أين تقع الممرات المائية الأكثر عرضة للتوتّرات الجيوسياسية؟

أين تقع الممرات المائية الأكثر عرضة للتوتّرات الجيوسياسية؟

أهمية السيطرة على الممرات البحرية ليست اكتشافاً جديداً، غير أن الحرب على إيران كشفت حدود قدرة القوى الكبرى على تأمين هذه الممرات بشكل كامل، وأظهرت أن قوّة عسكرية متفوّقة كالولايات المتحدة لا تستطيع منع إغلاق مضيق حيوي مثل مضيق هرمز وتهديد الاقتصاد العالمي بالكساد.

أكثر من 80% من التجارة العالمية تُنقل عبر البحر، وجزء كبير منها لا يصل إلى وجهته إلا عبر المرور بمضائق وممرات بحرية ضيقة عرضةً للتأثر بالنزاعات الجيوسياسية، وتعمل كصمامات تتحكم في تدفق إمدادات الطاقة العالمية. وهذا ما يثير قلقاً بالغاً في الأسواق العالمية.

فما أبرز الممرات المائية التي قد تشهد سيناريو مشابهاً لمضيق هرمز؟ 

أين تقع الممرات المائية الأكثر عرضة للتوتّرات الجيوسياسية؟

مضيق تايوان: 20% من التجارة البحرية

يفصل مضيق تايوان الصين القارية عن جزيرة تايوان، ويربط بحر الصين الجنوبي ببحر الصين الشرقي. ويبلغ عرضه 160 كيلومتراً في أضيق نقطة فيه، و يُعد أحد أكثر الممرات التجارية ازدحاماً في العالم.

وعلى الرغم من أنه أوسع من معظم الممرات الضيقة الأخرى، فإن أي اضطراب في مضيق تايوان قد يكون له تأثير أكبر من الإغلاق الحالي لمضيق هرمز. فأكثر من 20% من قيمة التجارة البحرية العالمية تمر عبره سنوياً. ويمر منه ما يقرب من نصف أسطول الحاويات العالمي، فضلاً عن التجارة المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة، إذا تستحوذ تايوان وحدها على 90% من إنتاج أشباه الموصلات الرائدة عالمياً، والتي تُستخدم في الذكاء الاصطناعي والإلكترونيات.

تتصاعد التوترات بين تايوان والصين في المضيق، وتتمثل في زيادة الاستعراضات العسكرية والتدريبات البحرية، في ظل الخلاف حول السيادة الصينية على تايوان. ويتزايد خطر وقوع حادث أو سوء تقدير، كما تتزايد احتمالية فرض الصين حصاراً عسكرياً على تايوان. 

ففي حال إقفال هذا المضيق، قد يؤدّي ذلك إلى انخفاض يُقدَّر بنسبة 5% في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وقد يؤدي إلى اضطرابات لاحقة مثل فرض عقوبات على الصين وتأخيرات في الشحن البحري الإقليمي، ما سيضاعف احتمال الصدمات الاقتصادية المتتالية.

مضيق ملقا: 24% من التجارة البحرية

يقع مضيق ملقا بين ماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا، وهو ممر استراتيجي يربط المحيط الهندي ببحر الصين الجنوبي والمحيط الهادئ، وهو أسرع ممر بحري للسفن التجارية للانتقال من بحر العرب إلى بحر الصين، ويبلغ عرض المضيق في أضيق نقطة له أقل من 2.8 كيلو متر.

يمر عبر المضيق نحو 24% من حجم التجارة البحرية العالمية، كما ينقل المضيق 45% من النفط المنقول بحراً على مستوى العالم، بالإضافة إلى ما يزيد عن 25% من إجمالي السيارات المتداولة دولياً و23% من البضائع السائبة الجافة، بما في ذلك السلع الزراعية الرئيسية مثل الحبوب وفول الصويا.

وهو أكبر ممر ضيق لنقل النفط في العالم، إذ مر عبر مياهه 23.2 مليون برميل من النفط يومياً خلال النصف الأول من عام 2025؛ وتعتمد الصين بشكل خاص على هذا الممر، إذ استوردت ما يقرب من 8 ملايين برميل من النفط الخام عبر المضيق يومياً خلال النصف الأول من العام الماضي.

في العام 2003، صاغ الرئيس الصيني هو جينتاو مصطلح «معضلة ملقا» لوصف اعتماد الصين على مضيق ملقا وتعرّضها لخطر حصار بحري محتمل، لا سيما من جانب الولايات المتحدة. ويزداد هذا التحدي تعقيداً بسبب العلاقات المتوترة مع الهند، التي قد يمنحها موقعها الاستراتيجي في المحيط الهندي نفوذاً كبيراً على طرق التجارة البحرية الرئيسية في حالة نشوب نزاع.

وقد سلّط إغلاق مضيق هرمز الضوء على أهمية هذا المضيق، بما في ذلك التصريحات التي أدلى بها في نيسان/أبريل وزير المالية الإندونيسي بوربايا يودي ساديوا، الذي طرح فكرة فرض رسوم مرور على السفن العابرة للمضيق. وقد تراجع المسؤولون الإندونيسيون لاحقاً عن هذه التصريحات.

كما تُعد المياه الواقعة في جنوب شرق آسيا والمحيطة بالمضيق موطناً لأحد أكبر بؤر القرصنة في العالم. وفي النصف الأول من عام 2025، أفاد الخبراء بارتفاع بنسبة 83% في أعمال القرصنة في جميع أنحاء آسيا، والتي استهدفت بشكل رئيسي سفن نقل البضائع السائبة.

قناة بنما: 40% من حركة الحاويات الأميركية

تُعد قناة بنما قناة اصطناعي من صنع البشر، تم افتتاحها في العام 1914 لتقطع أراضي دولة بنما، يصل عرضها الى عشرات الأمترا فقط، وتربط بين البحر الكاريبي والمحيط الهادئ. وتتميز القناة بنظام أقفال يعمل على رفع السفن وخفضها بين مستويات سطح البحر.

بالنسبة للولايات المتحدة على وجه الخصوص، تُعد القناة شرياناً استراتيجياً: إذا يعتمد عليها نحو 40% من حركة الحاويات الأميركية، لا سيما التدفقات بين الساحل الشرقي لأميركا وآسيا. كما تعتمد الصين عليها اعتماداً كبيراً، إذا استحوذت على 21.4% من حجم البضائع التي مرت عبر القناة خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في أيلول/سبتمبر 2024.

تؤثر المنافسة الجيوسياسية بين واشنطن وبكين تأثيراً مباشراً على العمليات التي تجري عبر القناة. ومنذ عودته إلى منصبه في عام 2025، هدد الرئيس ترامب مراراً وتكراراً بالسيطرة على القناة، مستشهداً بمخاوف أمنية بشأن النفوذ المتزايد للصين على هذا الممر المائي الحيوي.

بلغت المواجهات بين واشنطن وبكين ذروتها في شباط/فبراير 2026 بقرار المحكمة العليا في بنما إلغاء العقود طويلة الأمد التي كانت تسمح لشركة «سي كيه هاتشيسون» التي تتخذ من هونغ كونغ مقراً لها بتشغيل موانئ الحاويات على طرفي القناة. واعتُبر هذا الحكم انتصاراً للولايات المتحدة. ورداً على ذلك، قامت الصين باحتجاز عدد متزايد من السفن المسجلة في بنما في الموانئ الصينية (136 سفينة في نيسان/أبريل وحده).

كما أن القناة معرضة للاضطرابات البيئية والتشغيلية. ففي العامين 2023 و2024، أجبر جفاف شديد السلطات على خفض عدد السفن المارة يومياً بنسبة تقارب 40%؛ ما أدى إلى ارتفاع تكاليف الشحن بشكل حاد، وقامت الشركات بتغيير مسار سفنها حول رأس الرجاء الصالح أو عبر قناة السويس.

قناة السويس وباب المندب: 22% من التجارة العالمية للحاويات

قناة السويس هي ممر مائي اصطناعي، تفصل شبه جزيرة سيناء عن بقية مصر، وتربط البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر،  وتعد طريقاً مختصراً بالغ الأهمية للرحلات بين آسيا وأوروبا، إذ تقلل المسافة بنحو 8,900 كم وتغني عن الحاجة إلى الالتفاف حول أفريقيا.

في العام 2023، يُقدَّر أن 22% من التجارة العالمية للحاويات المنقولة بحراً قد مرت عبر القناة، وبلغت أحجام الشحنات التي نقلتها ناقلات الغاز الطبيعي المسال، وناقلات النفط، وناقلات الغاز البترولي المسال، وسفن نقل البضائع السائبة 10% و9% و7% و4% على التوالي.

مع ذلك، فإن أهمية قناة السويس تعتمد على قدرة السفن على المرور بأمان عبر مضيق باب المندب، حيث إنه المدخل الوحيد إلى البحر الأحمر من المحيط الهندي. ويقع المضيق بين اليمن وجيبوتي، ويبلغ عرضه 32 كيلومتراً في أضيق نقطة فيه.

تأثرت الملاحة عبر المضيق بشكل كبير بسبب العمليات العسكرية التي قامت بها حركة أنصار الله اليمنية، دعماً للمقاومة الفلسطينية في غزة، وما تبع ذلك من عمليات للولايات المتحدة وحلفائها في محاولة لوقف العمليات،  مما أدى إلى اضطرابات كبيرة في حركة الملاحة البحرية وارتفاع حاد في تكاليف التأمين البحري. وتجدد التهديد عندما أغلقت إيران مضيق هرمز، وتوقع المحللون انضمام حركة أنصار الله عبر إغلاق المضيق مجدداً.

 المضائق التركية: ممر لما بين 3 ملايين و4 ملايين برميل نفط يوميا

تُشكل المضائق التركية، التي تضم مضيق البوسفور ومضيق الدردنيل، والتي يبلغ عرضها حوالي 700 متر في أضيق نقاطها، الرابط البحري الوحيد بين البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط، وتربط معظم دول أوروبا الشرقية ببقية العالم وتسهل عبور النفط والغاز الطبيعي الضروريين لأسواق الطاقة العالمية.

تشكل المضائق التركية ممراً لنقل النفط من دول مثل روسيا وكازاخستان — إذ يتراوح تدفق النفط (بالبرميل في اليوم) بين 3 ملايين و4 ملايين برميل — بالإضافة إلى الحبوب الواردة من أوكرانيا، للوصول إلى الأسواق العالمية.

وقد أصبح المضيق محط اهتمام منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، حيث تسببت العقوبات الغربية على النفط الروسي في ازدحام مروري في الممر البحري عام 2022. في آذار/مارس 2022، عقب اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، أعلنت تركيا إغلاق مضيقَي البوسفور والداردانيل أمام السفن الحربية. ‬بررت أنقرة هذه الخطوة بأنها تنفيذا لاتفاقية مونترو لعام 1936، التي تمنح تركيا الحق في تقييد مرور السفن العسكرية في أوقات الحرب، مع السماح في الوقت نفسه للسفن غير المقاتلة بالعودة إلى موانئها الأصلية.‬

مضيق هرمز: مثال حاضر على تأثيرات المضائق

يقع مضيق هرمز بين سلطنة عُمان وإيران، يبلغ عرضه عند أضيق نقطة نحو 33 كيلومتراً، فيما لا يتجاوز عرض ممرات الشحن 3 كيلومترات في كل اتجاه. يعد ممراً استراتيجيا لتجارة الطاقة بين الخليج العربي وباقي العالم، ويمثّل المضيق المنفذ البحري الوحيد لكل من العراق والكويت والبحرين وقطر، وهي دول تعتمد بشكل كبير على الواردات لتأمين احتياجاتها الأساسية. ويمُر عبره 38% من النفط الخام و29% من من غاز البتروليوم المسال و19% من الغاز الطبيعي المسال و19% من منتجات النفط المكررة وثُلث امدادات الاسمدة الزراعية.

    محمد الخنسا

    محرّر في مجلة «صفر».