إلغاء «تشريج الأيام»: لماذا يدفع اللبناني ثمن رقمه الخلوي؟
تتجه وزارة الاتصالات إلى إلغاء إمكان «تشريج» الأيام والدولارات للخطوط المسبقة الدفع، بما يحصر عملياً الحفاظ على صلاحية الخط ببطاقات التعبئة التي توفرها شركتا «ألفا» و«تاتش». لكن المشكلة ليست في «تشريج الأيام»، بل في النظام الذي جعل ملايين المشتركين يحتاجون إليه أصلاً.
فلماذا يحتاج اللبناني إلى شراء أيام كي لا يخسر رقم هاتفه؟
اشتراك مقنّع بـ77 دولاراً
في لبنان، ترتبط صلاحية الخط بقيمة التعبئة لدى شركتي «ألفا» و«تاتش»: فالتعبئات الصغيرة تمنح صلاحية تقارب الشهر، فيما تبلغ قيمة التعبئة التي تمنح صلاحية سنة كاملة 77.28 دولاراً.
أي أن من يريد إبقاء خطه صالحاً لمدة سنة كاملة عليه أن يدفع مسبقاً 77.28 دولاراً، حتى لو لم يكن يحتاج إلى هذا الرصيد. وهذا المبلغ وحده يوازي نحو ربع الحد الأدنى الشهري للأجور في لبنان، الذي يعادل حالياً نحو 313 دولاراً.
عملياً، يصبح الاحتفاظ بالرقم مرتبطاً بشراء رصيد لا يفرضه الاستهلاك نفسه، بل تفرضه مدة الصلاحية. وككل كلفة دورية لا ترتبط بالاستهلاك الفعلي، يثقل هذا النظام أكثر على من يستعمل أقل ويملك أقل.
من يريد إبقاء خطه صالحاً لمدة سنة كاملة عليه أن يدفع مسبقاً 77.28 دولاراً، حتى لو لم يكن يحتاج إلى هذا الرصيد. وهذا المبلغ وحده يوازي نحو ربع الحد الأدنى الشهري للأجور
ومن هنا ظهرت الحاجة إلى تشريج الأيام أو الدولارات الصغيرة. فالمشترك قليل الاستعمال، أو الذي يعتمد أساساً على الـWi-Fi، أو يحتفظ برقمه لاستقبال المكالمات والرسائل والإشعارات المصرفية، لا يحتاج إلى رصيد جديد كل شهر. يحتاج فقط إلى ألا يفقد رقمه.
والمشكلة لا تقف عند صلاحية الرقم. فعندما تنتهي صلاحية الخط ولا يعيد المشترك تعبئته ضمن المهل المحددة، يمكن أن يخسر أيضاً الرصيد المتبقي في حسابه، أي أموالاً سبق أن دفعها ولم يستهلكها.
وهنا يصبح السؤال أكبر من «تشريج الأيام»: لماذا يُربط الاحتفاظ بالرقم باستمرار ضخ رصيد جديد، حتى عندما يكون لدى المشترك رصيد قديم لم يستخدمه؟
ما يكفي في الخارج لسنة كاملة
المقارنة مع أسواق أخرى تُظهر أن هذا الربط ليس قدراً محتوماً.
لدى Orange في فرنسا، مثلاً، يمكن لتعبئة بقيمة 10 يورو أن تنتهي مدة استعمالها فيما يبقى الخط صالحاً 6 أشهر بعدها. أي إن نحو 20 يورو خلال السنة تكفي عملياً للحفاظ على الرقم، وهو مبلغ يقل عن ثلث الـ77.28 دولاراً المطلوبة في لبنان للحصول على صلاحية سنة كاملة دفعة واحدة.
ولدى TIM في إيطاليا تبقى الشريحة والرقم صالحين 12 شهراً من آخر تعبئة، ثم يحصل المشترك على شهر إضافي للاستقبال، مع إمكان استعادة الرقم لاحقاً ضمن مهلة إضافية.
وفي ألمانيا يبقى حساب Deutsche Telekom المسبق الدفع صالحاً 15 شهراً بعد آخر تعبئة.
أما لدى EE في بريطانيا، فلا يحتاج المشترك حتى إلى تعبئة جديدة كل 6 أشهر. يكفي أن يقوم بنشاط على الخط ــ مكالمة أو رسالة أو استعمال data أو تعبئة ــ مرة كل 180 يوماً لإبقائه فعالاً، ثم يُمنح فترة إضافية قبل فقدان الرقم نهائياً.
الأنظمة مختلفة، لكن الفكرة واحدة: انتهاء الباقة أو الرصيد لا يعني بالضرورة انتهاء صلاحية الرقم.
فإذا أصبح الاحتفاظ بالرقم في لبنان ممكناً لـ6 أشهر أو سنة، أو ارتبط بحد أدنى من الاستخدام خلال فترة طويلة، سيشتري المشترك الرصيد والـdata عندما يحتاج إليهما، لا عندما يخاف من خسارة رقمه.
وعندها قد تختفي الحاجة إلى «تشريج الأيام» من تلقاء نفسها. أي أن الحل قد لا يكون في منع تشريج الأيام، بل في إلغاء الحاجة إليه أصلاً.
10 ثوانٍ بدقيقة كاملة
الخلل نفسه يظهر في طريقة احتساب المكالمات.
ففي لبنان، إذا استمرت المكالمة 10 ثوانٍ، يدفع المشترك ثمن دقيقة كاملة. أي أن الفاتورة لا تعكس مقدار الخدمة المستخدمة فعلياً.
في فرنسا، تدخّل قانون حماية المستهلك صراحة في هذه المسألة، وفرض على الخطوط المسبقة الدفع احتساب المكالمات الوطنية بالثانية منذ الثانية الأولى. ومع تطور السوق، أصبحت المكالمات والرسائل المحلية غير محدودة ومشمولة أصلاً ضمن عدد كبير من باقات الـ prepaid.
أما في لبنان، فما زال المشترك الذي يتحدث 10 ثوانٍ يدفع ثمن 60 ثانية.
إذا أصبح الاحتفاظ بالرقم في لبنان ممكناً لـ6 أشهر أو سنة، أو ارتبط بحد أدنى من الاستخدام خلال فترة طويلة، سيشتري المشترك الرصيد والـdata عندما يحتاج إليهما، لا عندما يخاف من خسارة رقمه
إذا كنا نعيد النظر اليوم في آليات التشريج والتسعير، فلماذا لا نعيد النظر أيضاً في طريقة احتساب الاستهلاك نفسه؟
لماذا لا تكون المحاسبة بالثانية، أو على الأقل أحد الخيارات المتاحة للمشترك؟
عندما ندفع ولا تصل الخدمة
المشكلة لا تقتصر على ما يدفعه المشترك مقابل ما يستخدمه، بل تمتد أيضاً إلى ما يدفعه مقابل خدمة قد لا تكون متاحة.
قال وزير الاتصالات إن من يحصل على خدمة يجب أن يدفع ثمنها. وهي قاعدة صحيحة. لكن ماذا عن وجهها الآخر؟
محطات الخليوي تتوقف أحياناً لأسباب تقنية، أو بسبب الكهرباء والأعطال وصعوبة الوصول إلى المواقع والظروف الأمنية. وفي كل هذه الحالات يستمر عدّاد صلاحية الخط.
من دفع مقابل 30 يوماً قد يتعذّر عليه استعمال الشبكة ليوم أو أكثر، من دون أن تُعاد إليه هذه الأيام تلقائياً. وقد تحصل أحياناً تعويضات استثنائية، لكن لا توجد قاعدة عامة وواضحة تربط مدة الانقطاع بتعويض المشترك.
إذا كانت لأيام الصلاحية قيمة مالية، يُفترض أن تقابلها آلية واضحة: عندما تنقطع الخدمة لفترة تتجاوز حداً معيناً، تُعاد الأيام أو يُعوّض المستخدم تلقائياً.
وإلا يصبح المبدأ غير متوازن: حق الشركة في تحصيل ثمن الخدمة محدد وواضح، فيما يبقى حق المشترك عند عدم حصوله عليها استثناءً.
ومسؤولية الدولة، بصفتها مالكة الشركتين، لا تقف عند تحصيل الثمن، بل تبدأ أيضاً من إيصال الخدمة.
من يحمي المشترك؟
هنا يُفترض أن يبدأ دور الهيئة الناظمة للاتصالات.
فالمادة 28 من قانون الاتصالات 431/2002 تُلزم مقدمي الخدمات بإبلاغ الهيئة بالتعرفات والأسعار وشروط تقديم الخدمة وحقوق المستخدمين، وتعطي الهيئة صلاحية مراقبة التعرفات وتنظيمها حمايةً للمستهلك. كما لا يجوز تعديل الأسعار أو شروط الخدمة من دون إبلاغها مسبقاً وإتاحة المجال أمامها للاعتراض.
لذلك، فإن تغيير آلية يعتمد عليها ملايين المشتركين ليس مجرد قرار تقني بين الوزارة والشركتين.
من حق المشترك أن يعرف ما إذا كانت الهيئة قد درست أثر إلغاء تشريج الأيام، وما إذا كانت قد بحثت أساساً في نظام صلاحية الخطوط وكلفة الاحتفاظ بالرقم، والمحاسبة بالدقيقة، وآليات التعويض عند انقطاع الخدمة.
«ألفا» و«تاتش» ملك للدولة، ومن واجب الدولة حماية إيراداتهما ومنع أي هدر أو تسرّب. لكن الاتصالات خدمة أساسية، وليس الهدف من إدارتها تعظيم الإيراد من كل مشترك بمعزل عن حقوقه وكلفة الخدمة عليه
وينطبق الأمر نفسه على مديرية حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد، التي تشمل مهامها متابعة أسعار الخدمات وشكاوى المستهلكين، والتي يفترض أن تكون حاضرة في نقاش يمس مباشرة كلفة الخدمة وشروط استخدامها.
وقبل قرار من هذا النوع، يُفترض أن نعرف: كم مشتركاً يستخدم تشريج الأيام فقط للحفاظ على رقمه؟ ما حجم الأرصدة غير المستخدمة في حساباتهم؟ وما الكلفة الإضافية التي سيتحملونها إذا اضطروا إلى شراء بطاقات أكبر؟
هذا هو أثر القرار الحقيقي على المستهلك، وهو ما يجب أن يُدرس قبل القرار لا بعد تطبيقه.
معالجة النتيجة وترك السبب
قد تكون آلية تشريج الأيام الحالية بحاجة إلى تنظيم، وقد تكون هناك مخالفات أو أرباح غير مبررة لدى بعض نقاط البيع. ويمكن ضبطها، وتنظيم العمولات، ومراقبة عمليات التحويل إلكترونياً، أو حتى توفير خدمة رسمية لدى «ألفا» و«تاتش» تسمح بشراء الصلاحية مباشرة. لكن إلغاء الآلية من دون إصلاح نظام الصلاحية نفسه يعني معالجة النتيجة وترك السبب.
«ألفا» و«تاتش» ملك للدولة، ومن واجب الدولة حماية إيراداتهما ومنع أي هدر أو تسرّب. لكن الاتصالات خدمة أساسية، وليس الهدف من إدارتها تعظيم الإيراد من كل مشترك بمعزل عن حقوقه وكلفة الخدمة عليه.
لذلك، قد يكون إلغاء تشريج الأيام فرصة لإصلاح النظام بدل زيادة الفاتورة: صلاحية أطول للرقم، وشراء الرصيد بحسب الحاجة الفعلية، ومحاسبة أكثر عدالة، وتعويض واضح عندما لا تصل الخدمة. عندها فقط تكتمل قاعدة «من يحصل على خدمة يجب أن يدفع ثمنها». لأن من يدفع ثمن الخدمة يجب أيضاً أن يحصل عليها، وألا يُضطر إلى شراء ما لا يحتاج إليه فقط كي يحتفظ برقم هاتفه.