lebanon tyre

الحماية الاجتماعية في لبنان: لا حقوق، بل مجرّد فتات نقدي للأكثر فقراً

نشرت CAMEALEON، وهو ائتلاف يُعنى بمراقبة المساعدات النقدية والحماية الاجتماعية في لبنان، تقريره النهائي عن نظام المساعدات في البلاد، متناولاً البرامج التي تديرها وزارة الشؤون الاجتماعية، مثل برنامج «أمان»، والمساعدات النقدية الإنسانية، وشبكات الدعم المجتمعي غير الرسمية.

تتمثل الخلاصة الرئيسة للتقرير في أن نظام الحماية الاجتماعية في لبنان لا يزال مجزّأً، ومعتمداً على التمويل الخارجي، وقائماً على استهداف ضيّق، وعاجزاً عن الاستجابة السريعة أو الكافية في حالات النزوح الجماعي. فعلى الرغم من أن التحويلات النقدية ساعدت الأسر على الصمود، فإنها لم تُخرجها من دائرة الفقر، ولم تُخفّف من مديونيتها، ولم تُسهم في بناء شبكة أمان اجتماعي مستدامة.

في المقابل، ردّت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، متهمة التقرير بتشويه القرارات السياسية، والاستناد إلى أدلة محدودة، والمخاطرة بالإضرار بنظرة المانحين والشركاء الدوليين إلى نظام الحماية الاجتماعية في لبنان. 

عملياً، يكشف هذا الرد أولوية الوزارة السياسية؛ إذ يبدو أنها تحرص على ثقة المانحين ومصداقيتها الإدارية قبل أن تثبت فاعلية برامجها في حماية الناس. كما تكشف الحجج التي تسوّقها الوزيرة حدود النموذج الذي تدافع عنه: تحويلات نقدية محدودة وموجّهة، تُصمَّم وفق حجم التمويل المتاح لا وفق الحاجات الفعلية، وتُخصَّص لفئة ضيّقة تعرّف بـ «الأكثر فقراً»، فيما تنزلق شرائح أوسع من المجتمع إلى الهشاشة من دون أي حماية. في حين يكمن خلف هذه اللغة التقنية خيار أيديولوجي يفضّل إدارة الفقر على بناء نظام حماية اجتماعية قائم على الحقوق، في خضم واحدة من أسوأ الأزمات الاجتماعية والمالية والإنسانية في تاريخ لبنان.

فكيف يُقرأ ردّ وزيرة الشؤون الاجتماعية؟ وما الذي يقوله ضمنياً؟  

1. أنا مسؤولة أمام المانحين لا أمام الفقراء

استهلّت وزيرة الشؤون الاجتماعية ردّها بالتحذير من أن تقرير CAMEALEON قد يشوّه فهم «الشركاء الدوليين والمانحين» لـ«مسار» نظام الحماية الاجتماعية في لبنان و«وفعاليته».

كان يُفترض أن ينصبّ القلق الأساسي على ما إذا كانت الأسر الفقيرة تتلقّى دعماً كافياً، أو ما إذا كانت المساعدات تصل إلى الأسر النازحة في الوقت المناسب، أو ما إذا كانت التحويلات النقدية تُسهم فعلاً في الحدّ من الفقر ومديونية الاسر. إلا أن الوزارة اختارت أن تبدأ بالتحذير من الضرر المحتمل الذي قد يلحق بصورتها أمام الجهات المموِّلة.

محدودية الإنفاق العام تجعل من المستبعد أن تتمكن الدولة اللبنانية من تحمّل كلفة برامج الحدّ من الفقر بصورة كاملة، في ظل سياسات التقشف الحالية

يعكس هذا الترتيب في الأولويات واقع الاعتماد الكبير لنظام المساعدات النقدية في لبنان على التمويل الخارجي. ويُظهر تقرير CAMEALEON أن برامج المساعدة الاجتماعية المخصصة للبنانيين الأكثر هشاشة لا تزال مموّلة إلى حدّ كبير عبر منح وقروض مشروطة من البنك الدولي، فيما تكاد المساعدات الإنسانية المقدَّمة للاجئين تعتمد بالكامل على تمويل المانحين. كما يشير التقرير إلى أن محدودية الإنفاق العام تجعل من المستبعد أن تتمكن الدولة اللبنانية من تحمّل كلفة برامج الحدّ من الفقر بصورة كاملة، في ظل سياسات التقشف الحالية.

ويكشف هذا السلم من الأولويات عن المعايير التي تُقيّم من خلالها فعالية هذه البرامج. فعندما يصبح استمرار التمويل الخارجي شرطاً لبقائها، تتحوّل المحافظة على ثقة المانحين إلى أولوية متقدّمة على أولوية حماية المجتمع. لكن السؤال الجوهري يبقى: هل تحمي هذه البرامج الناس فعلاً، أم أنها تساهم في الحفاظ على نموذج لإدارة الفقر يلقى قبول الجهات المانحة واستمرار تمويلها؟

2. المستفيدون راضون عن التحويلات النقدية، فما شأني بغير المستفيدين؟

يستند تقرير CAMEALEON إلى دراسات نوعية شملت أشخاصاً من الفئات الأكثر هشاشة ممن حاولوا الوصول إلى المساعدات الاجتماعية التي تقدّمها وزارة الشؤون الاجتماعية، بما في ذلك الأسر الأكثر فقراً، وكبار السن، والأشخاص ذوو الإعاقة. وحدّدت هذه الدراسات مجموعة من العوائق التي تحول دون الوصول إلى المساعدات النقدية، من بينها الأمية الرقمية، وضعف الوصول إلى الإنترنت، وارتفاع كلفة النقل، ومحدودية نقاط الدفع، وغموض معايير الاستهداف والأهلية، وانقطاع المساعدات، وضعف آليات الشكاوى والمراجعة. وكان الهدف من هذه الدراسات إظهار الكيفية التي يُستبعَد بها بعض الأفراد الأكثر هشاشة من نظام المساعدات النقدية من وجهة نظرهم وتجاربهم المباشرة.

غير أن وزارة الشؤون الاجتماعية ردّت بالتشكيك في المنهجية المعتمدة. فرأت أن 101 مقابلة مع أسر و40 مقابلة مع مخبرين رئيسيين لا تكفي لدعم استنتاجات وطنية بشأن المديونية أو كفاية التحويلات النقدية، ولا لإثبات أن نظام تنسيق المساعدات النقدية يعاني من التجزؤ. كما اعتبرت أن التركيز على الأشخاص الأكثر هشاشة يؤدي إلى تحيّز في النتائج، لأنه يرفع من تمثيل الفئات الأكثر عرضة للتجارب السلبية. 

في الواقع، كان هذا النقد سيكون وجيهاً لو أن CAMEALEON قدّمت نتائجها باعتبارها قياسات وطنية ممثلة للسكان. إلا أن الهدف من هذه المقابلات لم يكن إنتاج مؤشرات وطنية، بل الكشف عن الثغرات في تصميم برامج المساعدات النقدية من خلال تجربة الفئات التي يُفترض أن تكون الأكثر استفادة منها. ففهم العوائق التي تواجه الأسر الأكثر فقراً والأكثر هشاشة في الوصول إلى برنامج «أمان» يُعدّ أساسياً لتقييم برنامج يعلن صراحة أنه يستهدف «الأسر الأكثر فقراً».

في المقابل، استندت وزارة الشؤون الاجتماعية إلى تقييم البرنامج الوطني لاستهداف الأسر الأكثر فقراً لعام 2024 وتقييم EU MADAD لعام 2025 للإشارة إلى أن نسبة كبيرة من المستفيدين كانت راضية عن التحويلات النقدية. غير أن هذه المسوح شملت أشخاصاً تمكّنوا بالفعل من التسجيل والاستفادة من البرنامج، وبالتالي لا تستطيع تفسير أسباب عدم تسجيل آخرين أو استبعادهم منه. كما أنها لا تُبرز بالضرورة احتياجات الفئات الأكثر هشاشة، لأن العينات التمثيلية المستخدمة فيها تعكس توزّع المستفيدين إجمالاً. ونتيجة لذلك، تكون قضايا كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة، بحكم نسبتهم العددية الأقل، ممثلة تمثيلاً محدوداً في نتائج هذه المسوح.

3. لا يهم إن انتشلنا الفقراء من فقرهم، يكفي أنهم لم يغرقوا أكثر

يجادل تقرير CAMEALEON بأن المساعدات النقدية ساعدت الأسر على تلبية احتياجات عاجلة، مثل الغذاء والإيجار والرعاية الصحية وسداد الديون، لكنها بقيت محدودة إلى درجة لم تسمح بتخفيف المديونية على المدى الطويل أو إخراج المستفيدين من الفقر.

ردّت وزيرة الشؤون الاجتماعية بأن مثل هذه الخلاصة تتطلّب إثبات ما كان سيحدث لو لم تكن برامج الدعم النقدي متاحة أساساً. غير أن هذا الاعتراض يتجاهل الهدف المعلن لبرنامج «أمان»، والمتمثل في «تخريج المستفيدين من الفقر»، وهو هدف أكدت عليه الوزيرة مراراً. ولا شك في أن غياب المساعدات النقدية كان سيؤدي إلى أوضاع أكثر سوءاً بالنسبة إلى المستفيدين، لكن السؤال الأساسي ليس ما إذا كانت هذه المساعدات منعت الأسوأ، بل ما الذي حققته بعد سنوات من تطبيقها.

تظهر الإجابة في مؤشرات الفقر في لبنان. فقد بيّنت تقديرات البنك الدولي أن معدل الفقر النقدي ارتفع من 12% عام 2012 إلى 44% عام 2022. وبين اللبنانيين المقيمين في المناطق المشمولة بالدراسة، ارتفع الفقر من 11% إلى 33%، فيما ازدادت فجوة الفقر من 3% إلى 9.4%، ما يعني أن الأسر الفقيرة باتت أفقر مما كانت عليه سابقاً.

ومن المرجّح أن تكون المساعدات النقدية قد حالت دون تفاقم العوز إلى مستويات أشد. إلا أن برنامجاً يقتصر أثره على إبقاء الأسر عند حدّ البقاء الأدنى لا يمكن اعتباره أداة ناجحة للحد من الفقر. وعندما تمنع التحويلات النقدية الانهيار المؤقت للأسر، فيما تعود المديونية للتراكم بعد كل دورة دفع، فإننا نكون أمام شكل من أشكال الإغاثة الطارئة أكثر مما نكون أمام نظام حماية اجتماعية فعّال.

4. أفعلاً لا يكفي وجود مركز اتصال لإدارة الحماية الاجتماعية؟

يجادل تقرير CAMEALEON بأن وزارة الشؤون الاجتماعية تسعى إلى مركزة الاستجابة النقدية الموجّهة للبنانيين، على الرغم من أنها تعمل بما يقارب 30% فقط من قدرتها الوظيفية. واستند التقرير إلى هذه النسبة للتساؤل عمّا إذا كانت الوزارة تمتلك القدرة المؤسسية الكافية لقيادة استجابة طارئة واسعة النطاق، وفي الوقت نفسه بناء شبكات أمان اجتماعي تكيفية ودائمة.

لا شك في أن غياب المساعدات النقدية كان سيؤدي إلى أوضاع أكثر سوءاً بالنسبة إلى المستفيدين، لكن السؤال الأساسي ليس ما إذا كانت هذه المساعدات منعت الأسوأ، بل ما الذي حققته بعد سنوات من تطبيقها

ردّت الوزيرة بأن هذه النسبة مستندة إلى مقال إعلامي واحد، وأن ذلك لا يكفي لتقييم قدرتها المؤسسية. إلا أنها لم تدحض الرقم بصورة مباشرة، ولم تقدّم بديلاً عنه. ويكتسب هذا النقاش أهمية خصوصاً في ظل بلوغ نسبة الشغور في القطاع العام 71% عام 2023، من دون أن تشهد الإدارة العامة إصلاحات جوهرية تعالج هذه المشكلة. وبدلاً من مناقشة القدرة المؤسسية الشاملة، أشارت الوزيرة إلى امتلاكها عدداً كافياً من الموظفين لتشغيل برامج المساعدات النقدية، بمن فيهم موظفو مركز الاتصال، وقادة الفرق، والمشغلون، وموظفو ضمان الجودة، وموظفو تكنولوجيا المعلومات.

غير أن هذا الرد جاء أضيق من نطاق النقد الذي وجّهه التقرير. فالقدرة على إدارة مركز اتصال، ومعالجة الشكاوى، وتنظيم المدفوعات، لا تعادل القدرة على قيادة نظام وطني للحماية الاجتماعية. إذ لم يكن السؤال يتعلق بإدارة برنامج للتحويلات النقدية، بل بقدرة الوزارة على تنسيق الاستجابة للصدمات، وتحديد الأسر المستبعدة، وإدارة الوصول المجتمعي، وربط المساعدات النقدية بالخدمات الاجتماعية، والتنسيق مع الوزارات الأخرى، وبناء نظام حماية اجتماعية قائم على الحقوق يتجاوز الاستهداف الضيق المرتبط بتمويل المانحين وسجلات الطوارئ. 

في المحصلة، ردّت الوزيرة على نقد يتناول قدرة الوزارة البنيوية والمؤسسية بقائمة من الوظائف التشغيلية المرتبطة بإدارة التحويلات النقدية، وهي وظائف لا تعكس كامل المسؤوليات التي يفترض أن تضطلع بها وزارة تؤدي دورها على نحو متكامل.

5. التزامنا ازداد ولو أن الإنفاق تقلّص!

قدّمت وزيرة الشؤون الاجتماعية الإنفاق العام على الحماية الاجتماعية بوصفه دليلاً على تجدّد التزام الدولة بالحماية الاجتماعية. وأشارت إلى أن هذا الإنفاق شكّل 42% من موازنة عام 2024، وأن المخصصات ارتفعت من 0.6 مليار دولار عام 2023 إلى 1.4 مليار دولار عام 2024.

غير أن هذه الأرقام تفقد الكثير من دلالتها إذا لم تُقارن بحجم الموازنة الإجمالي وبمستويات الإنفاق السابقة. فارتفاع حصة الحماية الاجتماعية ضمن موازنة منهارة لا يعني بالضرورة تحسناً في الحماية الاجتماعية نفسها. والمقارنة الأكثر دلالة هي مع مستويات ما قبل الأزمة. فقد تراجعت مخصصات الحماية الاجتماعية من 6.5 مليارات دولار عام 2019 إلى 1.3 مليار دولار عام 2024، أي بانخفاض يقارب 80%. كما انخفض الإنفاق على الحماية الاجتماعية من 13% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2019 إلى 1.3% عام 2023.

وبحسب بيانات وزارة المالية، ذهب 71% من الإنفاق على الحماية الاجتماعية عام 2023 إلى التأمينات الاجتماعية، وتحديداً إلى تعويضات نهاية الخدمة للعاملين النظاميين في القطاع العام. ومع ذلك، لم تكن هذه التغطية تشمل سوى نحو 2.5% من السكان، فيما استحوذ العاملون في الأجهزة الأمنية والعسكرية على الحصة الأكبر منها. ويعني ذلك أن الجزء الأكبر من الإنفاق العام على الحماية الاجتماعية لا يزال موجهاً إلى أقلية محدودة، بينما تتلقى الأسر الفقيرة تحويلات نقدية صغيرة وموجّهة.

لذلك، فإن رقم 42% الذي استندت إليه وزيرة الشؤون الاجتماعية يثبت أقل بكثير مما تدّعيه. فهو لا يدلّ إلا على أن نظاماً محدوداً للحماية الاجتماعية بات يستحوذ على حصة أكبر من موازنة هزيلة. أما ما لا يثبته فهو أن لبنان أعاد بناء نظام الحماية الاجتماعية، أو استعاد مستويات الإنفاق التي سبقت الأزمة، أو أعاد توجيه موارده نحو الأغلبية التي خسرت دخلها ومدخراتها وخدماتها الأساسية وأمنها الاجتماعي.

6. المساعدة أقل لكي تصل إلى عدد أكبر من الأسر

جادلت CAMEALEON بأن قيمة المساعدة النقدية الطارئة المقدَّمة للنازحين كانت متوافقة مع قيمة التحويلات المعتمدة في برنامج «أمان»، وبحد أقصى يبلغ 145 دولاراً للأسرة. ويعادل هذا المبلغ نحو 30% فقط من سلة الحد الأدنى للبقاء، أي الكلفة الشهرية الدنيا اللازمة لتغطية الاحتياجات الأساسية للأسرة. وخلص التقرير إلى أن هذا المستوى من الدعم غير كافٍ، ولا سيما للأسر النازحة التي تتحمل أعباء إضافية تشمل الإيجار والنقل والغذاء والوقود والدواء ونفقات طارئة أخرى.

ردّت وزيرة الشؤون الاجتماعية بأن هذه المقارنة مضلِّلة، لأن سلة الحد الأدنى للإنفاق وُضعت أساساً للأسر السورية اللاجئة، فيما صُمّم برنامج «أمان» ليكمّل دخل الأسر اللبنانية الهشّة. كما أوضحت أن قيمة التحويل البالغة 145 دولاراً تعكس مفاضلة مقصودة بين كفاية المساعدة واتساع التغطية، إذ إن رفع قيمة التحويل لكل أسرة يعني بالضرورة خفض عدد الأسر المستفيدة.

ردّت الوزيرة على نقد يتناول قدرة الوزارة البنيوية والمؤسسية بقائمة من الوظائف التشغيلية المرتبطة بإدارة التحويلات النقدية، وهي وظائف لا تعكس كامل المسؤوليات التي يفترض أن تضطلع بها 

غير أن هذا الرد لم يدحض تشخيص CAMEALEON، بل أكّده بصورة غير مباشرة. فالوزارة لم تُثبت أن قيمة التحويل كافية لتغطية الاحتياجات الأساسية، بل شرحت الأسباب التي تدفعها إلى تقديم مبلغ أدنى من تلك الاحتياجات.

كما أن شرح المفاضلة السياساتية التي يعتمدها البرنامج لا يجيب عن سؤال كفاية المساعدة. فقد بلغت قيمة سلة الحد الأدنى للإنفاق لأسرة من خمسة أفراد نحو 509 دولارات في كانون الأول/ديسمبر 2025، فيما قدّر الاقتصادي كمال حمدان كلفة البقاء الأساسية الفعلية بأكثر من 1,000 دولار شهرياً. وعندما لا يغطي التحويل النقدي سوى جزء محدود من الحد الأدنى للحاجات، فإن الاستنتاج ليس أن البرنامج كافٍ، بل أنه يعاني من قصور مالي واجتماعي. ويُظهر دفاع الوزيرة نفسه أن المساعدات النقدية لم تُصمَّم لإخراج الأسر من الفقر، بل لإبقاء الأشد فقراً عند الحد الأدنى من البقاء ضمن سقوف التمويل المتاحة.

7. استهداف الفقر يناسب أيديولوجيتنا أكثر من الحماية الاجتماعية القائمة على الحقوق

استشهدت وزيرة الشؤون الاجتماعية بدراسة «الدخل الأساسي الشامل مقابل التحويلات الموجّهة» (أولكن وهانا، 2018) لتقول إن التحويلات الموجّهة أكثر فاعلية من المنافع الشاملة عندما يكون الحيّز المالي محدوداً. غير أن الدراسة قدّمت حجة أكثر تواضعاً مما أوحت به الوزيرة. فهي خلصت إلى أنه، في ظل موازنة ثابتة، قد تحقق التحويلات الموجّهة مكاسب رفاه أعلى من التحويلات الشاملة لأنها تركز الموارد على الأسر المصنّفة فقيرة. كما أن الدراسة استندت إلى نماذج من إندونيسيا وبيرو، ولم تدّعِ أن استهداف الفقر يمكن أن يحلّ محل نظام حماية اجتماعية قائم على الحقوق.

بل إن الدراسة نفسها أظهرت كلفة الاستهداف. فالأنظمة القائمة على اختبارات الوسائل البديلة، التي تقدّر الفقر استناداً إلى خصائص الأسر بدلاً من قياس الدخل مباشرة، تنتج أخطاء استبعاد واسعة بسبب محدودية قدرتها على التنبؤ. وفي النموذج الذي قدّمه المؤلفان، استبعد البرنامج «الأمثل اجتماعياً» 58.2% من الأسر الفقيرة في إندونيسيا و52.4% في بيرو. أي إن أكثر من نصف الأسر الفقيرة لم تحصل على المساعدة التي صُمم البرنامج لتقديمها. كما نبّه المؤلفان إلى أن تحليلهم يقيس الفقر في لحظة زمنية واحدة، في حين أن أوضاع الأسر تتغير باستمرار. وفي سياق أزمة مستمرة مثل الأزمة اللبنانية، حيث تتبدّل مستويات الدخل والعمل والديون والنزوح بسرعة، يصبح تعميم هذه النماذج على لبنان أكثر إشكالية.

واستشهدت الوزيرة أيضاً بورقة لريتشيل سلايتر لتقول إن CAMEALEON تعاملت مع الشمولية باعتبارها جواباً محسوماً، واتهمتها بتبنّي موقف أيديولوجي غير علمي. غير أن خلاصة سلايتر لا تدعم هذا الاستنتاج. فقد شددت بوضوح على أنه لا ينبغي التعامل مع الشمولية والاستهداف بوصفهما معسكرين متقابلين، وأن أنظمة الحماية الاجتماعية الواقعية تجمع عادة بين أدوات شاملة وأخرى فئوية أو موجّهة بحسب الحاجة والسياق والجدوى. وبذلك، فإن بناء نظام هجين يعني إقامة أرضية حماية اجتماعية قائمة على الحقوق لجميع السكان، مع توفير دعم إضافي للفئات الأكثر هشاشة، لا حصر الحماية الاجتماعية في برامج استهداف الفقر.

ويتوافق هذا الطرح مع التوصية رقم 202 بشأن أرضيات الحماية الاجتماعية التي اعتمدتها جميع الدول الأعضاء في منظمة العمل الدولية عام 2012. فالتوصية تدعو إلى ضمان حدّ أدنى من الحماية الاجتماعية بوصفه حقاً للجميع، مع السماح للدول باستخدام أدوات استهداف إضافية للوصول إلى الأشخاص ذوي الاحتياجات الأكبر أو الهشاشة الخاصة. وبخلاف ما توحي به وزيرة الشؤون الاجتماعية، فإن الإجماع الدولي لا يعتبر الاستهداف بديلاً من المقاربة القائمة على الحقوق، بل أداة مكمّلة لها.

حرّفت وزيرة الشؤون الاجتماعية أدبيات الحماية الاجتماعية التي تدافع عن الأنظمة المختلطة، واستخدمتها للدفاع عن برامج ضيقة وموجهة، بخلاف ما يمكن اعتباره أفضل الممارسات

وبطريقة تعكس تموضعاً أيديولوجياً واضحاً، حرّفت وزيرة الشؤون الاجتماعية أدبيات الحماية الاجتماعية التي تدافع عن الأنظمة المختلطة، واستخدمتها للدفاع عن برامج ضيقة وموجهة، بخلاف ما يمكن اعتباره أفضل الممارسات، ورفضت نتائج CAMEALEON التي بيّنت أن هذه البرامج غامضة، واستبعادية، وغير كافية. 

وفي المحصلة، يؤدي الدفاع عن استهداف الفقر بوصفه بديلاً من المقاربة القائمة على الحقوق إلى تكريس نموذج لا يقدّم سوى الحد الأدنى من الدعم لمن تؤهله الوزراة للاستفادة، فيما يتم استبعاد شرائح واسعة من السكان. ويشمل ذلك أجزاء كبيرة من فئات الدخل المتوسط التي خسرت دخلها ومدخراتها وخدماتها وأمنها الاجتماعي خلال الأزمة، والتي يُفترض بها في الوقت نفسه تحمّل كلفة سداد القروض التي تموّل هذه البرامج، من دون أن تتمكن من الاستفادة منها إلا بعد الانزلاق إلى الفقر المدقع.

    أنيس الجرماني

    طبيب متخصّص في الطبّ الداخلي وباحث في سياسات الأنظمة الصحّية