painting

لا هيمنة: التنمية في نظام عالمي مجزأ

قبل أكثر من 3 عقود، قدّم جون روغي تعريفاً لأحد أكثر المصطلحات الشائكة في العلوم السياسية؛ إذ عرَّف تعددية الأطراف بأنّها مجموعة من «الأشكال المؤسسية التي تنسق العلاقات بين 3 دول أو أكثر على أساس مبادئ سلوكية عامة»، وتعمل «من دون أدنى اعتبار للمصالح الفئوية للأطراف أو المقتضيات الاستراتيجية التي قد تفرضها ظروف بعينها». اليوم، وفي خضم العودة المتسارعة للقومية الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية المتزايدة، بات جلياً أنّ منظومة المؤسسات متعددة الأطراف التي نشأت في حقبة ما بعد الحرب تتعرض لهجوم مباشر وحثيث، يشنّه في الغالب رعاتها السابقون.

في التجارة، شلَّ تعطيل الولايات المتّحدة الأميركية لنظام منظمة التجارة العالمية، النظام الدولي عن أداء مهامه، وعمّق بالتبعية السياسات الحمائية وضاعف القيود التجارية. أما في الجانب الأمني، فتشير الأمم المتحدة إلى أنّ «الشلل في مجلس الأمن ومداولات هيئات نزع السلاح، فضلاً عن المنافسات الجيوسياسية المستمرة، هي بوادر على انحسار زخم تعددية الأطراف». تهاوت مصداقية القانون الدولي، مع ضرب إسرائيل وروسيا بعرض الحائط للأحكام والأوامر القضائية الصادرة عن الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية. وأكد الأمين العام للأمم المتحدة أنّ المنظمة تواجه «انهياراً مالياً وشيكاً»، إذ لم تسدّد أكثر من 80% من الدول الأعضاء رسوم عضويتها للمنظمة.

وعلى المنوال ذاته، يواجه حلف شمال الأطلسي تهديدات وجودية تنبع من داخل صفوفه، وفي الوقت نفسه زادت نزعة إعادة العسكرة من تعميق حالة التشرذم في الترتيبات الأمنية. أما على صعيد الصحة العالمية، فقد فضح تسييس توزيع اللقاحات إبان جائحة كوفيد-19 زيف وعود تعددية الأطراف في الاستجابة للأزمات العالمية الكبرى. وفي غمرة ذلك، يترنّح نظام الحوكمة المناخية تحت وطأة الخطر، بعدما ارتهنت مؤتمرات الأمم المتحدة للبيئة لمصالح قطاع الوقود الأحفوري، وانتهاج إدارة ترامب الثانية سياسة ممنهجة لعرقلة العمل المناخي على نطاق واسع.

أنتجت هذه الأزمة نظاماً عالمياً بلا قوة مهيمنة، تجد الأطراف الفاعلة القوية نفسها فيه مدفوعة لإعادة تشكيل التعددية أو التخلي عنها بالكلية

باختصار، غرق التعاون متعدّد الأطراف في حالة من الفوضى الجلية عبر عدد من القضايا، مع سعي الدول الكبرى بصورة متصاعدة نحو اتخاذ إجراءات أحادية وعرقلة الآليات القائمة والالتفاف على المؤسسات التقليدية أو الانسحاب منها. فما الذي يفسر هذا التحول ضد تعددية الأطراف، وما الذي قد يتشكّل في مكانها؟ سنقوم هنا بتتبع أسباب هذا الانهيار وصولاً إلى أزمة النظام النيوليبرالي، المتسمة بأفول الهيمنة الأميركية وصعود رأسمالية الدولة وانحسار الأعراف الدولية الليبرالية واندلاع «الحرب الباردة الثانية». أنتجت هذه الأزمة نظاماً عالمياً بلا قوة مهيمنة، تجد الأطراف الفاعلة القوية نفسها فيه مدفوعة لإعادة تشكيل التعددية أو التخلي عنها بالكلية. ويشبه العالم الناشئ في مرحلة ما بعد التعددية، كما نطرح، تصور كولين كراوتش لـ «ما بعد الديمقراطية»: تظل المؤسسات قائمة، لكن مع إفراغ منطقها الداخلي ووظائفها من محتواها.

نظامٌ آفل

تلِد كل دورة من دورات التطور الرأسمالي أنظمة هيمنة جديدة: تشكيلات جديدة من الأفكار والدول والبنى الاجتماعية تمنح الشرعية لأجهزة حكمها وتُخضع الطبقات التابعة في النظام بالقوة. أقامت الولايات المتحدة نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية وحافظت عليه من خلال هذا المزيج من القسر والرضا. من ناحية، ارتكز هذا النظام على القمع الداخلي للشيوعيين والحركات العمالية الراديكالية، ودعم الانقلابات العسكرية والتدخلات في دول العالم المستقلة حديثاً. ومن ناحية أخرى، وُضعت القواعد داخل مؤسسات بريتون وودز عبر وسائل متعددة الأطراف، وجرى التفاوض عليها بين الدول الكبرى، وصِيغت في إطار يروج لتعزيز المصلحة الجماعية بدلاً من تقديم المصالح الأميركية الضيقة.

وهكذا، كان النظام التعددي ظاهرةً «مرتبطة بسياق تاريخي محدد»، شكّلتها بنية الثنائية القطبية للنظام الدولي، إذ قدَّمَت الولايات المتحدة والقوى الاجتماعية السائدة تنازلات للدول التابعة ولتحالفات عابرة للطبقات في مواجهة البديل السوفياتي. وفي حين تقلصت تلك التنازلات بشدة بعد الحرب الباردة، احتفظ هذا النظام بدرجة ما من الرضا القبول، واستمر في التمحور حول الولايات المتحدة بصفتها المهندس والحكم للقواعد والأعراف الدولية.

بيد أنّ أنظمة الهيمنة تتعرض للانهيار بوتيرة دورية، مع تآكل أسسها المؤسسية والأيديولوجية بفعل ظهور أنماط إنتاج وعلاقات اجتماعية جديدة. ويمثّل المنعطف الراهن أزمة عضوية مماثلة. ففي جميع أنحاء العالم، استُنفد نموذج التراكم الخاص بالنيوليبرالية، وباتت مؤسساتها تحت الحصار، وجرى الانقلاب على عقائدها الراسخة. لكن على الرغم من هذا كله، لم تنجح أي جهة فاعلة بمفردها في صياغة بديل شامل، ما أسفر عن حالة لا قطبية تفتقر إلى القوة المهيمنة وتتميز بتعدد مراكز القوى. ولا تمتلك أي من هذه القوى القدرة على تقديم القيادة المهيمنة أو توفير المصالح العامة الضرورية لإرساء نظام إقليمي مستقر، فضلاً عن نظام عالمي شامل.

تلِد كل دورة من دورات التطور الرأسمالي أنظمة هيمنة جديدة: تشكيلات جديدة من الأفكار والدول والبنى الاجتماعية تمنح الشرعية لأجهزة حكمها وتُخضع الطبقات التابعة في النظام بالقوة

وفي هذا السياق، أسفر احتدام المنافسات الجيوسياسية، جنباً إلى جنب مع عودة رأسمالية الدولة، عن تغيير منظومة الحوافز التي تدفع الدول لدعم المؤسسات متعددة الأطراف والالتزام بها. والنتيجة انتشار توجهات ما بعد التعددية، إذ تتزايد هجمات الدول على المؤسسات التي تراها تقيد حركتها الاستراتيجية، أو تعمد إلى الالتفاف عليها.

نتج هذا الوضع عن أزمتي هيمنة متتاليتين. وقعت الأزمة الأولى في السبعينيات، وشكّلت تحدياً لنظام التراكم الفوردي الذي ساد في حقبة ما بعد الحرب، وكان يرتكز على الإنتاج والاستهلاك الكمّي الموحد والمميكن للسلع الاستهلاكية. ومن رحم أفول هذا النظام انبثق إجماع نيوليبرالي جديد، نجح في إنعاش النمو والربحية من خلال نقل الإنتاج إلى الخارج وتحرير القطاع المالي والخصخصة وتسليع الخدمات وفرض نظام عمل مرن جديد.

بيد أنّ النجاح الباهر للنيوليبرالية حمل في طياته بذور تقويضها. فقد برزت أقطاب تراكم جديدة على ساحة الاقتصاد العالمي، ولا سيما في دول الجنوب العالمي، حيث أسفر اندماجها في سلاسل القيمة العالمية وشبكات التمويل والتجارة والملكية العابرة للحدود عن ظهور طبقاتٍ تجارية جديدة. كما أعاد الحضور الدولي المتنامي للشركات عابرة الجنسيات والشركات المملوكة للدول وصناديق الثروة السيادية التابعة لهذه المناطق تشكيل خارطة المنافسة العالمية وأفرز توترات جيو-اقتصادية. وعلى الرغم من أنّ هذه الجهات الفاعلة لم تتحدَّ التفوّق الأميركية مباشرةً، بل طالبت بتمثيل أكبر داخل مؤسسات الحوكمة العالمية. وعلى الرغم من بعض المحاولات للتكيف، من قبيل تأسيس مجموعة العشرين في أعقاب الأزمة المالية العالمية في العام 2008، استمرت المؤسسات متعددة الأطراف تغرق في حالة من الاستعصاء والجمود عاجزةً عن استيعاب هذا النطاق المتسع من المصالح المتباينة.

كما كشفت الأزمة المالية العالمية عن تناقضات التراكم القائم على الاستدانة والتمويل القائم على المضاربة، أوصلت في النهاية إلى الركود في الاقتصاد الإنتاجي. وقد عمَّقَت الاستجابات السياساتية اللاحقة التفاوت الطبقي وعدم الاستقرار المعيشي والاستقطاب السياسي، ممهدةً الطريق لظهور قوى «مناهضة للعولمة» وقادة شعبويين رفضوا منظومة الحوكمة العالمية ذاتها، على الرغم من بقائهم ملتزمين بالمبادئ النيوليبرالية.

تشرذمت الحوكمة العالمية، وقد كانت مشلولة بالفعل بسبب حالة الجمود، بدرجة أكبر في خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين مع انتشار المؤسسات غير الرسمية والشراكات القائمة على أصحاب مصلحة متعددين؛ وذلك بوصفها استجابات براغماتية لإخفاقات تعددية الأطراف من جهة، وآليات لإدارة المعارضة وضبطها ضمن إطار نيوليبرالي من جهة أخرى. ومع صعود الشعبوية اليمينية، تزايد عزوف الولايات المتحدة عن تحمل أعباء القيادة العالمية، فقاومت إصلاحات صندوق النقد والبنك الدوليين التي كان من شأنها الاعتراف بالقوى الصاعدة، وعمدت بدلاً من ذلك إلى استخدام هذه المؤسسات لتصدير أكلاف تعافيها الاقتصادي في مرحلة ما بعد الأزمة وتحميلها لدول الجنوب العالمي.

حوكمة بقيادة الدولة

عمَّقَت الأحداث التاريخية اللاحقة هذه الأزمة العضوية من خلال تحولين مترابطين. أولهما، دخول  الرأسمالية مرحلة من الدينامية المتراجعة، التي اتسمت بفائض في القدرة الإنتاجية الصناعية عبر قطاعات متعددة، وتَشَبُّع في أسواق المنتجات العالمية، وتباطؤ في إنتاجية العمل، ونمو ضعيف في قطاع التصنيع. عززت هذه الاتجاهات من حدة التنافس الجيو-اقتصادي في مجالات التجارة والاستثمار والريادة التكنولوجية، مع تسابق الشركات للاستحواذ على فرص سوقية آخذة في التناقص، ضمن بيئة شكَّلتها اضطرابات ناتجة عن عاملين: التحول الأخضر، وانتشار التقنيات الرقمية للأغراض العامة.

ثانيهما، استجابت الدول في كل من الشمال والجنوب لهذه البيئة المتوترة، التي تخللتها أزمات منها جائحة كوفيد-19 والحرب الروسية على أوكرانيا، عبر إعادة ابتكار أدوارها كجهات فاعلة في السياسة الصناعية ومستثمرين مساهمين ومالكين مباشرين لرأس المال والأصول، وهو ما أسماه البعض رأسمالية الدولة الجديدة. وبموجب هذا النظام، وسّعت الكيانات المؤسسية المملوكة للدول، التي تجمع بين مهام تجارية وغايات جيوسياسية (من قبيل صناديق الاستثمار والبنوك التنموية والمؤسسات الحكومية وشركات رأس المال المغامر المدعومة من الدولة) أصولها توسعاً هائلاً عبر مجموعة واسعة من القطاعات، من بينها التكنولوجيا المتقدمة والتصنيع والعقارات والإعلام والخدمات المصرفية والطاقة النظيفة والبنية التحتية.

أصبحت هذه الكيانات التابعة للدولة نواقل أساسية لتراكم رأس المال العالمي. كما عادت الحكومات إلى نزعة تدخّل الدولة القوي، عبر تفعيل السياسات الصناعية واستراتيجيات التنمية المكانية والقومية الاقتصادية وفرض قيود على التجارة والاستثمار لإعادة تشكيل الشبكات الاقتصادية العابرة للحدود التي ترتكز عليها العولمة. ونتيجة لذلك، أصبحت الأنسجة الضامة للاقتصاد العالمي، أي شبكاته المالية والتجارية والإنتاجية وشبكات الطاقة والتكنولوجيا، محل النزاع المحتدم بين القوى الراسخة والمنافسين غير الغربيين والدول متوسطة القوة.

كشفت الأزمة المالية العالمية عن تناقضات التراكم القائم على الاستدانة والتمويل القائم على المضاربة، أوصلت في النهاية إلى الركود في الاقتصاد الإنتاجي

تقوم الحرب الباردة الثانية على الصراعات التي تقودها الدول للسيطرة على الشبكات الاستراتيجية للرأسمالية العالمية، وذلك على نقيض سابقتها في القرن العشرين التي قامت على التنافس بين الكتل الأيديولوجية أو سياسات الاحتواء الإقليمي. فإحكام القبضة على العقد الحيوية داخل هذه الشبكات يتيح تحويل الاعتماد المتبادل إلى سلاح، ويمنح مزايا تنافسية، وحصصاً سوقية، وقدرةً على الوصول إلى الموارد، وعوائد مالية، ويسمح للدول في الوقت نفسه بوضع العراقيل في وجه منافسيها. ومع تزايد لجوء الحكومات إلى تعبئة ملكية الدولة وتدخلها سعياً وراء هذه الأهداف الجيوسياسية، غدت رأسمالية الدولة الجديدة السمة المميزة للاقتصاد العالمي المعاصر.

تفرض هذه التحولات تحديات جسيمة على منظومة الحوكمة العالمية متعددة الأطراف. ولأن المؤسسات الاقتصادية الدولية لم تُصمَّم لعالم تؤدي فيه الدول أدواراً اقتصادية نشطة، فقد جاهدت للتكيف مع واقع رأسمالية الدولة الجديدة، في محاولة منها للمحافظة على القواعد التنظيمية المتمحورة حول السوق. تتضاءل قدرة هذه المؤسسات على التكيف بسبب تباين مصالح الدول وتضاربها، وهي المصالح التي تدور رحاها الآن داخل هذه المؤسسات ومن خلالها. وفي الوقت نفسه، تُصَعِّب الأشكال الناشئة من التنافس الجيو-اقتصادي القائم على الشبكات التوفيق بين المصالح الرأسمالية العابرة للحدود، حتى في المجالات التي تبدو تقنية بحتة مثل وضع المعايير.

تشكَّلت تحالفات جديدة من النخب، ربطت بين كبار الرأسماليين في مجالات التكنولوجيا والطاقة والتصنيع المتقدم من جهة، ومؤسسات الدفاع والأمن القومي من جهة أخرى. تجمع هذه التحالفات المقتضيات الاقتصادية والأمنية، لكنها لا تُبدي أي بوادر لبناء مشروعات هيمنة عابرة للطبقات من خلال تقديم تنازلات أو مساومات مع القوى العمالية. وهذا بدوره يفاقم التناقضات الطبقية للنيوليبرالية.

وعلى المستوى العالمي، تخلت الولايات المتحدة إلى حد بعيد عن دورها المهيمن. فبعدما باتت تكتفي بمجرد فرض سيطرتها، تزايد عزوفها عن تحمل أعباء توفير المصالح العامة التي كانت يوماً ما ركيزةً للتعددية. وعوضاً عن ذلك، أصبحت تستخدم ثقلها الاقتصادي لتقديم مصالحها المركنتيلية (التجارية) على حساب الحلفاء والخصوم على حد سواء، بأسلوب يعجل من وتيرة تداعي النظام النيوليبرالي.

ومع انخراط الدول الأخرى بالقدر ذاته في أزمة النيوليبرالية، لا تجد أي منها نفسها قادرة على ملء هذا الفراغ في القوة. والنتيجة: بنية جيوسياسية تزداد لا قطبية، ونظام عالمي بلا قوة مهيمنة، تحدد معالمه رأسماليات دول متنافسة ومتصارعة. بوصفها من بقايا النظام القديم، يُنظر إلى منظومة تعددية الأطراف بازدياد على أنها عائقاً أمام المصالح الوطنية والرأسمالية على حد سواء، ما يدفع الدول إلى تخريب قواعدها أو الالتفاف عليها أو حرف مسارها أو فك الارتباط بها تماماً.

استراتيجيات تقويض تعددية الأطراف

table

تنمية ما بعد تعددية

كان لاستجابات الدول لهذه الأزمة الهيكلية تأثير عميق في تعددية الأطراف عبر ميادين متنوعة. ولنأخذ التنمية مثالاً؛ تعرضت مؤسسات التنمية الدولية لعمليات تخريب متعمد من خلال إجراء تخفيضات حادة في المساعدات الخارجية وميزانيات وكالات المساعدات الخارجية، جنباً إلى جنب مع الجهود المستمرة لإفراغ القواعد متعددة الأطراف المتعلقة بتقديم المساعدات من محتواها. لطالما كانت الولايات المتحدة أكبر مزوّد للمساعدات الخارجية، أو ما يُعرف بالمساعدة الإنمائية الرسمية؛ ففي عام 2024، ساهمت بـ63 مليار دولار من إجمالي 213 مليار دولار خُصصت للمتلقين والمنظمات متعددة الأطراف. بيد أنّ إدارة ترامب تبنت منذ العام الماضي رؤية ترى في المساعدات الخارجية «برنامج استحقاق عالمي ضخم ومفتوح، استولى عليه اليسار التقدمي وأثرى من خلاله»، فأصدرت أوامر تنفيذية قضت بتجميد الأموال، والانسحاب من هيئات تنموية متعددة الأطراف عدة (منها منظمة الصحة العالمية والكثير من الهيئات التابعة للأمم المتحدة)، وتعليق المساهمات في لجنة المساعدة الإنمائية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، المحفل الرئيس متعدد الأطراف للتعاون الغربي في مجال المساعدات.

وبالمثل، أُفرِغَت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية من مضمونها، بعد تصفية 86% من مشروعاتها في عام 2025. مثَّلَ هذا تهديداً وجودياً لمنظومة التنمية متعددة الأطراف. وبحكم الدور الأميركي المحوري في هذا المضمار، تسبّب تقويض الوكالة وتقليص المساعدات الإنمائية الرسمية في تجفيف منابع التمويل لما يربو على 40% من شبكات الإغاثة الإنسانية العالمية، وكانت وكالات الأمم المتحدة المتضرر الأكبر من هذه الإجراءات. لم يقتصر الأمر على قطع التمويل، بل عمدت الإدارة إلى توظيف المساعدات «أداةً لتفكيك الحوكمة العالمية»؛ إذ باتت استبيانات الوكالة تُلزم الجهات المتلقية بالإقرار بأنّ برامجها لا تعتمد على المنظمات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة،التي تُصنفها الإدارة قيداً على السيادة والمصالح الأميركية. وبذلك، انحسر نهج الالتزام بالتعددية ليحل محله نظام «فرض السيادة بالمقايضة»، حيث يصبح  الاصطفاف مع الأجندة الأميركية شرطاً لازماً لنيل الفتات المتبقي من معوناتها.

يتقاطع هذا التقشف المالي مع توجيه حصة متزايدة من المساعدات الإنمائية الرسمية نحو بنود ذات صبغة قومية، من بينها دعم أدوات القطاع الخاص والمساهمة في مؤسسات تمويل التنمية التابعة للدول المانحة نفسها

وبعيداً من الولايات المتحدة، أعلن كبار المانحين الغربيين بدورهم تخفيضات هائلة في المساعدات لتوجيه الموارد نحو الإنفاق الدفاعي المتزايد. ففي شباط/فبراير 2025، أعلنت بريطانيا عزمها تخفيض إنفاقها على المساعدات إلى 0.3% من الدخل القومي الإجمالي بحلول العام 2027 (أدنى مستوى منذ عام 1999). ومنذ ذلك الحين، سرت شائعات عن تخفيضات إضافية، بما في ذلك مساهمة بريطانيا في الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا. وفي تموز/يوليو 2025، أعلنت فرنسا اقتطاعات «تاريخية» بقيمة 700 مليون يورو من ميزانية مساعداتها (نحو 5% من الإجمالي)، وتتخذ ألمانيا والسويد وهولندا وبلجيكا قرارات مماثلة. وكما يشير سام هاكستيب وزملاؤه، فإنّ «العام 2025 سيُسجَّل في التاريخ على الأرجح بوصفه العام الذي أضرم فيه المانحون النار في التزاماتهم التنموية الدولية». تعكس هذه الاقتطاعات، على غرار نظيرتها في الولايات المتحدة، ظاهرة «تأميم المساعدات» الآخذة في الازدياد على مدار العقد الماضي وسط تنامي السخط الشعبي تجاه هكذا برامج.

يتقاطع هذا التقشف المالي مع توجيه حصة متزايدة من المساعدات الإنمائية الرسمية نحو بنود ذات صبغة قومية، من بينها دعم أدوات القطاع الخاص والمساهمة في مؤسسات تمويل التنمية التابعة للدول المانحة نفسها، وهو ما يتيح لها اقتناص فرص تجارية في البلدان المتوسطة الدخل. وفي الوقت ذاته، استنزفت أكلاف إدارة شؤون اللاجئين داخل الدول المانحة جزءاً متنامياً من ميزانيات المساعدات الإنمائية على مدار العقد الماضي. ففي عام 2024، أنفقت بريطانيا على استضافة اللاجئين داخلياً 4 أضعاف ما أنفقته على الصحة العالمية أو المساعدات الإنسانية الدولية.

قوَّضت هذه التغييرات مصداقية لجنة المساعدة الإنمائية التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وزعزعت مكانة المساعدات الإنمائية الرسمية بوصفها مورداً تنموياً ميسراً. وكما وصفت منظمة أوكسفام المشهد: «لقد حَوَّل المانحون تعهداتهم بتقديم المساعدات إلى مهزلة؛ فهم لم يكتفوا بالنكوص عن تقديم ما يربو على 193 مليار دولار، بل عمدوا أيضاً إلى ضخ نحو 30 مليار دولار في جيوبهم الخاصة عبر التلاعب بتصنيف بعض الإنفاقات وإدراجها تحت مسمى مساعدات». ومن خلال الاقتطاعات وتعديل القواعد، سعى المانحون في لجنة المساعدة الإنمائية إلى تعمد تخريب نظام التنمية بما يتماشى مع مصالحهم الفئوية الضيقة.

بموازاة استراتيجيات التخريب تلك، ثمّة دينامية مستمرة من فك الارتباط. على مدار الأعوام الـ15 الماضية، انسحب المانحون في لجنة المساعدة الإنمائية تدرّجياً من الأجندات الجماعية متعددة الأطراف لحقبة ما بعد الحرب الباردة، وأبرزها أجندة فعالية التنمية التي كانت مبادؤها تحظى بإجماعٍ سابق. كما بات التزام المانحين بأهداف التنمية المستدامة موضع شك. إذ أعلنت إدارة ترامب أنّ «الولايات المتحدة ترفض وتستنكر أهداف التنمية المستدامة، ولن تعيد تأكيد الالتزام بها كأمرٍ مفروغ منه». تستند هذه الإعلانات إلى خطاب شعبوي يميني يرى وجوب تقديم المساعدات الخارجية للمصالح الوطنية على الاحتياجات العالمية.

أما التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة ذاتها، فيشهد حالة من الركود؛ إذ لا يسير سوى 35% من الأهداف «على المسار الصحيح أو يحرز تقدماً متوسطاً»، وبالمقابل «يتحرك ما يقرب من النصف ببطء شديد، والأدهى من ذلك أنّ 18% منها يسير في اتجاه عكسي». كما مُني طموح استغلال مليارات المساعدات لحشد تريليونات من التمويل الخاص بفشل ذريع. ويرى آدم توز أنّ أهداف التنمية المستدامة «لا تبدو فجراً جديداً، بل هي بالأحرى الرمق الأخير لوهم القطبية الأحادية ونهاية التاريخ»؛ فلقد «ولّى عصر الأجندة التنموية المحايدة سياسياً والمتوافق عليها بالإجماع».

بيد أنّ أعمال التخريب وفك الارتباط هذه لا تنذر بنهاية تقديم المساعدات كلياً. فقد أُعيدَ تحويل مسار الأموال إلى قنوات قومية أو استراتيجية، بالالتفاف على الهياكل متعددة الأطراف وإعادة صياغة التعاون وفق شروط جيوسياسية صريحة. فما تبقى من ميزانية المساعدات الأميركية وُجّه إلى مؤسسات وطنية من عينة مؤسسة تمويل التنمية، وهي مؤسسة لا تقدم تمويلاً ميسراً، بل تمنح قروضاً بأسعار تقارب أسعار السوق وتستثمر في أسهم تتماشى مع المصالح الجيوسياسية ورأسمالية الدولة الأميركية. على سبيل المثال، دعمت هذه المؤسسة شركات أميركية لتعدين النحاس في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتستكشف حالياً مشروعات للمعادن الأرضية النادرة في غرينلاند، وكُلفت أيضاً بتمويل مراكز البيانات داخل الولايات المتحدة وخارجها.

تجسد إعادة توظيف عمليات مؤسسة تمويل التنمية التغيرات المتسارعة في تركيبة الدولة الأميركية، مع تنامي حضور وتأثير عمالقة التكنولوجيا من وادي السيليكون من ذوي التوجهات المتشددة الذين يعملون بتنسيق وثيق مع وكالات الأمن القومي ومقاولي الدفاع وتكتلات الطاقة والتعدين، سعياً لتحقيق أهداف جيوسياسية واقتصادية وأمنية مشتركة. على سبيل المثال، نص طلب ميزانية وزارة الخارجية للسنة المالية 2026 على أنّ «مؤسسة تمويل التنمية توفر نهجاً فعالاً من حيث الكلفة لإحداث تأثير استراتيجي ملموس، ومواجهة نفوذ الصين وغيرِها من المنافسين الاستراتيجيين في العالم».

وعلى الرغم من أنّ المصلحة الذاتية والهواجس الجيوسياسية كانت دوماً جزءاً لا يتجزأ من المساعدات التنموية، فقد ارتكز تقديم المعونات، إبان الحرب الباردة،على الأقل، على فرضية تمكين دول الجنوب العالمي من التنمية لمكافحة تمدّد الشيوعية. وبهذا المعنى، فقد كانت تلك المساعدات بمثابة تنازلٍ من القوة المهيمنة؛ بل إنّ البعد التنموي لمنظومة بريتون وودز قد تبلور، جزئياً على الأقل، استجابةً لمطالب دول الجنوب.

وعلى النقيض من ذلك، في عصر ما بعد التعددية الناشئ أصبحت المساعدات التنموية تخضع بازدياد الأولويات الجيوسياسية أو التجارية، مع التخلي عن أي تظاهر بتعزيز التنمية كتنازل من القوة المهيمنة. أما الدعوات المطالبة بـ«إصلاح» المؤسسات التنموية متعددة الأطراف، فباتت تحركها مسوغات الاحتواء والمنافسة. إذ صرحت مؤخراً دي جاي نوردكويست، المديرة التنفيذية السابقة للولايات المتحدة في البنك الدولي ونائبة المدير العام المعينة حديثاً في منظمة التجارة العالمية: «حان الوقت للدول الديمقراطية والرأسمالية، بقيادة الولايات المتحدة، أن تتوقف عن تصديق أوهام أنّ الصين يمكن أن تكون قوة منتجة ومسؤولة في المنظمات الدولية مثل البنك وصندوق النقد الدوليين. يتعين على الولايات المتحدة السعي (عبر هذه المنظمات) إلى تحدي الصين وتهميشها». وتحت قيادة ترامب، سعت الولايات المتحدة لاستخدام البنك الدولي،المتعدد الأطراف ظاهرياً، لمواجهة الصين ومبادرتها الحزام والطريق، مع الضغط عليه في الوقت ذاته لتقليص التزاماته المناخية وتوسيع تمويل الوقود الأحفوري بما يتماشى مع المصالح المادية الأميركية.

وعلى الرغم من أنّ المنظومة الإنمائية للأمم المتحدة كانت الهدف الأول لتقليصات الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، فقد تلقى صندوق النقد والبنك الدوليين طمأنة باستمرار الدعم الأميركي «شريطة التزامهما بالإصلاح»؛ والمقصود هنا مساعدتهما للولايات المتحدة في «تقليص الفائض التجاري الصيني». وعلى المنوال نفسه، أطلق الاتحاد الأوروبي مبادرة البوابة العالمية مع شركاء متعددين عام 2023 بهدف معلن، وهو تعزيز الاستثمار في البنية التحتية العالمية على أسس «الثقة» و«الشراكة المتكافئة» و«الشفافية»، بيد أنّ هذه المبادرة صُممت في الواقع لتعزيز المصالح الاقتصادية والجيوسياسية والأمنية للتكتل، في سياق التنافس الاستراتيجي مع الصين وخصوم آخرين. وبالفعل، يمكن لمفوض الاتحاد الأوروبي للشراكات الدولية والمشرف على المبادرة، جوزيف سيكيلا، أن يعلن في آنٍ واحد «الإيمان الشديد بقيمة النظام متعدد الأطراف»، وأنّ الغرض من المبادرة اليوم منافسة مبادرة الحزام والطريق الصينية، والدفاع عن مصالح الاتحاد الأوروبي، وضمان «الأمن الاقتصادي والوصول إلى المواد الخام»، و«معالجة الأسباب الجذرية للهجرة غير النظامية».

يمكن تفسير مبادرة التنمية العالمية على أنّها محاولة لمراجعة أجندة التنمية متعددة الأطراف وتجريدها من المبادئ الليبرالية

على نطاق أوسع، اشتدت ظاهرة حرف المسار عبر تنامي وتيرة الإقراض «المشروط» للمنظمات متعددة الأطراف على مدار العقد الماضي: تخصيص المساعدات الإنمائية الرسمية شريطة إنفاق الأموال على مشروعات وأجندات تحددها الدول المانحة وفقاً لمصالحها الوطنية. وعلى الرغم من أنّ هذا التخصيص المشروط يعود بجذوره إلى حقبة الحرب الباردة، يؤذن صعوده المتسارع وهيمنته الراهنة بالتحوّل «من النهج التعاوني المرتكز على فعالية المساعدات إلى نموذج تحركه المصالح الوطنية والاستراتيجيات الجيوسياسية». يقوّض هذا التوجه القدرات الإدارية للمؤسسات متعددة الأطراف عبر زيادة أعباء التقارير والالتزامات الإدارية، في وقت تشهد فيه المساهمات الأساسية حالة من الركود أو التراجع. كما يُعجّل هذا المسار من «إسباغ الطابع الثنائي» على النظام متعدد الأطراف.

ومع الانخفاض المستمر في التمويل الأساسي بالتوازي مع تقليص ميزانيات المساعدات، يعزز تطبيع الإقراض المشروط من تحويل المؤسسات متعددة الأطراف إلى مجرد أدوات لخدمة غايات قومية. بعبارة أخرى، يعكس هذا التحول حالة ما بعد التعددية ويعززها في آنٍ واحد؛ إذ استحالت الهيئات متعددة الأطراف أدواتٍ لتحقيق مصالح المانحين، بدلاً من كونها منصاتٍ للحلول الجماعية المشتركة.

نحو تعددية جنوبية

كما أسلفنا، باتت الحوكمة العالمية المعاصرة تُعرَّف بازدياد بحالة ما بعد التعددية، ومن سماتها إفراغ الأعراف والمبادئ متعددة الأطراف من مضمونها. لكن ثمة جهود متزامنة لمقاومة هذا التحلّل المؤسسي ودعم الهياكل القائمة عبر إصلاحها ومراجعتها، وتبرز الصين هنا كأهم فاعل محوري في هذا الصدد. ففي مجال التنمية العالمية، كشفت الصين صراحةً عن طموحها للقيادة من مبادرة التنمية العالمية (أُطلقت عام 2021)، ومبادرة الأمن العالمي، ومبادرة الحضارة العالمية، وصولاً إلى مبادرة الحوكمة العالمية الشاملة. تندرج هذه المبادرات ضمن ترتيبات الحوكمة العالمية الحالية (مثل أهداف التنمية المستدامة)، وتعكس رؤية الصين الأوسع للنظام العالمي، والمصاغة تحت مسمى «التعددية الحقيقية»: منظومة حوكمة ترتكز على الأمم المتحدة وتولي الأولوية للتعددية وتعزيز سيادة الدولة.

وبوصفها مسعىً لترجمة رؤية الصين للنظام العالمي عبر مفهوم «مجتمع المصير المشترك للبشرية» إلى واقعٍ ملموس، يمكن تفسير مبادرة التنمية العالمية على أنّها محاولة لمراجعة أجندة التنمية متعددة الأطراف وتجريدها من المبادئ الليبرالية، عبر، من بين جملة أمور، تقديم «الحق في التنمية» على المعايير المدنية والسياسية. وبناءً عليه، تطرح الرؤية الصينية تعددية «الحد الأدنى» ترتكز على التعددية، وعدم التدخل، ودور الصين داخل الأمم المتحدة بوصفها الأولى بين أندادها. لكن لا يزال نطاق التعددية الصينية، والجنوبية بالعموم، مقتصراً على سد الفجوات الناجمة عن الانكفاء الغربي. وبوجه عام، تواجه دول الجنوب العالمي نظاماً تنموياً مختلفاً نوعياً: أقل تعددية، وأكثر تشرذماً ولا قطبية، ويفتقر إلى مشروع هيمنة جماعي كان يضمن يوماً ما حداً أدنى من التماسك والاستقرار.

نُشر هذا المقال في 12 شباط/فبراير 2026 على Phenomenal World، وتُرجم إلى العربية ونُشر في موقع «صفر» باتفاق مع الجهة الناشرة.

    إلياس علمي

    أستاذ مساعد في الاقتصاد السياسي بجامعة كامبريدج. مؤلف كتاب «قوة المال ورأس المال المالي في الأسواق الناشئة: مواجهة تسونامي السيولة» الصادر عن دار روتليدج في العام 2019، وكتاب «شبح رأسمالية الدولة» بالاشتراك مع آدم ديكسون، والصادر عن دار نشر جامعة أكسفورد في العام 2024.

    توم تشودور

    محاضر أول في السياسة والعلاقات الدولية (جامعة موناش، أستراليا) وباحث زميل (مرصد الحرب الباردة الثانية). يركز في أبحاثه على الحوكمة العالمية للاقتصاد السياسي العالمي.

    جاك تاغارت

    محاضر أول (بمرتبة أستاذ مشارك) في الاقتصاد السياسي الدولي بجامعة كوينز بلفاست. يركز في أبحاثه على دراسة السياسات والديناميات الخلافية في مجالات التنمية الدولية والسياسات البيئية والحوكمة العالمية.

    علاء بريك هنيدي

    مترجم، حاصل على ماجستير في المحاسبة، وشارك في تأسيس صحيفة المتلمِّس. صدر له ترجمة كتاب ديفيد هارفي «مدخل إلى رأس المال» عن دار فواصل السورية، وكتاب جوزيف ضاهر «الاقتصاد السياسي لحزب الله اللبناني» عن دار صفصافة المصرية، وكتاب بيتر درَكر «الابتكار وريادك الأعمال» عن دار رف السعودية، وكانت أولى ترجماته مجموعة مقالات لفلاديمير لينين عن ليف تولستوي صدرت ضمن كراس عن دار أروقة اليمنية. كما نشر ترجمات عدّة مع مواقع صحافية عربية منها مدى مصر، وإضاءات، وذات مصر، وأوان ميديا.