقيد، والفاعلون الخاصون يستثمرون الفراغ عبر سوق الشهادات. النتيجة أن المقدس يُنتَج داخل مؤسسة صناعية بفضل الاستثناء، ثم يُدار ويُباع ويُزايد عليه عبر آليات السوق. وهذا يفسر لماذا لا يقود غياب معيار موحد إلى انهيار السوق، بل إلى ازدهاره: لأن الغموض نفسه يصبح وقوداً للمنافسة، ويحوّل القلق الاستهلاكي إلى ربح، ويحوّل الجدل الديني إلى مصدر سلطة.

من «ملصقٍ غذائي» إلى «نظامٍ كوني»: تمدّد الحلال وصراع المعايير

تفتح الكاتبة في الفصلين الخامس والسادس أفقاً مختلفاً عن مجرد «لحم يُذبح وفق طقس»، وتدفع القارئ إلى متابعة التحول الأهم: كيف غادر الحلال حقل الغذاء الضيق ليتحوّل إلى مبدأ تنظيم شامل يمكن أن يطال كل ما يلامس الجسد والبيت والهوية، من المكوّنات «الداخلة» في المنتجات إلى الدواء والتجميل والخدمات. في هذا الانتقال تتضح مفارقة عميقة: كلما بدا الحلال أقرب إلى أن يكون «ملصق جودة» عالمياً قابلاً للتسويق للجميع، ازدادت قابليته في الوقت نفسه لأن يتحول إلى أداة فرز وهندسة اجتماعية، لأن توسيع المجال يعني توسيع احتمالات الشبهة، ومع الشبهة تنشأ الحاجة إلى وسطاء، ومع الوسطاء تولد سلطة معيارية جديدة.

تضع الكاتبة نقطة البداية في لحظة تبدو تقنية بحتة لكنها في الواقع محورية: اعتماد «توجيهات الحلال» داخل مدوّنة المعايير الغذائية في عام 1997، ذلك الإطار الدولي الذي أُنشئ أصلاً «لحماية صحة المستهلكين وضمان عدالة التجارة». هنا يظهر التوتر الأول: معيار يُقدَّم بوصفه أداة تنظيم تجاري وصحي محايد، لكنه يفتح الباب أمام لغة «قانون إسلامي» تُستدعى في مجال القانون التجاري الدولي من دون أن تُعرَّف مادتها تعريفاً واحداً. فالتوجيهات تقول إن الغذاء الحلال هو ما «لا يحتوي» على ما هو غير جائز، وما «لم يُحضَّر أو يُنقل أو يُخزَّن» بأدوات غير مطابقة، وما «لم يلامس» غير الحلال. تبدو الصياغة بسيطة، لكنها عملياً تخلق مفهوماً جديداً للطهارة: طهارة صناعية مطلقة مبنية على منطق السلسلة الإنتاجية بكاملها، لا على الحكم الفقهي الجزئي أو سياق الاستعمال. وتلمّح الكاتبة هنا إلى قلب المعنى: الطهارة في التقليد كانت قابلة للجدل والتفريع وفق المدارس والاجتهادات، أما في التصور الصناعي فهي تميل إلى نموذج «صفر تلوث» الذي يُراد له أن يعمل كقاعدة واحدة للجميع.

كل توسيع للحلال يحمل معه توسيعاً لمجال القلق، والقلق يولّد طلباً على الاعتماد، والاعتماد يولّد صراعاً على المرجعية، والمرجعية تتحول إلى مشروع عالمي يتنازع عليه نموذج «شامل» يريد إدخال الحلال في لغة المعايير الدولية، ونموذج «أممي» يريد إدخال العالم في لغة الحلال

تكشف هذه الزاوية تحديداً المفارقة التي تشتغل عليها الكاتبة ضمنياً: ما يُسوَّق بوصفه ـ«تيسيراً» و«توحيداً» يُنتج تعقيداً في العمق بلا نهاية. عندما يُبنى الحلال على تجنّب أي تماس، حتى الآثار الضئيلة، مع مشتقات محرّمة، يصبح تحقيقه الكامل شبه مستحيل. العبارة التي تُستدعى في النص «في العلم، الصفر غير موجود» ليست تفصيلاً بل مفتاحاً: إنها تصطدم مباشرة بالوعد الطهوري الذي تقدمه التوجيهات. فالعالم الصناعي قائم على المزج، والمكوّنات الدقيقة، والمواد المساعدة، وسلاسل توريد تتقاطع فيها آلاف نقاط الاتصال. وحتى مثال الميوسلي الذي يحتاج عشرات التحققات ليس مبالغة بل تعبير عن منطق جديد: كل منتج قد يصبح ملفاً من الأدلة، وكل ملف يستدعي جهة تصادق عليه، وكل جهة تصادق عليه تحتاج إلى سلطة وموارد، ومع كل ذلك يتضخم «قلق المستهلك» بدل أن يهدأ. هنا لا تقول الكاتبة صراحة إن القلق يُدار كاقتصاد، لكنها ترسم شروطه: رغبة في يقين مطلق داخل عالم لا يمنح يقيناً مطلقاً، مع «عقوبة إلهية» لا يمكن اختبارها مادياً، فيرتفع منسوب الهلع إلى الذروة.

ولكي تُفهَم هذه النقلة، تستعيد الكاتبة «مختبر ماليزيا» بوصفه مكان تزاوجت فيه هندسة الدولة، والسياسة الاقتصادية، والاعتبارات الدينية، لخلق نموذج قابل للتصدير. المفارقة الثانية تظهر هنا: بلد متعدد الأديان وبأكثرية مسلمة «غير كاسحة» يُنتج معياراً سيغدو مرجعاً لكثير من البلدان «الأكثر» مسلمة. تبدأ القصة بمشهد محلي: شعارات متعددة، معايير مختلفة من ولاية لأخرى، اتهامات «فالس حلال»، ثم تأسيس جمعيات رقابية، ثم الانتقال نحو مركزية الدولة وبناء جهاز وطني يوحد الشعار ويحوّل الشهادة إلى أداة تنافس تجاري خارجي. تبدو العملية كأنها تحارب الاحتيال وتبني ثقة المستهلك، لكنها في الوقت نفسه تؤسس فكرة «الحلال الشامل» الذي يلتهم القطاعات واحداً بعد آخر. وتشير الكاتبة إلى أن هذه الدينامية لم تكن منفصلة عن صعود الإسلام السياسي بعد عام 1979، ولا عن إستراتيجية دول سلطوية «تستوعب» الضغط الاجتماعي عبر السماح بإسلامنة اجتماعية/اقتصادية بعيدة عن السياسة المباشرة. كأن الاقتصاد هنا يصبح منطقة «تنفيس» تُدار فيها الرغبات والهويات تحت سقف لا يهدد مركز الدولة،لكنه يخلق، على نحو مفارق،بنية معيارية قد تصبح أقوى من أدوات الدولة نفسها لأنها تتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية.

ثم تدخل الشركات متعددة الجنسيات على الخط، وهنا تتضاعف المفارقة: العلامة الدينية التي يُفترض أنها تمييز خاص تتحول إلى «وعد جودة» يمكن تسويقه للجميع. حين تتعامل شركات مثل نستلة مع الحلال باعتباره «طيبات»، أي «الجيد» بكل معانيه الصحية والذوقية والروحية، فهي لا تكتفي بتلبية طلب محدد، بل تحاول تحويل الحلال إلى لغة عالمية للجودة. هذا يبدو «شاملاً» و«إدماجياً»، لكنه لا يلغي سؤال السلطة: من يملك تعريف «الجيد»؟ وهل يصبح الجيد مرادفاً لما يمكن قياسه وتدقيقه وتوثيقه؟ هنا تلمح الكاتبة إلى عملية «تجسيد» أو «تشييء» للمعيار: جعل الحلال ذا خصائص قابلة للقياس والتوافق، وهو ما يريح التجارة لكنه يغير طبيعة المرجع الديني من معنى إلى بروتوكول.

في الفصل السادس، تُظهر الكاتبة أن هذا المسار الإدماجي لم يمر من دون مقاومة. يظهر نموذج آخر تسميه «الأُمميّ» : ليس هدفه أن يكون الحلال لغة جودة للجميع، بل أن يصبح اقتصاداً «بالأمة وللأمة»، وأن يكون شرط صحة الحلال هو السيطرة المسلمة لا مجرد الإجراءات. المفارقة الثالثة هنا أن النموذجين حديثان وصناعيان؛ الاختلاف ليس بين «تقليد» و«حداثة»، بل بين حداثتين: حداثة تُحوّل الديني إلى معيار تقني قابل للتداول في المنظمة الدولية للمعايير واللجنة الأوروبية للتقييس، وحداثة أخرى تُحوّل السوق إلى أداة إعادة أسلمة وتحصين «السيادة الجماعية». ومن ثم لا يعود الخلاف حول «أصالة» المنتج، بل حول من يملك سلطة التصديق ومعنى الشرعية: هل تُستمد من توافق الأطراف والمعايير الدولية، أم من انتماء المراقب ومقاصده وكونه داخل الأمة؟

وتزداد الصورة تعقيداً حين تُرسم خريطة الأقطاب: ماليزيا تصوغ الأدوات التقنية والأيديولوجية، والإمارات تشتغل بوصفها واجهة تمويل و«مركزاً» تسويقياً يصنع للـ«اقتصاد الإسلامي» صورة جذابة ومشروعات قياس أداء (مؤشرات، قطاعات، تصنيفات). هنا تُطل مفارقة رابعة: أكثر النماذج قدرة على تعميم «الاقتصاد الإسلامي» عالمياً لا يتقدم بالوعظ، بل بلغة العلامات التجارية والمنتديات، والتمويل ومراكز الاعتماد، أي بأدوات السوق نفسها التي يُفترض أنها علمانية ومحايدة. وفي الوقت الذي تضع فيه هذه الأدوات حدوداً لما يمكن تسويقه (مثل التعليم الديني أو الدعوة التي تظل من اختصاص السلطة الدينية)، يتضح أن السوق لا يلغي السلطة الدينية بل يعيد توزيعها ويمنحها مسالك جديدة.

وعندما يصل السرد إلى محاولة إدخال معيار حلال داخل المنظمة الدولية للمعايير، تُبرز الكاتبة التوتر الأكبر: الدول غير المسلمة تميل إلى تعريف الحلال كمواصفات موضوعية (سلامة، تتبع، جودة)، بينما تقبل دول في منظمة التعاون الإسلامي التطبيع بشرط الاعتراف الصريح بمرجعية الشريعة. كأن العالم يحاول تحويل الدين إلى «مواصفة» قابلة للتوحيد، بينما يصر الطرف الآخر على إبقائه «سلطة معنى» لا تُختزل في إجراءات. وتظهر ذروة الصدام في «إعلان إسطنبول» الذي يرفض تصديق غير المسلمين ويطالب بالتعبئة ضد «تدخل غير المسلمين في الشؤون الإسلامية»؛ هنا يصبح الحلال ليس فقط معيار استهلاك، بل شعار سيادة وحدود وحرية دينية كما تُعرّفها الشبكات العابرة للحدود.

بهذه القراءة، لا تكتفي الكاتبة بوصف توسع السوق، بل تكشف، من دون خطاب مباشر، كيف أن كل توسيع للحلال يحمل معه توسيعاً لمجال القلق، وكيف أن القلق يولّد طلباً على الاعتماد، والاعتماد يولّد صراعاً على المرجعية، والمرجعية تتحول إلى مشروع عالمي يتنازع عليه نموذج «شامل» يريد إدخال الحلال في لغة المعايير الدولية، ونموذج «أممي» يريد إدخال العالم في لغة الحلال.

حين يتكلّم السوق بلسان المقدّس: الوسطاء الهجناء وصناعة «الإعلام الحلال»

يبدو أن تتبّع تشكّل «الحلال» في صورته الصناعية لا يكتمل بمجرد رصد القوانين أو تتبّع الأرقام أو توصيف الطلب الاستهلاكي؛ إذ تذهب الكاتبة إلى أن الحلقة الحاسمة ليست «السلعة» ولا «الفتوى» في حدّ ذاتها، بل ذلك النوع الخاص من الفاعلين الذين يقفون عند الحدّ الفاصل بين عالمين يفترض الناس عادةً أنهما منفصلان: عالم التدين وعالم التجارة. هنا تظهر المفارقة الأولى: ما يبدو للوهلة الأولى تديناً محضاً، لا يتحقق عملياً إلا عبر آليات سوقية دقيقة، وما يبدو مشروعاً تجارياً صرفاً لا ينجح في سوق الحلال إلا إذا لبس لبوس الشرعية الرمزية. في هذا الإطار يغدو «الحلال» لغة ترجمة مزدوجة: ترجمة الروحي إلى تقني، وترجمة التقني إلى علامة إيمانية قابلة للتداول.

تؤكد الكاتبة أن هذه الترجمة لا تتم تلقائياً، بل تحتاج إلى «فاعلين هجناء» يُحسنون التحرك داخل منطقتين في آن واحد. هؤلاء ليسوا رجال دين تقليديين، ولا هم تجاراً «محايدين» كما يحبّ الخطاب التسويقي أن يقدّم نفسه. إنهم يبيعون خدمة، لكنهم يبيعون معها حقّاً ضمنياً في تعريف ما هو «مقبول شرعاً»، أي سلطة معيارية تتجاوز منطق السوق وهي في قلبه. ومن المفارقات التي تلتقطها الكاتبة أن غياب معيار ديني موحّد أو جهة ضبط مستقلة لا يقلّل من ثقة المستهلك، بل قد يخلق سوقاً أشد حيوية… لأن عدم اليقين نفسه يتحول إلى فرصة: كلما اتسع الغموض، ازداد الطلب على من يبدّد الشكوك، فتغدو «الشرعية» عامل إنتاج إضافياً على الشركة أن تشتريه مثلما تشتري الآلات والعمالة والخبرة.

ما يبدو للوهلة الأولى تديناً محضاً، لا يتحقق عملياً إلا عبر آليات سوقية دقيقة، وما يبدو مشروعاً تجارياً صرفاً لا ينجح في سوق الحلال إلا إذا لبس لبوس الشرعية الرمزية. وفي هذا الإطار يغدو «الحلال» لغة ترجمة مزدوجة: ترجمة الروحي إلى تقني، وترجمة التقني إلى علامة إيمانية قابلة للتداول

ومن هنا تلمح الكاتبة إلى مفارقة ثانية أكثر دقة: حرية الدخول إلى سوق الشهادة تمنح أي جهة تقريباً إمكانية ادعاء دور «المُصدِّق»، لكن هذه الحرية لا تؤدي إلى تساهل عام؛ بل تُنتج سباقاً نحو التشدد. فبقدر ما تكون المشروعية غير مُنظَّمة قانونياً، يضطر الفاعل الهجين إلى تصنيع مشروعيته عبر الإشارات والطقوس واللغة والهيئة، أي عبر ما تسميه الكاتبة بصورة لافتة «المكافأة الرمزية» للورع الظاهر. وهنا يتحوّل التديّن من مضمون أخلاقي إلى رأس مال تمييزي في سوق تنافسي: علامة تُقنع الجمهور بأن «الرقابة هنا أشد» وأن «الاحتياط هنا أكبر». الغريب أن هذه المبالغة في إظهار الصرامة قد تُطمئن المستهلك لكنها في الوقت ذاته تُغذي حلقة لا تنتهي من المطالبة بالمزيد، لأن كل تشدد يصبح معياراً يُقاس عليه تشدد آخر.

وفي السياق نفسه، تفضح الكاتبة مفارقة ثالثة: الشركات الكبرى تبرّر توسعها في هذا المجال بأنها لا تفعل سوى «الاستجابة لاحتياجات المستهلكين المسلمين»، لكن هذه الاستجابة ليست سلبية أو بريئة تماماً. فحين تُدخل علامة عالمية ثقلها إلى سوق الحلال، فهي لا تتكيف مع المعيار فحسب، بل تُسهم في تعميمه وتثبيته ونقل منطقه إلى فضاءات أوسع. كأن السوق يخلق «ديناميكية معيار» لا يملك طرف واحد التحكم بها، ومع ذلك ينفي اللاعبون الكبار أي مسؤولية أخلاقية عن الاتجاه العام للمنظومة. هنا تلعب «البراءة التسويقية» دور قناع: تتحدث الشركات بلسان الخدمة، بينماتدفع بمنطق معياري جديد إلى داخل الحياة اليومية.

وعندما تنتقل الكاتبة إلى «الإعلام الحلال»، تتضح صورة الفاعل الهجين بصورة أكثر جلاء. فالإعلام هنا ليس مجرد ناقل معلومات عن الحلال، بل جزء من ماكينة إنتاجه اجتماعياً: إنه يخلق قاموساً ويصوغ حساسية عامة ويُعيد ترتيب الأولويات، ويمنح بعض الأصوات سلطة تمثيلية تتجاوز المؤسسات التقليدية. المفارقة أن وسائل تُقدَّم بوصفها منصات «تحرير» و«تمكين» و«شفافية» تعمل عملياً كأدوات ضبط معنوي وتوجيه سلوكي، ليس عبر الأوامر المباشرة، بل عبر صناعة الإجماع وتحديد ما يُعد «مشكلة» وما يُعد «حلاً»، ومن هو «الخبير» ومن هو «المتساهل». إنها سلطة ناعمة تُمارَس عبر الإقناع، لكن خلف الإقناع اقتصاد انتباه وسعي إلى النفوذ وتنافس على احتكار تعريف «المصلحة الدينية» داخل الفضاء العام.

وتشير الكاتبة ضمناً إلى مفارقة رابعة: الإعلام الذي يرفع شعار «صوت المسلمين» ينتهي إلى إنتاج سردية واحدة صلبة تُعيد تفسير الوقائع كلها ضمن ثنائية ثابتة: «نحن/هم»، «احترام/اعتداء»، «حقوق/إقصاء». وفي هذا المسار لا تُلغى السياسة بل تتنكر؛ إذ تتحول السياسة إلى استهلاك، ويتحول الاستهلاك إلى موقف، ويتحول الموقف إلى هوية. يصبح الاختيار الشرائي والاصطفاف الإعلامي واللغة المتداولة أجزاء من منظومة واحدة، تجعل الفرد يشعر أنه يمارس قوة داخل المجتمع عبر «السوق» و«المنصة». غير أن هذا الإحساس بالقوة يستند إلى مفارقة خامسة: كلما توسع الخطاب في إعلان الاستقلال عن المؤسسات الرسمية، ازداد اعتماد المنظومة على أدوات شديدة الحداثة: العلامة التجارية، والخوارزمية، والاقتصاد الرقمي، واستراتيجيات الضغط، وإدارة السمعة.

وفي صورة أخرى من التناقض، تبيّن الكاتبة أن بعض المنابر تجمع بين خطاب يبدو تقدميًا في الشكل، لغة حقوقية، حديث عن العدالة والتمييز، وبين محتوى محافظ جداً في الجوهر حين يتعلق الأمر بالمعايير الاجتماعية والأخلاقية. كأن استراتيجيات الإقناع تُنتقى بحسب ما يفتح الأبواب، لا بحسب ما يكشف التوترات. وفي هذه النقطة يصبح «التوافق» بين نموذجين متعارضين ظاهرياً مفهوماً: نموذج يريد جعل الحلال معياراً تقنياً قابلاً للتداول عالمياً، ونموذج يريده أداة لإعادة أسلمة المجال العام. كلاهما يحتاج الفاعل الهجين: يحتاجه الأول لتسهيل القبول، والثاني لتوسيع النفوذ. والمحصلة أن التعارض لا يمنع التعاون؛ بل قد يحتاجه ليستمر، لأن الصراع نفسه ينعش السوق ويزيد الطلب على «الضمان».

بهذا المعنى، لا تقدّم الكاتبة صورة الحلال بوصفه ساحة أخلاقية صافية، ولا سوقاً تجاري محايد، بل سلسلة من الترجمات المتواصلة التي يديرها فاعلون يراكمون الشرعية والمعرفة والرمز والمال معاً. والمفارقة الكبرى التي تظل تلوح في الخلفية هي أن ما يبدأ بوصفه وعداً بالطمأنينة الدينية ينتهي إلى منظومة قلق دائم: قلق من الخطأ، و من التلوث، و من «عدم كفاية» التدقيق، و من أن يسبقك الآخرون إلى تعريف الصحيح. وفي هذا القلق بالذات يجد الفاعل الهجين مكانه: يقدّم نفسه كحلّ، وهو في الوقت نفسه جزء من شروط استمرار السؤال.

من المقاطعة إلى الخوارزمية: تحوّل السوق إلى ساحة جهاد معياري

في الفصل التاسع من الكتاب توسّع فلورنس بيرغو-بلاكليه إطار تحليلها لتُظهر كيف يتحول الاستهلاك من ممارسة اقتصادية إلى أداة تعبئة عابرة للحدود، وذلك من خلال تتبّع مسار «أسلمة» حركة المقاطعة. هنا لا تعود المقاطعة مجرد وسيلة ضغط مدني، بل تُدرج داخل أفق عقدي يمنحها معنى تعبوياً يتجاوز الفعل الاحتجاجي التقليدي. فالمؤلفة ترى أن سوق الحلال، بما راكمه من شبكات توزيع وشهادات ومخزون رمزي، أتاح بنية جاهزة يمكن توظيفها لتوجيه السلوك الاستهلاكي نحو أهداف سياسية محددة. وبهذا المعنى يصبح الامتناع عن الشراء امتداداً للانتماء، ويغدو السوق ساحة اشتباك رمزي لا تقل أهمية عن المجال الدبلوماسي أو العسكري.

تحلل بيرغو-بلاكليه الخلفية التاريخية للمقاطعة في السياق العربي والإسلامي، مبيّنة أن الدعوات إلى مقاطعة «المنتجات الصهيونية» سبقت قيام دولة إسرائيل، ثم تطورت لاحقاً ضمن خطاب ديني يربط الإنفاق الاقتصادي بالمسؤولية الجماعية. غير أن ما يهمها ليس فقط المضمون السياسي، بل الكيفية التي أُعيد بها تأطير المقاطعة بوصفها واجباً أخلاقياً، بل في بعض الخطابات واجباً دينياً. فحين يُقال إن كل درهم يُنفق هو دعم مباشر لخصم يُصوَّر باعتباره معتدياً، فإن فعل الشراء نفسه يُعاد تعريفه كخيار ذي حمولة عقدية. هنا يتحول المستهلك إلى فاعل في «معركة» لا تُخاض بالضرورة بالسلاح، بل عبر قرارات يومية تبدو بسيطة.

المقاطعة لم تعد مجرد استراتيجية ضغط على سياسات دولة، بل أدرجت ضمن خطاب أوسع عن «مقاومة» شاملة. هذا التحول لا يلغي البعد الحقوقي للحركة، لكنه يضيف إليه بعداً تعبوياً يربط بين الاقتصاد والهوية

وتشير الباحثة إلى أن حركة المقاطعة، التي انطلقت في سياق حقوقي وأكاديمي، وجدت في هذا الإطار التعبوي رافعة جديدة، خصوصاً بعد التقاطها من قبل شبكات إسلامية عابرة للقارات. فالمقاطعة لم تعد مجرد استراتيجية ضغط على سياسات دولة، بل أدرجت ضمن خطاب أوسع عن «مقاومة» شاملة. هذا التحول لا يلغي البعد الحقوقي للحركة، لكنه يضيف إليه بعداً تعبوياً يربط بين الاقتصاد والهوية. وبهذا المعنى، ترى بيرغو-بلاكليه أن المقاطعة تتحول من أداة سياسية إلى ممارسة تتقاطع مع سرديات دينية وجيوسياسية في آن واحد.

اللافت في تحليل الكاتبة هو إبرازها لطبيعة «الحرب المعيارية» التي تُخاض عبر المقاطعة. فالأمر لا يقتصر على استهداف منتجات أو شركات، بل يمتد إلى نزع الشرعية عن مؤسسات أكاديمية وثقافية، وتحويل المنابر القانونية إلى ساحات صراع رمزي. المقاطعة هنا تعمل في مستويات متعددة: اقتصادي وقانوني وإعلامي وأخلاقي. ومن خلال هذا التعدد، تكتسب قوة تتجاوز أثرها التجاري المباشر. إن الهدف، كما توحي المؤلفة، لا ينحصر في تقليص أرباح شركة، بل في إعادة تشكيل الإدراك العام لقضية ما.

في الفصل العاشر، تنتقل فلورنس بيرغو-بلاكليه إلى أفق مختلف ظاهرياً، لكنه امتداد منطقي لتحليلها: «الحلال الرقمي». هنا تتناول دخول الذكاء الاصطناعي في صناعة الحلال، من فحص طلبات الشهادة إلى مراقبة سلاسل الإمداد، وصولاً إلى تطوير منصات فتوى مدعومة بالخوارزميات. تُظهر الكاتبة كيف أن التقنية، التي يُفترض أنها أداة محايدة، تُدمج ضمن مشروع معياري يسعى إلى ضمان الامتثال على نطاق واسع. فالخوارزمية لا تكتفي بتحليل بيانات، بل تُبرمج وفق معايير محددة مسبقاً حول ما هو مقبول وما هو مرفوض.

من منظور نقدي، يمكن قراءة هذا التحول بوصفه انتقالاً من «الحلال كإباحة» إلى «الحلال كإجراء تقني». فالقرار الذي كان يتطلب استشارة أو اجتهاداً فردياً، يمكن أن يُستبدل بإشارة خضراء على تطبيق رقمي. هذا التبسيط يحمل في طياته إغراءً واضحاً: تسهيل الحياة اليومية وتقليص مناطق الشك. غير أن بيرغو-بلاكليه تلمّح إلى ثمن محتمل لهذا التحول، إذ قد يؤدي الاعتماد المتزايد على أنظمة آلية إلى تراجع مساحة النقاش والاجتهاد التي شكّلت تاريخياً عنصراً حيوياً في الفقه الإسلامي.

تطرح الكاتبة الفرنسية سؤالاً ضمنياً حول ما يحدث عندما تتحول النية، التي تُعد عنصراً مركزياً في الأخلاق الدينية، إلى إجراء تقني. فإذا كان التطبيق هو من يقرر، فهل يبقى للفاعل البشري دور في الموازنة والتفكير؟ هنا لا تنتقد المؤلفة التكنولوجيا بذاتها، بل السياق الذي تُدرج فيه. فحين يُدمج الذكاء الاصطناعي ضمن منظومة تسعى إلى توسيع نطاق الامتثال، يمكن أن يتحول من أداة مساعدة إلى سلطة معيارية صامتة.

كما أن هذا «الحلال الرقمي» لا ينفصل عن التنافس الجيوسياسي الذي أشارت إليه في فصول سابقة. فالدول التي تستثمر في هذه المنصات تسعى إلى ترسيخ موقعها كمركز مرجعي في الاقتصاد الإسلامي العالمي. التقنية تصبح بذلك عنصراً من عناصر السيادة الرمزية، وليست مجرد تحسين إداري. ومن خلال برمجة قواعد الامتثال داخل الخوارزميات، يُنقل الجدل الفقهي إلى مستوى تصميمي يصعب مساءلته لاحقاً.

من زاوية تحليلية، يكشف الفصل العاشر عن مفارقة دقيقة: التقنية التي تُسوَّق بوصفها أداة لتيسير التقوى قد تُفضي إلى تقليص التجربة الدينية إلى سلسلة من قرارات آلية. فبدل أن يكون الالتزام نتاج تفكير وتأمل، يصبح نتيجة تحقق تقني. هذا لا يعني بالضرورة أن الإيمان يتراجع، لكنه يتخذ شكلاً مختلفاً، أكثر اقتراناً بالبنية الرقمية وأقل اعتماداً على الحوار الداخلي والجماعي.

في المحصلة، يبيّن الفصلان التاسع والعاشر أن «الجهاد عبر السوق» لا يقتصر على التمدد في قطاعات تجارية، بل يشمل إعادة تعريف أدوات الفعل السياسي والديني في عصر العولمة والرقمنة. فالمقاطعة تُعاد صياغتها كواجب تعبوي، والذكاء الاصطناعي يُدرج في منظومة الامتثال، والسوق يتحول إلى مسرح تتقاطع فيه الأخلاق والتقنية والسياسة. قراءة فلورنس بيرغو-بلاكليه تكشف أن ما يبدو خيارات استهلاكية أو تحسينات إجرائية قد يكون جزءاً من تحولات أعمق تمس تعريف السلطة المعيارية في العالم المعاصر.

خاتمة: السوق كقدرٍ أم كخيار؟

يقدّم كتاب الجهاد عبر السوق لفلورنس بيرغو-بلاكليه أطروحة طموحة ومثيرة للجدل، إذ يسعى إلى إعادة قراءة تحولات الاقتصاد الحلال لا بوصفها مجرد ظاهرة استهلاكية أو دينية، بل مشروعاً معيارياً ذا أبعاد سياسية وحضارية. على امتداد فصول الكتاب، تبني الكاتبة تصوراً متماسكاً مفاده أن السوق لم يعد فضاءً محايداً لتبادل السلع، بل تحوّل إلى أداة لإعادة تشكيل الوعي والولاءات والمرجعيات، وأن ما تسميه الجهاد عبر السوق هو استراتيجية طويلة النفس تستثمر آليات العولمة ذاتها لتحقيق أهداف معيارية.

من الناحية التحليلية، تكمن قوة الكتاب في قدرته على الربط بين مستويات متعددة: الفقه والشهادة والدولة والإعلام والمقاطعة والذكاء الاصطناعي. يمنح  هذا التشبيك القارئ رؤية شاملة لبنية معقدة تتجاوز الصور النمطية التي تختزل الحلال في ذبح طقوسي أو ملصق على منتج غذائي. لقد نجحت بيرغو-بلاكليه في إظهار كيف أن المعيار الديني، حين يدخل في شبكات التقييس العالمية، لا يفقد بالضرورة طابعه القيمي، بل يكتسب قابلية للانتشار والهيمنة الرمزية. كما أن تحليلها للفاعلين «الهجناء» يضيء منطقة رمادية طالما بقيت خارج الرصد الدقيق: تلك المساحة التي يتقاطع فيها رأس المال بالمرجعية الدينية.

تبني الكاتبة تصوراً متماسكاً مفاده أن السوق لم يعد فضاءً محايداً لتبادل السلع، بل تحوّل إلى أداة لإعادة تشكيل الوعي والولاءات والمرجعيات، وأن ما تسميه الجهاد عبر السوق هو استراتيجية طويلة النفس تستثمر آليات العولمة ذاتها لتحقيق أهداف معيارية

غير أن القراءة النقدية للكتاب تقتضي أيضاً مساءلة بعض افتراضاته الأساسية. فالأطروحة، في سعيها لإبراز البعد الاستراتيجي لمشروع الاقتصاد الإسلامي، تميل أحياناً إلى تأطير الظاهرة في إطار غائي منسجم، وكأن مختلف الفاعلين يتحركون ضمن أفق موحّد. بينما الواقع، كما توحي بعض الشواهد ذاتها في الكتاب، يكشف عن تباينات وتوترات واختلافات عميقة بين الدول، وبين الحركات، بل وداخل المؤسسة الدينية نفسها. السوق ليس دائماً أداة في يد مشروع متماسك، بل هو أيضاً فضاء صراع بين رؤى متنافسة، بعضها براغماتي، وبعضها هوياتي، وبعضها محض تجاري.

كما أن ربط توسع الحلال بمفهوم «الجهاد»، حتى وإن كان في معناه المجازي أو الفكري، يمنح الأطروحة شحنة تفسيرية قوية، لكنه في الوقت نفسه قد يختزل تعقيد الظاهرة في منطق تعبوي. فالكثير من الممارسات التي ترصدها الكاتبة يمكن قراءتها أيضاً في ضوء تحولات الهوية في سياق الأقليات، أو في إطار اقتصاديات التمايز الثقافي التي لا تقتصر على المسلمين وحدهم. فكما نشأت أسواق «كوشير» أو أسواق بيئية أو نباتية ذات حمولة أخلاقية، يمكن النظر إلى سوق الحلال كجزء من موجة أوسع من «أخْلَقة» الاستهلاك في زمن العولمة.

إحدى أهم إسهامات الكتاب تكمن في تحليله للحلال الرقمي، حيث تطرح بيرغو-بلاكليه سؤالاً حاداً حول انتقال المعيار من مجال الاجتهاد البشري إلى منطق الخوارزمية. يفتح  هذا التحليل أفقاً نقدياً مهمًا يتجاوز الحالة الإسلامية، إذ يلامس مسألة أعمق تتعلق بتقنين الأخلاق عبر أنظمة تقنية. غير أن هذا الطرح يمكن تعميمه على تحولات أوسع في المجتمعات المعاصرة، حيث تُفوّض قرارات عديدة، مالية وصحية وإعلامية، إلى خوارزميات. فهل المشكلة تكمن في «الحلال الرقمي» تحديداً، أم في نزعة الحداثة الرقمية إلى تحويل كل قيمة إلى إجراء قابل للبرمجة؟

على مستوى الخطاب، يلفت الكتاب الانتباه إلى قدرة بعض الفاعلين على توظيف مفردات العدالة وحقوق الإنسان ضمن إطار ديني محافظ. هذا التداخل بين خطابين، أحدهما تقدمي ظاهرياً والآخر تقليدي مرجعياً، يمثل إحدى أكثر نقاط التحليل إثارة في العمل. ومع ذلك، فإن هذا التوصيف قد يغفل حقيقة أن الخطابات المعاصرة، في مجملها، هجينة بطبيعتها، وأن استدعاء مفردات العدالة أو الكرامة لا يعني بالضرورة تغليفاً استراتيجياً لمضمون مضاد، بل قد يعكس تحولات حقيقية في أنماط التدين ذاتها.

يبقى السؤال المركزي الذي يطرحه الكتاب، وإن بشكل غير مباشر، هو: هل يمكن للسوق أن يكون أداة لتحويل العالم وفق رؤية معيارية، أم أن السوق بطبيعته يذيب كل مشروع في منطق الربح؟ تميل بيرغو-بلاكليه إلى الإجابة الأولى، معتبرة أن الاقتصاد الإسلامي يسعى إلى إعادة تعريف قواعد اللعبة من الداخل. غير أن التجربة التاريخية للرأسمالية تُظهر قدرتها الكبيرة على استيعاب الخطابات الأخلاقية وتحويلها إلى منتجات. فربما يكون الكتاب أقل صلابة مما يبدو، وأكثر عرضة لإعادة الامتصاص ضمن منطق المنافسة والربحية.

في النهاية، يظل الكتاب مساهمة فكرية جريئة في نقاش حساس، لأنه لا يكتفي بوصف ظاهرة، بل يقترح إطاراً تفسيرياً شاملاً لها. قوته تكمن في جرأته على الربط بين الاقتصاد والسياسة والدين والتقنية ضمن رؤية واحدة. أما ضعفه المحتمل فيكمن في ميله إلى قراءة هذا الترابط بوصفه مساراً متماسكاً أكثر مما هو عليه في الواقع.

ومع ذلك، فإن قيمة العمل لا تُقاس بمدى اتفاق القارئ مع جميع استنتاجاته، بل بقدرته على إثارة الأسئلة. وينجح الكتاب في ذلك بوضوح: فهو يدفعنا إلى إعادة التفكير في معنى الاستهلاك، في حدود الحياد الاقتصادي، وفي الكيفية التي تتحول بها القيم إلى معايير، والمعايير إلى أدوات نفوذ. وبين السوق كقدر مفروض والسوق كخيار استراتيجي، يضعنا الكتاب أمام مفترق طرق فكري لا يمكن تجاوزه بسهولة.

    فؤاد غربالي

    أستاذ علم الاجتماع ، تونس