infrastructure

ما الذي تقوله البنية التحتية عن السلطة؟

  • نتعامل عادةً مع الطرق وشبكات المياه والكهرباء والاتصالات باعتبارها مرافق تقنية، لكن كتاب «وعد البنية التحتية» يسأل عمّا تفعله هذه الشبكات فعلياً بالمجتمع: من تصل إليه الخدمات، ومن يُترك خارجها، وكيف تتحول اختيارات تبدو تقنية إلى فروق في السلطة والمواطنة وفرص المستقبل. إذ يكشف الكتاب كيف تُبنى السياسة داخل البنية التحتية نفسها، وكيف يمكن للمنشآت التي تعد بالتنمية أن تعيد أيضاً إنتاج التفاوت والانتظار والحرمان.

«مدينةُ المستوطنين مدينةٌ راسخةُ البناء، مشيّدةٌ كلّها من الحجر والفولاذ. وهي مدينةٌ غارقة في الضوء؛ شوارعها مكسوّة بالإسفلت، وحاويات القمامة تبتلع كلّ الفضلات، فلا تُرى ولا تُعرف ولا يكاد أحد يفكر فيها. أمّا المدينة التي يسكنها المستعمَرون... فهي عالمٌ بلا فسحة؛ يعيش الناس فيها متراصّين بعضهم فوق بعض، وتُقام أكواخهم الواحد فوق الآخر. إن مدينة الأهالي مدينةٌ جائعة، محرومةٌ من الخبز واللحم والأحذية والفحم والنور».
— فرانز فانون، 1961

حين نفكّر في البنية التحتية، تتبادر إلى أذهاننا الطرق والجسور وشبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي. نعتاد وجودها إلى درجة أننا لا ننتبه إليها إلا عندما تتعطّل. من هنا ينطلق محرّرو كتاب «وعد البنية التحتية» لإعادة النظر في معناها. فالبنية التحتية، كما يقترحون، تشكّل إحدى الوسائط التي تُنتج عبرها السياسة والاقتصاد والسلطة. فيها تتحول الأفكار عن الدولة والتنمية والمواطنة إلى إسفلت وأنابيب وأسلاك وخرسانة، وإلى فروق ملموسة بين من تصله الخدمات ومن يُترك خارجها.

صدر الكتاب عام 2018 عن منشورات جامعة ديوك، بتحرير نيخيل أناند وأخيل غوبتا وهانا آبل، ويضمّ مساهمات لباحثين في الأنثروبولوجيا ودراسات العلوم والتكنولوجيا والجغرافيا الحضرية. يعيد الكتاب تعريف البنية التحتية بوصفها مدخلاً لفهم العالم المعاصر، وينقل النقاش من سؤال: كيف تُبنى؟ إلى سؤال آخر: ماذا تفعل بالمجتمع؟

البنية التحتية توزّع الموارد والمستقبل معاً. فالطريق يعد بالحركة، والمطار بالانفتاح، والسد بالتنمية، وشبكة الإنترنت بالاندماج في الاقتصاد العالمي. لكن هذه الوعود قد تتعثر أو تنهار، فتتحول المنشآت التي بُنيت احتفالاً بالمستقبل إلى شاهد على إخفاقه

تمنح هذه المقاربة القارئ العربي مفردات مختلفة للتفكير في قضايا شديدة الألفة. فكثيراً ما تُردّ مشكلات انقطاع الماء والكهرباء، وهشاشة النقل العمومي، وتفاوت التنمية بين المدن والأطراف، إلى ضعف الإدارة أو نقص التمويل. يدعونا الكتاب إلى قراءتها أيضاً بوصفها جزءاً من طريقة إنتاج السلطة. فالخدمات لا تتوزّع بالتساوي، والطرق والأنابيب ترسم خرائط تحدّد من تصله الدولة ومن يبقى على هامشها.

لهذا يفتتح المحرّرون الكتاب بمقطع من فرانز فانون يقارن فيه بين مدينة المستوطن المضيئة والنظيفة والمعبدة، ومدينة المستعمَر المكتظة والمحرومة من الضوء والغذاء والفضاء. يعلن الاقتباس منذ البداية أن البنية التحتية لغة مادية للسلطة. فقد أعاد الاستعمار رسم الأرض عبر الطرق والمياه والكهرباء وأنماط السكن، وحوّل التفاوت إلى جزء من المشهد اليومي.

من الماضي الاستعماري تنتقل المقدمة إلى الولايات المتّحدة المعاصرة، وتحديداً إلى ديترويت وفلينت، حيث تحوّلت شبكات المياه إلى قضية سياسية. ففي ديترويت، قُطعت المياه عن آلاف الأسر العاجزة عن سداد الفواتير. وفي فلينت، أدى قرار إداري بتغيير مصدر المياه إلى تسرّب الرصاص إلى مياه الشرب ووقوع واحدة من أخطر الكوارث الصحية في التاريخ الأميركي الحديث.

تكشف الحالتان ما تفعله البنية التحتية بالمجتمع. فالأنابيب التي تصل إلى حي ولا تصل إلى آخر، والطريق الذي يربط مدينة ويعزل أخرى، ومحطة الكهرباء التي تُبنى هنا لا هناك، تعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية بصمت. ومع الوقت، قد يبدو التفاوت نتيجة طبيعية للجغرافيا، فيما صنعته اختيارات تاريخية تراكمت داخل الخرسانة نفسها.

من هنا تبرز إحدى الأفكار المركزية في الكتاب: البنية التحتية توزّع الموارد والمستقبل معاً. فالطريق يعد بالحركة، والمطار بالانفتاح، والسد بالتنمية، وشبكة الإنترنت بالاندماج في الاقتصاد العالمي. لكن هذه الوعود قد تتعثر أو تنهار، فتتحول المنشآت التي بُنيت احتفالاً بالمستقبل إلى شاهد على إخفاقه.

لذلك يمنح المحرّرون الأعطال والانهيارات أهمية خاصة. يكشف الانهيار هشاشة العلاقات التي قامت عليها المنشآت وحدود الوعود التي حملتها. وهنا يكتسب مفهوم «الوعد» في عنوان الكتاب معناه. فكل مشروع بنية تحتية يحمل تصوراً للمجتمع الذي يريد بناءه، وللسكان الذين يستحقون الاستثمار في حياتهم، ولمن يمكن تأجيلهم أو استبعادهم. ومن ثم يسأل الكتاب: لمن تنجح البنية التحتية؟ وعلى حساب من؟ ومن يدفع ثمن استمرارها أو انهيارها؟

لا يتعامل الكتاب مع البنية التحتية بوصفها شيئاً ثابتاً. فالطرق والأنابيب والأسلاك تمرّ بمراحل من البناء والصيانة والإصلاح والتعديل والانقطاع وإعادة الاستخدام. ويشارك المهندس والعامل والموظف والسكان والخرسانة والماء والتمويل والقانون جميعاً في إنتاجها. بهذا المعنى، تصبح البنية التحتية عملية اجتماعية مستمرة، ويصعب فصل التقني فيها عن السياسي.

من هذه الزاوية، يتجاوز الكتاب دراسة المرافق العامة إلى التفكير في الحداثة نفسها. فقد بنت الدول الحديثة جزءاً من شرعيتها على قدرتها على توفير الطرق والمياه والكهرباء والتعليم والصحة. لذلك يكشف تآكل هذه الشبكات أزمة في الخدمات، وفي صورة الدولة ومعنى المواطنة والوعود التي قامت عليها فكرة التنمية طوال القرن العشرين.

في النهاية، تقترح المقدمة تغيير السؤال. فبدلاً من الاكتفاء بالسؤال عن كيفية عمل البنية التحتية، تسأل كيف تعمل السلطة من خلالها. وتدعونا إلى رؤية الخرسانة والطرق والأنابيب باعتبارها جزءاً من السياسة نفسها. من هنا تبدأ رحلة الكتاب: من المنشآت التي تصنعها المجتمعات إلى الطرق التي تعود بها هذه المنشآت لتعيد تشكيل تلك المجتمعات.

حين يبني الإسفلتُ الزمن: البنية التحتية بين الوعد والخراب والذاكرة

يتناول القسم الأول من الكتاب، المخصّص للزمن، البنية التحتية بوصفها أجهزة تعيد ترتيب العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل. تتوزّع فصوله الأربعة بين غينيا الاستوائية والهند وبيرو وفيتنام، وتلتقي عند تفكيك فكرة رافقت مشاريع التحديث طويلاً: أن تشييد طريق أو سدّ أو محطة كهرباء يقود تلقائياً من التأخّر إلى التقدّم.

تكشف الدراسات الإثنوغرافية الأربع مساراً أكثر تعقيداً. فالبنية التحتية تتقدّم وتتراجع، وقد تُفتتح قبل اكتمالها، وتبدأ في التآكل منذ لحظة بنائها، وقد تتحوّل إلى أثر أو خرابة فيما يبقى الوعد الذي حملته حياً.

تبدأ هانا آبل من الطفرة العمرانية التي صاحبت استخراج النفط في غينيا الاستوائية. تبدو العاصمة مالابو كأنها ورشة لبناء المستقبل: طرق جديدة، ومبانٍ زجاجية، ومطارات، وقصور، ومراكز مؤتمرات، في مقابل كهرباء متقطعة ومياه غير صالحة للشرب. تقع هذه المفارقة في صلب النموذج التنموي نفسه. فالدولة تبرر تأجيل الخدمات الأساسية بالمشاريع الضخمة: ينبغي أولاً بناء الموانئ والمطارات لجذب الاستثمار، ثم ينمو الاقتصاد، وبعد ذلك تصل الخدمات إلى الجميع. وهكذا يتحول المستقبل إلى حجة تحكم الحاضر، ويصبح الوعد بالتنمية وسيلة لإرجاء المساءلة السياسية.

تكشف آبل أيضاً تقاطع «زمن التنمية» مع زمن النفط: ازدهار مؤقت، واستخراج سريع، وخوف من النضوب، ثم مغادرة وهجر. قد تعيش المنشآت التي تمولها العائدات النفطية أطول من النفط نفسه، لكنها تحتاج إلى الموارد ذاتها كي تستمر. لذلك تُبنى بوصفها آثاراً للتقدم، وتحمل منذ نشأتها احتمال أن تصبح خرائب.

البنية التحتية توزع الأزمنة كما توزع البشر والموارد. تمنح بعض الفئات مستقبلاً سريعاً، وتضع أخرى في الانتظار، وتعيد إنتاج الماضي داخل مواد الحاضر

تحفظ المباني الزجاجية أيضاً ذاكرة السلطة التي شيّدتها. يتداخل تاريخ النفط مع تاريخ نظام أوبيانغ، بعدما منحت العائدات النظام ما يشبه «سترة نجاة» سياسية وأعادت تثبيت حكم كان مهدداً. تمنح البنية التحتية السلطة هنا دواماً وصورة مرئية، إلى جانب كونها نتاجاً لها.

ومع ذلك، لا تسخر آبل من رغبة السكان في الطرق والكهرباء والمياه. فالتطلع إلى هذه الخدمات يعبر عن مطالبة بالمساواة المادية داخل عالم غير متكافئ. وهنا تظهر إحدى مفارقات القسم الأول: قد تستخدم السلطة خطاب التنمية لتأجيل الحقوق، فيما يستخدمه المهمشون للمطالبة بحياة أفضل. لذلك يبقى الوعد مجالاً للصراع، لا مجرد خداع ولا تقدماً تحقق سلفاً.

ينقل أخيل غوبتا هذه الجدلية إلى مفهوم «خرائب المستقبل». تنتشر في بنغالور أعمدة الطرق المرتفعة والحفر والأنابيب والهياكل نصف المشيدة. تبدو هذه الأشياء عادة مراحل مؤقتة في طريقها إلى الاكتمال، لكن غوبتا يرفض قراءتها انطلاقاً من نهاية مفترضة. فقد يكتمل المشروع أو يتوقف أو يتغير أو يُهجر، وقد يتحول ما نسميه «تأخيراً» إلى حالة مستقرة بذاتها.

يظهر الخراب هنا داخل المسافة بين الوعد وتحقيقه، في الزمن المعلق بين ما بدأ وما قد لا ينتهي. ومن هذه الزاوية، يفهم غوبتا البنية التحتية بوصفها «شيئاً في حركة» يعيش عبر البناء والتآكل والصيانة والترميم والتقادم. لا تمنح المادة وحدها الجسر أو المطار مظهر الصلابة؛ يحتاج بقاؤهما إلى عمل مستمر يمنع انهيارهما.

لهذا يصبح إعلان اكتمال المشروع فعلاً أيديولوجياً أيضاً. فالافتتاح يخفي بداية زمن جديد من الإصلاح والتفاوض والتوسع. حتى مطار ناريتا، الذي افتُتح رسمياً، ظل لعقود غير مكتمل قياساً إلى مخططه الأصلي، ومحكوماً بصراعات الأرض ومقاومة السكان وتغير الاحتياجات.

توسّع بيني هارفي هذا النقاش من خلال الطرق في بيرو، حيث يحمل الطريق وعداً بالاعتراف والاندماج في الدولة، إلى جانب وظيفته في النقل. يتطلع سكان المناطق المعزولة إليه لأنه يوحي بالأمان وتقليص المسافة والوصول إلى الأسواق والخدمات. لكن المشروع الواحد يحمل وعوداً متعارضة: تراه الدولة أداة لدمج الإقليم، وتراه الشركات ممراً للتجارة الدولية، وينتظر السكان منه العمل والحماية والحضور السياسي.

قد يربط الطريق نقطتين على الخريطة، من دون أن يحقق الروابط الاجتماعية والسياسية التي عُلقت عليه. يظهر ذلك في طريق إكيتوس–ناوتا الذي انتظره السكان عقوداً. عند افتتاحه، وصل الرئيس بالطائرة المروحية، وألقى خطابه وغادر، فيما بقي الرواد المحليون الذين شقوا المسار الأول خارج الحواجز الأمنية. تحقق الاتصال المادي، وبقي الاعتراف السياسي غائباً.

تكشف هذه اللحظة كيف تستولي مراسم الافتتاح على عمل طويل وموزع، ثم تعيد إدراجه في حكاية بطولية عن الدولة. تصنع المراسم لحظة ولادة واضحة لمشروع لم تكن له في الواقع بداية واحدة، ولا فاعل واحد، ولا مستقبل متفق عليه. ومن هنا تقترح هارفي التفكير في البنية التحتية أحياناً بوصفها «لا حدثاً»: تحولاً يتشكل بالتدريج وتتسع آثاره قبل الإنشاء وبعده، من دون لحظة فاصلة تختصر معناه.

أما كريستينا شوينكل فتضيف إلى هذه الأزمنة بعداً تاريخياً وعاطفياً من خلال محطة الكهرباء ومدخنتها في مدينة فينه الفيتنامية. حملت المحطة وعد الاشتراكية ببناء مجتمع حديث ومضاء، ثم تحولت خلال الحرب إلى هدف للقصف ورمز للصمود. ومع الوقت، تجاوز معنى المدخنة إنتاج الكهرباء، إذ تراكمت حولها ذكريات العمل الجماعي والإصلاح المتكرر والدفاع وموت العمال.

وفي دورة «العمل–الدفاع–الإصلاح»، تحولت المنشأة التقنية إلى جسم وطني وعاطفي يجمع الناس حول سردية التضحية والبناء. لكن الرمز التحرري حمل أيضاً عنفاً داخلياً. فقد وعدت الكهرباء بالقضاء على «التخلف»، وفرض المشروع الحضاري في الوقت نفسه تصوراً محدداً للحداثة وطالب السكان بالتشكل وفقه.

حين تقادمت المحطة وتوقفت، بقيت المدخنة بعد انتهاء وظيفتها التقنية، ثم أُعيد إنتاجها بوصفها موقعاً للتراث الوطني. هكذا تغيّر معنى البنية التحتية مع بقاء مادتها: من أداة استعمارية إلى رمز اشتراكي، ومن هدف عسكري إلى أثر تذكاري، ومن وعد بالمستقبل إلى حافظة لذاكرة الماضي. وتكشف شوينكل بذلك أن الأنظمة التقنية تتراكم فوق بعضها داخل المنشأة نفسها؛ فالاستعمار والحرب والاشتراكية والسوق النيوليبرالية تترك طبقاتها فيها.

يجمع الفصول الأربعة خيط واحد: البنية التحتية توزع الأزمنة كما توزع البشر والموارد. تمنح بعض الفئات مستقبلاً سريعاً، وتضع أخرى في الانتظار، وتعيد إنتاج الماضي داخل مواد الحاضر. وتكمن قوة هذا القسم في تجاوزه ثنائية النجاح والفشل. فقد يفشل الطريق في تنمية بلدة ويفتح في الوقت نفسه إمكانات لم يتصورها المخططون، وقد يرسخ المشروع المعلق سلطة سياسية، وقد تستمر المنشأة المتقادمة بوصفها ذاكرة جماعية.

لذلك ينتهي القسم إلى سؤال مختلف: أي مستقبل أتاحته البنية التحتية؟ وأي مستقبل أغلقته؟ من مُنح حق الوصول إليه؟ ومن حُكم عليه بالعيش في زمن التأجيل؟

سياسة الأنابيب والمراحيض

إذا كان القسم الأول من الكتاب قد تناول البنية التحتية من زاوية الزمن، بوصفها وعداً بالمستقبل قد ينقلب إلى تأجيل أو خراب، فإن القسم الثاني، الموسوم بـ «السياسة»، يطرح سؤالاً أكثر مباشرة: أين تقع السياسة فعلاً؟ هل تنحصر في الانتخابات والبرلمانات والأحزاب والمحاكم، أم تتشكل أيضاً في المراحيض، وعدادات المياه، والأنابيب، والصمامات، ومواعيد التوزيع؟

من خلال دراستين إثنوغرافيتين في جنوب أفريقيا والهند، تجيب أنتينا فون شنيتزلر ونيخيل أناند بأن البنية التحتية قد تتحول إلى صيغة لممارسة السياسة نفسها. فحين يعبث السكان بعداد، أو يعيدون وصل أنبوب، أو يسكبون مياه الصرف أمام مقر حكومي، فإنهم يعيدون التفاوض على معنى المواطنة وحدود السلطة، وعلى من يملك حق توزيع شروط الحياة.

تبدأ فون شنيتزلر من الحضور المفاجئ للمراحيض في الحياة السياسية لجنوب أفريقيا. بعد عقدين على انتهاء الفصل العنصري، أصبحت المراحيض المفتوحة، والمرافق المؤقتة، ودلاء الفضلات، عناصر مركزية في الحملات الانتخابية والاحتجاجات الشعبية. وبلغت هذه السياسة ذروتها حين دعا جوليوس ماليما إلى «ثورة مراحيض»، بينما نقل سكان المستوطنات غير الرسمية فضلاتهم إلى الفضاءات المركزية في كيب تاون ضمن ما سُمّي «حروب البراز».

قد يبدو ذلك، للوهلة الأولى، انحداراً بالنقاش الديمقراطي إلى مستوى الحاجات الجسدية. لكن هذا الحكم يفترض أن السياسة الحقيقية يجب أن تكون عقلانية ونقية ومتحررة من الجسد. أما الفصل فيربط الديمقراطية مباشرة بالحاجات المادية للأجساد: فالكرامة السياسية تبدأ أيضاً من إمكان قضاء الحاجة خلف جدار، والحصول على الماء من دون إذلال.

تكشف المراحيض بذلك البنية المادية للديمقراطية. فالمراحيض المفتوحة تجعل الفارق بين الاعتراف القانوني والاعتراف المعيش مرئياً: قد يصبح الفرد مواطناً متساوياً أمام الدستور، من دون أن يحصل على الشروط التي تسمح له بعيش هذه المساواة.

لهذا تحذر فون شنيتزلر من الرواية التي تجعل انتخابات 1994 فاصلاً حاسماً بين زمنين. فقد ترك الفصل العنصري وراءه أكثر من منظومة قوانين؛ ترك أيضاً طرقاً، وتجمعات سكنية، وشبكات نقل، وأنظمة قياس ومراقبة، وترتيبات للخدمات. وحين تستمر هذه الأشكال المادية والإدارية، يستمر الماضي في العمل داخل الحاضر الديمقراطي.

رفع الضغط في حي قد يخفضه في حي آخر، وإغلاق صمام لصالح مجموعة قد يحرم مجموعة تقع أسفل الخط. لذلك لا ينتج الصراع دائماً مواجهة بين الدولة والشعب، بل قد يتحول إلى منافسة بين جماعات متضررة على مورد محدود

كان الفصل العنصري مشروعاً تقنياً أيضاً. فقد نظّم حركة السود عبر تصاريح المرور والسكك الحديدية ومكاتب العمل، وفصل الأحياء والخدمات، وصمم البلدات بحيث يسهل تطويقها ومراقبتها. وكانت الكهرباء تصل أولاً إلى أبراج الإنارة التي تسمح بالمراقبة الليلية قبل أن تصل إلى بيوت السكان. استخدمت السلطة البنية التحتية لتوجيه الحركة وتعطيلها وضبطها، وشفّرت سلطتها داخل التصميم والمعايير والمسارات وأشكال الاستخدام. من هنا يأتي مفهوم «السياسة التقنية».

لكن البنية التحتية التي ضُبط السكان من خلالها تحوّلت أيضاً إلى ساحة لمقاومة الحكم. خلال النضال ضد الفصل العنصري، ظهرت المقاومة في مقاطعة دفع رسوم الخدمات، وحرق دفاتر المرور، وتعطيل الحافلات، وإعادة فتح البيوت بعد عمليات الإخلاء، والعبث بالشبكات. وبعد انتهاء الفصل العنصري استمرت كثير من هذه الممارسات، لكن السلطة أعادت تصنيفها. فما عُدّ سابقاً مقاومة سياسية صار يُقدَّم بوصفه سرقة أو تخريباً أو تهرباً من الدفع.

تكشف هذه النقلة كيف أعادت الديمقراطية الجديدة صياغة الصراع، فنقلته من لغة التحرر إلى لغة الإدارة والقانون والخبرة التقنية. ويتجسد ذلك بوضوح في مشروع تركيب عدادات المياه مسبقة الدفع في سويتو. أرادت شركة المياه تحويل الاستهلاك إلى علاقة محسوبة بدقة: يحصل السكان على كمية مجانية محدودة، ثم يشترون رصيداً إضافياً، وينقطع الماء تلقائياً عند نفاده.

يبدو العداد أداة محايدة لتنظيم الاستهلاك، لكنه ينقل قرار القطع من موظف يمكن التفاوض معه إلى جهاز ينفذ الحكم آلياً. هكذا يدخل التقشف في التصميم نفسه، ويتحول الحرمان إلى ما يشبه «القطع الذاتي». لذلك قاوم السكان العدادات في الشارع والمحاكم، واستعانوا بـ«سباكين فدائيين» يعيدون وصل الشبكة. وطور المهندسون في المقابل وسائل تمنع العبث، فتحولت التفاصيل التقنية إلى تكتيكات داخل معركة مستمرة على الماء والمساواة والمواطنة.

ينقل نيخيل أناند هذه الفكرة إلى مومباي، لكنه يغير زاوية النظر. ففي جنوب أفريقيا تظهر البنية التحتية بوصفها بقايا مادية لحكم الفصل العنصري ومجالاً لاستمرار المقاومة. أما في مومباي، فتظهر شبكة المياه بوصفها المجال الذي تتكوّن داخله الدولة والجمهور معاً.

توزّع المدينة الماء لساعات محدودة وفق جداول وضغوط متفاوتة. وتحصل المباني المعترف بها رسمياً على كميات أكبر من المستوطنات الهامشية، فيما يُترك سكان التجمعات غير المعترف بها للشراء من الجيران أو إنشاء وصلات خفية. تنتج الشبكة بذلك تراتب المدينة يومياً: فكمية الماء، وسمك الأنبوب، وقوة الضغط تتحول إلى مقاييس عملية لدرجة الانتماء.

لكن أناند لا يصور سكان الهامش بوصفهم متلقين سلبيين لسياسة حيوية تنطلق من مركز الدولة. فالماء يُسحب سياسياً نحو أحيائهم عبر الشكاوى والالتماسات، والتجمع في مكاتب أعضاء المجالس، والضغط على المهندسين. تذهب النساء جماعات لأن الحضور الجماعي أقوى من الشكوى الفردية، ويربطن أصواتهن الانتخابية بالتزام المسؤول بتوفير أنبوب أو إصلاح وصلة.

لا تُصاغ المطالبة دائماً بلغة الحقوق الدستورية المجردة؛ فقد تأتي بلغة الوعد والواجب والرعاية والقرابة السياسية. ومع ذلك تظل مطالبة سياسية، لأنها تكشف أن المواطنة علاقة مادية تحتاج إلى الضغط، بالمعنى الاجتماعي والهيدروليكي معاً.

هنا يلتقي الفصلان في نقد التصور الليبرالي للمجال العام. فالجمهور لا يتشكل فقط عبر تداول الأفكار في الصحافة أو النقاش العقلاني بين أفراد متساوين، بل يتكون أيضاً حول مادة مشتركة، وحول أثر متفاوت يقع على أجساد متجاورة. يسمي أناند هذه الجماعات «جماعات المتأثرين»: سكاناً تجمعهم نتائج توزيع الماء، حتى لو اختلفت طبقاتهم ومصالحهم. 

فالأنبوب يجمع أشخاصاً ومسؤولين وعمالاً ووثائق وصمامات في علاقة سياسية. كما أن «العام» نفسه يحتاج إلى عمل دائم كي يستمر، مثلما تحتاج الشبكة إلى الصيانة.

لكن هذه السياسة تحمل تناقضاً لا يحله القسم بسهولة. فرفع الضغط في حي قد يخفضه في حي آخر، وإغلاق صمام لصالح مجموعة قد يحرم مجموعة تقع أسفل الخط. لذلك لا ينتج الصراع دائماً مواجهة بين الدولة والشعب، بل قد يتحول إلى منافسة بين جماعات متضررة على مورد محدود.

تكمن قوة التحليل هنا في إظهار أن العدالة التوزيعية لا تتحقّق بمجرد مد الأنابيب. فكل اتصال جديد يعيد ترتيب الشبكة، ومنسوب الضغط، والامتيازات. وتوحّد البنية التحتية السكان بوصفهم جمهوراً، ثم تقسّمهم في الوقت نفسه إلى حصص وأوقات ودرجات متفاوتة من الاستحقاق.

يجمع الفصلين خيط واحد: تُنتج السياسة داخل البنية التحتية نفسها. ففي جنوب أفريقيا تكشف المراحيض والعدادات استمرار الماضي العنصري داخل الديمقراطية الجديدة، وفي مومباي تنتج الأنابيب مواطنين ومسؤولين وجماعات مطالبة بالماء. وفي الحالتين، تصطدم محاولات تحويل التوزيع إلى شأن تقني بحقيقة أن شروط الحياة تحمل دائماً أسئلة سياسية. فكل صمام يطرح سؤالاً عن الاستحقاق، وكل عداد يعيد رسم الحد بين الحق والسلعة، وكل انقطاع يستدعي الدولة إلى الظهور.

يدفعنا هذا القسم، في النهاية، إلى إعادة تعريف السياسة ذاتها. فهي تتشكل أيضاً فيما يفعله المواطنون بالأسلاك والأنابيب والعدادات حين تفشل المؤسسات في سماعهم. ويبقى السؤال مفتوحاً: كيف يمكن بناء ديمقراطية مشتركة حين تتوزع المواد التي تحمل الحياة وفق تاريخ من الفصل، ومنطق السوق، وضغوط الشبكة، وحين يعيد كل امتياز في الوصول ترتيب شروط وصول الآخرين؟

من الوعد إلى التحول

يحمل القسم الثالث عنوان «الوعد»، لكنه يوسّع معنى الوعد إلى ما يتجاوز توقع تحسن الخدمات أو اكتمال المشروعات. يصبح الوعد هنا قوة تستدعي مستقبلاً لم يوجد بعد، وتنظم حوله الرغبات والمخاوف، ثم تثبته في أشكال مادية ومعرفية وسياسية.

تنتقل الفصول الثلاثة من جماليات البنية التحتية عند براين لاركن، إلى بنى إنتاج المعرفة عند جيفري باوكر، ثم إلى إمكان الثورة البيئية والسياسية عند دومينيك بوير. ويجمعها سؤال واحد: كيف يصبح التحول قابلاً للحياة والاستمرار؟ فالأفكار الجديدة تحتاج إلى أشكال وأنظمة تحملها وتمنحها القدرة على البقاء.

ينطلق براين لاركن من ملاحظة تقلب الطريقة المعتادة في تحليل البنية التحتية. فالطريق ومحطة الكهرباء وشبكة الراديو ليست مواد وتقنيات وحسب؛ إنها أيضاً أشكال تخاطب الناس. تُرى البنية التحتية وتُسمع وتُلمس، ولها لون وإيقاع وضجيج ورائحة، وتضع مستخدميها داخل تجربة حسية محددة.

من هنا يقترح لاركن مفهوم «الجماليات السياسية»: الطريقة التي تمنح السلطة نفسها من خلالها شكلاً محسوساً. فالطريق الجديد يجعل التقدم مرئياً، ومحطة الكهرباء قد تجسد قدرة الدولة، فيما يحول الازدحام والحفر والانقطاع إخفاق الوعد إلى تجربة يومية محسوسة.

لذلك يرفض لاركن الفصل بين المادة والمعنى. فالمناهج المادية الجديدة تمنح الأشياء أحياناً أولوية، كأن المادة توجد أولاً ثم تأتي الخطابات لتمنحها معناها. أما عند لاركن، فتولد التقنية داخل رغبات وتصورات سياسية تستدعيها وتحدد ما يُنتظر منها.

يوضح ذلك من خلال إدخال البث الإذاعي إلى نيجيريا الاستعمارية. لم يظهر الراديو لمجرد توافر الجهاز تقنياً، فقد رأى فيه بعض المسؤولين الاستعماريين أداة قادرة على تغيير وعي السكان وإخراجهم من «المحلية» إلى عالم أوسع ينسجم مع تصور الاستعمار للتقدم. سبقت الراديوَ، بهذا المعنى، فكرةٌ عن الإنسان الذي ينبغي أن يصنعه.

لكن الجهاز، بعد تركيبه، لم يبق خاضعاً تماماً لهذا التصور. دخل في علاقات مع الغبار والرطوبة والحشرات والمجتمعات المحلية، وأنتج نتائج لم يستطع المخططون التحكم فيها بالكامل. هكذا يظهر الوعد بوصفه أحد شروط وجود البنية التحتية: تُبنى المنشأة لأن ثمة تصوراً لما يمكن أن تفعله مستقبلاً.

لهذا تنقل البنية التحتية أكثر من الكهرباء والأشخاص والمعلومات؛ تنقل أيضاً صورة عن المجتمع المرغوب فيه. فالطريق السريع في لاغوس بنية للحركة وصورة للحداثة والانفتاح والتقدم في آن. وعندما يتحول إلى ازدحام دائم، يصبح التعطل التقني إخفاقاً محسوساً لعلاقة الدولة بمواطنيها.

تظهر «البنية التحتية الثورية» هنا كسلسلة عمليات صغيرة وموزعة تعيد استخدام طاقات النظام القديم ومواده لبناء علاقات أكثر محلية وتواضعاً واستدامة

وقد تكفي حفرة في الطريق لاستدعاء تفسير كامل للفساد، والاختلال الإداري، والمحسوبية، وتراجع الدولة. يفتح الفشل التقني باب التأويل السياسي لأن المنشأة حملت منذ البداية وعداً سياسياً.

إذا كانت الأشكال التقنية تصنع طرقاً للشعور والتفكير، فإن جيفري باوكر ينقل السؤال إلى البنى التحتية التي تنتج المعرفة نفسها. فالجامعة، والمجلة العلمية، والتصنيف الأكاديمي، وقاعدة البيانات، والمعايير التي تحدد ما يعد معرفة صحيحة، تشكل بدورها بنى تحتية. وكما نتوقع الماء عند فتح الصنبور، نتوقع «المعرفة» عندما نفتح مجلة محكّمة.

يرى باوكر أن هذا النظام المعرفي لم يعد مناسباً للمشكلات التي يواجهها العالم. فالجامعة الحديثة ما زالت منظمة وفق تقسيمات ورثتها من عصر الأنوار: علوم طبيعية في جهة، وعلوم إنسانية واجتماعية في جهة أخرى، وتخصصات تفصل بينها حدود مؤسسية ومكانية ومهنية.

وتفعل هذه التصنيفات أكثر من تسمية الحقول. فهي تحدد من يلتقي بمن، وما الأسئلة التي يمكن طرحها، وأي أشكال من العمل تحصل على الاعتراف والمكافأة. فإذا كان تغير المناخ يجمع الجيولوجيا والطاقة والاقتصاد والسياسة والثقافة، فإن الجامعة تقطّع المشكلة إلى تخصصات لا يمتلك أي منها منفرداً الأدوات الكافية لمعالجتها.

لذلك يدعو باوكر إلى إعادة بناء البنية التحتية للمعرفة، لا إلى الاكتفاء بتعاون سطحي بين تخصصات مستقلة. فالعائق يكمن أيضاً في نظم التقييم والنشر والتمويل والترقية، التي صُممت لحماية الحدود القائمة. وحتى أشكال المعرفة ما زالت خاضعة لهيمنة النص الخطي: المقال والكتاب والورقة العلمية، في وقت تنتج فيه الأبحاث بيانات وبرمجيات وصوراً وخرائط ونماذج ومنصات رقمية لا تحظى دائماً باعتراف مؤسسي مماثل.

من هنا يدعو باوكر إلى تطوير عمال معرفة جدد: وسطاء ينقلون الأفكار بين الحقول، ومحوّلين يعيدون صياغة البيانات والمفاهيم بحيث تصبح قابلة للاستخدام في مجالات أخرى.

لكن بناء معرفة مشتركة لا يزيل الاختلافات بسهولة. فكل تخصص يعمل بتصنيفات ومعايير قد لا تنسجم مع غيره، وتمنح المعايير قدراً من الاستقرار فيما قد تتحول أيضاً إلى عائق أمام التغيير. يصعب، مثلاً، تبادل البيانات بين الحقول إذا استخدمت كل جماعة علمية تعريفات مختلفة، لكن توحيد التعريفات بصورة صارمة قد يجمّد المعرفة ويمنع اكتشاف أشياء جديدة.

لذلك تصبح الاستدامة المعرفية موازنة بين الاستقرار والانفتاح: تحتاج البنية إلى ما يكفي من الثبات لحفظ المعرفة وتداولها، وإلى ما يكفي من المرونة كي تتغير حين يتغير العالم.

هنا يلتقي باوكر بلاركن. فالشكل يحدد ما يمكن التفكير فيه. كما يصنع الطريق تجربة محددة للحركة، تصنع المجلة والتخصص وقاعدة البيانات تجربة محددة للمعرفة. وكما تخفي البنية التحتية المادية كثيراً من العمل الذي يحافظ عليها، تخفي المؤسسات الأكاديمية أعمال الفهرسة والصيانة والترجمة والتنظيم التي تجعل المعرفة ممكنة.

من هذه الزاوية، تحتاج مواجهة الأزمة البيئية إلى أكثر من نتائج علمية جديدة. تحتاج أيضاً إلى مؤسسات وأشكال تعبير قادرة على إنتاج معرفة تصل الطبيعة بالمجتمع، والتقنية بالسياسة.

يصل دومينيك بوير بهذا المسار إلى ذروته السياسية. يسأل لماذا أصبح مفهوم البنية التحتية حاضراً بهذه القوة الآن، ويربط ذلك بأزمة النيوليبرالية، وتآكل المنشآت العامة، وظهور الأنثروبوسين بوصفه أزمة حضارية.

فشبكات النفط والكهرباء والنقل شكّلت الأساس الذي جعل نمط الحياة الحديث ممكناً. كما اشتركت الليبرالية والاشتراكية والكينزية والنيوليبرالية، على الرغم من اختلافاتها، في الإيمان بالتوسع الصناعي والنمو غير المحدود.

يقترح بوير النظر إلى البنية التحتية بوصفها طاقة كامنة. فهي تختزن عمل البشر والمعرفة والمواد والقوة الطبيعية، ثم تطلقها لاحقاً في صورة قدرات تبدو مستقلة. لا تنتج شبكة الكهرباء أو خط الأنابيب السلعة مباشرة، لكنها تجعل نظاماً كاملاً من الإنتاج والتوزيع ممكناً.

هنا تظهر مفارقة البنية التحتية: فهي تحفظ النظام القائم، وقد تختزن في الوقت نفسه القدرة على إعادة ترتيبه. ولهذا يعود بوير إلى ماركس بحثاً عن إمكان تحويل الطاقات التي راكمتها الحداثة الكربونية ضد النظام الذي صنعها.

لكن الثورة المطلوبة، في نظره، لا تتحقق باستبدال الوقود الأحفوري بالطاقة المتجددة مع إبقاء المركزية والاستهلاك والنمو على حالها. فمزارع الرياح الضخمة التي تغذي المصانع والمتاجر ذاتها قد تغيّر مصدر الطاقة، من دون أن تغيّر علاقات السلطة.

لهذا يهتم بوير بنموذج الطاقة الشمسية اللامركزية عند هيرمان شير، حيث يقصّر الإنتاج المحلي سلاسل الإمداد، ويفكك الاحتكارات، ويعيد جزءاً من السلطة إلى المستويات المحلية. يصبح التحول الطاقي بذلك تحولاً أيضاً في حجم المجتمع، ومركزية الدولة، وتنظيم الاقتصاد، وعلاقة الإنسان بالطبيعة.

في خاتمة حادة، يرفض بوير الاعتقاد بأن التكنولوجيا ستنجز الانتقال وحدها مع احتفاظ مجتمعات الشمال العالمي بمستويات الوفرة نفسها. فالخروج من الأنثروبوسين يتطلب تقليصاً للاستهلاك، وتضحية، وإعادة تشكيل للذات التي اعتادت السيطرة.

وتظهر «البنية التحتية الثورية» هنا كسلسلة عمليات صغيرة وموزعة تعيد استخدام طاقات النظام القديم ومواده لبناء علاقات أكثر محلية وتواضعاً واستدامة. وتسعى إلى تقليص الهيمنة البشرية على الكوكب، لا إلى تطوير أدوات جديدة لممارستها.

هكذا يكتمل منطق القسم: يبدأ بالشكل الذي يجعل السلطة محسوسة، ثم ينتقل إلى المؤسسات التي تجعل المعرفة ممكنة، وينتهي بالطاقة التي تجعل نظاماً حضارياً كاملاً قابلاً للاستمرار أو لإعادة التشكيل.

يكمن وعد البنية التحتية، وفق هذا المسار، في قدرتها على كشف شروط بناء المستقبل. فالمستقبل يحتاج إلى أشكال جديدة للإحساس، وبنى جديدة للمعرفة، وأنظمة جديدة للطاقة والسلطة. ويبقى السؤال: هل نستطيع إعادة استخدام الطاقات والمعارف والأشكال التي ورثناها من الحداثة لبناء عالم مختلف، أم ستواصل البنى التحتية القديمة فرض مستقبلها علينا حتى بعد أن نعرف إلى أين يقود؟

البنية التحتية بين الوعد والنقد

تكمن القيمة الأساسية لكتاب «وعد البنية التحتية» في أنه يدفع القارئ إلى إعادة النظر في المسلمات التي تحكم فهمه للعالم المعاصر. فمنذ البداية، يوسّع الكتاب مفهوم البنية التحتية إلى ما يتجاوز الطرق والجسور وشبكات الكهرباء، ويكشفها بوصفها إطاراً تنتظم داخله العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والمعرفية. هكذا تصبح البنية التحتية وسيطاً يصل المادة بالسلطة، والتقنية بالثقافة، والحياة اليومية بالمشروعات السياسية الكبرى.

تكشف الأقسام التي تناولها هذا التحليل الطبيعة المزدوجة للبنية التحتية. فهي تتيح الاستقرار والاستمرار، وتفتح في الوقت نفسه فضاءً للصراع وإعادة التشكيل. فالطريق الذي يسهّل الحركة قد يعيد توزيع السلطة، وقاعدة البيانات التي تنظّم المعرفة قد تقصي أشكالاً أخرى منها، وشبكة الطاقة التي تضمن استمرار الحياة الحديثة قد تعمّق الأزمة البيئية. لذلك تكتسب البنية التحتية معناها من العلاقات التي تنسجها وأنماط الحياة التي تجعلها ممكنة.

لكن اتساع هذا المفهوم يطرح مشكلة نقدية. ففي بعض المواضع، يمنح الكتاب البنية التحتية قدرة تفسيرية واسعة إلى درجة تكاد معها كل ظاهرة اجتماعية تُقرأ من خلالها. وهنا يظهر خطر الانتقال من اختزال تقني ضيق إلى اختزال جديد يجعل البنية التحتية مفتاحاً شاملاً لفهم المجتمع. فإذا دخلت المؤسسات والممارسات والتصنيفات والعلاقات كلها ضمن المفهوم نفسه، فقد يفقد قدرته على التمييز بين مستويات الفعل الاجتماعي المختلفة.

يظهر سؤال مماثل في معالجة الكتاب للسلطة والفاعلين الاجتماعيين. فهو يشرح بدقة كيف تعمل الأنظمة وتعيد تشكيل الأفراد، بينما يحضر الفاعلون أحياناً بوصفهم مستجيبين أكثر منهم مبادرين. يشير المؤلفون إلى إمكان إعادة استخدام البنى التحتية وتحويل وظائفها، لكن هذا الإمكان يبقى في مواضع كثيرة أقرب إلى أفق نظري منه إلى تصور واضح لكيفية انتقال المجتمعات من بنية إلى أخرى. ومن هذه الزاوية، ينجح الكتاب في تشخيص الأزمة أكثر مما يرسم مسارات عملية لتجاوزها.

يطرح الكتاب أيضاً سؤالاً مهماً حول العلاقة بين التقنية والسياسة. فهو ينتقد التصور الذي يعامل التكنولوجيا بوصفها أداة محايدة، ويبيّن أن كل بنية تحتية تحمل تصوراً معيناً للعالم وللإنسان. لكن التشديد على هذا البعد قد يخفف أحياناً من مساحة الاستقلال التي تكتسبها التقنية بعد إنشائها. فقد تجاوزت تقنيات كثيرة الأغراض التي صُممت من أجلها، وولّدت استخدامات لم يتوقعها مصمموها. لذلك لا تجسّد التقنية السلطة فقط؛ يمكنها أيضاً أن تصبح مجالاً للمقاومة وإعادة التوظيف والابتكار الاجتماعي.

مع ذلك، تبقى إحدى أهم مساهمات الكتاب في إعادته الاعتبار إلى ما لا نراه في الحياة اليومية. نادراً ما نفكر في الشبكات التي تجعل أفعالنا ممكنة: لا ننتبه إلى الكهرباء إلا عندما تنقطع، ولا إلى الإنترنت إلا عندما يتعطل، ولا إلى قواعد البيانات إلا عندما تفشل. تكشف لحظة الخلل حجم اعتماد المجتمعات الحديثة على هذه الشبكات، وتظهر معها العلاقات السياسية والاقتصادية التي كانت تعمل في الخلفية.

تزداد راهنية هذا الطرح في ظل التحولات العالمية الراهنة. فقد جعلت الأزمات المناخية، وسلاسل الإمداد العالمية، والرقمنة المتسارعة، والذكاء الاصطناعي، البنية التحتية أكثر مركزية. ولم يعد الصراع يدور حول امتلاك الموارد وحدها، وإنما أيضاً حول السيطرة على الشبكات التي تنقل المعلومات والطاقة والبيانات ورؤوس الأموال. تساعد أفكار الكتاب هنا على فهم أشكال القوة التي تعمل عبر البنى التي تنظّم إمكانات الحياة نفسها.

تكمن القوة الفكرية للكتاب في دفعه القارئ إلى تجاوز الفصل بين البنية والفعل، والمادة والثقافة، والتقنية والسياسة. فهو يبيّن كيف تتداخل هذه المجالات في إنتاج الواقع الاجتماعي. لكن هذه القوة تحتاج إلى حذر نقدي يمنع تحويل البنية التحتية إلى مفهوم يفسر كل شيء. فالمطلوب إدراجها ضمن شبكة أوسع من العوامل التي تشكل المجتمع، لا استبدال مركزية الاقتصاد أو الدولة بمركزية جديدة للبنية التحتية.

في النهاية، يطرح «وعد البنية التحتية» سؤالاً مفتوحاً عن المستقبل. فإذا كانت البنى التحتية قد ساهمت في صنع العالم الذي نعيش فيه، يصبح السؤال كيف نعيد تصميمها لتصبح أكثر عدالة واستدامة وقدرة على مواجهة التحديات المقبلة.

هكذا تتحول قراءة الكتاب من تمرين نظري في دراسة المنشآت والشبكات إلى إعادة تفكير في شروط العيش المشترك. فالتغيير لا يمر عبر الأفكار والقوانين وحدها، وإنما أيضاً عبر البنى التي تجعل تلك الأفكار والقوانين قابلة للحياة. ومن هنا تأتي أهمية الكتاب: فهو ينقل البنية التحتية من هامش التحليل الاجتماعي إلى قلبه، ويجعل التفكير في المستقبل تفكيراً في الشروط المادية والسياسية والمعرفية التي سيقوم عليها.

    فؤاد غربالي

    أستاذ علم الاجتماع ، تونس