كيف تحوّل الدين العام في مصر إلى قناة ضخمة لإعادة توزيع الدخل من أسفل إلى أعلى؟
حين أعلنت الحكومة المصرية مشروع موازنة العام المالي 2026-2027، قدّمت زيادة الإيرادات الضريبية بنسبة 27.6% باعتبارها خطوة ضرورية للحفاظ على الانضباط المالي وخفض عجز الموازنة وتعزيز الإنفاق على الفئات الأكثر هشاشة. غير أن قراءة تفصيلية لبنود الموازنة تكشف أنّ الدولة لا تسعى إلى جمع ضرائب أكثر، بل إلى جمعها من الجهات نفسها تقريباً التي تحملت العبء الضريبي خلال السنوات الماضية، أي الموظفين وأصحاب المهن والمستهلكين.
في الوقت نفسه، لا تذهب الحصة الأكبر من هذه الموارد إلى توسيع الخدمات العامة أو تحسين مستويات المعيشة، بل إلى بند واحد يبتلع معظم الإيرادات العامة، وهو بند خدمة الدين. فبينما ترتفع الضرائب على العمل والاستهلاك، تستحوذ فوائد وأقساط الديون على نحو ثلاثة أرباع ما تجبيه الدولة.
هنا يبرز السؤال الأساسي: إذا كان المواطن يدفع المزيد من الضرائب، فمن المستفيد النهائي من هذه الأموال؟ وهل تؤدي السياسة الضريبية الحالية إلى إعادة توزيع أكثر عدالة للثروة والدخل، أم أنها تنقل الموارد من أصحاب الدخول المحدودة إلى حملة أدوات الدين والمؤسسات المالية؟
1. الدين أولاً
تقدّر الحكومة المصرية إيرادات الموازنة الجديدة بنحو 4 تريليونات جنيه، مقابل نفقات تصل إلى 5.1 تريليونات جنيه بزيادة سنوية تبلغ 13.2%. ولتغطية هذا الفارق والحفاظ على مستويات العجز المستهدفة، تراهن الدولة بصورة أساسية على زيادة الإيرادات الضريبية، وتهدف الى رفعها بنسبة 27.6% بالمقارنة مع العام السابق، بعدما سجلت نمواً بنحو 23% خلال العام المالي الماضي.
لكن لا تكمن المشكلة في حجم النفقات فقط، بل في طبيعة توزيعها. تستحوذ فوائد وأقساط الديون على نحو 76% من إيرادات الدولة، وتزعم الحكومة انها تنوي خفضها تدريجياً إلى 68.4% بحلول عام 2030. بمعنى آخر، يذهب أكثر من ثلاثة أرباع ما تجبيه الدولة إلى خدمة الدين، فيما يتبقى أقل من ربع الإيرادات لتمويل الخدمات العامة والاستثمارات والبرامج الاجتماعية وتشغيل الادارة العامّة، بما في ذلك الاجور والرواتب.
لا يقتصر الأمر على الضرائب. تسعى الحكومة أيضاً إلى توسيع الإيرادات غير الضريبية عبر بيع الأصول العامة والتخارج من بعض الأنشطة الاقتصادية والتوسع في برامج مبادلة الديون بالاستثمارات. ويمنح مشروع الموازنة أولوية واضحة لاستخدام الإيرادات الاستثنائية الناتجة عن التخارج في خفض المديونية، بما يعكس أن إدارة الدين أصبحت الهدف المركزي للسياسة المالية.
وفي هذا السياق، لا تبدو زيادة الضرائب مجرد أداة لتمويل الخدمات العامة، بل جزءاً من استراتيجية أوسع لتوفير الموارد اللازمة للحفاظ على قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها تجاه الدائنين.
وتتضح هذه الأولوية أكثر إذا ما نظرنا إلى الجهات المستفيدة من خدمة الدين. إذ لا تعود فوائد السندات وأذون الخزانة إلى المواطنين الذين يدفعون الضرائب، بل إلى البنوك والمؤسسات المالية والمستثمرين المحليين والأجانب وحملة أدوات الدين الحكومية. وخلال فترات الأزمات، وصلت العوائد على بعض هذه الأدوات إلى مستويات قاربت 30%، ما جعل الدين العام أحد أكثر قنوات تحويل الموارد العامة إلى القطاع المالي ربحية.
2. من يدفع الضرائب؟
إذا كان المستفيدون من خدمة الدين معروفين نسبياً، فإن السؤال الآخر يتعلق بمن يمول هذه العملية.
تكشف بنية الإيرادات الضريبية في مشروع الموازنة أن الحكومة تعتمد بصورة متزايدة على الضرائب المفروضة على الأجور والدخول الفردية والاستهلاك. فقد ارتفعت حصيلة الضرائب على الدخل الوظيفي إلى 333 مليار جنيه، بالمقارنة مع 222 مليار جنيه في العام السابق، كما ارتفعت الضرائب المفروضة على أصحاب المهن الحرة والأنشطة التجارية الفردية.
وفي المقابل، تراجعت حصيلة ضريبة الثروة العقارية من 3.2 مليارات جنيه إلى 2.4 مليارات جنيه، على الرغم من الارتفاعات الكبيرة التي شهدتها أسعار العقارات خلال السنوات الأخيرة. ويشير ذلك إلى أن العبء الضريبي لا ينتقل نحو الثروة والأصول بقدر ما يتركز على العمل والدخل.
ولا يقتصر الأمر على ضرائب الدخل. فقد ارتفعت حصيلة ضريبة القيمة المضافة على السلع والخدمات المحلية إلى 248 مليار جنيه، مقابل 187 ملياراً في العام السابق. وتُفرض هذه الضريبة على طيف واسع من السلع والخدمات التي يستهلكها المواطنون يومياً، ما يجعل أثرها أكبر على الأسر محدودة ومتوسطة الدخل التي تنفق معظم دخولها على الاستهلاك.
وتكشف أرقام الموازنة أيضاً اختلالاً واضحاً في توزيع العبء الضريبي. فبينما تستهدف الدولة تحصيل نحو 1.3 تريليون جنيه من الضرائب على دخول الأفراد وأرباحهم ومكاسبهم، لا تتجاوز حصيلة الضرائب على الشركات 495 مليار جنيه. ويعكس هذا الفارق اعتماداً أكبر على الضرائب المرتبطة بالأفراد والاستهلاك بالمقارنة مع الضرائب المفروضة على رأس المال والشركات.
وبذلك، لا يأتي الجزء الأكبر من الزيادة الضريبية من الثروة أو الأرباح الكبيرة، بل من دخول العاملين وأصحاب المهن ومن استهلاك ملايين المواطنين للسلع والخدمات الأساسية.
3. على ماذا يحصل المواطن في المقابل؟
تُبرّر الحكومة التوسّع في الضرائب بالحاجة إلى تمويل الخدمات العامة وتحسين أوضاع العاملين في الدولة وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية. غير أن بنود الموازنة تطرح تساؤلات عن حجم المكاسب التي تعود فعلياً على المواطنين مقابل الزيادات المستمرة في الأعباء الضريبية.
فعلى الرغم من ارتفاع مخصصات الأجور وتعويضات العاملين في المجمل، يبدو أن توزيع هذه الزيادات غير متوازن. فقد تراجع بدل عمل الأطباء من 76 مليون جنيه إلى 73 مليون جنيه، كما انخفضت مخصصات بدلات المعلمين والمهندسين الزراعيين والمهندسين والمحامين، إضافة إلى علاوات الحد الأدنى لحاملي درجتي الماجستير والدكتوراه، بنسب تراوحت بين 9% و25%.
وتشير هذه الأرقام إلى أن زيادة الإيرادات لا تنعكس بالضرورة تحسّنا مباشرا في أوضاع القطاعات المهنية التي يعتمد عليها تقديم الخدمات العامة. كما تكشف محدودية قدرة الدولة على توسيع الإنفاق الاجتماعي في ظل استمرار استحواذ خدمة الدين على القسم الأكبر من الموارد.
وهكذا، يجد المواطن نفسه أمام معادلة غير متكافئة: يدفع ضرائب أعلى على دخله واستهلاكه، بينما لا يحصل بالضرورة على تحسن موازٍ في الخدمات العامة أو في شروط المعيشة. أما الجزء الأكبر من الموارد التي يساهم في توفيرها، فيذهب إلى خدمة دين تستفيد منه مؤسسات مالية ومستثمرون أكثر مما تستفيد منه الفئات التي تتحمل عبء التمويل.
4. العدالة المفقودة
في المحصلة، تكشف موازنة 2026-2027 عن مفارقة أساسية: فبينما تُقدَّم الضرائب باعتبارها أداة لتمويل التنمية والحماية الاجتماعية، تتحول عملياً إلى قناة تنقل جزءاً متزايداً من دخول أصحاب الأجور والطبقات الوسطى إلى الخزانة العامة، ومنها إلى خدمة الدين، التي يستفيد القطاع المالي وحملة أدوات الدين منها. وهكذا، تصبح الضرائب أقل قدرة على إعادة توزيع الدخل والثروة، وأكثر قدرة على إعادة إنتاج التفاوت الاجتماعي.
لا تُقاس عدالة النظام الضريبي بحجم الإيرادات التي يحققها، بل بكيفية توزيع العبء الضريبي والجهة التي تستفيد من حصيلته. فمن الناحية النظرية، يفترض أن تؤدي الضرائب دوراً في إعادة توزيع الدخل والثروة والحد من التفاوت الاجتماعي، عبر زيادة مساهمة الفئات الأكثر قدرة على الدفع وتخفيف العبء عن الفئات الأقل دخلاً.
غير أن هيكل الضرائب في مصر يكشف اتجاهاً مختلفاً. تعتمد الحصيلة الضريبية بصورة متزايدة على الضرائب المفروضة على العمل والاستهلاك، في حين تبقى مساهمة الثروة والأصول الكبيرة محدودة. وفي الوقت نفسه، يذهب القسم الأكبر من الموارد العامة إلى خدمة الدين، لا إلى إعادة توزيع الثروة أو توسيع الإنفاق الاجتماعي بالقدر نفسه.
صحيح أن الإيرادات الضريبية في مصر لا تزال منخفضة مقارنة بمتوسطات دولية وإقليمية، اذ تبلغ 13% من الناتج المحلي الإجمالي بالمقارنة مع متوسط عالمي يقارب 19%، ونسبة 20% في دول عربية مثل تونس والمغرب والجزائر، لكن المشكلة لا تتعلق فقط بحجم الضرائب المحصلة، بل بمن يدفعها وكيف تُستخدم.