لماذا أصبح الحصول على سكن لائق مكلفاً جداً؟
أصبحت أزمة السكن واحدة من أبرز أزمات القرن الحادي والعشرين. فاليوم، يفتقر أكثر من 3.4 مليار شخص حول العالم إلى سكن يوفّر لهم حياة لائقة، من بينهم أكثر من 1.1 مليار شخص يعيشون في مستوطنات غير رسمية وعشوائيات، وهو أعلى مستوى يُسجَّل حتى اليوم. بينما يُعرب نحو ربع البالغين في 108 بلدان عن مخاوفهم بشأن فقدان حقوقهم في الأرض أو السكن، كما يشير تقرير برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية في تقرير المدن العالمية للعام 2026.
يحدث هذا لأن كثيراً من الناس حول العالم لم يعودوا قادرين على تحمّل تكاليف السكن اللائق، إذ بلغت أسعار المساكن في العام 2023 نحو 12 ضعف الدخل العالمي للأسرة، بزيادة قدرها 23% مقارنة بعام 2010. و تنفق 44% من الأسر على مستوى العالم أكثر من 30% من دخلها على الإيجار، وهو عبء يرتفع بشكل حاد إلى 55% في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
هنا يُطرح السؤال: لماذا أصبحت كلفة السكن اللائق باهظة الى هذا الحد؟ لا يقتصر تفسير هذه الظاهرة على ارتفاع تكاليف البناء والنمو السكاني المتسارع فحسب، بل في التراجع التدريجي لدور الدولة في توفير السكن والتخطيط العمراني. فعلى مدى عقود، تخلّت الحكومات تدريجيًا عن فكرة أن السكن حق اجتماعي، وبدأت تتعامل معه بشكل متزايد كسلعة تخضع لمنطق السوق. وكانت النتيجة نظامًا يُنتج السكن من أجل الربح، بدلًا من تلبية حاجات الناس الأساسية.
8 عقود من تغييب الدولة وتغليب السوق
بعد الحرب العالمية الثانية، أسهم حجم الدمار الهائل وما نتج عنه من أزمات سكنية واقتصادية في تعزيز دور الحكومات الغربية والمنظمات الدولية، كالأمم المتحدة والبنك الدولي، في رسم سياسات الإسكان العالمية، وهي سياسات لا زلنا نشعر بآثارها حتى اليوم.
انطلقت هذه المؤسسات من قناعة مفادها أن سياسات الإسكان العام، التي تتولى فيها الدولة توفير المساكن للناس بشكل مباشر، تُحمّل الحكومات تكاليف مرتفعة، خاصة في الدول حديثة الاستقلال والاقتصادات النامية. بدلًا من ذلك، شجّعت على اعتماد سياسات تُكلَّف فيها الأسر ببناء أو تحسين مساكنها، مع تقديم دعم حكومي محدود وإشراك القطاع الخاص.
بحلول ستينيات القرن الماضي، أصبحت هذه السياسات هي النموذج السائد عالميًا في مجال الإسكان. وفي بلدان الجنوب، بدأت الحكومات تتخلى تدريجيًا عن الإسكان العام، وتركّز بدلًا من ذلك على تطوير الأحياء العشوائية وتقديم أراضٍ وخدمات أساسية، اعتمادًا على فكرة تقليل التكاليف وتحقيق الجدوى المالية.
مهّد ذلك الطريق للإصلاحات النيوليبرالية في أواخر الثمانينيات، حيث تحولت سياسات الإسكان نحو إعادة الهيكلة المؤسسية، وتعزيز الملكية الخاصة، وتوسيع التمويل العقاري، بهدف تحويل الإسكان إلى قطاع اقتصادي تحكمه السوق، مع حصر دور الدولة في التنظيم والإشراف.
وبات يُنظر إلى الشركات الخاصة ومنظمات المجتمع المدني – مثل المنظمات غير الحكومية والجمعيات التطوعية والمبادرات المجتمعية – على أنها أكثر كفاءة من مؤسسات الدولة في تقديم خدمات الإسكان.
كما شهدت هذه المرحلة ظهور قمم ومؤتمرات دولية لعبت دورًا مهمًا في توجيه سياسات السكن عالميًا، وقد ساهم البنك الدولي بشكل كبير في نشر هذه الأفكار مستفيدًا من نفوذه كمُقرض رئيسي للحكومات، خصوصًا في الدول المستقلة حديثًا.
ساهم هذا النهج في توسيع فرص السكن للطبقة الوسطى الصاعدة عبر مناطق مختلفة من العالم، إلا أن الآليات القائمة على السوق وتراجع دور الدولة عمّقت عدم المساواة بالنسبة للفئات ذات الدخل المحدود. أما بالنسبة لغالبية السكان الذين يعيشون في المستوطنات غير الرسمية أو العشوائيات، فقد أدت السياسات السوقية في كثير من الأحيان إلى زيادة انعدام الأمان السكني. فضلاً عن ذلك، تعرّض هذا النهج لانتقادات متعلقة بإهماله للتخطيط طويل الأمد والقضايا البنيوية الأوسع.
بحلول الألفية، ظهرت مقاربات متعددة لمعالجة إسكان ذوي الدخل المحدود، مع تركيز السياسات بشكل متزايد على تحسين ظروف المعيشة والسكن والبنية التحتية الأساسية داخل الأحياء غير الرسمية والعشوائيات القائمة، بدلًا من نقل السكان إلى مناطق جديدة.
كما شهدت هذه المرحلة توجّهًا أكبر نحو اللامركزية، من خلال منح الحكومات المحلية والإقليمية دورًا أكبر، إلى جانب توسّع الشراكات بين مختلف القطاعات، حيث لعبت المنظمات غير الحكومية والمبادرات المجتمعية دورًا أساسيًا في مجالات مثل التمكين المالي، وإنتاج البيانات، وتعزيز المشاركة المجتمعية.
بحلول العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، تزايد الإدراك بأن سياسات الإسكان القائمة على آليات السوق لم تنجح في تحقيق الأهداف الاجتماعية والاقتصادية المرجوة. وقد تعزز هذا الإدراك مع تصاعد سياسات التقشف، وارتفاع معدلات التشرد، وتنامي المخاوف بشأن عدم المساواة في الخدمات التي يقدمها القطاع الخاص، فضلاً عن الأزمة المالية العالمية عام 2008 التي كشفت هشاشة أنظمة الرهن العقاري وتقلباتها وطابعها الاستغلالي.
حفّز هذا الأمر اهتماماً متجدداً ببرامج الإسكان واسعة النطاق وعودة جزئية للدولة، إلا إنها لم تعُد كجهة بناء ضخمة، بل كجهة تمكين مباشرة، لا سيما من خلال التمويل والاستثمارات العامة الضخمة.
ومع مرور الوقت، تبيّن أن العودة الجزئية للدولة إلى قطاع الإسكان لم تكن كافية للحد من اندفاع السوق نحو رفع الأسعار، ولا سيما خلال فترات الأزمات، كما أظهرت جائحة كوفيد-19. فقد تسببت الجائحة في موجة ارتفاع حادة لأسعار المساكن على مستوى العالم، مما عمّق أزمة القدرة على تحمّل تكاليف السكن لدى شريحة واسعة من الأسر.
حينها استجابت الحكومات بأدوات مالية كوقف عمليات الإخلاء، ودعم المستأجرين وأصحاب المنازل، وتخفيضات ضريبية للمؤجرين، إلى جانب تدابير مكانية وإدارية. لكن في المجمل "أكدت الاستجابة الطارئة الشاملة أن السكن لا يزال يُعامل في المقام الأول كسلعة وليس كحق اجتماعي،" كما يشير برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية.
في عالم ما بعد الجائحة، الذي ما زال يواجه أزمات متتالية، تُظهر البيانات أن توفير سكن لائق للجميع لا يزال بعيد المنال في ظل نظام الإسكان القائم على السوق: اليوم، يفتقر نحو 3.4 مليار شخص إلى سكن لائق، ولا يقتصر هذا المفهوم على المأوى فقط، بل يشمل أيضًا الوصول إلى الخدمات الأساسية، وأن يكون موقعه قريبًا من فرص العمل، ويجب أن يكون السكن ميسور التكلفة بحيث لا يؤثر على تلبية الاحتياجات الأساسية الأخرى. كما ينبغي أن يوفر مساحة معيشية آمنة وصحية، وأن يكون متاحًا للفئات الضعيفة.. إضافة إلى ذلك، يتطلب السكن حماية قانونية تضمن عدم التعرض للإخلاء القسري، كما يجب أن يحترم الهوية الثقافية من خلال التصميم ومواد البناء المناسبة.
لماذا فشل السوق؟
كان الوعد الذي قدمته سياسات الإسكان القائمة على السوق أن يؤدي الاستثمار الخاص والمنافسة إلى زيادة المعروض من المساكن وتحسين القدرة على تحمل تكاليفها. إلا أن الواقع أظهر عكس ذلك بالنسبة لشرائح واسعة من السكان.
فشل السوق في مواكبة النمو السكّان الهائل، إذ تضاعف عدد سكان العالم خلال الخمسين عاماً الماضية، وسجّل زيادة بنسبة 31% بين عامي 2010 و2023. وفي المقابل، ارتفع النقص في المساكن من 251 مليون وحدة في العام 2010 إلى 288 مليون وحدة في العام 2023، وهو اتجاه متواصل في العديد من مناطق العالم، خاصة أفريقيا جنوب الصحراء.
لكن المشكلة لا تقتصر على نقص المعروض فحسب، بل تشمل أيضاً نوعية المساكن المُشيدة والفئة المستهدفة. ففي العديد من المدن، يتجه المطورون العقاريون بشكل متزايد إلى بناء مساكن تستهدف المشترين ذوي الدخل المرتفع أو المستثمرين، نظراً لارتفاع أرباحهم.
ونتيجة لذلك، تتوسع الشقق الفاخرة والمشاريع العقارية القائمة على المضاربة، بينما يبقى السكن الميسور التكلفة مهملاً. وفي بعض الدول، تتراوح نسبة الوحدات السكنية الشاغرة أو غير المأهولة بشكل كافٍ بين 10 و15% حتى في أوقات النقص الحاد في المساكن.
في الوقت نفسه، أصبح قطاع الإسكان شديد التأثر بالقطاع المالي. فابتداءً من ثمانينيات القرن الماضي، أدى رفع القيود التنظيمية إلى توسيع نطاق الإقراض العقاري وتخفيف القيود المفروضة على الاستثمار المحلي والأجنبي في هذا القطاع. وتحولت المنازل والرهون العقارية بشكل متزايد إلى أصول مالية قابلة للتداول والمضاربة كالأسهم والسلع.
غيّر هذا التوجه المالي الغرض من الإسكان نفسه. فبدلاً من أن تُقيّم المنازل في المقام الأول كمساكن، أصبحت أدوات للاستثمار وتكوين الثروة. وأدى سهولة الحصول على الائتمان إلى ارتفاع الأسعار بوتيرة أسرع من وتيرة بناء منازل جديدة، مما خلق دورات مضاربة ارتفعت فيها قيمة العقارات باستمرار لتتجاوز قدرة الدخل العادي على تحملها.
السوق نقيض الدولة
بينما تعتمد أنظمة الإسكان القائمة على السوق على الاستثمار الخاص، وحوافز الربح، والمنافسة، وآليات التسعير لتحديد إنتاج وتوزيع المساكن، تعمل الدولة وفقًا لأهداف اجتماعية وسياسية وأهداف المصلحة العامة.
في هذا السياق، يشير برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية أن الدولة ضرورية لتوفير سكن ميسور التكلفة للجميع، إذ "تُظهر خمسة عقود من التجربة أن النماذج المعتمدة على السوق أو المتمحورة حول التملّك لم تنجح وحدها في تلبية الاحتياجات المتزايدة للسكن اللائق، خاصة للفئات الأكثر ضعفًا. في المقابل، حققت البلدان التي حافظت على دور قوي للدولة في إدارة الأراضي والتمويل والتنظيم نتائج أكثر شمولاً واستقرارًا. ويؤكد ذلك أهمية تعزيز الدور المركزي للدولة في ضمان القدرة على تحمّل تكاليف السكن، وتعزيز المرونة، وحماية حق السكن".