كيف يتعايش الجوع مع السُمنة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟
يفتقد 1 من كل 6 أشخاص في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، أي نحو 142 مليون نسمة، القدرة على تأمين الغذاء، وفقاً لمقياس تجربة انعدام الأمن الغذائي (FIES)، وبذلك تكون المنطقة الثانية عالمياً في انتشار انعدام الأمن الغذائي، بعد أفريقيا جنوب الصحراء.
لكن اللافت أن ما يقرب من ثلثي البالغين (62%) في المنطقة نفسها يعانون من زيادة الوزن ويواجهون مخاطر صحية مرتبطة بذلك، وهي نسبة تفوق المتوسط المسجل في البلدان مرتفعة الدخل حول العالم والمقدّر بنحو 56% من السكّان، كما يشير تقرير «بناء الأمن الغذائي وخلق فرص العمل» الصادر عن البنك الدولي حزيران/يونيو 2026.
يمكن تفسير هذه المفارقة باختلاف مستويات الدخل بين بلدان المنطقة، كونها تضم بلداناً شديدة الثراء، مثل قطر والإمارات وبلدان الخليج الاخرى، وأخرى تعاني الفقر المدقع مثل أفغانستان وسوريا واليمن، إلا أن هذا التفسير ليس كافياً. صحيح أن نسبة زيادة الوزن مرتفعة جداً في دول مجلس التعاون الخليجي الثريّة، وتصل إلى 72% من البالغين، إلا أنها تصل أيضاً إلى 55% في الدول التي تعاني من الصراعات والهشاشة في المنطقة، وهي نسبة توازي تقريباً المعدلات المسجلة في البلدان مرتفعة الدخل حول العالم.
تقود هذه المفارقة إلى سؤال محيّر: كيف تجتمع الظاهرتين، الجوع والبدانة، في مكان واحد وفي زمن واحد؟
أولاً، مؤشرات انعدام الامن الغذائي
شهدت المنطقة خلال العقد الماضي ارتفاعاً حاداً في معدلات انعدام الأمن الغذائي، مدفوعاً بالمعاناة الإنسانية الواسعة التي خلّفتها الحروب والنزاعات، وما رافقها من نزوح وتدهور اقتصادي وتعطل سلاسل الإمداد الغذائي.
تضم المنطقة بلدانا تعاني من الحروب والصراعات، مثل أفغانستان والعراق ولبنان وليبيا وسوريا والضفة الغربية وقطاع غزة واليمن، اذ تضم هذه البلدان وحدها 4 من 5 اشخاص في هذه المنطقة يعيشون في ظل أزمة انعدام الأمن الغذائي (المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي - IPC).
وفي حين تُعد الحروب السبب الرئيسي للجوع الحاد، فإن قضايا الأمن الغذائي لا تقتصر على مناطق النزاع، بل تمتد إلى جميع بلدان المنطقة، ويعود ذلك الى ضعف القدرة الشرائية للسكان في تحمّل تكاليف الغذاء، وهي من التحديات التي تطال الطبقة الوسطى أيضاً.
شهدت الكثير من اقتصادات المنطقة ارتفاعاً في أسعار الغذاء تجاوز 10% بين العامين 2022 و2024، الأمر الذي أدى إلى زيادة نسبة السكان غير القادرين على تحمل كلفة نظام غذائي صحي لتصل إلى 42% في العام 2024، بالمقارنة مع نحو 38% في العام 2017. ويعيش معظمهم في البلدان متوسطة الدخل في المنطقة، إذ تُعد باكستان ومصر من أكبر الدول التي تضم هذه الفئات، بعدد يبلغ نحو 151 مليون شخص في باكستان و66 مليون شخص في مصر.
يمكن تفسير ارتفاع أسعار الغذاء في منطقة «الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان» بالاعتماد الواسع على استيراد الغذاء بدلاً من إنتاجه محلياً. إذ توفر الواردات نحو 39% من إجمالي السعرات الحرارية التي يستهلكها سكّان المنطقة، وتمثل حوالي 4% من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة، بالمقارنة مع متوسط عالمي لا يتجاوز 0.5% خلال الفترة 2019–2022. ولو استثنينا باكستان، نجد أن بقية دول المنطقة تستورد نحو 51% من احتياجاتها من السعرات الحرارية و60% من الحبوب (وفق متوسطات 2020–2022).
يؤدي الاعتماد على الاستيراد إلى تكاليف إضافية للحصول على المنتج النهائي، مثل تكاليف الشحن والوساطة، ويجعل البلدان رهينة لكارتيلات مستوردي الغذاء، وأكثر عرضة لتقلبات الأسواق العالمية. وفي الوقت نفسه، يستنزف الاستيراد رصيد البلدان من العملة الأجنبية الضرورية للتبادل مع الخارج، ما يقلل من قيمة العملة المحلية ويسهم في استمرار ارتفاع الأسعار.
ثانياً، مؤشرات الوزن الزائد
تشهد المنطقة ارتفاعاً في معدلات زيادة الوزن، في انسجام مع اتجاه عالمي يعكس تحولات في أنماط الاستهلاك الغذائي، مدفوعة بارتفاع مستويات الدخل والتوسع الحضري، وزيادة الإقبال على الأطعمة السريعة وسهلة التحضير. وقد أسهمت هذه التغيرات في انتشار سلاسل الوجبات السريعة ذات الطابع الغربي، إلى جانب تزايد استهلاك الأغذية المُصنّعة.
صحيح أن تحسن مستويات الدخل قد يسهم في زيادة استهلاك عناصر غذائية أساسية مثل البروتين، بما يساعد على الحد من بعض أشكال سوء التغذية. إلا أن ذلك غالباً ما يترافق مع ارتفاع استهلاك السكريات والزيوت والدهون الحيوانية، فضلاً عن الاعتماد الكبير أصلاً على الدقيق المكرر، وهو ما يعزز مخاطر زيادة الوزن والسمنة.
وتشير التقديرات إلى أن الحبوب والزيوت والسكريات ومنتجات الثروة الحيوانية تشكل نحو 84% من النظام الغذائي في بلدان الدخل المتوسط في المنطقة، و79% في دول مجلس التعاون الخليجي، بحسب معدّلات 2021-2023، في مقابل انخفاض استهلاك الفواكه والخضروات والبقوليات ومنتجات الألبان.
تشهد معدلات استهلاك الأغذية غير الصحية - ولا سيما الأغذية فائقة المعالجة والمشروبات المحلاة بالسكر - ارتفاعاً ملحوظاً بين فئة الأطفال والشباب. وقد أظهر تحليل عالمي أن الأطفال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سجلوا ثاني أعلى معدل لاستهلاك المشروبات المحلاة بالسكر على مستوى العالم في العام 2018، مع تسجيل معدل زيادة في الاستهلاك يفوق ذلك المسجل لدى البالغين.
في السعودية، يلتزم ثلث الأطفال في سن المدرسة فقط بالتوصيات الغذائية المتعلقة بتناول الفواكه والخضروات، في حين يستهلك نصف الأطفال في دول مجلس التعاون الخليجي المشروبات المحلاة بالسكر أو الحلويات بشكل يومي (2020).
وتشير التوقعات إلى أن الطلب الفردي على الأغذية ذات السعرات الحرارية المرتفعة سيشهد نمواً ملحوظاً بحلول العام 2050، خصوصاً على المنتجات الحيوانية (بنحو 21%) وعلى الزيوت والسكريات (بنحو 18%)، مع استمرار استهلاك الحبوب عند مستويات مرتفعة.
ثالثاً، هل هذا يعني أن الجوع ينتشر في البلدان الفقيرة والسُمنة في الغنية؟
ليس بالضرورة. بحسب تقرير البنك الدولي، فقد يتزامن انعدام الأمن الغذائي مع ارتفاع معدلات السمنة في بعض البلدان نتيجة مجموعة من العوامل، في مقدمتها الضغوط الاقتصادية التي تدفع الأسر إلى الاعتماد على أطعمة منخفضة الكلفة وعالية السعرات الحرارية، لكنها تفتقر إلى القيمة الغذائية. إذ يزداد هذا التوجه مع ارتفاع أسعار الأغذية الصحية الغنية بالعناصر الأساسية، مثل الفواكه والخضروات ومصادر البروتين.
في باكستان، على سبيل المثال، حيث ارتفع معدل التضخم بنسبة 40% على أساس سنوي في العام 2023، بدأت الأسر تفرط في استهلاك القمح (الذي يُعد رخيصاً نسبة إلى ما يقدّمه من سعرات حرارية)، وأصبح يشكل أكثر من 40% من إجمالي السعرات الحرارية المستهلكة، بينما بدأ السكان باستهلاك كميات غير كافية من الأصناف الأكثر تكلفة والغنية بالعناصر الغذائية.
يوجد وضع مشابه في الدول التي تعاني من الصراعات والهشاشة، إذ أن الحبوب تشكّل 50% من غذائها، مقابل 40% في بلدان مجلس التعاون الخليجي و54% من بلدان المنطقة ذات الدخل المتوسّط.
ولا يقتصر اجتماع الوزن الزائد وانعدام الأمن الغذائي على تراجع القدرة الشرائية، بل يرتبط أيضاً بجملة من العوامل الأخرى، كأنماط الأكل غير المنتظمة التي تتأرجح بين فترات الحرمان والإفراط في تناول الطعام، نتيجة عدم استقرار الوصول إلى الغذاء، كما هو الحال في فترات الحرب مثلاً، إذ تتذبذب القدرة على إيصال المساعدات الإنسانية إلى السكان.
كما تؤدي الاستجابات الأيضية والسلوكية المرتبطة بالتوتر المزمن، بما في ذلك التوتر الناجم عن الحروب والأزمات، دوراً في زيادة مخاطر السمنة. ويضاف إلى ذلك التعرض لسوء التغذية في مراحل مبكرة من الحياة، لا سيما في البلدان التي عانت من الفقر خلال العقود الماضية، إذ تشير الدراسات إلى أن ذلك قد يزيد قابلية الجسم لتخزين الدهون في مراحل لاحقة من العمر.
أخيراً، ما هي التبعات؟
في المحصّلة، لا تتوافق الأنماط الغذائية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، على اختلاف مستويات الدخل، مع التوصيات الصحية العالمية في مجال التغذية. وينعكس هذا الخلل في استمرار انتشار مختلف أشكال سوء التغذية، بما في ذلك التقزم والهزال ونقص المغذيات الدقيقة، مثل فقر الدم، إلى جانب ارتفاع معدلات زيادة الوزن والسمنة. وتؤثر هذه الأعباء الغذائية المزدوجة سلباً في النمو الجسدي والعقلي، وتحدّ من متوسط العمر المتوقع، كما تُعد من أبرز العوامل المسببة للأمراض غير المعدية المرتبطة بالنظام الغذائي.