هكذا دواليك
اتفاق مكة: هل نحن أمام شرق أوسط جديد؟
في خضمّ الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، وما أحدثته من أزمة اقتصادية عالمية تهدّد إمدادات الطاقة وتنذر بحرق المنطقة، بعد إجهاض مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية الموقّعة في حزيران/يونيو الماضي، يوفّر اتفاق مكة للدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان، الموقّع في 7 آب/أغسطس 2026، مدخلاً أساسياً لمناقشة التحوّلات الجيوسياسية المقبلة، التي قد تُفضي إلى واحدة من أكبر الأزمات التي يواجهها الدور الأميركي في الشرق الأوسط.
يعلن الاتفاق، في ظاهره، ولادة «مثلث قوة» جديد يجمع القدرات الاستثمارية الضخمة للسعودية وحاجتها إلى إعادة توجيه أولويات «رؤية 2030» نحو القطاعات الصناعية الاستراتيجية، والقدرات التكنولوجية التركية، ولا سيما في مجالات الصناعات الدفاعية والنقل والخدمات اللوجستية، إلى جانب قوة الردع النووي الباكستانية وخبراتها الدفاعية والعملياتية، فضلاً عن دورها في التجارة العالمية. لكن التعمّق في طبيعة العلاقات الثنائية بين الدول الأعضاء في الاتفاق، وديناميات الاقتصاد السياسي في كل دولة، وتموضعها الجيوسياسي، يدفعنا إلى طرح مجموعة من الأسئلة لفهم المنحى الذي قد يتّخذه التحالف المعلن.
بدايةً، هل نحن حقاً أمام شرق أوسط جديد؟ وكيف سيتجلّى ذلك في الفعل السياسي المباشر؟ وإذا كانت الحاجة إلى منطقة أكثر استقراراً تجمع الدول الثلاث، فما استراتيجيتها المشتركة لإدارة العلاقة مع إسرائيل وتبعات حروب الإبادة في غزة ولبنان؟ وإذا كان الموقّعون يسعون إلى تأمين مظلة دفاعية إقليمية، بما قد يشكّل فرصة تاريخية، فما موقف دول أساسية، مثل مصر وسوريا وإيران، منها؟ ويبقى السؤال الأهم متعلّقاً باستدامة الاتفاق: هل يرتبط مؤقتاً بظروف إقليمية معيّنة، أم يمثّل مشروعاً طويل الأمد ومؤسسياً، قادراً على الصمود في وجه المتغيّرات؟
نحاول فيما يلي فهم ديناميات هذا الاتفاق، ومناقشة آفاق تطوّره، واستعراض بعض التحديات التي لا بدّ من مقارعتها.
قراءة في الاتفاق
يسارع البعض إلى تفسير الاتفاق من منظور أحادي، فيقدّمه بوصفه تحالفاً «سُنّياً»، أو «هلالاً سُنّياً صاعداً»، تنحصر مهمته في الدفاع عن السعودية في مواجهة إيران الشيعية، التي يمرّ «هلالها» الإقليمي بمرحلة انحسار. يخدم هذا التحليل الرغبوي مصلحة من يُسمّون بـ«الليبراليين الجدد» في المنطقة العربية ــ وقد اصطُلح على تسميتهم هكذا تفادياً لاستعمال توصيفات أخرى قد لا تُحمد عقباها ــ الذين يفسّرون كل المتغيّرات الإقليمية والتفاعلات الجيوسياسية، منذ السابع من أكتوبر 2023، بما يلبّي حاجتهم الأساسية إلى القضاء على فكرة مقاومة الاحتلال، وإنهاء المسألة الفلسطينية، تمهيداً للسعي وراء وهم «خلاصي» يفرض أسرلة الشرق الأوسط حلاً لكل التحديات التنموية والاقتصادية والاجتماعية.
وتعني الأسرلة هنا، بشكل مباشر، التنظير والسعي إلى إعادة تشكيل العقد الاجتماعي في المنطقة وفق النموذج الإسرائيلي بصيغته الحالية، التي تمثّل أعلى درجات التطرّف الليكودي. لذلك، هلّل هؤلاء للحرب في شباط/فبراير الماضي، وامتعضوا وهالهم التوصّل إلى مذكرة التفاهم الإيرانية–الأميركية في حزيران/يونيو الماضي. كذلك، يتبنّون خطاباً اجتثاثياً في الداخل اللبناني يتكامل مع ماكينة الإبادة الإسرائيلية ضد شيعة جبل عامل، ويشكّلون رأس جسر إعلامياً وسياسياً لمشروع الأسرلة في لبنان، وينظّرون لمستقبل الحكم الناشئ في سوريا انطلاقاً من وظيفته في خدمة مشروع الأسرلة الذي يتبنّونه.
قد يؤسّس الاتفاق لمثلث قوة استراتيجي يرمي إلى بناء قدرات دفاعية مشتركة، وتطوير صناعات عسكرية متكاملة، وتحسين القوة التفاوضية في عملية إعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي
لكنّ «اتفاق مكة» يتجاوز هذا التفسير المختزل. وقد أوضح هاكان فيدان، وزير الخارجية التركي، ذلك مباشرةً حين صرّح بأن الاتفاق لا يستهدف طرفاً بعينه، وذكر إيران بالاسم. يتوّج الاتفاق جهود تقارب بين أطرافه الثلاثة امتدّت أكثر من عقد، ويضع الاتفاقات الثنائية في إطار جيوسياسي أوسع. ومع أنه وُقّع في خضمّ الحرب الحالية وحمل رسالة مباشرة إلى الإيرانيين تتعلّق بحماية الأمن السعودي، فإنه يعبّر عن تحوّل في استراتيجيات الدفاع الإقليمية.
وساهمت سياسة إدارة ترامب في الحرب الحالية، عملياً، في تسريع إظهار حدود القوة الأميركية، من جهة، وفي تفريغ الدور الحمائي الأميركي، المتوارث منذ حرب الخليج الثانية في التسعينيات، من أهم قيمة مضافة له، أي منع استهداف البنى التحتية لدول المنطقة، من جهة أخرى. عجزت أميركا، وفق ما أثبتته التجربة الميدانية، عن تأمين مظلة حماية لدول الخليج. هذا هو الواقع، وهذا ما أثبتته نتائج الحرب، وإن بنسب متفاوتة.
عملياً، نقل ترامب أميركا من موقع حامي الدول النفطية إلى موقع المتسبّب بأكبر خطر يتهدّد ثرواتها الوطنية، وربما منذ اكتشاف النفط وتدفّق عوائده. فهو لا ينفكّ شخصياً عن تهديد دولة مثل سلطنة عُمان بالتدمير إذا خالفت شروطه، ولا يتوانى وزير خزانته عن توجيه تهديدات مباشرة إلى أي دولة في الشرق الأوسط، وتحديداً الدول التي تثابر على التعاون الاقتصادي مع إيران.
قد يؤسّس الاتفاق، إذاً، لمثلث قوة استراتيجي يرمي إلى بناء قدرات دفاعية مشتركة، وتطوير صناعات عسكرية متكاملة، وتحسين القوة التفاوضية في عملية إعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي. كما قد يطوّر استراتيجية إقليمية للأمن البحري، ويدفع الدول الثلاث إلى أداء دور أكبر في مسارات التجارة الدولية.
تكامل في الصناعات الدفاعية
تنصّ الاتفاقية الموقّعة على تطوير القدرات الدفاعية المشتركة للدول الأعضاء، بما يعزّز التكامل الدفاعي بينها، وينشئ نظاماً بيئياً مشتركاً (ِEcosystem) يسهّل انسياب المعلومات الأمنية وتبادلها، ويرفع القدرة على التحرّك السريع والاستجابة للتهديدات ضمن نطاق جغرافي واسع. لكنّ النقطة الأبرز في هذا المجال تتمثّل في رفع مستوى مشاريع التعاون الثنائية بين الدول الأعضاء وتسريع اندماجها مستقبلاً، أكثر مما تتمثّل في الدفاع المشترك المباشر. لذلك، قد لا تشكّل المقارنة مع المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي المدخل الأنسب لفهم الطبيعة الدفاعية للاتفاق.
تتعاون تركيا وباكستان بشكل حثيث في مجال الطائرات المسيّرة والنفاثة. ففي كانون الثاني/يناير 2025، وقّعت الدولتان اتفاقاً للإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا الخاصة بطائرة «KAAN» التركية من الجيل الخامس، التي تمثّل اختراقاً نوعياً في مجال الصناعات العسكرية، من خلال تأسيس مصنع لتجميع الطائرات في باكستان. وتسعى تركيا إلى توطين تصنيع محركات الطائرة بحلول عام 2033، بهدف الاستغناء عن المحركات الأميركية التي تعتمد عليها حالياً. وقد تؤدّي السعودية دوراً أساسياً في تمويل المشروع، مقابل الحصول على حق توطين خطوط الإنتاج مستقبلاً. وينطبق الأمر نفسه على خطوط إنتاج المسيّرات التركية.
كما تنخرط تركيا وباكستان في مشروع لتطوير أسطوليهما من طائرات «F-16»، وتتشاركان في تطوير ناقلات جند ومدرّعات ضمن مشروع بالتعاون مع كازاخستان. ولا ينحصر التعاون الاستراتيجي بين الدولتين في مشاريع محدّدة، بل أصبح جزءاً من تكامل مؤسساتي في مجالَي البحث والتطوير، وتحديداً من خلال الحديقة الوطنية للعلوم والتكنولوجيا الفضائية في إسلام آباد (NASTP). وتسعى الحديقة إلى تشكيل ما يمكن اعتباره بيئة مؤسساتية محفّزة للتعاون الثلاثي بين القطاعين العام والخاص والمؤسسات الأكاديمية، وهو النموذج نفسه الذي تأسّس عليه وادي السيليكون في بداياته، بالشراكة بين البنتاغون وجامعة ستانفورد والقطاع الخاص. واللافت في الحالة الباكستانية أن التعاون يشمل أيضاً شركة الصناعات الجوية التركية (TUSAŞ)، التي أصبح لها مقر رئيسي هناك، فيما سيفتح الاتفاق الباب أمام شراكة مؤسساتية مع السعودية أيضاً.
يمكن للتعاون بين الدول الثلاث، أن يُنتج نظاماً بيئياً دفاعياً يرتكز على رافعة تمويلية سعودية، وخبرات باكستان الدفاعية والعملياتية، في المقابل، تؤدّي تركيا دور مطوّر التكنولوجيا الحديثة
تشارك باكستان بدورها في مشروع تطوير الطائرة الشبحية الصينية «JF-17 Thunder»، التي تُعدّ من النماذج الأكثر تطوراً. وقد نشرت أخيراً سرباً من هذه الطائرات في السعودية، إلى جانب منظومتها الرادارية الدفاعية، بما يمهّد لاحتمال اندماجها على نطاق أوسع في المنظومة الدفاعية السعودية، ويفتح باباً غير مسبوق للتعاون في هذا المجال. ويضاف إلى ذلك تعاونها مع الصين على تطوير غواصات «هانغور» بما يتلاءم مع الاحتياجات العملياتية لباكستان.
وينطبق الأمر نفسه على طبيعة التعاون بين تركيا وباكستان والسعودية، التي تسعى إلى توطين نحو 50% من إنفاقها الدفاعي بحلول عام 2030، من خلال الشركة السعودية للصناعات العسكرية (SAMI). ويتركّز هذا التعاون تحديداً في مجال المسيّرات، إذ وقّعت تركيا والسعودية صفقة بنحو 3 مليارات دولار لتزويد المملكة بمسيّرات «آقنجي»، إلى جانب عقود للتعاون في مجال الصواريخ الفرط صوتية، وصناعة السفن والقطع البحرية السريعة ضمن مشروع «ميلغم» (MİLGEM). كما تتعاون الدولتان على إنشاء مصنع سعودي متخصّص بإعداد المقذوفات الموجّهة بالليزر وتطويرها. في المقابل، تواصل تركيا تزويد باكستان بالذخائر الدقيقة، وأنظمة تشغيل السلاح، ومضادات الدروع.
تأتي السعودية في طليعة دول الشرق الأوسط الأكثر إنفاقاً على الدفاع، إذ بلغ إنفاقها 83 مليار دولار عام 2025، بزيادة تقارب 12% بالمقارنة مع مستواه عام 2016. وتسجّل تركيا أيضاً مستوى مرتفعاً من الإنفاق، يصل إلى نحو 30 مليار دولار، بزيادة تقارب 94% بالمقارنة مع أرقام عام 2016. وتشير التقديرات إلى أن الصناعات الدفاعية التركية شكّلت نحو 1.9% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2024.
يمكن للتعاون بين الدول الثلاث، بوضوح، أن يُنتج نظاماً بيئياً دفاعياً يرتكز على رافعة تمويلية سعودية، وخبرات باكستان الدفاعية والعملياتية، وانفتاحها على التكنولوجيا الصينية، وامتلاكها قوة ردع نووية تشكّل كابوس نتنياهو الأكبر. في المقابل، تؤدّي تركيا دور مطوّر التكنولوجيا الحديثة، وتستخدمها أداةً لإعادة رسم الحدود العملياتية لنفوذها السياسي والعسكري، متجاوزةً الحدود التي نصّت عليها اتفاقية لوزان، ومعيدةً تشكيل مناطق نفوذها. وتشير الأرقام المتاحة إلى أن نحو 75% من الأنظمة الدفاعية المنتجة محلياً دخلت حيّز الاستخدام في جيوش دول صديقة من بينها دول حلف الناتو.
قوة الجغرافيا
تؤدّي الجغرافيا دوراً أساسياً في إنتاج الميزة الاستراتيجية لاتفاق مكة، إذ تتمتّع الدول الثلاث بمواقع استراتيجية على بحر العرب والبحر الأحمر والبحر المتوسط. يمتدّ الساحل الباكستاني على بحر العرب لنحو 1,000 كيلومتر، من أقصى حدود باكستان الشرقية مع الهند في سر كريك إلى جيواجي بالقرب من الحدود الإيرانية. ويبلغ طول الساحل السعودي على البحر الأحمر نحو 1,800 كيلومتر. أما تركيا، فتمتلك أطول ساحل على البحر المتوسط، بطول يزيد على 2,000 كيلومتر، وتربطه عبر مضيقَي البوسفور والدردنيل بسواحلها على البحر الأسود، التي تمتدّ لنحو 1,700 كيلومتر. ويستمدّ هذا المثلث البحري أهميته من إشرافه على 3 بوابات بحرية تطلّ على أهم الممرات المائية في العالم.
وتختزن البنية التحتية القائمة على هذه السواحل قدرات اقتصادية هائلة. إذ تمتلك الدول الثلاث مجتمعةً 6 مرافئ كبرى ذات أهمية استراتيجية لإمدادات الطاقة، من بينها موانئ ينبع والملك عبد الله وجدّة، التي أثبتت أهميتها الاستراتيجية خلال الحرب الحالية. ويضاف إليها ميناء غوادر، الذي يشكّل عقدة أساسية في الممر التجاري الصيني–الباكستاني. فمن خلاله، تطلّ الصين على بحر العرب، وتصبح حكماً معنية بالترتيبات الأمنية المرتبطة بأمن الملاحة في مضيق هرمز وبحر العرب عموماً.
وقد تلقّت السعودية سابقاً دعوة رسمية لتصبح الشريك الاستراتيجي الثالث في الممر، من خلال إحياء خطط إقامة مدينة نفطية كبرى في الميناء، وإنشاء محطة تكرير ومشاريع للتخزين الاستراتيجي للنفط السعودي. ويسمح ذلك بإعادة تصدير النفط في أوقات الأزمات، ويشكّل عاملاً للتهدئة والتدخّل السريع في الأسواق.
وتدخل تركيا، من جهتها، بقوة على خط الممرات التجارية الدولية، بعدما دفعها استبعادها من الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، الذي يضمّ كلاً من السعودية وإسرائيل، إلى البحث عن بدائل. وقد علّق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان آنذاك بالقول: «لا ممر من دون تركيا»، في ردّ أولي على شبه الفيتو الإسرائيلي الذي حال دون مشاركة تركيا في المشروع.
وترتكز الاستراتيجية التركية أساساً على طرح «الممر الأوسط»، وهو شبكة معقّدة من الطرق البرية وسكك الحديد وخطوط النقل البحري، تمرّ عبر كازاخستان وبحر قزوين وأذربيجان وجورجيا، وصولاً إلى تركيا. ويهدف الممر إلى خفض مدة نقل البضائع الصينية من نحو 40 يوماً بحراً إلى النصف تقريباً. ويمنح اتفاق مكة تركيا، والدول الشريكة من خلفها في الممر الأوسط، قوة دفع كبيرة للربط مع الممر الصيني–الباكستاني عبر ميناء غوادر. وقد سبقت الاتفاق جهود حثيثة بذلتها كازاخستان وأذربيجان لإقناع باكستان بأهمية هذا الربط.
كما تمتلك تركيا في إسكندرون أكبر ميناء على شرق المتوسط، ويشكّل بوابة للتصدير نحو أوروبا. ويمكن للميناء أن يؤدّي دوراً محورياً بوصفه بوابة بحرية أساسية لتصدير البضائع المنقولة عبر طريق الحجاز الجديد، الذي تسعى تركيا إلى إنجازه من خلال شبكة من الطرق البرية وسكك الحديد، تبدأ من سلطنة عُمان، وتمرّ بالسعودية والأردن وسوريا، وصولاً إلى الأناضول، ومنها إلى إسطنبول.
وفي هذا السياق، وقّعت تركيا والسعودية في حزيران/يونيو الماضي اتفاقية تعاون لتطوير الربط السككي وتكنولوجيا النقل الحديث، إلى جانب اتفاقية أخرى تتعلّق بالخدمات اللوجستية والشحن. ومن المقرّر أن يُنجز المشروع عام 2029، وأن يشمل تعاوناً رسمياً مع الأردن وسوريا.
عبء الواقع وتحدياته
اعتبر هاكان فيدان، في تعليقه الأولي على الاتفاق، أن الهدف الأكبر يتمثّل في تطوير بنيانه المؤسساتي، وتحويله إلى مؤسسة محورية في المنطقة على شاكلة حلف شمال الأطلسي، على أن تكون له أمانة عامة وآليات عمل مؤسساتية. لكن إذا أرادت الدول الثلاث أن تجعل منه مظلة دفاعية استراتيجية لدول المنطقة، فسيكون عليها مواجهة تحدٍّ أساسي يرتبط بالواقع الجيوسياسي لكل دولة وبحجم التناقضات فيما بينها.
تنشغل تركيا أولاً بملفاتها في سوريا وليبيا واليونان، فيما تخوض باكستان حرباً «غير منتهية» مع الهند. أما السعودية، فتواجه نزاعاً طال أمده في اليمن، شكّل عامل تناقض أساسياً بينها وبين الإمارات، وتسعى في الوقت نفسه إلى النأي بنفسها عن نتائج الحرب الإسرائيلية–الأميركية على إيران. ويصعّب هذا الواقع تركيز جهود التعاون، ويطرح أسئلة عن حدود التماسك الدفاعي، ولا سيما إذا أخذنا في الاعتبار التموضع الدولي لكل دولة.
والأهم أن الاتفاق يظلّ دفاعياً بحتاً في نصّه، ولا يمنح أي دولة حق استخدام قوات الدول الأخرى في صراعاتها الإقليمية من دون موافقة الجميع، ما قد يحدّ من فاعليته في الأزمات الحادّة. ولا تزال الدول الثلاث بحاجة إلى التوصّل إلى فهم مشترك لقضايا مثل تعريف العدوان، وإجراءات الرد الجماعي، وآليات فضّ النزاعات بين الأعضاء. ولا تزال هذه المسائل غير واضحة، ما يفتح المجال أمام اجتهادات مختلفة قد تؤدّي إلى خلافات.
كما تشكّل الحاجات التمويلية إحدى أكبر المعضلات التي ستواجه الدول الثلاث، في ظل التقلّبات الحادّة في أسعار النفط، وانعدام الاستقرار، وارتفاع معدلات التضخّم، إلى جانب حاجات الإنفاق الداخلي. ففي مطلع عام 2026، واجهت باكستان أزمة بعدما استردّت الإمارات العربية المتحدة وديعة بقيمة 3.5 مليارات دولار، في خطوة عُزيت إلى تباين المواقف من الحرب. وسارعت السعودية إلى تعويض الوديعة الإماراتية بمبلغ 3 مليارات دولار، بعدما كادت أن تطيح بالاستقرار المالي الباكستاني، إذ كانت تشكّل 18% من إجمالي احتياطي البلاد من العملات الأجنبية. كما أعادت السعودية جدولة قروض بقيمة 5 مليارات دولار لمدة 3 سنوات. واضطرت الصين بدورها إلى التدخّل عبر حزمة متنوّعة شملت الضخ النقدي المباشر وإعادة جدولة ديون مستحقّة بلغت نحو 5.4 مليارات دولار.
تشكّل الحاجات التمويلية إحدى أكبر المعضلات التي ستواجه الدول الثلاث، في ظل التقلّبات الحادّة في أسعار النفط، وانعدام الاستقرار، وارتفاع معدلات التضخّم، إلى جانب حاجات الإنفاق الداخلي
تواجه تركيا بدورها ضغوطاً كبرى نتيجة الحرب على إيران، التي أصابت مسار تعافيها الاقتصادي بشكل مباشر، إلى حدّ ما، عبر 3 قنوات أساسية: التضخّم الناجم عن الحرب؛ وتراجع إيرادات الموازنة العامة نتيجة تعويض الارتفاع الكبير في أسعار النفط بتصفير الضرائب على المحروقات؛ وارتفاع فاتورة استيراد النفط، إذ تستورد تركيا أكثر من 90% من حاجاتها النفطية.
ونتيجة لذلك، استنزفت البلاد قسماً كبيراً من احتياطاتها من العملات الأجنبية، بلغ 12 مليار دولار خلال الأسبوع الأول من الحرب، ومن الذهب، بلغ حوالي 60 طناً خلال الأسبوعين الأولين، لتعويض الآثار السلبية للحرب، مع الإبقاء على معدل فائدة قياسي بلغ 37%. ومع تشديد الولايات المتحدة عقوباتها الاقتصادية على الدول التي تتعاون اقتصادياً مع إيران، تواجه تركيا وباكستان تحديات أخرى تضرب علاقاتهما التجارية بشكل مباشر، ما سيفاقم أزمتيهما الاقتصاديتين.
أما السعودية، فكان لها النصيب الأكبر من آثار الحرب. فقد انكمش اقتصادها بنحو 4.8% في الربع الثاني من عام 2026، فيما تراجعت صادراتها النفطية إلى نحو 60% من مستواها قبل الحرب. وتزامن
ذلك مع ارتفاع كبير في الإنفاق الدفاعي والعسكري، ما دفع الموازنة إلى تسجيل أعلى نسبة عجز في تاريخها خلال الربع الأول من عام 2026.
وطالت التداعيات الأكبر المشاريع التنموية المدرجة ضمن «رؤية 2030»، التي أعادت السعودية توجيهها نحو قطاعات أكثر مردودية. فقد تراجعت عقود الإنشاءات التي ينفّذها صندوق الاستثمارات العامة بنحو 60% في الربع الأول من العام. وكان الصندوق يواجه تحديات سبقت الحرب، إذ تراجعت نسبة العوائد الموزّعة على المساهمين من 7.2% عام 2024 إلى 5.8% عام 2025، فيما انخفضت قيمة الأصول التي يديرها بنحو 10 مليارات دولار.
قلقٌ في إسرائيل
على الضفة الإسرائيلية، لا يزال الصمت الرسمي سيّد الموقف، وإن نقلت الصحف الإسرائيلية عن جهات رسمية قلقها من الاتفاق، واعتقادها بأنه يستهدف إسرائيل مباشرةً في جوهره، وإن لم يبلغ خطره العسكري درجة متقدّمة. لكن ما لم يقله نتنياهو في السياسة، عبّر عنه في الميدان. فقد استهدفت إسرائيل مطار أبو الظهور في سوريا مباشرةً في 18 آب/أغسطس الحالي، لقطع الطريق على جهود الجيش التركي لتطويره واستخدامه ضمن منطقة النفوذ التركية في الداخل السوري. وبعد 3 أيام من قصف المطار، ظهر مدير مكتب نتنياهو في فيديو دعائي رسمي يشرح، وفق روايته، مخاطر تنامي النفوذ التركي في سوريا.
دخل نتنياهو، الذي يرتكب أحد أبشع أشكال العنف الإبادي في غزة ولبنان، على الخط، فوصف الرئيس التركي بأنه ديكتاتور معادٍ للسامية يسجن الصحافيين و«يحتل» نصف جزيرة قبرص، واتهمه بارتكاب مجازر بحق الأقلية الكردية.
وتذكّرنا ادعاءات نتنياهو الأخيرة بالعرض الذي قدّمه على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2012، حين حذّر من اقتراب إيران من امتلاك القنبلة النووية خلال عامين، في إطار حملة دعائية كبرى هدفت إلى استمالة إدارة باراك أوباما. فشلت الحملة، ووُقّع عام 2015 الاتفاق النووي المتعدّد الأطراف، الذي شكّل إنجازاً غير مسبوق في العلاقات الأميركية–الإيرانية، واعتُبر ضربة قاصمة لمشاريع نتنياهو العسكرية.
دول اتفاق مكة تلتقي أساساً حول الدعوة إلى إتاحة فرصة لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، وهو ما يتعارض مع علّة وجود المشروع السياسي لليمين الإسرائيلي المتطرّف
عاد نتنياهو عام 2018 ليعرض عشرات الآلاف من وثائق المشروع النووي الإيراني، التي حصلت عليها المخابرات الإسرائيلية، ضمن خطته الاستراتيجية للتأثير في إدارة دونالد ترامب. وبعد أسبوع تحديداً، في 8 أيار/مايو 2018، انسحب ترامب من الاتفاق النووي من جانب واحد.
وفي 28 شباط/فبراير 2026، وبعد كل ما شهده الشرق الأوسط منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، نجح نتنياهو في استجلاب الحرب إلى المنطقة، وإن أدّت الطبيعة التوسّعية واليمينية لإدارة ترامب دوراً أساسياً في الدفع نحوها. فهل يسعى نتنياهو اليوم إلى وضع تركيا في موقع العدو الخارجي الأول لإسرائيل؟ لا تصعب الإجابة عن هذا السؤال. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، لا يتراجع الرجل عن حاجته إلى الحرب، بعدما أسّس صعوده السياسي ورسّخ قيادته لليمين الإسرائيلي على فكرة العداء المطلق لاتفاقيات السلام، وتحديداً على إسقاط مشروع أوسلو.
ويبقى أن دول اتفاق مكة تلتقي أساساً حول الدعوة إلى إتاحة فرصة لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، وهو ما يتعارض مع علّة وجود المشروع السياسي لليمين الإسرائيلي المتطرّف.
نحو شرق أوسط جديد؟
قد يشكّل اتفاق مكة، في المحصّلة، فرصة لإحداث تحوّل استراتيجي في الشرق الأوسط، ليس لأنه يجمع 3 قوى إقليمية كبرى فحسب، بل لأنه يتيح إعادة تعريف معادلات القوة والتجارة والأمن في منطقة خضعت، حتى الأمس القريب، لهيمنة أحادية، وأدارت علاقاتها الإقليمية وفق استراتيجية الخوف المتبادل. لا يقدّم المثلث التركي–السعودي–الباكستاني بديلاً أمنياً فقط، بل ينشئ إطاراً جديداً للتعاون الاقتصادي والصناعي والجيوسياسي، يقوم على التكامل بدلاً من التنافر الذي يحكم العلاقات بين دول الشرق الأوسط.
ويمتلك هذا المثلث القدرة على أداء دور أساسي في التجارة العالمية، والتأثير في مشاريع مثل الممر الهندي–الأوروبي، لكنه يحتاج إلى رؤية استراتيجية مشتركة. كما يمتلك كل مقوّمات القوة اللازمة لتحدّي الهيمنة الإسرائيلية في شرق المتوسط، لكنه يحتاج إلى خطة واضحة للمواجهة السياسية والأمنية.
وتحتاج دول اتفاق مكة، في غزة ولبنان وسوريا، إلى اتخاذ موقف أكثر فاعلية وتأثيراً في الواقع الميداني. ولا يُتوقّع أن تدخل في مواجهة عسكرية مباشرة، وإن كانت مؤشرات اقتراب الاحتكاك التركي–الإسرائيلي تتصاعد بشكل كبير. لكن يمكن لهذه الدول أن تؤدّي دوراً في بناء قوة ردع إقليمية، سياسية وأمنية، تحدّ من الاستباحة الإسرائيلية.
ويحتاج هذا المشروع أيضاً إلى انخراط دول أساسية، في مقدّمتها مصر بما تمثّله من ثقل ديموغرافي وما تحتلّه من موقع استراتيجي بين البحرين الأحمر والمتوسط، إلى جانب الأردن وسوريا والعراق. ولا يمكن لمشروع كهذا أن يتحوّل إلى مظلة للحماية والازدهار في المنطقة، ما لم يحتوِ الأزمة مع إيران في مرحلة أولى، ويصل إلى تصفير الخلافات معها في المستقبل القريب. ويستدعي ذلك أن تطوّر هذه الدول دورها في احتواء نتائج الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران.
وإذا كانت الولايات المتحدة قد أصبحت أعجز من حماية حلفائها في المنطقة، فلا ينبغي للتحالف الواعد أن يتولّى هذه المهمة نيابةً عنها، بل أن يشكّل عامل ضغط في مواجهة جنوح ترامب ومغامراته العسكرية. كما لا يمكن لتحالف كهذا ألّا يطوّر، في الحد الأدنى، خريطة طريق لإدارة إختلافاته مع دولة الإمارات العربية المتحدة.
فهل نحن أمام شرق أوسط جديد؟