كتاب

ماركس وسياسة الحاجة

  • مراجعة لكتاب جورج بوس «ماركس وسياسة الحاجة»، الذي يفكّك الفكرة القائلة إن الحاجات معطيات طبيعية وثابتة تقع خارج السياسة، ويبيّن كيف تتشكّل تاريخياً داخل علاقات الإنتاج والقوّة. ومن خلال قراءة ماركس إلى جانب جوديث بتلر، يناقش الكتاب كيف يمكن لتسييس الحاجات أن يكشف ما يبدو بديهياً أو محايداً، ويفتح المجال أمام الصراع على معناها وكيفية إشباعها.

تحتلّ الحاجات موقعاً مركزياً في النقاشات السياسية؛ فنحن نحتاج إلى الرعاية الصحّية والنقل العام والنموّ الاقتصادي، إلى ما هنالك. لكن، على الرغم من حضور الحاجات الواسع في سياستنا، يُنظر إليها في ذاتها عموماً بوصفها غير سياسية. فهي تُعَدّ ضرورية و«شبه طبيعية»، ويُقال إن منشأها يكمن، مثلاً، في الوضع الإنساني المشترك. يتحدّى جورج بوس هذه النظرة التقليدية في كتابه «ماركس وسياسة الحاجة»؛ إذ يرى أن الحاجات ليست معطيات طبيعية ثابتة وعابرة للتاريخ، بل تتكوّن سياسياً. فهي حاضرة في سياستنا ومن صُنعها أيضاً (ص. 13).

تمثّل هذه الأطروحة الخيط الناظم للكتاب، لكن حجّة بوس لا تقتصر على هذا الادعاء الطموح. فهو يخوض ببراعة في الخلافات الدائرة ضمن الدراسات المعنيّة بماركس، ويقرأ ماركس وجوديث بتلر جنباً إلى جنب، ويرسم ملامح سياسة تحرّرية جديدة للحاجة. ويبني حجّته عبر 4 خطوات أساسية: أولاً، نقد النظريات التحليلية للحاجة؛ ثانياً، تقديم قراءة مسيّسة جذرياً لماركس؛ ثالثاً، فهم الحاجات بوصفها «أدائيات» مُشيّأة؛ ورابعاً، طرح مشروع نقدي لإعادة تقديم الحاجات.

يشخّص بوس خللاً مشتركاً في النظريات التحليلية للحاجة، إذ تنزع عن الحاجات طابعها السياسي وتعالجها ضمن «حيّز تقويمي يقع خارج السياسة» (ص. 13). وتهدف هذه التصوّرات المعيارية إلى التمييز بين الحاجات التي يُعتدّ بها وتلك التي لا يُعتدّ بها. غير أن تقييماتنا لما يُعدّ حاجة جديرة بالاعتبار تتباين جذرياً، داخل الثقافة الواحدة وبين الثقافات. وفي مواجهة الصراعات السياسية الحتمية حول الحاجات، تميل المقاربات التحليلية إلى إغلاق المجال السياسي والسعي إلى حسم هذه النقاشات نهائياً. وعلى حدّ تعبير بوني هونيغ، تريد أن تجعل السياسة «صحيحة ومحسومة ومنتهية» (ص. 35). يوضّح بوس ذلك عبر مناقشة عدد من المقاربات التحليلية (ص. 16-28)، التي تسعى جميعها، بدرجات متفاوتة، إلى تجاوز الطابع السياسي والتنازعي المتأصّل في الحاجات ووضع حدّ له. أمّا بوس فلا يرى في حتمية الصراع السياسي مشكلة تستوجب الحلّ، بل خاصية مكوِّنة للحاجات نفسها.

يجد بوس لدى ماركس موقفاً نظرياً أقدر على إنصاف الواقع السياسي المعقّد للحاجات. وعلى خلاف القراءات التفسيرية المهيمنة، التي ترى أن ماركس يقدّم نظرية في الحاجة، أي تصوّراً موحّداً يتجاوز السياقات، يشدّد بوس على انخراط ماركس في سجالات عصره وتدخّلاته السياسية. فلكتاباته غرض سياسي وسجالي واضح يتعذّر محوه. ويقرأ بوس «الأيديولوجيا الألمانية» بوصفه محاكاة ساخرة وسجالية لمعاصري ماركس من الهيغليين الشباب، مشبعة بالمفارقة والتهكّم، لا عرضاً غير ناضج للمادية التاريخية. ويقدّم ماركس فيه نوعاً من البرهان بالخلف، إذ يحاكي أسلوبهم الجدلي المثالي ساخراً ليكشف الافتراضات المادية المسبقة التي أغفلوها في تجريداتهم، ومن بينها الحاجات. ووفق هذه القراءة، لا يقدّم الكتاب نظرية في الحاجات عابرة للتاريخ، بل عملية تفنيد سجالية.

الحاجات ليست معطيات طبيعية ثابتة وعابرة للتاريخ، بل تتكوّن سياسياً. فهي حاضرة في سياستنا ومن صُنعها أيضاً

يسعى «التسييس التحرّري للحاجة» لدى ماركس (ص. 38) إلى ردّ الحاجات جذرياً إلى تاريخها. إذ يستحيل فصلها عن نمط الإنتاج. وحتى الجوع، وهو حاجة تبدو طبيعية، يصبح عند تناوله بمعزل عن الإنتاج «تجريداً فارغاً أجوف»، يغفل ما يطرأ تاريخياً من تغيّر على «طبيعته وغايته والتجربة الذاتية له وكيفية إشباعه» (ص. 95). ومعاملة الحاجات بوصفها مقولات تقع خارج السياسة تعني تجريدها من وجودها الاجتماعي الملموس، وحجب علاقات القوّة والتغيّر التاريخي المرتبطين بها وبنشاط إشباعها والمكوِّنين لهما. فنحن ذوات تعيش حاجاتها ضمن واقع مادي محدّد؛ نحيا ونتنفّس ونأكل داخل نظام إنتاج بعينه.

يذهب تصوّر بوس المسيّس إلى أن الحاجات تتكوّن سياسياً بالكامل؛ فهي «سياسية حتى أعماقها» (ص. 181). لكن ثمّة احتمالاً آخر، هو أن تكون الحاجات موسَّطة سياسياً. كلا الادعاءين يسيّس الحاجات، لكن بينهما فارق مهم. تمنح فرضية الوساطة الحاجة قدراً محدوداً من الاستقلال، إذ تفترض وجود شيء يقع عليه فعل الوساطة، فيما تنفي فرضية التكوّن السياسي الكامل هذا الاستقلال تماماً. وتبدو الصيغة الأضعف، القائمة على الوساطة، أرجح. فنحن لا نستطيع النظر في الحاجة في ذاتها، بل في صورتها كما تتوسّطها السياسة. فإذا أخذنا بطرح أكسل هونيث مثلاً، تقع حاجتنا إلى الاعتراف خارج السياسة وتكتسب طابعاً «شبه متعالٍ»، لكنها لا تتجلّى إلا في صور موسَّطة سياسياً (2003، ص. 174). ويتيح ذلك بلوغ كلّ ما يسعى إليه بوس، أي كشف العرضية والصراعات والإمكانات البديلة، مع الحفاظ على الحدس القائل إن بعض الحاجات يتجاوز السياسة، وهو رأي أسهل قبولاً. كما يساعد على فهم المشكلات التي يرصدها بوس داخل النظرية النقدية (ص. 28-34)، التي تواصل التمييز بين حاجات «حقيقية» وأخرى «زائفة» بمعنى يبدو واقعاً خارج السياسة، على الرغم من تسييسها الحاجات. فإذا كان للحاجات جانب يقع خارج السياسة، فهذا يعني وجود إمكان معياري لم يتحقّق بعد ويتجاوز تفسيرها الأحادي السائد. ويمكن القول إن «الحاجات بمعناها المشدَّد» تتجاوز الحاضر وتناقضه. وتستند هذه الفكرة إلى تفسير بيتر غوردون (2023) لاستخدام أدورنو صفة «المشدَّد»، إذ تختزن المفاهيم المشدَّدة دائماً فائضاً معيارياً لم يتحقّق بعد.

فضلاً عن ذلك، قد تواجه مقاربة التسييس الكامل صعوبة في تفسير الضرورة الملحّة للحاجات تفسيراً وافياً، ما لم تفترض وجود حاجات في ذاتها تتجاوز السياسة. فإذا اختُزلت الحاجات إلى وقائع سياسية تاريخية، تلوح شبهة الإرادوية، ويغدو من الصعب تفسير قوّتها الملزمة من دون ردّها حصراً إلى السلطة الانضباطية والأيديولوجية، وهو ادعاء بالغ الشدّة. ومع أن بوس لا يغفل ضرورة الحاجات إطلاقاً، إذ يعدّها وقائع سياسية ملزمة، يبقى ثمّة توتّر بين ضرورتها وعرضيتها السياسية. فهو يشدّد على عرضيتها، لكنه يخاطر بإغفال ضرورة تتجاوز القوّة الملزمة، وإن غير المكتملة، للسلطة.

معاملة الحاجات بوصفها مقولات تقع خارج السياسة تعني تجريدها من وجودها الاجتماعي الملموس، وحجب علاقات القوّة والتغيّر التاريخي المرتبطين بها وبنشاط إشباعها والمكوِّنين لهما

يطوّر بوس تصوّره أكثر من خلال قراءة ماركس إلى جانب بتلر. ويحدّد «الخلخلة» بوصفها شاغلاً مشتركاً بينهما؛ فبتلر تخلخل الجندر، فيما يخلخل ماركس المقولات الاقتصادية بالطريقة نفسها، عبر تقويض ما يبدو طبيعياً فيها وإعادة تقديمها بوصفها «أدائيات». وينسج بوس على المنوال نفسه، فيرى الحاجات بوصفها «أدائيات اقتصادية»، بمعنى أن مقولة الحاجة «تنشأ من إعادة توظيفها باستمرار ضمن نمط متكرّر من الممارسات الاجتماعية اليومية، ويستحيل ردّها إلى أي واقع يُفترض أنه يقع خارج تلك الممارسات» (ص. 84). وشأنها شأن الأدائيات كلّها، تكاد الحاجات تعمل كنبوءة تحقّق ذاتها، فإذا تصرّفنا على أساس أن الجندر طبيعي، يصبح طبيعياً بالنسبة إلينا؛ وإذا تصرّفنا على أساس أن الحاجات معطاة من الخارج، تصبح كذلك بالنسبة إلينا. وهكذا، فإن ظهور القوانين الاقتصادية اللاشخصية وشبه الطبيعية، والسلعة المُشيّأة، والحاجات المعطاة طبيعياً، كلّها منجزات أدائية تنتج من التكرار المتواصل لأفعال تفرضها الضرورات الوظيفية.

وعلى الرغم من مهارة بوس في قراءة ماركس وبتلر معاً وبصورة نقدية، قد يرى بعضهم أن هذه المقارنة تنطوي على إشكال. فالأدائية لدى بتلر ذات طابع رمزي وخطابي إلى حدّ بعيد. يستبق بوس هذا الاعتراض ويعيد تفسير الأدائية من منظور مادي، مركّزاً على الممارسات المادية والتفاعل الجدلي بين العمل والطبيعة (ص. 101-102). لكن خطراً معاكساً قد ينشأ من الإفراط في التشديد على الجانب المادي بما يحجب الجانب الخطابي؛ فالحاجات لا تقوم على أساس مادي فحسب، بل على أساس تواصلي أيضاً (ص. 180). ويبقى الأهم أن الأدائية، بما توليه من اهتمام للفعل، تشكّل عنصراً محورياً في سياسة الحاجة. فكما تفتح أدائية الجندر لدى بتلر مجالاً أمام الفاعلية وإعادة تشكيله، تجعل خلخلة مفهوم الحاجات وكشف أدائيتها لدى بوس من الحاجات «موقعاً للفاعلية والنقد» (ص. 119)، وتفتح أمامها إمكانات جديدة.

يقودنا ذلك إلى المشروع النقدي لإعادة تقديم الحاجات. يهدف تسييس الحاجات إلى الحضّ على الفعل، عبر تقديم الرأسمالية بطريقة تبرز تناقضاتها وتستخرج منها إمكانات بديلة. ويفصّل بوس هذا المشروع انطلاقاً من مناقشة ماركس للعمل المأجور، التي يقرأها بوصفها إعادة تقديم ذات حمولة سياسية، تهدف إلى «كشف الرهانات الخفيّة والصراعات الداخلية» (ص. 131). وتتميّز مناقشة بوس هنا بدقّة يتعذّر معها إعادة بنائها كاملة في هذه المراجعة. لكن جوهرها العام أن بوس، ومعه ماركس، يسعى إلى إضاءة 3 أبعاد:

  1. «السياسة الكامنة وراء الحاجات»، أي الشروط المادية والسياسية المسبقة التي يقوم عليها العمل المأجور، ومنها تقسيم العمل الذي يؤدّي وظيفته عبر «حرمان الناس من القدرة المستقلّة على إشباع حاجاتهم» (ص. 151).
  2. «السياسة الملازمة لتفعيل الحاجات»، أي الكيفية التي تعيد بها المقولات الاقتصادية المجرّدة تشكيل العلاقات الاجتماعية الملموسة، ومنها الصراع بين رأس المال والعمل على شروط العقد.
  3. «السياسة المترتّبة على الحاجات»، إذ يستند بوس، مع بعض التحفّظات، إلى مفهوم أغنيس هيلر عن «الحاجات الجذرية» لتسليط الضوء على الحاجات التي تولّدها الرأسمالية وتعجز عن إشباعها.

يهدف هذا التحليل إلى إعادة تقديم الحكاية اليومية للعمل بطريقة تكشف طابعها اللاإنساني والعرضي وتبرز إمكاناتها البديلة. وتشكّل إعادة التقديم النقدية لدى ماركس تدخّلاً سياسياً هدفه «تغذية الصراعات نفسها التي كان قد حدّدها، وتزويد الفاعلين فيها بمفاهيم ترسم خريطة ميدان المعركة، وتحفّز أشكالاً من الفعل تلائم تضاريسه، فتساعد بذلك على تحقيق إمكانات اجتماعية بعينها بدلاً من غيرها» (ص. 161).

تسييس أمر ما لا يجعله تحرّرياً بالضرورة، كما أن نزع السياسة عنه لا يجعله قمعياً بالضرورة. ولمعالجة هذه المسألة، يقول بوس إن «مهمّة التسييس يجب أن تسترشد بالتوجّه المعياري لمشروع تحرّري محدّد بوضوح»

إنه تسييس يضع الصراع والتناقضات في الواجهة، ويدعونا إلى الانخراط فيها. وتتمثّل حصيلته في سياسة للحاجة تحوّل «الانتباه النقدي من ماهية الحاجات نفسها إلى ما تفعله تلك المشاريع» (ص. 176). ويدعونا بوس إلى النظر في الكيفية التي يُستخدم بها خطاب الحاجات لتبرير الإقصاء وإغلاق المجال السياسي، وإلى نزع الشكل المُشيّأ عنها تمهيداً لظهور أشكال جديدة من الفعل السياسي.

وعلى الرغم من دفاع بوس عن تسييس الحاجة، فإنه يعبّر أيضاً عن شكوك وجيهة؛ فتسييس أمر ما لا يجعله تحرّرياً بالضرورة، كما أن نزع السياسة عنه لا يجعله قمعياً بالضرورة (ص. 34). ولمعالجة هذه المسألة، يقول بوس إن «مهمّة التسييس يجب أن تسترشد بالتوجّه المعياري لمشروع تحرّري محدّد بوضوح» (ص. 37). لكن ماهية هذا المشروع تبقى،  إلى حدّ بعيد، بلا جواب. فالكتاب يتضمّن إشارات متناثرة إليه من دون أن يعالجه فعلياً. ومع ذلك، لا يمثّل هذا نقصاً جوهرياً، لأن غايات بوس نقدية، وتقوم على النفي والتقويض، فيما يتمثّل قصده في إعادة تقديم الحاجات وفتح مسارات جديدة. أمّا تحديد المسار الذي ينبغي سلوكه بعد ذلك، فسؤال مختلف.

نُشِر هذا المقال في 21 تموز/يوليو 2026 على موقع Marx & Philosophy Review of Books بموجب رخصة المشاع الإبداعي.

    ماثيو رذرفورد

    باحث دكتوراه في الفلسفة في جامعة بريستول

    سري أبو المنى

    أستاذ فلسفة في التعليم الثانوي، وطالب ماجيستير في الفلسفة