الائتمان الخاص يغرس بذور الأزمة المالية العالمية المقبلة
منذ نهاية نظام بريتون وودز في أوائل سبعينيات القرن العشرين وصعود النيوليبرالية، أُخضعت اقتصادات معظم البلدان لمنطق التمويل، سواء صُنّفت متقدمة أو نامية أو ناشئة، أو حُمّلت أي تسمية أخرى صاغتها المؤسسات المالية الدولية. تراجع الاقتصاد العيني، بما يقوم عليه من إنتاج مادي وتخطيط طويل الأجل، أمام اقتصاد مالي تقوده المضاربة وتُرتَّب فيه الأولويات على قياس مصالح المساهمين. في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، فُكّكت على ضفتي الأطلسي القواعد التنظيمية التي أبقت، منذ الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن العشرين، قدراً من الضبط والقيود على البنوك والمؤسسات المالية الأخرى. في تلك الفترة، انخرطت المؤسسات المالية الأميركية والأوروبية في شتى الحيل والممارسات الملتوية سعياً إلى ربح سريع، غالباً على حساب المجتمع ككل، واعتنقت بحماسة الشعار الشهير وسيئ الصيت: «الجشع جيد».
في منتصف العقد الأول من الألفية، توسّعت سوق العقارات الأميركية كثيراً، وشاع الاعتقاد بأن أسعار المنازل لن تنخفض أبداً. في تلك الأثناء، أخذت هذه السوق تتسم أكثر فأكثر بجمع الرهون العقارية في منتجات مالية واحدة يمكن بيعها لاحقاً للمستثمرين. تُعرف هذه العملية باسم التوريق، وقد أدت إلى تجميع عدد كبير من الرهون العقارية عالية المخاطر، أي الرهون التي أخذها مقترضون يملكون قدرة ضعيفة جداً على السداد، في أصل واحد بيع لمستثمرين لم تكن لديهم رؤية واضحة لما تحتويه هذه الأصول.
تسابقت بنوك وشركات تأمين وشركات إدارة أصول أميركية وأوروبية إلى شراء هذه المنتجات المالية المورّقة، مطمئنة إلى أنها استثمارات موثوقة وآمنة. ولم يكن ذلك غريباً بعدما منحتها وكالات التصنيف الائتماني الكبرى أعلى تصنيف ائتماني ممكن.1
لكن مع بداية عام 2007، ومع الارتفاع السريع في عدد المقترضين العاجزين عن السداد، أخذ يتضح أن كثيراً من المنتجات المورّقة كان محشواً برهون عقارية «مسمومة» عالية المخاطر، تتآكل قيمتها بسرعة. وفي وقت لاحق من العام نفسه، بدأ انكماش ائتماني عميق مع انهيار عدد من صناديق التحوّط، قبل أن تبلغ الأزمة المتصاعدة ذروتها في أيلول/سبتمبر 2008، حين تقدّم بنك الاستثمار الأميركي العريق ليمان براذرز بطلب الإفلاس.
أمام هذه الأزمة المالية العالمية وتجمّد السيولة فعلياً، لم تجد الحكومات خياراً سوى التدخل بقوة.
إلى جانب ضخ السيولة بكميات هائلة، جاء الرد التنظيمي واسع النطاق. على المستوى العالمي، ألزمت إصلاحات بازل الثالثة المصرفية البنوك بالاحتفاظ برأسمال واحتياطيات سائلة أكبر في مقابل الأصول الخطرة، كي تصبح أكثر قدرة على الصمود في فترات الضغط السوقي والانكماش الائتماني. بذلك، صار احتفاظ البنوك بقروض شركات مرفوعة مالياً ودون الدرجة الاستثمارية على ميزانياتها العمومية مكلفاً من الناحية البنيوية. وفي خلال العقد التالي تقريباً، مالت أنشطتها التمويلية نحو العملاء الكبار ذوي الملاءة العالية، والسندات الحكومية، والرهون العقارية العالية الجودة. أما الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي كانت أكبر من أن تعتمد على تسهيل ائتماني محلي، وأصغر من أن تدخل أسواق السندات العامة، فوجدت نفسها تصارع للحصول على التمويل.
ملأت شركات إدارة الأصول هذه الفجوة التمويلية. هكذا وُلدت فئة أصول الائتمان الخاص من حاجة تمويلية فعلية، وغالباً ما يمتدح المدافعون عنها صعودها لأنها ساعدت الشركات الصغيرة والمتوسطة على التوسع. غير أن هذا الصعود يحمل عيوبه أيضاً، وفي داخله بذور أزمة مالية محتملة مقبلة.
ما هو الائتمان الخاص فعلياً: آليات الإقراض الظلّي
بعدما اكتسب كبار منفّذي الاستحواذات المموّلة بالدين سمعة سيئة في ثمانينيات القرن العشرين، بفعل عمليات استحواذ عدوانية على الشركات، أعادوا تقديم أنفسهم تحت مسمّى «شركات إدارة الأصول البديلة». وخلافاً لمديري الأصول التقليديين، الذين يستثمرون غالباً في الأسهم والسندات المدرجة، تستثمر هذه الشركات أساساً في فئات أصول غير مدرجة، أو خاصة، مثل العقارات والملكية الخاصة والبنية التحتية. وبحسب تقرير صادر عن البرلمان الأوروبي،، فإن «الأسواق الخاصة عموماً أقل تنظيماً وأقل شفافية من الأسواق العامة».2
بات الائتمان الخاص اليوم جزءاً أساسياً من الأصول التي تستثمر فيها شركات إدارة الأصول البديلة.
وُلدت فئة أصول الائتمان الخاص من حاجة تمويلية فعلية، وغالباً ما يمتدح المدافعون عنها صعودها لأنها ساعدت الشركات الصغيرة والمتوسطة على التوسع. غير أن هذا الصعود يحمل عيوبه أيضاً، وفي داخله بذور أزمة مالية محتملة مقبلة
وتُعرف هذه الفئة أحياناً أيضاً باسم الدين الخاص. وهي تعني أساساً أن تقوم مؤسسات مالية غير مصرفية بإقراض الشركات مباشرة، خارج الأسواق العامة، وإلى حد كبير خارج نطاق الرقابة التنظيمية التي قيّدت البنوك منذ الأزمة المالية العالمية.
تقوم هذه الفئة على قروض تُرتَّب عادة باتفاق مباشر بين المقترض وعدد محدود من المقرضين، ما يمنح الائتمان الخاص بعض المزايا، مثل سرعة التنفيذ وتعهّدات القرض المصمّمة على قياس كل حالة. ولأن هذه القروض خاصة ولا تُتداول في الأسواق العامة، تبقى قيمها المعلنة شبه ثابتة، وهو ما يجذب المستثمرين الباحثين عن عوائد مستقرة.
وعلى الرغم من أن المصطلحات التقنية المحيطة به قد تبدو منفّرة، فإن الائتمان الخاص بسيط من الناحية المفهومية.
أولاً، تجمع شركات إدارة الأصول البديلة كتل رأسمال من المستثمرين، ولا سيما من المؤسسات الكبرى مثل صناديق التقاعد وشركات التأمين وصناديق الثروة السيادية. يوضع هذا الرأسمال في صناديق مغلقة، مع فترات تجميد تمتد لسنوات. بتعبير آخر، على المستثمرين أن يتحلّوا بالصبر، إذ لا يمكنهم سحب أموالهم متى أرادوا.
بعد ذلك، تقرض هذه الصناديق شركات خاصة تحتاج إلى التمويل، فتسدد هذه الشركات القروض إلى الصندوق مع الفائدة. تُحوّل العوائد التي يحققها الصندوق إلى المستثمرين، في حين يقتطع مدير الأصول رسوماً كبيرة على امتداد الطريق. وعادة ما يُحتفظ بالقروض حتى الاستحقاق، وتُقيَّم وفق تقدير المدير نفسه، لا وفق أسعار السوق اليومية.3
الصعود الحتمي للائتمان الخاص
قادت قوتان إلى نشوء الائتمان الخاص ثم صعوده اللاحق. الأولى هي حقبة أسعار الفائدة المتدنية جداً. بعد الأزمة المالية العالمية، وفي لحظة بلغ فيها انعدام الثقة بالأسواق المالية ذروته وتبخّرت السيولة، خفّضت البنوك المركزية في البلدان المتقدمة أسعار الفائدة إلى مستويات قريبة من الصفر. راهنت هذه البنوك على أن خفض كلفة الاقتراض وزيادة السيولة سوف يشجعان الأسر على الإنفاق، والشركات على الاستثمار، والبنوك على الإقراض، بما يضع حداً للركود.
وبالفعل، بدأت البنوك المركزية في البلدان المتقدمة خفض أسعار الفائدة بقوة في عام 2008، وأبقتها حول مستوى 0% إلى 1% طوال عقد تقريباً. ولم يبدأ المصرف المركزي الأوروبي والاحتياطي الفيدرالي وبنك إنكلترا رفع أسعار الفائدة مجدداً إلا في منتصف عام 2022، بعدما ارتفع التضخم عالمياً بفعل التعافي السريع بعد جائحة كوفيد-19 والتداعيات الطاقوية للغزو الروسي لأوكرانيا.
ومع بقاء أسعار الفائدة قريبة من الصفر في معظم سنوات العقد، واجهت صناديق التقاعد وشركات التأمين أزمة اكتوارية بطيئة التشكّل، إذ كانت التزاماتها المستقبلية تتطلب عوائد لم تعد أسواق السندات العامة قادرة على توفيرها.
قدّم الائتمان الخاص جواباً مغرياً. وُعد المستثمرون بعوائد من رقمين، وقيل لهم إنهم سيحصلون على عائد أعلى لقاء تجميد رأس المال لنحو 5 سنوات على الأقل في عقود مصمّمة على قياس كل مقترض.
أما القوة الثانية فكانت نموذج الرسوم. عادة ما يتقاضى مديرو الائتمان الخاص رسوماً سنوية تراوح بين 1% و2% من الأصول، إضافة إلى حصة أداء تراوح بين 10% و20% إذا جرى تجاوز عتبة معينة.4 هذه الرسوم أعلى بكثير مما يستطيع مدير صندوق سندات عامة أن يتقاضاه. وفي بعض الحالات، كان المديرون يجنون رسوماً ضخمة على تدفق الصفقات بصرف النظر عن أداء القروض نفسها. وبالنسبة إلى شركات إدارة الأصول البديلة المدرجة في البورصة، التي تقاس قيمتها على أساس الأرباح المرتبطة بالرسوم، كان الائتمان الخاص محرّك النمو المثالي، لذلك اندفعت بقوة وراء الصفقات والمستثمرين في هذه الفئة من الأصول.
وبالفعل، بدأ الائتمان الخاص، منذ منتصف العقد الثاني من الألفية، ينمو بوتيرة هائلة، حتى تجاوزت أصوله تحت الإدارة 2 تريليون دولار، بعدما كانت تزيد قليلاً على 600 مليار دولار قبل عقد واحد فقط. ولا تزال غالبية أصول الائتمان الخاص متركزة في أميركا الشمالية وأوروبا.5
تبرّر شركات إدارة الأصول البديلة دخولها الائتمان الخاص بالقول إن هذا النوع من الإقراض أكثر أماناً مما تفعله البنوك. ويقوم منطقها على الآتي: قد تتعرض البنوك لتهافت على الودائع، وقد تقود لحظات الضغط التي تواجهها إلى عدم استقرار اقتصادي أوسع. أما المستثمرون في صندوق ائتمان خاص مغلق، فيملكون، وفق هذه الحجة، آفاقاً زمنية طويلة، ويمكنهم انتظار القروض حتى موعد استحقاقها من دون هلع. وهذا يمنح مدير الأصول، كما يُفترض، القدرة على العمل بهدوء مع المقترضين في أثناء تعثرهم.
لكن، في حين تقدّم هذه الصناعة نفسها بوصفها ممولاً للشركات الصغيرة والمتوسطة المحرومة من التمويل، ومع أن عدداً من هذه الشركات استفاد بالفعل من الائتمان الخاص، فإن الجزء الأكبر من الإقراض المباشر يذهب إلى شركات متوسطة الحجم مملوكة أصلاً لشركات الملكية الخاصة التابعة بدورها لشركات إدارة الأصول البديلة.
وبحسب تقرير الاستقرار المالي العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي في نيسان/أبريل 2024، فإن «نحو 70% من صفقات الائتمان الخاص تذهب إلى شركات مقترضة تقف خلفها شركات الملكية الخاصة». في الوقت نفسه، تستحوذ شركات الملكية الخاصة بصورة متزايدة على شركات التأمين، التي تميل بدورها إلى استثمار رأسمالها في صناديق الائتمان الخاص6. هكذا تنشأ شبكة تشابك معقّدة تستخدم فيها شركات إدارة الأصول البديلة نفسها أذرع الملكية الخاصة للاقتراض من صناديق الائتمان الخاص، وللاستحواذ على شركات التأمين، قبل أن تستثمر هذه الشركات رأسمالها في صناديق الائتمان الخاص.
وسط هذا التعقيد والعتامة، يحصد مدير الأصول البديلة رسوماً ضخمة عند كل حلقة من السلسلة. وفي المقابل، تكبر مخاطر الاستقرار المالي وتتقيّح.
خطوط التصدّع
منذ بداية عام 2026 حتى نهاية حزيران/يونيو، كانت أسعار أسهم أكبر شركات إدارة الأصول البديلة في سقوط حر.
تراجع سعر سهم «أبولو غلوبال مانجمنت» (Apollo Global Management) بنحو 20%، وهبط سعر سهم «بلاكستون» (Blackstone) بما يقارب الربع. أما «كيه كيه آر» (KKR) و«آريس مانجمنت» (Ares Management) و«كارلايل غروب» (Carlyle Group)، فتراجعت أسعار أسهمها بنسب تراوح بين 28% و34%. غير أن الهبوط الأكبر كان من نصيب «بلو آول كابيتال» (Blue Owl Capital)، إذ انخفض سعر سهمها بنحو 41%.7
تُظهر هذه الانخفاضات أن الأسواق العامة بدأت تسعّر الاضطراب الذي ترفض التقييمات الخاصة الاعتراف به. وبات يتضح أكثر فأكثر أن الائتمان الخاص، بسبب تشابكه مع الملكية الخاصة وحضوره الواسع في قطاعات وصناعات عديدة، قادر على إشعال الأزمة المالية المقبلة، أو على الأقل تضخيمها. وتستند هذه الفرضية إلى عدة خطوط تصدّع.
1. التقييمات: حين يصبح غياب الشفافية هو القاعدة
لا تُتداول القروض التي تصدرها صناديق الائتمان الخاص في الأسواق العامة. لذلك، لا يوجد تكوّن فعلي للسعر في السوق، وتستند قيم هذه القروض إلى تقديرات مديري الأصول الذين يتقاضون رسوماً على أساس هذه التقييمات نفسها. وحين يرفض المديرون تقييم الأصول وفق أسعار السوق، فإنهم يصطنعون عملياً استقراراً غير موجود. وقد بدأت بنوك عدة تلاحظ ذلك.
مثل بنوك أخرى، يعمل «جاي بي مورغان تشايس» كبنك لصناديق الائتمان الخاص، إذ يمدّها بالسيولة ويقبل قروضها كضمانات. وفي آذار/مارس 2026، قيّد البنك إقراضه لبعض صناديق الائتمان الخاص، بعدما خفّض قيمة بعض القروض المقدّمة إلى شركات برمجيات.8جاء هذا القرار بعد وقت قصير من تحقيق أجرته «بلومبرغ»، خلص إلى أن ما لا يقل عن 250 قرضاً من قروض الائتمان الخاص، تزيد قيمتها على 9 مليارات دولار، مُنحت لشركات برمجيات متعثرة، وربما صُنفت عمداً من مديري الأصول البديلة كقروض لشركات في قطاعات أخرى، مثل الكيماويات والمنتجات الغذائية والبنية التحتية.9
وبما أن الذكاء الاصطناعي يحدث اضطرابات كبيرة في قطاع التكنولوجيا، إلى حد قلب نماذج أعمال بعض شركات البرمجيات أو جعلها متقادمة، فلن يكون مفاجئاً أن يتعثّر مزيد من قروض الائتمان الخاص المقدمة إلى هذه الشركات.
2. جودة الائتمان: حين يظهر الصرصور الأول
في أيلول/سبتمبر 2025، انهارت شركتان مدعومتان بالائتمان الخاص في توقيت شبه متزامن. تقدّمت «تريكولور هولدنغز» (Tricolor Holdings)، وهي شركة أميركية لبيع السيارات المستعملة كانت تقدم التمويل لمقترضين عاليي المخاطر، بطلب الإفلاس بعد كشف أنشطة احتيالية، شملت تضليل المقرضين بشأن جودة الأصول المستخدمة لضمان الاقتراض وقيمتها.10 كذلك تقدمت «فيرست براندز» (First Brands)، وهي شركة موردة لقطع السيارات في أوهايو، بطلب الإفلاس بعدما عجزت عن سداد أكثر من 11 مليار دولار، في وقت يُزعم أن مسؤوليها التنفيذيين أخفوا حجم مديونيتها الفعلية.11
بدت الشركتان سليمتين على الورق، غير أن كلتيهما حملت اتهامات احتيال جدية انتهت إلى إسقاطها. كشفت هذه الواقعة مدى ضآلة ما كانت تعرفه البنوك وصناديق الائتمان الخاص عن الضمانات التي تستند إليها القروض. وحذّر جيمي دايمون، الرئيس التنفيذي لـ«جي بي مورغان»، بعبارته الشهيرة: «حين ترى صرصوراً واحداً، فغالباً هناك المزيد».12
ظهرت صراصير أخرى بالفعل. في كانون الثاني/يناير 2026، شطبت «أبولو» جزءاً من قرض بقيمة 170 مليون دولار كانت قد قدمته إلى «بيرش» (Pirch)، وهي شركة للتجارة الإلكترونية.13كذلك خفّضت «بلاك روك» (BlackRock) قيمة قرض بقيمة 25 مليون دولار إلى «إنفينيت كومرس هولدنغز» (Infinite Commerce Holdings) إلى الصفر، بعد 3 أشهر فقط من تسجيله بالقيمة الاسمية الكاملة.14 وفي نيسان/أبريل 2026، بلغ معدل التعثر في الائتمان الخاص الأميركي، وفق مؤشر «فيتش ريتنغز» (Fitch Ratings) الذي أُطلق في آب/أغسطس 2024 لقياس صحة سوق الائتمان الخاص في الولايات المتحدة، مستوى قياسياً عند 6%.15
3. عدم السيولة: عمال ومدخرون أفراد عالقون
تتفكّك الحجة الأساسية التي يقدّمها الائتمان الخاص عن أمانه، أي أن المستثمرين فيه مؤسسات صبورة ذات آفاق زمنية طويلة، بفعل استراتيجيات النمو التي تعتمدها شركات إدارة الأصول البديلة.
ما لا يقل عن 250 قرضاً من قروض الائتمان الخاص، تزيد قيمتها على 9 مليارات دولار، مُنحت لشركات برمجيات متعثرة، وربما صُنفت عمداً من مديري الأصول البديلة كقروض لشركات في قطاعات أخرى، مثل الكيماويات والمنتجات الغذائية والبنية التحتية
مع تباطؤ تدفقات المستثمرين المؤسسيين، تتجه شركات إدارة الأصول إلى المستثمرين الأفراد تحت شعار «دمقرطة» الاستثمارات البديلة. وفي الولايات المتحدة، وجدت هذه الشركات أذناً صاغية لدى إدارة ترامب، بعدما وقّع الرئيس أمراً تنفيذياً يسهّل على خطط التقاعد التي يرعاها أصحاب العمل الاستثمار في الأصول البديلة، بما فيها الائتمان الخاص.16
تثير هذه «الدمقرطة» المزعومة القلق. فالعمال الذين لا يملكون الوقت أو الطاقة أو الخبرة الكافية للتدقيق في الاستثمارات التي تقوم بها خططهم التقاعدية سيجدون أنفسهم، من دون قصد، معتمدين على استثمارات قد تكون عالية المخاطر، في حين تجني شركات إدارة الأصول البديلة أرباحاً ضخمة من الرسوم المرتفعة التي تفرضها.
حتى في الاتحاد الأوروبي، بدأت هذه «الدمقرطة» تتخذ شكلاً عملياً. فمن خلال أنواع جديدة من صناديق الاستثمار الخاضعة للتنظيم، مثل الصناديق الأوروبية للاستثمار طويل الأجل (ELTIF)، تأمل شركات إدارة الأصول في اجتذاب مدخرات المواطنين العاديين، سواء من أجل التخطيط للتقاعد أو لتحقيق أهداف حياتية أخرى. وبما أن الأصول التي تستثمر فيها هذه الصناديق، ومنها الائتمان الخاص، ضعيفة السيولة بطبيعتها ومصممة للاحتفاظ بها سنوات طويلة، قد يجد المواطنون العاديون أنفسهم محرومين من الوصول إلى أموالهم، ويدفعون في الوقت نفسه رسوماً ضخمة لمديري أصول تؤدي صناديقهم أداءً ضعيفاً.
4. التشابك: قنوات غير مباشرة إلى البنوك وشركات التأمين
الرواية المطمئنة التي تقول إن المخاطر الناشئة عن الائتمان الخاص تقع بأمان خارج النظام المصرفي غير دقيقة. كما أشرنا سابقاً، توفّر البنوك الرفع المالي الذي تقوم عليه صناديق الائتمان الخاص. ويقدّر صندوق النقد الدولي أن القروض التي قدمتها البنوك الأوروبية والأميركية إلى المؤسسات المالية غير المصرفية، بما يشمل صناديق الائتمان الخاص، بلغت نحو 4.5 تريليون دولار، أو 9% من محافظ قروضها.17 فإذا توقفت الشركات التي اقترضت من صناديق الائتمان الخاص عن السداد، ينتقل الضغط صعوداً عبر السلسلة كلها، حتى يصل إلى البنوك التي وفّرت التمويل الأولي.
وقد تكون الصلة بقطاع التأمين أشد إشكالية. فقد أصبحت شركات التأمين من بين أكبر المستثمرين في صناديق الائتمان الخاص، في حين استحوذ، خلال السنوات الأخيرة، عدد متزايد من شركات الملكية الخاصة على شركات تأمين، وهي الشركات نفسها التي تدير صناديق الائتمان.
انتبه المشرفون الأوروبيون إلى ذلك. ففي كانون الأول/ديسمبر 2025، نبّهت الهيئة الأوروبية للتأمين والمعاشات المهنية إلى الائتمان الخاص بوصفه أحد المخاطر الرئيسة على الاستقرار المالي لشركات التأمين وصناديق التقاعد المهنية، مع تركيز خاص على «ارتفاع مخاطر الائتمان والسيولة»، و«عدم اليقين في التقييمات»، و«الرفع المالي الخفي» الذي يميّز الائتمان الخاص.18 أما المصرف المركزي الأوروبي، فحاكى صدمة شديدة في قطاع الائتمان الخاص، وخلص إلى أن شركات التأمين وصناديق التقاعد في منطقة اليورو ستتلقى على الأرجح ضربة أقسى من البنوك بفعل تداعيات هذه الصدمة، بسبب كثافة الروابط القائمة بينها.19
5. البيئة الاقتصادية الكلية: مناخ عدائي وقاعدة مقترضين هشّة
المقترض النموذجي في سوق الائتمان الخاص هو شركة متوسطة الحجم، مثقلة بالرفع المالي من مالكها في الملكية الخاصة، ومموّلة بالكامل تقريباً بدين ذي فائدة عائمة، ما يجعلها عرضة لارتفاع أسعار الفائدة. ومع تباطؤ الاقتصاد، والحروب التجارية، واضطراب أسواق الطاقة، وتصاعد الحديث عن الركود التضخمي، تبدو القاعدة التي يقوم عليها الائتمان الخاص شديدة الهشاشة.
ويزيد تركز القروض في قطاعات ضيقة من حجم المخاطر. فقد وجد بحث صادر عن بنك التسويات الدولية أن «محافظ القروض لدى صناديق الائتمان الخاص الفردية لا تزال شديدة التركز» في عدد محدود من الصناعات، مثل التصنيع، والتكنولوجيا، والإعلام، والاتصالات، والصناعات التحويلية.20وبعض هذه القطاعات منكشف بقوة على اضطرابات الذكاء الاصطناعي، ما قد يدفع قروضاً خاصة إلى التعثر سريعاً.
أخيراً، يدفع المشهد الاقتصادي الكلي والجيوسياسي الصعب شركات إدارة الأصول البديلة إلى إنشاء ما يسمى صناديق الاستمرارية. تتولى هذه الصناديق شراء أصول صندوق قائم في الملكية الخاصة أو الائتمان الخاص، بما يمنح المستثمرين فرصة للخروج إذا أرادوا، ويمنح المدير في الوقت نفسه وقتاً أطول للاحتفاظ بالأصول. غير أن نمو هذه الصناديق السريع يثير جدلاً واسعاً، لأنها تعني عملياً أن مدير الأصول يبيع الأصول من صندوق ائتمان خاص إلى صندوق آخر هو صندوق الاستمرارية. وهذا يخلق تضارب مصالح حول التسعير والتقييم، وقد يخفي أيضاً القيمة والسيولة الحقيقيتين للأصول.
عودة إلى 2008؟
لا يشكّل الائتمان الخاص، بكل ما يحمله من مخاطر، نسخة مطابقة عن آلة الرهون العقارية عالية المخاطر التي قادت في النهاية إلى الأزمة المالية العالمية بين عامي 2007 و2009.
فالقيود التنظيمية التي فُرضت على البنوك بعد الأزمة المالية العالمية، على ضفتي الأطلسي، تلزمها اليوم بالاحتفاظ برأسمال أكبر بكثير قادر على امتصاص الخسائر مما كان لديها في عام 2008. وحتى أكبر انكشافات البنوك على الائتمان الخاص، مع أنها كبيرة الحجم، لا تزال تمثّل حصة محدودة من إجمالي محافظ قروضها. ومن المرجح أن يقع جزء كبير من الخسائر المحتملة الناتجة من «الصراصير» المختبئة في الائتمان الخاص على المستثمرين المؤسسيين والأفراد الأثرياء الذين قبلوا بعدم السيولة وهم مدركون لذلك.
لكن هذه الطمأنة تصطدم بحدود واضحة. فمعظم المشرفين والجهات التنظيمية لا يستطيعون تحديد صناديق الائتمان الخاص على نحو مستقل داخل أطر الإفصاح المعتمدة لديهم، ما يجعل القطاع نقطة عمياء في البيانات، في اللحظة التي تصبح فيها الرؤية أكثر ضرورة. الخطر هنا خطر أزمة بطيئة التشكّل، حيث لا تظهر الخسائر التي تخفيها التقييمات القائمة على التقدير والالتزامات الطويلة الأجل إلا بعد أن تكون الميزانيات العمومية قد تضررت إلى حد لا يعود إصلاحها الهادئ ممكناً. وستنتقل مشكلات الائتمان الخاص إلى قطاعات أخرى من النظام المالي، وقد تؤدي إلى انكماش ائتماني تكون له تداعيات قاسية على الاقتصاد الأوسع.
وتبقى المفارقة الأعمق، وربما المأساة المحتملة، من نصيب العمال والمدخرين الأفراد الذين يدخلون أسواق رأس المال بحثاً عن حد أدنى من الأمان المالي في شيخوختهم. فبعدما استُبعدوا من النمو الهائل الذي عرفه الائتمان الخاص منذ عام 2010 حتى أوائل عشرينيات القرن الحالي، يُدفع المدخرون العاديون اليوم إلى هذا السوق عبر حسابات التقاعد، في اللحظة نفسها التي يقف فيها المستثمرون الأكثر خبرة في طوابير الخروج وتبدأ الأبواب بالانغلاق.
نادراً ما تعلن الأزمات المالية عن نفسها بانفجار واحد. ومع أن المخيلة العامة تميل إلى اعتبار انهيار «ليمان براذرز» لحظة البداية الرسمية للأزمة المالية العالمية، كانت الإشارات قد بدأت قبل ذلك بما لا يقل عن 18 شهراً. فالرأسمالية مبنية حتماً على دورات الرواج والانهيار، وهي سمة ازدادت حضوراً منذ اتساع خضوع الاقتصاد لمنطق التمويل ابتداءً من ثمانينيات القرن العشرين.
قد نكون اليوم، على الأرجح، في الأيام الأولى من أزمة مالية عالمية قيد التشكّل، تكمن أصولها في الائتمان الخاص. وكما حدث في الأزمة المالية العالمية، قد يأتي الانهيار المقبل عبر إدراك بطيء ومؤلم بأن العصر الذهبي للائتمان قد انتهى، وأن الأبواب أُغلقت من الخارج، ولا سيما في وجه العمال والمدخرين الأفراد.
- 1
Hill, C. ‘Why did rating agencies do such a bad job rating subprime securities?’ 2010. Minnesota Law.
- 2
Economic Governance and EMU Scrutiny Unit (European Parliament). ‘Private credit: market structure, recent developments, financial stability concerns, and policy implications.’ May 2026.
- 3
For a helpful and more detailed primer on the private credit asset class, see Liu, S. ‘Private Credit: An Introduction to Private Credit.’ UBS. 02/08/2023.
- 4
alterDomus. ‘Private debt funds: An in-depth guide.’ 29/04/2025.
- 5
Data retrieved from Preqin، وهي شركة رائدة في مجال البيانات والتحليلات المالية، متخصصة في قطاع الاستثمارات البديلة ضمن صناعة إدارة الأصول. استحوذت عليها “بلاك روك” في عام 2025.
- 6
Financial Stability Board. ‘Report on Vulnerabilities in Private Credit.’ 06/05/2026.
- 7
Data retrieved from Yahoo! Finance.
- 8
Haigh, A. ‘JPMorgan Restricts Private Credit Lending After Markdowns.’ Bloomberg. 11/03/2026.
- 9
Fishlow, O. et al. ‘Private Credit’s Software Bet Is Even Bigger Than It Appears.’ Bloomberg. 13/02/2026.
- 10
Stempel, J. ‘Former Tricolor COO pleads guilty to fraud linked to bankrupt auto lender’s collapse.’ Reuters. 24/06/2026.
- 11
Azhar, S. et al. ‘First Brands files for bankruptcy, revealing billions of dollars in liabilities.’ Reuters. 30/09/2025.
- 12
Buchwald, E. & Egan, M. ‘Why Jamie Dimon is warning of ‘cockroaches’ in the US economy.’ CNN Business. 16/10/2025.
- 13
Scigliuzzo, D. & Benitez, L. ‘Apollo Took Loss on Zeroed Out Asset-Backed Loan Deemed Safe.’ Bloomberg. 26/01/2026.
- 14
Brown, S. & Cherry, L. ‘BlackRock Slashed Private Loan Value From 100 to Zero.’ Bloomberg. 05/03/2026.
- 15
Fitch Ratings. ‘Fitch Ratings’ U.S. Private Credit Default Rate Hits a High of 6.0% in April 2026.’ 18/05/2026.
- 16
The White House. ‘Executive Order: Democratizing Access to Alternative Assets for 401(k) Investors.’ 07/08/2025.
- 17
IMF. ‘Global Financial Stability Report: Shifting Ground beneath the Calm.’ October 2025.
- 18
EIOPA. ‘EIOPA flags financial stability risks related to private credit, a weakening dollar and global interconnectedness.’ 15/12/2025.
- 19
ECB. ‘Financial Stability Review.’ May 2026.
- 20
Avalos, F. et al. ‘The global drivers of private credit.’ Bank for International Settlements. 11/03/2025.