لماذا تستطيع الحكومة اللبنانية إنقاذ المصارف ولكنها تعجز عن إنقاذ المجتمع؟
لا تتناسب استجابة الحكومة اللبنانية للحرب مع حجم الدمار الحاصل. ومع مرور 3 سنوات على اندلاعها لا توجد حتى الآن أي خطة جدّية لمعالجة تداعياتها أو لإعادة الإعمار.
تتحجّج الحكومة بافتقارها إلى الأموال اللازمة لتأمين حاجات مجتمعها، فهي لا تنفق من موازنتها العامّة أكثر من 50 دولاراً على كل نازح، غير أن بيانات وزارة المال للربع الأول من العام الحالي تبيّن أنها حقّقت فائضاً إجمالياً بنحو نصف مليار دولار، فيما تستمرّ بالشراكة مع مصرف لبنان بدفع نحو 2.5 مليار دولار سنوياً لردّ الودائع وإنقاذ المصارف عبر آليات غير معلنة.
إن إعطاء الأولوية لتعويم القطاع المالي المنهار، في وقت يُدمَّر فيه الاقتصاد الحقيقي وسبل حياة الناس، يكشف من اختارت الحكومة حمايته صراحة في هذه الأوقات الصعبة.
1. على ماذا تنفق الحكومة مواردها أصلاً؟
تبلغ موازنة لبنان لعام 2026 نحو 6 مليارات دولار. يقول الممثل المقيم لصندوق النقد الدولي في لبنان فريدريكو ليما، في ندوة نظمها معهد باسل فليحان المالي والاقتصادي بعنوان «الحرب والموازنة: الأثر والتحديات المقبلة»، أن أكثر من نصف الموازنة (نحو 3.5 مليارات دولار) يخصّص لدفع رواتب القطاع العام وتعويضاته ومعاشاته التقاعدية، لإبقاء ما تبقى من إدارة عامة قيد العمل.
وفي المقابل تنفق الحكومة، من خلال مصرف لبنان، نحو 2.5 مليار دولار لردّ ودائع مصرفية بموجب التعميمين 158 و166. وعلى الرغم من أن هذه المدفوعات تساوي نحو 42% من مجمل الموازنة، غير أنها لا تظهر في بنودها. على الورق، تُراكم الحكومة فائضاً من الإيرادات غير المباشرة الثقيلة التي تجبيها من الناس والتقشف القاسي الذي تمارسه عليهم. وبحسب ليما، تستخدم الحكومة هذا الفائض، بعد تحويله إلى حسابها الجاري في مصرف لبنان، لشراء الدولارات، قبل تحويلها إلى المصارف الخاصة لدفع الأموال للمودعين. وبهذه الطريقة، تنخفض نسبة انكشاف المصارف على عملائها. ليشكّل ذلك وفق وصف المحلّلة الاقتصادية سيبيل رزق في الندوة نفسها «آلية إنقاذ سري للمصارف على حساب الناس، فيما لا يمس برأس مال المساهمين في المصارف فلا يخسرون ملكيتها».
في الحصيلة، فيما تُجنّد المالية العامة لإنقاذ المصارف، لا يبقى إلا القليل لتلبية حاجات الناس ومعالجة تداعيات الحرب من إيواء النازحين، وتقديم خدمات الطوارئ، وإصلاح البنية التحتية المتضررة، والتنظيف البيئي، والتحضير للتعافي.
2. من يستفيد من هذا الترتيب؟
يصبّ هذا الترتيب في مصلحة تحالف القوى المستفيد من إطالة أمد الأزمة وتأجيل معالجتها. إذ تتفادى المصارف إعادة الهيكلة، للإبقاء على رأس مال مساهميها، وبالتالي ملكيتهم لها، بمنأى عن أي مساس. وفي الوقت نفسه، يقدّم مصرف لبنان هذه المدفوعات وسعر الصرف الثابت الجديد بوصفهما دليلاً على الاستقرار والتعافي، فيما تحافظ المصالح التجارية والريعية التي راكمت أرباحاً استثنائية خلال العقود الماضية على مواقعها ونفوذها.
يسمح استمرار هذه الآلية بتأجيل الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة أو التعامل معها كأنها أقل إلحاحاً، فيما تتجنب القوى السياسية الحاكمة تحمّل المسؤولية العلنية عن إنقاذ المصارف على حساب المجتمع، لأن مصرف لبنان يقدّم العملية في إطار إجراء إداري وتقني.
في المقابل، يحصل المودعون على دفعات جزئية من أموالهم بعد اقتطاعات كبيرة من قيمتها التي تتأكل من خلال التضخم ومن سريان الوقت، عبر دفعها على مدى زمني طويل ومن دون أي ضمانات فعلية، إذ تستند هذه المدفوعات إلى تعاميم صادرة عن مصرف لبنان يمكن تعديلها أو إلغاؤها في أي وقت.
أما المجتمعات المتضررة من الحرب، فتقع خارج نطاق هذه الحماية، فالحفاظ على تدفق الأموال من الدولة إلى مصرف لبنان والمصارف يفرض استمرار سياسات التقشف الصارمة، فيما يتحمل أصحاب الدخلين المتوسط والمنخفض العبء الأكبر من الضرائب غير المباشرة المتزايدة. وهكذا يستمر انكماش الاقتصاد، بينما تبقى المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والطرق والمزارع والشركات والمنازل المتضررة بانتظار التمويل الخارجي لإعادة إعمارها، وفق أولويات المانحين وأجنداتهم السياسية.
3. ما الذي يُزاح من الموازنة؟
يقول الأمين العام للمجلس الوطني للبحوث العلمية شادي عبدالله، في الندوة نفسها التي جمعته إلى جانب ليما ورزق، إن الأضرار المباشرة خلال الشهر الأول من الحرب وحده قُدّرت بنحو 1.5 مليار دولار في قطاع السكن، 100 مليون دولار في قطاع الصحة، 100 مليون دولار في قطاع النقل، 100 مليون دولار في قطاع الطاقة، 43 مليون دولار في قطاع المياه، 41 مليون دولار في القطاع الزراعي، فضلاً عن 30 مليون دولار في قطاع التعليم.
ويرجح أن تكون هذه الأرقام أعلى بكثير، لأنها لا تحتسب شهرين إضافيين من الحرب، ولا الخسائر غير المباشرة الناتجة عن توقف النشاط الاقتصادي، والدخل غير المحقق، والدمار البيئي.
4. كيف تختار الدولة المصرفيين على حاجات الحرب؟
لا تكشف الحرب عن أولويات جديدة للدولة اللبنانية، بل تؤكد أولويات قديمة لم تتغير. فقبل الانهيار، جرى توظيف المالية العامة والسياسات الاقتصادية لخدمة نموذج يقوم على حماية القطاع المالي وتعظيم أرباحه. وعندما وقع الانهيار، جرى تأجيل إعادة هيكلة المصارف وتحميل المجتمع كلفة الخسائر عبر التضخم وتدهور الخدمات العامة. واليوم، في ظل الحرب، يستمر المسار نفسه: تُعبّأ الموارد المحدودة المتاحة لحماية المصارف واستمرار آليات الإنقاذ المالي، فيما تُترك حاجات المجتمع وإعادة الإعمار لمساعدات خارجية غير مضمونة.
تكشف هذه المفارقة أن المشكلة لا تكمن في غياب الموارد بقدر ما تكمن في كيفية توزيعها. فالدولة التي تستطيع تأمين مليارات الدولارات سنوياً لدعم عملية ردّ الودائع قادرة، نظرياً، على تخصيص موارد أكبر لمواجهة آثار الحرب. غير أن ترتيب الأولويات يضع حماية القطاع المالي في مقدمة الاهتمامات، فيما تأتي حاجات السكان والاقتصاد الحقيقي في مرتبة لاحقة.
بهذا المعنى، لا تبدو الحرب لحظة استثنائية دفعت الدولة إلى إعادة النظر في خياراتها، بل مناسبة أظهرت بوضوح أكبر استمرار النموذج نفسه: حماية المصارف أولاً، وتأجيل معالجة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية إلى وقت لاحق.