كيف تحقّق مصر «الاستدامة المالية»؟ ومن يدفع ثمنها؟
يتوقّع البنك الدولي، في تقرير «الآفاق الاقتصادية العالمية» الصادر في حزيران/يونيو 2026، أن يرتفع معدل النمو الاقتصادي في مصر من 2.4% في العام المالي 2023-2024 إلى 4.6% في العام المالي 2025-2026، مع استمرار التحسن خلال السنوات التالية. ويربط هذا التحسن باستمرار الحكومة في سياسات التقشّف، أو ما يسمّيه البنك بسياسات «الضبط المالي»، الرامية إلى تحقيق فوائض أولية وخفض الدين العام، باعتبارها شرطاً للحفاظ على الاستقرار المالي.
غير أن تحقيق هذه «الاستدامة المالية» يثير إشكالية أهم تتعلّق بكيفية تحقيق هذا الفائض، ومن يتحمّل كلفة السياسات التي تقود إليه.
ما هي الاستدامة المالية
يقصد البنك الدولي بـ«الاستدامة المالية» قدرة الدولة على إدارة ماليتها العامة بطريقة تمكّنها من الوفاء بالتزاماتها، وفي مقدمتها خدمة الدين العام، ويربط هذا المفهوم بقدرة الدولة على تمويل التزاماتها من دون تعريض النمو الاقتصادي أو الاستقرار المالي للخطر.
إلا أن هذا المفهوم ليس محل إجماع. ففي الأدبيات الاقتصادية النقدية، تُثار تساؤلات عن الكيفية التي تتحقّق بها الاستدامة المالية، إذ ترى هذه الأدبيات أن التركيز على استقرار المؤشرات المالية قد يأتي أحياناً على حساب أهداف أخرى، مثل التشغيل، والأجور، والإنفاق الاجتماعي، والاستثمار العام. ومن هذا المنظور، لا يقتصر تقييم الاستدامة المالية على قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، بل يشمل أيضاً الكيفية التي تتحقق بها، ومن يتحمل كلفتها داخل المجتمع.
وبالفعل، يظهر الرابط بين الاستدامة المالية وارتفاع مستويات الدين العام بحسب بيانات البنك الدولي نفسه. فقد أدّت زيادة الدين في الاقتصادات النامية منذ عام 2010 إلى رفع متوسط تكلفة الاقتراض الخارجي بنحو 110 نقاط أساس، والمحلي بنحو 30 نقطة أساس، ما قلّص الموارد المتاحة للاستثمار والإنفاق التنموي.
كيف تحقّق مصر الاستدامة المالية؟
تترجم الحكومة المصرية مفهوم الاستدامة المالية إلى مجموعة من الأهداف الكمية، أبرزها تحقيق فوائض أولية، وخفض نسبة الدين العام، والحفاظ على القدرة على خدمة الدين. وتعكس السياسات المالية خلال السنوات الأخيرة هذا التوجه. فوفق البيان المالي لموازنة العام المالي 2025-2026، تستهدف الحكومة تحقيق فائض أولي يبلغ 795 مليار جنيه، بما يعادل نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى مستوى تستهدفه منذ بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي، كما تستهدف خفض نسبة الدين العام لأجهزة الموازنة إلى نحو 82.9% من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي المقابل، تكشف بيانات الموازنة حجم الضغوط التي يفرضها الدين العام على المالية العامة، إذ تستحوذ فوائد الدين وحدها على نحو 2.3 تريليون جنيه من إجمالي إنفاق مقدر بنحو 4.6 تريليون جنيه خلال العام المالي 2025-2026، أي ما يقارب نصف الإنفاق الحكومي. ويشير ذلك إلى أن إدارة الدين العام أصبحت أحد المحاور الرئيسية للسياسة المالية المصرية.
كيف تحقّق الدولة الفائض الأولي؟
يرى البنك الدولي أن تحقيق فوائض أولية، إلى جانب زيادة الإيرادات العامة وضبط الإنفاق، يشكل أحد الأدوات الرئيسية لتعزيز الاستدامة المالية والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي. وتتبع مصر هذا النهج منذ سنوات، إذ أصبح تحقيق الفائض الأولي أحد الأهداف الرئيسية للسياسة المالية. وفي مشروع موازنة العام المالي 2025-2026، تستهدف الحكومة تحقيق فائض أولي يبلغ 795 مليار جنيه، بما يعادل نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي.
لكن تحقيق هذا الفائض يثير سؤالاً أساسياً: من أين يأتي؟ تُظهر بيانات مشروع الموازنة أن الإيرادات العامة المقدرة تبلغ نحو 3.1 تريليون جنيه، منها 2.6 تريليون جنيه إيرادات ضريبية، أي ما يعادل نحو 84% من إجمالي الإيرادات العامة، مع استهداف زيادة الحصيلة الضريبية بنحو 38% بالمقارنة مع العام المالي السابق. ووبحسب وزير المالية أحمد كجوك، ستتحقق هذه الزيادة من خلال توسيع القاعدة الضريبية، ورفع كفاءة الإدارة الضريبية، وزيادة معدلات الامتثال الضريبي. وفي المقابل، تستهدف الحكومة إنفاق نحو 4.6 تريليون جنيه خلال العام المالي 2025-2026، فيما تستحوذ فوائد الدين وحدها على نحو 2.3 تريليون جنيه، لتظل أكبر بند منفرد في الموازنة العامة، بما يعادل قرابة نصف الإنفاق الحكومي.
وتوضح هذه الأرقام أن تحقيق الفائض الأولي لا يعني تراجع أعباء الدين، إذ يُحتسب الفائض قبل سداد فوائد الدين، بل يعبّر عن الفارق بين ما تجبيه الدولة من سكانها وما تنفقه عليهم. ليستخدم هذا الفائض الناتج عن حجم إيرادات أكبر من حجم النفقات في دفع فوائد الدين التي باتت تستهلك جزءاً كبيراً من الموارد العامة. لكن السؤال لا يتعلق بحجم الفائض وحده، بل بالوسائل التي يُحقَّق بها، ومن يتحمل كلفة هذه السياسات.
من يتحمّل تكلفة الاستدامة المالية؟
لا يقتصر أثر ارتفاع الدين العام، بحسب البنك الدولي، على زيادة أعباء خدمة الدين، بل يمتد إلى الاقتصاد والمجتمع عبر قنوات متعددة، تشمل الضغوط على الإيرادات والإنفاق العام، وارتفاع تكلفة التمويل، وتراجع الاستثمار والنمو. ويحذّر التقرير من أن تخصيص موارد أكبر لسداد الديون يقلّص الموارد المتاحة للإنفاق التنموي، ويؤثر في الاستثمار وفرص العمل.
وفي الحالة المصرية، يمكن تتبّع هذا الانتقال من المؤشرات المالية إلى الاقتصاد الحقيقي عبر أكثر من مسار. فأحد هذه المسارات يتمثل في الاعتماد المتزايد على الإيرادات الضريبية لتحقيق الفائض الأولي، ولا يتعلق الأمر بحجم الإيرادات الضريبية فحسب، بل أيضاً بطبيعتها. فضرائب السلع والخدمات، وفي مقدمتها ضريبة القيمة المضافة، تعد من أكبر مصادر الحصيلة الضريبية، وهي ضرائب تُفرض على الاستهلاك، ما يعني أن أثرها يمتد إلى معظم المستهلكين، وإن كان يختلف باختلاف مستويات الدخل وأنماط الإنفاق.
ومن جهة أخرى، واصلت الحكومة خلال السنوات الأخيرة إعادة هيكلة أسعار الطاقة والخدمات العامة، فرفعت أسعار الوقود والكهرباء والمياه وخدمات النقل العام، في إطار سياسات تستهدف خفض العبء المالي على الموازنة العامة وتقليص الدعم.
وتزامنت هذه الإجراءات مع موجة تضخم مرتفعة، بلغ معدلها السنوي في المدن المصرية 38% في أيلول/سبتمبر 2023، قبل أن يتراجع تدريجياً إلى 12.3% في نهاية عام 2025. إلا أن تراجع معدل التضخم لا يعني انخفاض الأسعار، بل تباطؤ وتيرة ارتفاعها، أي إن الأسر لا تزال تواجه مستويات أسعار أعلى بكثير مما كانت عليه قبل الأزمة التضخمية.
تشير هذه المؤشرات إلى أن كلفة تحقيق الاستدامة المالية لا تبقى محصورة في الموازنة العامة، بل تنتقل إلى الاقتصاد الحقيقي عبر زيادة الاعتماد على الإيرادات الضريبية، وارتفاع أسعار السلع والخدمات، وتآكل القدرة الشرائية، والضغوط التي تواجه الاستثمار. وبذلك، لا يقتصر تقييم الاستدامة المالية على قياس الفائض الأولي أو انخفاض الدين العام، بل يشمل أيضاً الكيفية التي تتحقق بها هذه النتائج، ومن يتحمل كلفتها داخل المجتمع. فنجاح السياسة المالية لا يُقاس بالأرقام وحدها، وإنما أيضاً بقدرتها على تحقيق الاستقرار من دون تحميل الفئات الأكثر هشاشة العبء الأكبر من كلفة التكيف.