code

الطبقة العاملة التقنية: كيف تصنع الرأسمالية الرقمية قوّتها وتفكّكها

  • لا يشير مفهوم الطبقة العاملة التقنية إلى هوية مهنية موحّدة أو امتياز اجتماعي خاص، بل إلى موقع داخل علاقة الإنتاج الرأسمالي. وتنبع أهميته من أنه يعيد طرح سؤال العمل في قطاع بُنيت حوله واحدة من أكثر صور نفي العمل المعاصر نفوذاً. 
  • حتى حين ينجح العاملون في بناء لجنة، أو فرض اعتراف، أو تنسيق توقف جماعي، يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة هذا الشكل على الصمود داخل قطاع لا يستقر فيه العمل في مكان واحد، ولا تحت صاحب عمل واحد بالمعنى المباشر، ولا ضمن سلسلة واضحة يمكن الإمساك بها من طرف واحد.
  • ما يبدو داخل موقع بعينه نزاعاً على أجر أو عقد أو اعتراف، قد يكون في الواقع عقدة صغيرة داخل شبكة أوسع من الموردين والمتعاقدين والفروع ومراكز التشغيل ومسارات نقل العمل من موقع إلى آخر. وهكذا لا يعود التحدي مقتصراً على بدء التنظيم، بل يمتد إلى منع احتوائه داخل الحدود التي يرسمها له القطاع نفسه.

حين يُذكر عمال التقنية، تستدعي المخيلة غالباً صورة مبرمج أمام شاشة كبيرة، أو مهندس في شركة منصات كبرى، أو موظف مرتفع الأجر يتنقل بين الشركات تحت لافتات الابتكار والمرونة والعمل عن بُعد. هذه الصورة ليست مختلقة تماماً، لكنها تعزل الشريحة الأعلى ظهوراً داخل القطاع، ثم تمنحها صفة التمثيل العام. وعندئذ تُقرأ التقنية بوصفها سردية مهارة فردية وصعود شخصي، لا كحقل عمل مأجور تنظّمه علاقات إنتاج رأسمالية ضمن علاقة طبقية عالمية تجمع العمل المرئي والمخفي تحت سيطرة رأس المال.

وراء هذه الصورة تمتد سلسلة عمل لا تختزلها البرمجة ولا تنهض بها فئة مهنية واحدة؛ فمن استخراج المعادن ومعالجتها، وتصميم العتاد والرقائق وتصنيعها وتجميعها واختبارها، إلى مدّ الكابلات وصيانة الشبكات وتشغيل مراكز البيانات وتأمين الطاقة والتبريد والأمن المادي، وصولاً إلى تصميم المنصات وتشغيل الأنظمة السحابية وبناء أدوات الذكاء الاصطناعي ومراجعة المحتوى وتوسيم البيانات وتقييم النماذج والدعم الفني ومراقبة الأعطال. وتتداخل في هذه السلسلة أعمال مهندسين ومطوري برمجيات وفنيين ومشرفي محتوى ومصنفي بيانات وعمال دعم ومقاولين وموردين، ضمن سلاسل لوجستية تربط هذه الحلقات بعضها ببعض.

لا ينتج العمل التقني تراتبية بين مبرمج ظاهر وعامل هامشي فحسب، بل يخلق سلسلة عالمية تُوزَّع فيها القيمة والمخاطر على نحو غير متكافئ، فتمنح بعض الشرائح موقعاً مرئياً وحساساً قريباً من مركز القرار، فيما تدفع شرائح أخرى إلى الهامش

وتتوزع هذه السلسلة عالمياً وفق تقسيم رأسمالي غير متكافئ؛ إذ تتمركز ملكية المنصات والبرمجيات والبنية السحابية، إلى جانب القرار الاستثماري والمعرفة المحمية ببراءات الاختراع والعقود، في أيدي رأسمال احتكاري. في المقابل، تتناثر حلقات استخراج المعادن والتصنيع والتجميع والاختبار ومدّ الكابلات وتشغيل مراكز البيانات والتوسيم والمراجعة والدعم والصيانة بين أسواق عمل متفاوتة في الأجر والحماية والقدرة على التنظيم. 

لذلك لا ينتج العمل التقني تراتبية بين مبرمج ظاهر وعامل هامشي فحسب، بل يخلق سلسلة عالمية تُوزَّع فيها القيمة والمخاطر على نحو غير متكافئ، فتمنح بعض الشرائح موقعاً مرئياً وحساساً قريباً من مركز القرار، فيما تدفع شرائح أخرى إلى الهامش، على الرغم من أن استمرار المنظومات الرقمية يتوقف على ترابط هذه الحلقات جميعها.

من هنا لا يشير مفهوم الطبقة العاملة التقنية إلى هوية مهنية موحّدة أو امتياز اجتماعي خاص، بل إلى موقع داخل علاقة الإنتاج الرأسمالي. وتنبع أهميته من أنه يعيد طرح سؤال العمل في قطاع بُنيت حوله واحدة من أكثر صور نفي العمل المعاصر نفوذاً. وكلما اتسع دور التقنية في إدارة الاقتصاد والاتصال والمال والخدمات العامة والمعرفة والحرب والرقابة، ازداد الاعتماد على العمل المأجور الذي يشغّل هذه الأنظمة ويصونها ويراقبها.

لكن هذا الاعتماد لا يحوّل العاملين في التقنية إلى قوة سياسية موحّدة بمجرد موقعهم التقني؛ فرأس المال يقسّمهم عبر الأجر والعقد والمهارة والجنسية وسهولة الاستبدال ودرجة القرب من القرار الإداري.

العمل الذي يجعل التقنية ممكنة

لا تقوم التقنية على عمل رقمي خالص. فالمنصة التي تظهر للمستخدم كواجهة سلسة، والخدمة السحابية التي تبدو قدرة مرنة بلا مكان، ونموذج الذكاء الاصطناعي الذي يستجيب في لحظة، كلها تستند إلى جسم صناعي كثيف من الكابلات البحرية ومراكز البيانات وشبكات الطاقة والتبريد ومصانع الرقائق والخوادم ومحطات الإنزال، إضافة إلى فرق التركيب والصيانة والمراقبة.

غير أن هذا الجسم لا يبدأ من المصنع أو مركز البيانات. فقبل ذلك تمتد سلسلة العمل الرقمية إلى المناجم والمحاجر والمصافي، حيث تُستخرج المواد الخام وتُعالج، بما يجعل البنية الرقمية نفسها ممكنة.

تحتاج الكابلات البحرية إلى النحاس والألياف والمواد العازلة، وتحتاج البطاريات إلى الليثيوم والكوبالت، فيما تحتاج الرقائق إلى السيليكا ومواد كيميائية ومعادن تدخل في عمليات تصنيع شديدة التعقيد. ولا تظهر هذه المواد في واجهة المستخدم، لكنها ترسم الحدود المادية لما يُسمّى القدرة الرقمية.

وخلف كل خادم أو شريحة أو وحدة تخزين تقف مناجم ومحاجر ومصافي، إلى جانب عمال استخراج ونقل وفرز، غالباً ما يعملون بعيداً من مراكز الربح والسيطرة. لذلك يؤدي استبعاد التعدين من سلسلة الإنتاج إلى تصوير التقنية وكأنها تبدأ من المصنع، مع أن المصنع نفسه لا يعمل إلا استناداً إلى عمل استخراجي سابق يربط الأرض والموارد الطبيعية والجسد العامل بالنظام الرقمي العالمي.

ولا تتحول الرقائق والخوادم والكابلات وقطع الغيار إلى بنية تشغيلية بمجرد تصنيعها. تحتاج هذه المكونات إلى شبكة لوجستية واسعة تنقلها بين المصانع والموانئ والمطارات والمخازن ومراكز البيانات ومحطات الإنزال. ويعمل في هذه الحلقة بحارة وسائقون وعمال شحن وتفريغ وتخليص وتخزين ومراقبة مخزون، إضافة إلى موردين محليين، يقع على عاتقهم إبقاء التدفق مستمراً بين مواقع الإنتاج ومواقع التشغيل.

وأي تأخير في شحنة رقائق، أو تعطل في ميناء، أو نقص في محول كهربائي، قد يوقف توسعة مركز بيانات أو يؤخر نشر خدمة سحابية أو يرفع كلفة القدرة الحوسبية. وبهذا المعنى، لا تشكّل اللوجستيات خدمة خارجية ملحقة بالتقنية، بل جزءاً من عملية إنتاجها ومن قدرتها على التوسع.

وتحتاج البنية الرقمية إلى عمل إنشائي يحوّل الأرض والمعدات والطاقة إلى موقع إنتاج فعلي. فمراكز البيانات ومصانع الرقائق ومحطات الكهرباء وغرف الكابلات ومحطات إنزال الكابلات البحرية لا تظهر مكتملة بفعل التصميم الهندسي وحده، بل عبر عمل الحفر وصب الخرسانة وتركيب الهياكل ومدّ الأسلاك والأنابيب وبناء أنظمة التهوية والتبريد والأمن والسلامة.

ويسبق هذا العمل التشغيل الرقمي ويظل ملازماً له عند التوسعة والصيانة والتحديث. ومن دونه تبقى الخوادم والمولدات وأنظمة التبريد مكونات منفصلة، لا بنية متكاملة قادرة على حمل منصة أو نموذج أو خدمة سحابية.

غير أن وجود الجسم الفيزيائي للنظام لا يكفي وحده لتحويله إلى خدمة قابلة للبيع والاستخدام. يحتاج هذا الجسم إلى طبقة أخرى من العمل تكتب الكود، وتنظف البيانات، وتختبر النماذج، وتراجع المحتوى، وتراقب الأعطال، وتعيد ضبط النظام كلما اتسع أو تعطل أو أنتج مخاطر قانونية أو اجتماعية.

لذلك لا يقع الفرق الأدق بين عمل مادي وآخر غير مادي، بل بين عمل موجّه إلى الجسم الفيزيائي للنظام وعمل موجّه إلى قابليته للتشغيل الرقمي والتحول إلى سلعة. وفي المستويين معاً يبيع العمال وقتهم وجهدهم وانتباههم وخبرتهم ضمن علاقة عمل مأجور.

وتظهر هذه الحقيقة بوضوح في الكابلات البحرية. فالإنترنت، الذي يُقدَّم عادة بوصفه فضاءً مجرداً من المكان، يستند إلى بنية مادية عابرة للمحيطات؛ إذ تحمل نحو 500 كابل ألياف ضوئية بحري 99% من حركة البيانات الرقمية العالمية، بحسب تقرير لصحيفة «لوموند». ويذكر التقرير، استناداً إلى لجنة حماية الكابلات الدولية، أن متوسط أعطال الكابلات بلغ 199 عطلاً سنوياً بين عامي 2010 و2023، أي ما يقارب 4 أعطال أسبوعياً.

ولا تُصلح الشبكة نفسها في هذه الحالات؛ بل تُستدعى سفن متخصصة وأطقم بحرية وفنية ومعدات وخرائط وتصاريح، وتُنفَّذ عمليات تحديد مواقع الأعطال ولحام الألياف واختبارها وإعادتها إلى قاع البحر. وعندما تتضرر الكابلات في البحر الأحمر أو بحر البلطيق أو قرب تايوان، لا ينكشف خطر جيوسياسي على الاتصالات فحسب، بل يظهر أيضاً مدى الاعتماد المادي على عمال ومهندسين وفنيين وبحارة وشركات إصلاح ومسارات بحرية آمنة.

وتتجلى الكثافة المادية نفسها في مراكز البيانات. فالسحابة ليست سوى مبانٍ وأراضٍ وخوادم وكابلات داخلية وأنظمة تبريد ومحولات كهربائية وطاقة احتياطية وأمن مادي وفرق تشغيل تعمل بلا توقف. ووفقاً لوكالة الطاقة الدولية، استهلكت مراكز البيانات نحو 415 تيراواط/ساعة من الكهرباء عام 2024، أي ما يعادل نحو 1.5% من استهلاك الكهرباء العالمي، وقد يتجاوز هذا الاستهلاك الضعف ليصل إلى نحو 945 تيراواط/ساعة بحلول عام 2030، مدفوعاً خصوصاً بالتوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي.

لا تكشف هذه الأرقام الأثر البيئي وحده؛ بل تكشف أيضاً أن كل توسع في القدرة الحوسبية يستدعي عملاً صناعياً لتأمين الطاقة والتبريد والصيانة وبناء الشبكات وإدارة الأعطال. وبينما يمكن تحديث تطبيق خلال ساعات، لا يتم مدّ خطوط نقل الكهرباء أو تصنيع المحولات أو توسيع الشبكات أو تدريب الفنيين بالإيقاع نفسه الذي تُحدَّث به البرمجيات.

وتختلف الأجور والعقود والمواقع ومستويات الحماية والقدرة على التفاوض والاعتراف المهني. لكن المنتج الرقمي النهائي يحتاج إلى عمل جميع هؤلاء بدرجات متفاوتة. وما يوحّد هذه الحلقات ليس تشابه العاملين فيها، بل خضوع عملهم لعملية إنتاج واحدة

وتظهر الرقائق الإلكترونية بوصفها عقدة مركزية في هذه السلسلة. فالنموذج الذي يُقدَّم كمنتج معرفي أو لغوي يعتمد على وحدات معالجة، وهذه الوحدات تعتمد بدورها على صناعة أشباه موصلات شديدة التعقيد تشمل أدوات التصميم الإلكتروني، ومعدات التصنيع، والمواد الكيميائية والغازات، والتغليف المتقدم، والاختبار، والنقل، والتركيب داخل الخوادم.

وتشير رابطة صناعة أشباه الموصلات إلى أن هذه الصناعة توظف مباشرة نحو 338 ألف شخص في الولايات المتحدة، وتدعم أكثر من 1.9 مليون وظيفة إضافية في الاقتصاد الأميركي. وتكشف هذه الأرقام أن الرقاقة ليست هامشاً صغيراً في صناعة البرمجيات، بل قاعدة صناعية واسعة يشارك فيها عمال وفنيون ومهندسون وموردون وشركات معدات ومواد.

ولا ينبغي التعامل مع الرقائق الإلكترونية بوصفها معجزة تقنية؛ فهي تجسيد لتقسيم عالمي للعمل. فقد يوجد التصميم في موقع، والتصنيع في آخر، والمعدات في بلد ثالث، والتغليف والاختبار في مناطق أخرى، فيما تتركز السيطرة على الملكية الفكرية والأسواق والقدرة التمويلية في أيدي عدد محدود من الشركات العابرة للحدود.

وتسمح هذه الخريطة بفهم العلاقة بين عمل البنية المادية وعمل التشغيل الرقمي بوصفهما وحدة إنتاجية واحدة، لا تجربة عمالية متجانسة. فعامل التعدين لا يؤدي وظيفة مصنف البيانات، وفني مركز البيانات لا يؤدي وظيفة عامل مدّ الكابلات، ومهندس السحابة لا يؤدي وظيفة عامل الشحن، كما أن مهندس الرقائق لا يؤدي وظيفة مشرف المحتوى.

وتختلف الأجور والعقود والمواقع ومستويات الحماية والقدرة على التفاوض والاعتراف المهني. لكن المنتج الرقمي النهائي يحتاج إلى عمل جميع هؤلاء بدرجات متفاوتة. وما يوحّد هذه الحلقات ليس تشابه العاملين فيها، بل خضوع عملهم لعملية إنتاج واحدة تجمع بين الاستخراج والتصنيع والإنشاء واللوجستيات والبنية الفيزيائية التي تحمل النظام والتشغيل الرقمي الذي يجعله قابلاً للعمل والبيع والتوسع.

ومع ذلك، تبقى هذه الخريطة غير مكتملة. فهناك أيضاً العمل مفتوح المصدر، وصيانة البرمجيات العامة، والعمل الإداري والقانوني والتجاري، إضافة إلى العمل في نهاية دورة الحياة، مثل إصلاح الأجهزة وإعادة بيعها وتدوير المخلفات الإلكترونية وغيرها من الأنشطة المرتبطة بالنظام التقني. وهذا ما ينقلنا إلى سؤال آخر: في أي موقع داخل هذه السلسلة يُحدَّد العامل التقني بالمعنى المباشر؟

ما هي الطبقة العاملة التقنية؟

يتحدد الانتماء إلى الطبقة العاملة التقنية بموقع العامل داخل عملية إنتاج البنية الرقمية وتشغيلها وصيانتها وضبطها، لا باسم الوظيفة ولا بالصورة الثقافية الشائعة عن العمل التقني. ولا يشير هذا المفهوم إلى جميع من يشاركون في سلاسل المواد والنقل والبناء التي تجعل التقنية ممكنة، بل إلى النواة التي يعمل أفرادها مباشرة على تحويل هذه الشروط المادية إلى منظومات رقمية قابلة للتشغيل والبيع والتوسع، ويضطرون إلى بيع قوة عملهم لتصميم هذه البنية أو تصنيعها أو تشغيلها أو صيانتها أو ضبطها.

لذلك تضم الطبقة العاملة التقنية كل من ينتجون الشروط المادية المباشرة للنظام الرقمي ويضمنون استمراره؛ من عمال تصنيع العتاد ومدّ الكابلات وتركيب الخوادم وتشغيل مراكز البيانات، إلى العاملين في البرمجة والبنى السحابية وأمن المعلومات واختبار الجودة وإصلاح الأعطال وتوسيم البيانات وتقييم النماذج ومراجعة المحتوى والدعم الفني.

ومع ذلك، يحتاج هذا التعريف إلى حدّ فاصل حتى لا يتمدّد المفهوم ليشمل الاقتصاد الرقمي بأكمله. فمجرد استخدام وسيط رقمي في العمل لا يكفي لإدراج العامل ضمن الطبقة العاملة التقنية. فالبائع الذي يعتمد على منصة تجارية، أو المعلم الذي يستخدم نظاماً تعليمياً، أو الموظف الذي يعمل عبر برنامج إداري، ينشطون جميعاً داخل اقتصاد رقمي موسع، وقد ينتمون إلى الطبقة العاملة بحكم علاقتهم بالأجر والملكية والسوق، لكنهم لا يدخلون بالضرورة في قطاع العمل التقني بالمعنى المقصود هنا.

لا تُفهم الطبقة العاملة التقنية بوصفها كتلة موحّدة سلفاً، بل باعتبارها حقل صراع داخل الطبقة العاملة نفسها. فبينما تتحدد وحدتها المادية بعلاقتها بالإنتاج الرقمي، تتحدد انقساماتها السياسية بموقع كل شريحة من الملكية والإدارة والسيطرة على العمل

ويدخل العامل في هذا القطاع عندما يكون عمله موجهاً إلى إنتاج البنية الرقمية نفسها أو تشغيلها أو صيانتها أو ضبطها، سواء تعلّق ذلك بالجسم الفيزيائي للنظام أو بقابليته للتشغيل الرقمي.

ولا يفصل هذا الحد العاملين في التقنية سياسياً عن الطبقة العاملة الأوسع، بل يحدد موضعاً تحليلياً داخلها. فالعامل التقني، بهذا المعنى، ليس من يعمل في التكنولوجيا بوصفها هوية مهنية، بل من يبيع قوة عمله داخل عملية إنتاج رقمية يملك شروطها غيره.

لذلك لا تُفهم الطبقة العاملة التقنية بوصفها كتلة موحّدة سلفاً، بل باعتبارها حقل صراع داخل الطبقة العاملة نفسها. فبينما تتحدد وحدتها المادية بعلاقتها بالإنتاج الرقمي، تتحدد انقساماتها السياسية بموقع كل شريحة من الملكية والإدارة والسيطرة على العمل.

الوحدة التي يصنعها رأس المال والانقسامات التي يديرها

الوحدة داخل قطاع التقنية هي، في الغالب، وحدة لرأس المال أكثر مما هي وحدة للعمال. فالشركة ترى الترابط كاملاً عندما تدير سلسلة القيمة، لكنها تفصل بين حلقاتها حين يتعلق الأمر بالأجور والعقود والحماية والمسؤولية والاعتراف. فهي تحتاج إلى الكابل ومركز البيانات والرقاقة والكود والتوسيم والدعم، لكنها تستطيع التعامل مع كل حلقة بوصفها مورداً منفصلاً، أو عقداً خارجياً، أو سوق عمل مختلفة.

وقد تجمع الشركة الواحدة موظفاً يتقاضى أجراً مرتفعاً ويملك أسهماً ويعمل ضمن فريق هندسي مركزي، إلى جانب عامل محتوى متعاقد، أو مختبر جودة بعقد هش، أو موظف دعم يُراقَب أداؤه بدقة عبر المؤشرات، أو فني في مركز بيانات يعمل لدى مورد خارجي.

وما يبدو من الخارج «عالماً واحداً» هو في الواقع تراتبية داخلية كثيفة. وحتى العمالة المحيطة، مثل الحراسة والتنظيف والطعام والنقل، تكشف أن القطاع يحتاج إلى شبكة أوسع من العمل الضروري لإعادة إنتاج شروطه اليومية، من دون أن تدخل جميع هذه الأعمال في قلب الطبقة العاملة التقنية بالمعنى الضيق.

ولا ينحصر الانقسام في المقابلة المبسطة بين المهندسين والعمال الخفيين. فالشريحة البرمجية والهندسية نفسها منقسمة من الداخل. هناك موظفون مباشَرون ومتعاقدون، وعاملون يتمتعون بموقع تفاوضي قوي وآخرون ترتبط إقامتهم القانونية باستمرار وظائفهم، وفرق قريبة من مراكز القرار إلى جانب فرق هامشية أو موزعة عالمياً.

لذلك لا يكفي العنوان الوظيفي لفهم الموقع الطبقي داخل العمل التقني؛ فقد يخفي اللقب نفسه تفاوتاً في السيطرة على الزمن، والقدرة على رفض المهام، وحجم المعرفة بسيرورة الإنتاج، ودرجات التعرض للهشاشة والتمييز.

إحدى آليات التفتيت المركزية هي التعهيد. فحين تنقل الشركات العمل إلى مزودين ومتعهدين ووكالات توظيف وشركات بيانات أو مراكز تشغيل خارجية، فإنها لا تخفض الكلفة فحسب، بل تفصل أيضاً بين السيطرة والمسؤولية. يظل العامل، في الممارسة اليومية، خاضعاً لمعايير الجودة والسرعة والمخرجات التي تحددها الشركة الأم، لكنه يصبح قانونياً خارجها.

ويمنح هذا الفصل الشركات مساحة واسعة للمناورة؛ إذ تستفيد من العمل الضروري لتشغيل منتجاتها وخدماتها، وتتجنب في الوقت نفسه تحمّل تبعاته المباشرة المتعلقة بالأجور والحماية الاجتماعية والرعاية الصحية والصحة النفسية. وبذلك يتيح زيادة معدلات الاستغلال عبر الضغط على الأجور والحماية وزمن العمل، مع إبقاء القرار الإداري والمعايير التقنية في يد الشركة الأم.

ويتخذ هذا الانقسام بعداً عالمياً حين تعيد شركات التقنية توزيع العمل بين بلدان وقطاعات تختلف في الأجور والحماية القانونية وحرية التنظيم والقدرة على الوصول إلى القضاء والإعلام.

ولا تنقسم السوق العالمية هنا إلى مركز يحتكر المعرفة وهامش لا يؤدي سوى العمل منخفض الأجر. فقد تظهر أعمال هندسية وبحثية عالية المهارة في بلدان منخفضة الكلفة، كما توجد أعمال دعم وتعهيد ومراجعة داخل البلدان الرأسمالية المتقدمة نفسها.

غير أن هذا التداخل لا يلغي علاقات السيطرة، لأن الملكية الفكرية والقرار الاستثماري والتحكم في المنتج والعلامة التجارية وشروط الوصول إلى البيانات والأسواق تبقى، في الغالب، في يد الشركات والمنصات التي تحدد موقع كل مهمة وشروط أدائها والجهة التي تتحمل كلفتها القانونية والسياسية.

وبذلك يصبح التفاوت العالمي جزءاً من آلية استخراج فائض القيمة في العمل التقني. فأعمال التوسيم والمراجعة والدعم والاختبار والإشراف على المحتوى تُسند غالباً إلى عمال أضعف حماية، عبر موردين وشركات تعهيد وعقود قصيرة، في نيروبي ومانيلا مثلاً، أو داخل القطاعات الهشة من أسواق العمل في البلدان الرأسمالية المتقدمة.

ولا يقتصر أثر هذا الترتيب على خفض كلفة العمل؛ بل يحوّل نقل المهام أو استبدال الموردين إلى وسيلة ضغط مستمرة تمنع العمال من بناء قوة تنظيمية عابرة للحدود.

كما تعمل التقنية نفسها أداةً لتنظيم العمل وتفتيته. فالعمل السحابي، وتوسيم البيانات، والإشراف على المحتوى، وبعض أعمال الاختبار والدعم، تُدار عبر مؤشرات أداء دقيقة، وقياسات زمنية، وتقسيم شديد للمهام إلى وحدات صغيرة، ومراقبة مستمرة للمخرجات. وما يظهر بوصفه كفاءة تشغيلية ليس سوى شكل من أشكال الانضباط أيضاً.

وحين تُقسَّم المهام إلى وحدات صغيرة، وتُقاس السرعة والجودة والاستجابة عبر مؤشرات دقيقة، وتُدار العلاقة بين العامل والعمل من خلال منصة أو نظام إدارة وسيط، يصبح العامل أكثر قابلية للاستبدال وأقل معرفة بالسلسلة الكاملة التي ينتمي إليها عمله.

وتؤدي الهوية المهنية دوراً إضافياً في تفتيت العاملين داخل القطاع. فالشركات لا تقسم السلسلة مادياً عبر العقود والأجور والمواقع الجغرافية فحسب، بل تنتج أيضاً لغةً عن الموهبة والرسالة والابتكار والأثر والمرونة. وهذه اللغة ليست ثقافة داخلية محايدة، بل أيديولوجيا عمل تجعل النزاع يبدو خروجاً على مشروع مشترك، لا تعبيراً عن صراع داخل علاقة بين عمل مأجور ورأس مال.

إحدى آليات التفتيت المركزية هي التعهيد. فحين تنقل الشركات العمل إلى مزودين ومتعهدين ووكالات توظيف وشركات بيانات أو مراكز تشغيل خارجية، فإنها لا تخفض الكلفة فحسب، بل تفصل أيضاً بين السيطرة والمسؤولية

وتستمد هذه الأيديولوجيا جزءاً من قوتها من امتيازات مادية تمنح بعض الشرائح الأعلى أجراً مصلحة جزئية في استقرار الشركة، مثل الأسهم والمكافآت ومسارات الترقّي والمزايا الوظيفية. وهكذا تنشأ أرستقراطية عمالية تقنية قد تبقى خاضعة لقدرة الشركة على التحكم في المنتج والزمن والأجر وشروط البقاء، لكنها ترى نفسها «شريكاً في الإنجاز» أكثر مما ترى نفسها جزءاً من سلسلة تضم متعاقدين وعمال دعم ومراجعة وتوسيم أقل أجراً وحماية.

وتظل هذه الأرستقراطية العمالية، في كثير من صورها، جزءاً من العمل المأجور وقابلة للدخول في صراع مع الإدارة، لكنها تحمل في الوقت نفسه تناقضاً سياسياً خاصاً نابعاً من الأسهم والمكافآت والمسار المهني.

ويكتمل هذا التفتيت عبر إخفاء العمل داخل صورة المنتج نفسه. فبعض الأعمال لا تُحجب لأنها هامشية، بل لأنها مركزية إلى حد يربك السردية التي تبنيها الشركات عن الابتكار والكفاءة والأتمتة. ولا يستقيم خطاب الابتكار إذا ظهر اعتماد نماذج الذكاء الاصطناعي على عمل بشري كثيف في التوسيم والتصنيف والمراجعة، غالباً في شروط تتسم برخص قوة العمل وضعف الحماية. كما لا يستقيم خطاب المجتمع الرقمي الآمن إذا ظهر أن هذا الأمان ينتجه مشرفون يواجهون العنف والكراهية يومياً ويتحملون كلفتهما النفسية.

وبذلك لا يكون الإخفاء دعاية مضافة إلى السلعة الرقمية، بل جزءاً من شكل ظهورها في السوق؛ إذ تبدو نتاجاً لذكاء تقني مجرد، لا تكثيفاً لعلاقات عمل مأجور وتقسيم عالمي متحرك للعمل وسيطرة رأسمالية على شروط الإنتاج والاعتراف.

صعوبة التنظيم وأشكاله الهجينة

عادةً ما يُفسَّر ضعف التنظيم داخل قطاع التقنية بالردّ إلى فردانية العاملين فيه، أو إلى ارتفاع أجور بعضهم بما يجعلهم أقل ميلاً إلى العمل الجماعي. ويلتقط هذا التفسير جانباً من الواقع، لكنه يعزل الوعي عن شروطه المادية. فالقطاع نفسه تشكّل بطريقة تجعل التنظيم مكلفاً، وغير متكافئ المخاطر، ومجزّأً بين مواقع تعاقدية ومهنية وجغرافية مختلفة.

ويبدأ العائق من تفكك مكان العمل. فالفرق الموزعة عبر مناطق زمنية متعددة، والعمل عن بُعد، والمشاريع القصيرة، كلها تقلّل من الاحتكاك اليومي المتكرر الذي أدّى تاريخياً دوراً مهماً في بناء الثقة والتنظيم داخل قطاعات أخرى.

غير أن ذلك لا ينتج الضعف التنظيمي بصورة آلية أو حتمية. فالشروط نفسها التي تفكك مكان العمل المستقر تفتح أيضاً قنوات رقمية للتواصل والتنسيق بين عاملين موزعين عبر شركات ومواقع وبلدان مختلفة. لذلك لا تكمن المشكلة في التقنية أو العمل عن بُعد بحد ذاتهما، بل في الطريقة التي يستخدمها رأس المال لتجزئة العمال وربطهم بمشروعات قصيرة وموردين متعددين وعلاقات تعاقدية غير متكافئة.

وتزيد هشاشة العقود من كلفة الاعتراض. فالمتعاقد، أو العامل عبر مزود خدمة، أو العامل المرتبط بتأشيرة إقامة، أو المراجع الذي يمكن استبداله بسرعة، لا يواجه المخاطرة نفسها التي يواجهها موظف مباشر يملك هامشاً تفاوضياً أوسع. وفي كثير من الحالات يمتد الخوف إلى فقدان الحق في الإقامة، أو انقطاع الدخل بالكامل داخل سوق هش، أو الحرمان من فرص مستقبلية تمر عبر شبكات توظيف مغلقة.

ومع تعدد الوسطاء وغموض الجهة التي تملك القرار الفعلي بشأن الأجر والسرعة والمعايير، يصبح تحديد الطرف الذي تُوجَّه إليه المطالبات أكثر تعقيداً. فقد يتلقى العامل التعليمات من شركة متعاقدة، ويعمل لمصلحة منصة عالمية، ويُقيَّم وفق مؤشرات تصممها الشركة المالكة للخدمة أو المتعاقد أو منصة إدارة وسيطة، فيما تتوزع المسؤولية القانونية بين جميع هذه الأطراف.

كما يؤدي الخفاء دوراً مضاعفاً في إضعاف التنظيم. فالعمل الذي لا يظهر في واجهة المنتج يحتاج أولاً إلى إثبات موقعه داخل السلسلة قبل أن يتمكن العاملون فيه من تحويل الضرر الفردي إلى مطالبة جماعية. ففي كثير من حالات الإشراف على المحتوى والعمل السحابي، اضطر العمال إلى إثبات أن عملهم جزء من الصناعة أصلاً قبل المطالبة بتحسين شروطه.

ويكتسب الاعتراف بموقع العمل داخل السلسلة أهمية خاصة، لأنه يحدد من يتحمل المسؤولية، ومن يملك القدرة على تغيير الشروط، ومن يستطيع العمال مخاطبته أو الضغط عليه. وحين يبقى العمل خارج الصورة، تبقى مطالبه قابلة للتصوير بوصفها مسألة تخص مورداً خارجياً أو سوقاً محلية، لا جزءاً من نموذج الأعمال نفسه.

كما أن النزاعات في هذا القطاع لا تدور حول الأجور والعقود وساعات العمل وحدها، على الرغم من الحضور القوي لهذه القضايا. فكثير من الصراعات يمتد إلى الحرب والرقابة والتحيز الخوارزمي والشفافية والتحرش والأمن الرقمي واستخدام المنتجات في المراقبة أو القمع أو إدارة الحدود. ويمنح هذا الاتساع الحركة داخل القطاع طاقة سياسية خاصة، لكنه قد يبقيها عند مستوى أخلاقي أو مهني إذا لم يتحول إلى أسئلة مادية تتعلق بالقرار والملكية والتمثيل، وبكيفية بناء تنظيم مستمر لا يقتصر على حملات اعتراض مؤقتة.

وقد شهد العقد الأخير تحولات ملموسة في أشكال النشاط الجماعي داخل القطاع. ولا تثبت هذه التحولات أن العمل التقني اكتمل سياسياً، لكنها تكشف أن التناقضات التي ينتجها قادرة على توليد أشكال مختلفة من الاعتراض والتنظيم.

ولا ينبغي فهم الأخلاق المهنية هنا بوصفها نقيضاً مباشراً للوعي العمالي. فقد يبدأ رفض العمل على مشروع عسكري أو رقابي باعتباره اعتراضاً مهنياً على استخدام المنتج، لكنه يفتح سريعاً أسئلة مادية تتعلق بسلطة القرار داخل الشركة، وحق العاملين في الرفض الجماعي، وشروط إنتاج التقنية، والملكية التي تحدد وجهة استخدامها.

تظهر نقابات التضامن بوصفها محاولة لتجاوز الفصل بين الموظف المباشر والمتعاقد. ويتجلى ذلك في تجربة نقابة عمال ألفابت/غوغل (Alphabet Workers Union)، التي بدأت إطاراً مفتوحاً يضم الموظفين والمتعاقدين والعاملين المؤقتين والموردين داخل ألفابت في الولايات المتحدة وكندا. وتكمن أهمية هذه التجربة في شكلها التنظيمي الذي يعترف بأن الفصل بين العامل المباشر و«القوة العاملة الممتدة» يشكل أداة مركزية لإدارة العمل وتوزيع المخاطر والاعتراف داخل الشركة.

كما كشفت احتجاجات Project Maven والنزاعات المرتبطة بمشروعات رقابية أو عسكرية أن الاعتراض الأخلاقي يمكن أن يتحول إلى نزاع حول سلطة القرار وحق العاملين في رفض تحويل عملهم إلى أداة للحرب أو القمع.

وتتجلى أشكال التنظيم السابقة للاعتراف النقابي الكامل في تجربة عمال Activision Blizzard، الذين نظموا انسحابات وعرائض وحملات احتجاج ضد التحرش والتمييز وسوء ظروف العمل. وبعد اتفاق الحياد النقابي الذي وقعته ميكروسوفت مع نقابة عمال الاتصالات في أميركا عام 2022، توسعت مساحة التنظيم داخل الشركة عقب الاستحواذ، ولا سيما في فرق ضمان الجودة والاختبار والتطوير.

وفي مرحلة لاحقة، وثّقت نقابة عمال الاتصالات اعتراف ميكروسوفت باتحاد يضم نحو 200 من مطوري لعبة Overwatch، بما يشمل العاملين في التصميم والإنتاج والهندسة والصوت وضمان الجودة. ولا تكمن أهمية هذا المثال في الاحتفاء بمسار قانوني محدد، بل في إظهار أن التنظيم يبدأ غالباً عبر شبكات ثقة وحملات داخلية قبل أن يتحول إلى أغلبية نقابية معترف بها.

كما تتجلى العضوية العابرة لمكان العمل الواحد في تجربة اتحاد United Tech and Allied Workers (UTAW) في بريطانيا، الذي يسعى إلى تنظيم العاملين في قطاع التقنية عبر شركات ومواقع متعددة، بدلاً من حصر العضوية داخل شركة واحدة.

وتدفع تحالفات مشرفي المحتوى وتنظيمات عمال البيانات في كينيا وأفريقيا النقاش إلى ما هو أبعد من وادي السيليكون ومراكزه التقليدية. فقد أعلنت مجموعات من مشرفي المحتوى تشكيل تحالف نقابي عالمي لمواجهة تدني الأجور والصدمة النفسية وغياب الأمان الوظيفي وضعف التمثيل النقابي، كما أُسست مبادرات مثل Content Moderators Union وTechworker Community Africa للدفاع عن حقوق عمال البيانات والذكاء الاصطناعي في القارة.

هذه الأشكال الهجينة أقل قوة من النقابات الجماهيرية المستقرة، لكنها أكثر من مجرد احتجاجات رمزية عابرة. فهي محاولات لبناء لغة تنظيمية تناسب قطاعاً تتوزع فيه السلطة والعمل والمخاطر بين الشركة الأم والمورد والمنصة والسوق العالمية.

لا تكمن المشكلة في التقنية أو العمل عن بُعد بحد ذاتهما، بل في الطريقة التي يستخدمها رأس المال لتجزئة العمال وربطهم بمشروعات قصيرة وموردين متعددين وعلاقات تعاقدية غير متكافئة

ومع ذلك، تظل هذه الأشكال محدودة إذا بقيت عند مستوى العرائض والحملات والضغط الإعلامي. ولا تكتسب مضموناً طبقياً حاسماً إلا حين تتحول إلى لجان منتخبة من القاعدة، قادرة على تنسيق التوقفات الجماعية وتعطيل سير العمل داخل المنظومة التقنية، ومستقلة عن الإدارة وعن النزوع البيروقراطي داخل النقابات حين يُحصر الصراع في التفاوض القانوني الآمن.

غير أن هذه المحاولات، مهما بلغت أهميتها، تكشف حداً لا يمكن تجاهله. فحتى حين ينجح العاملون في بناء لجنة، أو فرض اعتراف، أو تنسيق توقف جماعي، يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة هذا الشكل على الصمود داخل قطاع لا يستقر فيه العمل في مكان واحد، ولا تحت صاحب عمل واحد بالمعنى المباشر، ولا ضمن سلسلة واضحة يمكن الإمساك بها من طرف واحد.

فما يبدو داخل موقع بعينه نزاعاً على أجر أو عقد أو اعتراف، قد يكون في الواقع عقدة صغيرة داخل شبكة أوسع من الموردين والمتعاقدين والفروع ومراكز التشغيل ومسارات نقل العمل من موقع إلى آخر. وهكذا لا يعود التحدي مقتصراً على بدء التنظيم، بل يمتد إلى منع احتوائه داخل الحدود التي يرسمها له القطاع نفسه.

وهنا تحديداً يتضح أن أي تقدم محلي لا يُقاس فقط بما ينتزعه في موقعه المباشر، بل أيضاً بقدرته على تجاوز هذا الموقع بوصفه الأفق النهائي للصراع.

    محمد طاهر

    خبير تقني وباحث في الحقوق الرقمية.