water-privatization

المياه في لبنان لمن يملك ثمنها
الخصخصة بالتخلّي

لم تُخصخص الدولة اللبنانية قطاع المياه رسمياً، لكن تراجع الخدمة العامة جعل الأسر تتحمّل بصورة متزايدة كلفة تأمين حاجاتها من المياه بنفسها، عبر شراء المياه من الصهاريج ومحطّات التعبئة والمياه المعبّأة، أو حفر الآبار، إضافة إلى تحمّل كلفة التخزين والضخّ والمعالجة. وهكذا، نشأت خصخصة الأمر الواقع، أو الخصخصة بالتخلي، إذ بقيت المياه مورداً عاماً والخدمة مسؤولية عامة، ولكن الدولة لا تؤمن هذه الخدمة، تعجز أو تمتنع عن تقديمها، فملأ القطاع الخاص الفراغ. فنتقل جزء متزايد من كلفة الحصول على المياه ومخاطرها إلى الأسر، وأصبحت القدرة على تأمين مياه كافية ومنتظمة ترتبط أكثر بما تستطيع كل أسرة دفعه.

كيف أصبحت السوق جزءاً من نظام المياه؟

لا تكفي شبكة المياه العامة وحدها لتأمين حاجات جزء كبير من الأسر في لبنان. ففي مسح أُجري عام 2024 وشمل 600 أسرة متصلة بشبكة المياه، قالت 35% من الأسر إنها لم تحصل على مياه المؤسسة خلال الشهر السابق للمسح. ومن بين الأسر التي وصلتها المياه، أفادت 54.1% بأنها حصلت على ما بين ساعة و4 ساعات يومياً من المياه التي اعتبرتها جيدة النوعية خلال الأشهر الثلاثة السابقة، فيما اعتبرت 39.8% أن الكميات التي تحصل عليها غير كافية لتلبية حاجاتها المنزلية.

ولا تقتصر المشكلة على انتظام التغذية وكميتها، بل تشمل أيضاً الثقة بجودة المياه. فقد وصف 34.8% من المشاركين في المسح مياه المؤسسة بأنها غير نظيفة، واعتبر 33.2% أن جودتها سيئة جداً، وهي تقديرات تستند إلى آراء الأسر لا إلى فحوص مخبرية. وفي ظل نقص الكميات وعدم انتظام التغذية وتراجع الثقة بالجودة، لا يعني اتصال المنزل بالشبكة العامة أن الأسرة تستطيع الاعتماد عليها وحدها. فمع أن 67.8% من الأسر المشاركة تحصل على المياه من مؤسسات المياه، تشتري 41.7% منها أيضاً مياه الصهاريج لتعويض النقص، وترتفع النسبة إلى 66.3% في بيروت. ويظهر الاعتماد على مصادر خارج الشبكة بصورة أوضح في مياه الشرب. فبحسب مسح القوى العاملة والأحوال المعيشية لعامي 2018 و2019، اعتمدت 69% من الأسر على المياه المعبّأة، بما فيها المياه المعدنية والمنقاة، مصدراً أساسياً للشرب، في مقابل 21% فقط اعتمدت على المياه المنقولة إلى داخل المنزل عبر الأنابيب. هكذا أصبحت المصادر التي يُفترض أن تعوّض انقطاعاً مؤقتاً جزءاً دائماً من طريقة تأمين المياه. فتلجأ الأسر، إلى جانب الشبكة العامة، إلى الصهاريج والمياه المعبأة ومحطات التعبئة والآبار، وتستخدم الخزانات والفلاتر وغيرها من التجهيزات لتخزين المياه أو معالجتها. وبذلك، لم تعد السوق الخاصة تعمل خارج نظام المياه العام أو على هامشه، بل باتت تسدّ بصورة مستمرة فجوات الخدمة التي لا تؤمّنها مؤسسات المياه.

لم تعد السوق الخاصة تعمل خارج نظام المياه العام أو على هامشه، بل باتت تسدّ بصورة مستمرة فجوات الخدمة التي لا تؤمّنها مؤسسات المياه

يصف جول حاتم، اختصاصي في مجال المياه والصرف الصحي ومحاضر جامعي، هذا الواقع بأنه «نظام هجين». وفي ورقة أعدّها بعنوان «دفع أكثر والحصول على أقل: نظام التعرفة المقطوعة للمياه في لبنان وفشل الخدمة ومسارات تأقلم الأسر»، يشرح أن الأسرة لم تعد تحصل على حاجتها من مصدر واحد، بل تجمعها من الشبكة العامة عندما تتوافر، ومن الصهاريج والمياه المعبأة ومحطات التعبئة، ثم تتولى تخزين المياه وضخّها ومعالجتها داخل المنزل أو المبنى. ويوضح حاتم في حديث مع «صفر» أن «الدولة، نظرياً، مسؤولة عن تقديم الخدمات العامة، ومن أساس هذه الخدمات المياه، لذلك من المفترض أن تكون هذه الخدمة مؤمّنة حصراً من الدولة أو القطاع العام. ولكن عندما تتخلى الدولة عن ذلك، يدخل القطاع الخاص لتأمين النقص غير المغطى من الدولة». ويضيف أن «هذه الحالة في لبنان مستفحلة، فالدولة تقدّم أقل بكثير من الخدمة التي يقدّمها القطاع الخاص، لذلك يلجأ المواطن إلى القطاع الخاص لتأمين حاجاته من المياه، من خلال الصهاريج والآبار الخاصة المرخّصة أو غير المرخّصة والمياه المعبأة». ويختصر حاتم هذا التحول بالقول: «هذا ما أقصده بالنظام الهجين. أصبحنا نعتمد بطريقة شبه كلية على القطاع الخاص، وأصبح القطاع العام شيئاً ثانوياً. لم يعد القطاع الخاص مجرد بديل، بل أصبح أساسياً، وأصبح القطاع العام إضافة».

في المقابل يرى رولان رياشي، الأستاذ المساعد في الاقتصاد والاقتصاد السياسي، أن ما يحدث فعلياً في قطاع المياه هو تسليع للمياه. ويقول في حديثه مع «صفر» إنه «لا يمكن اعتبار ما يحصل خصخصة بالمعنى المباشر، بمعنى تسليم إدارة قطاع المياه وتشغيله إلى شركة خاصة، وإنما تسليع للمياه، بطريقة قانونية أو غير قانونية، ومن خلال سوق منظّمة وأخرى غير منظّمة». أي إن مؤسسات المياه بقيت عامة، فيما أصبح الحصول الفعلي على المياه يعتمد بصورة متزايدة على شرائها من السوق.

خصخصة البنية التحتية على مستوى الأسرة

لا تتوقف كلفة الانتقال إلى السوق الخاصة عند شراء المياه نفسها. فلكي تتمكّن الأسرة من استخدام مياه الصهاريج أو التعامل مع انقطاع الشبكة العامة، تحتاج إلى بنية تحتية خاصة بها: خزانات لتخزين المياه، ومضخات لإيصالها إلى الشقق، وكهرباء أو اشتراك في مولدات لتشغيلها، إضافة إلى تنظيف الخزانات وصيانتها واستخدام الفلاتر أو غيرها من وسائل المعالجة عند الحاجة. وهكذا، لم يؤدِّ ضعف الخدمة العامة إلى توسيع سوق بيع المياه فقط، بل خلق أيضاً أسواقاً موازية للخزانات والمضخّات والفلاتر والطاقة والخدمات المرتبطة بها.

وبذلك، انتقلت إلى الأسرة مجموعة من الأكلاف التي يفترض أن تؤمّنها منظومة المياه العامة، من ضمان استمرارية الإمداد وتخزين المياه وضخّها، وصولاً إلى معالجة المياه والتحقق من صلاحيتها للاستخدام. وبدلاً من أن تصل المياه إلى المنزل كخدمة متكاملة، بات على الأسرة أن تستكمل بنفسها الأجزاء الناقصة من هذه الخدمة وأن تتحمّل كلفتها.

وفي هذا النظام، تحوّلت الصهاريج، بحسب جول حاتم، إلى ما يشبه «بنية تحتية بديلة» تسدّ فجوات الشبكة العامة. فهي لا تحل محلها رسمياً، لكنها تضمن استمرار الإمداد عندما تنقطع مياه المؤسسة أو لا تكفي الكميات التي توفرها. وغالباً ما تختار الأسر مزوّد الصهريج استناداً إلى الثقة والعلاقة السابقة وقدرته على الوصول بانتظام، في ظل صعوبة التحقق من مصدر المياه أو نظافة الصهريج والخراطيم أو ثبات الكمية والجودة بين عملية توصيل وأخرى.

ولا يعني تعدّد مصادر المياه تعدّد الجهات التي تقدم الخدمة فحسب، بل يؤدي أيضاً إلى تشتت المسؤولية عنها. فعندما تنقطع المياه أو تكون كميتها ناقصة أو جودتها غير مضمونة، تتوزّع المسؤولية بين مؤسسة المياه والبلدية وإدارة المبنى وصاحب الصهريج ومحطة التعبئة. وفي غياب جهة واحدة يمكن مساءلتها عن الخدمة كاملة، تتحمل الأسرة أيضاً عبء البحث عن المزوّد والتنسيق معه، ومتابعة الأعطال والشكاوى، ومحاولة التحقق من جودة المياه التي تشتريها.

كيف وصلنا إلى هنا؟ 

تفاقمت الضغوط على قطاع المياه في السنوات الأخيرة مع الأزمة الاقتصادية والمالية وتراجع المتساقطات. ففي موسم الأمطار 2024–2025، سجّل لبنان 505 مليمترات من الأمطار بين تشرين الثاني/نوفمبر وآذار/مارس، أي أقل بنسبة 21% من المعدل الطويل الأمد للفترة 1991–2020. ومنذ اندلاع الأزمة الاقتصادية أواخر عام 2019، تراجعت أيضاً كميات المياه التي تؤمّنها مؤسسات المياه العامة الأربع، وانخفضت في كثير من الأحيان إلى أقل من 35 ليتراً للفرد يومياً

نحو 5 مليارات دولار أُنفقت على قطاع المياه في لبنان، ذهب ما لا يقل عن 3 مليارات منها إلى السدود، فيما لم يُخصص لصيانة الشبكات أكثر من نحو 120 مليوناً، وهذا الرقم تقلّص بعد الأزمة

لكن نقص الموارد والظروف المناخية لا يفسران وحدهما ضعف الخدمة. يتمتع لبنان بتوافر نسبي للموارد المائية المتجددة مقارنة بعدد من الدول المحيطة، غير أن الأزمة ترتبط بطريقة إدارة هذه الموارد وإيصالها إلى السكان. ويقول حبيب معلوف، الكاتب والصحافي المتخصص في القضايا البيئية، إن «مشكلة المياه في لبنان هي في الأساس مشكلة إدارة وعدالة في التوزيع، وليست فقط مشكلة نقص في الموارد». ويضيف أن «المياه مادة أساسية وحيوية، وهي ملكية عامة يجب على الدولة حمايتها وتأمينها للجميع بعدالة، لأنها جزء من نظام إيكولوجي لا يرتبط بملكية أرض معينة ولا يمكن التعامل معه كملكية خاصة عادية». فالمياه مورد عام، ومسؤولية الدولة لا تقتصر على تشغيل الشبكات، بل تشمل حمايته وتنظيم استخدامه وضمان توزيعه.

وعلى مدى أكثر من عقدين، أدخلت الدولة تعديلات قانونية ومؤسساتية متتالية على القطاع من دون أن تتمكّن من معالجة عدد من مشكلاته الأساسية. ففي عام 2000، أعاد القانون رقم 221 تنظيم القطاع ضمن 4 مؤسسات إقليمية للمياه، بهدف توحيد الإدارة وتحديد المسؤوليات وتعزيز قدرة المؤسسات على تشغيل الشبكات وتحصيل الرسوم. ويشير رولان رياشي في تقرير يعنوان «الحق في المياه في لبنان أزمات اللامساواة والبيئة والتقشف» إلى أن إعادة الهيكلة لم تنه تشتت الصلاحيات، إذ بقيت إدارة المياه موزعة بين الوزارة والمؤسسات وعدد من الجهات العامة الأخرى.

وتكرر الأمر مع قانون المياه رقم 77 الصادر عام 2018 والمعدل بالقانون رقم 192 عام 2020. فقد وضع القانون إطاراً لإدارة الموارد المائية وتنظيم استعمالها ومراقبة جودتها، وحدد مسؤوليات السلطات العامة في تأمين مياه الشرب ومعالجة مياه الصرف. إلا أن تطبيق أجزاء أساسية منه ظل مرتبطاً بإصدار مراسيم تنفيذية ما أبقى فجوة بين النص القانوني وتطبيقه الفعلي. ويرى رياشي أن تحديث الإطار القانوني لم يؤدِّ إلى تغيير كافٍ في إدارة الموارد، ولا سيما المياه الجوفية، إذ استمرت مشكلات الرقابة وتشتت المسؤوليات وبقيت بعض القواعد والاستثناءات القديمة قائمة.

وفي موازاة إعادة تنظيم المؤسسات والقوانين، ركزت السياسات المائية، بحسب رياشي، بدرجة كبيرة على زيادة الإمدادات من خلال السدود والمنشآت الكبرى. ويشير إلى أن هذا التوجه لم يقابله اهتمام مماثل بصيانة الشبكات، وإدارة المياه الجوفية، وتقوية المؤسسات العامة المسؤولة عن إيصال المياه. حتى الاستراتيجية الوطنية لعام 2035-2024، وهي الأحدث في هذا المجال، لا تزال تضع خفض خسائر الشبكات وتحسين أداء المؤسسات وتعزيز الرقابة ضمن أهدافها، ما يعكس استمرار المشكلات نفسها التي سعت السياسات السابقة إلى معالجتها.

ويقول رياشي أن «نحو 5 مليارات دولار أُنفقت على قطاع المياه في لبنان، ذهب ما لا يقل عن 3 مليارات منها إلى السدود، فيما لم يُخصص لصيانة الشبكات أكثر من نحو 120 مليوناً، وهذا الرقم تقلّص بعد الأزمة». ويضيف أن «تشغيل قطاع المياه في لبنان يحتاج إلى نحو 150 مليون دولار، في مقابل سوق خاصة لتأمين المياه تبلغ قيمتها نحو نصف مليار دولار». وبذلك، لا تظهر المشكلة فقط في حجم الأموال التي أُنفقت، بل أيضاً في كيفية توزيعها بين مشاريع زيادة الإمدادات من جهة، وصيانة الشبكات وتشغيل الخدمة العامة من جهة أخرى.

وينتقد حبيب معلوف ترتيب هذه الأولويات، معتبراً أن السياسات تعاملت طويلاً مع الأزمة على أنها مشكلة نقص في مصادر المياه، فيما لم تعطِ الأولوية نفسها للسؤال عن الكميات التي تضيع قبل وصولها إلى السكان أو عن كيفية استخدام الموارد المتاحة. ومن هذا المنطلق، يرى أن صيانة الشبكات والحد من الهدر يجب أن يسبقا ضخّ مزيد من التمويل في مشاريع تهدف إلى زيادة الإمدادات.

ويمتد الخلل، بحسب معلوف، إلى الفصل بين إدارة مياه الشرب ومعالجة مياه الصرف الصحي، على الرغم من أن تلوث الموارد المائية بالصرف يشكل تهديداً مباشراً للمياه العذبة المستخدمة للشرب والري. ولذلك، فإن زيادة كميات المياه المتاحة لا تعالج وحدها المشكلة إذا ظلت الشبكات ضعيفة، والمؤسسات محدودة القدرة، والموارد الجوفية والصرف الصحي خارج إدارة متكاملة.

بهذا المعنى، لم ينشأ الاعتماد على السوق الخاصة بسبب شح المياه وحده. فقد نما أيضاً داخل فجوة بين وجود مورد يفترض أن تديره الدولة باعتباره حقاً عاماً، وبين قدرة المؤسسات العامة الفعلية على حمايته وإيصاله بصورة كافية ومنتظمة. وهي الفجوة التي باتت الصهاريج والآبار ومحطات التعبئة وغيرها من مصادر المياه الخاصة تملؤها بصورة متزايدة.

من يبيع المياه؟ السوق المنظمة وغير المنظمة

لم تعد المصادر الخاصة تؤدي دوراً مكملاً لدى جزء من الأسر، بل أصبحت المصدر الرئيسي للمياه. ففي مسح أُجري عام 2024، اعتمدت 20.5% من الأسر المشاركة بصورة رئيسة على مياه الصهاريج، و12.8% على آبارها الخاصة، و5.2% على الآبار التجارية. واختلف هذا الاعتماد بين المناطق: كانت الصهاريج المصدر الرئيس لدى 33.8% من الأسر المشاركة في بيروت و36.7% في البقاع، فيما اعتمدت 47.5% من الأسر المشاركة في الشمال بصورة رئيسية على آبارها الخاصة. وتخص هذه النتائج عينة من 600 أسرة متصلة بشبكة مؤسسة المياه من دون اشتراك فعّال، لذلك لا تمثل جميع الأسر في لبنان.

لكن «سوق المياه الخاصة» ليست سوقاً واحدة متجانسة، فهي تشمل جزءاً منظماً يضم شركات ومؤسسات تعمل بتراخيص رسمية وتخضع لشروط تتعلق، نظرياً، بمصدر المياه وجودتها وتعبئتها ونقلها، مثل شركات المياه المعبأة ومحطات التنقية وبعض شركات نقل المياه. وإلى جانبها تعمل سوق غير منظمة أو ضعيفة الرقابة، تشمل آباراً غير مرخصة ومحطات تعبئة وعلامات تجارية غير مسجلة، فضلاً عن صهاريج لا يكون مصدر المياه التي تنقلها معروفاً أو قابلاً للتحقق دائماً.

في دراسة أُجريت في عائشة بكار وفردان عام 2019، ذكر المشاركون 26 علامة تجارية للمياه المعبأة، لم تكن سوى 8 منها مدرجة على لائحة وزارة الصحة المستخدمة في الدراسة، أي نحو 31%

ويظهر التداخل بين السوقين حتى في المياه المعبأة. تنشر وزارة الصحة لائحة بالشركات والعلامات التجارية المسموح لها بتعبئة المياه وبيعها، لكن وجود سوق مرخصة لا يعني أن جميع المنتجات المتداولة تأتي من جهات مسجلة. ففي دراسة أُجريت في عائشة بكار وفردان عام 2019، ذكر المشاركون 26 علامة تجارية للمياه المعبأة، لم تكن سوى 8 منها مدرجة على لائحة وزارة الصحة المستخدمة في الدراسة، أي نحو 31%. وتبقى هذه النتيجة خاصة بالمنطقتين والعينة المدروسة ولا يمكن تعميمها على سوق المياه المعبأة في لبنان كله.

ويبرز ضعف التنظيم بصورة أكبر في المياه الجوفية. فإدارة الآبار الخاصة تعاني منذ سنوات من ضعف الرقابة ومن غياب سجل شامل يحدد عدد الآبار وحجم المياه المستخرجة منها. وفي نيسان/أبريل 2024، أوقفت وزارة الطاقة والمياه استقبال طلبات حفر الآبار الخاصة، قبل أن تستأنف استقبالها في أيلول/سبتمبر من العام نفسه عبر نظام إلكتروني جديد.

ولا تتوافر حتى تقديرات متقاربة لعدد الآبار الموجودة. يقدّر رولان رياشي وجود ما بين 80 ألفاً و100 ألف بئر في لبنان، ويعتبر أن معظمها غير قانوني، فيما يقول حبيب معلوف إن عدد الآبار الارتوازية المرخصة يبلغ نحو 20 ألفاً، في مقابل ما بين 300 ألف و400 ألف بئر غير مرخصة. إلى ذلك يوضح المدير العام للموارد المائية والكهربائية في وزارة الطاقة والمياه، المهندس إلياس عقل في حديثه مع «صفر» أن «الوزارة لا تملك رقماً دقيقاً لعدد الآبار غير المرخصة في لبنان، وإنما تقديرات تشير إلى أنها تُعدّ بعشرات الآلاف. كما لا تتوافر تقديرات شاملة لحجم المياه المستخرجة من جميع الآبار، إذ تقتصر البيانات المتاحة على الآبار المرخصة، ويُقدَّر متوسط الكمية المسحوبة منها بنحو 50 متراً مكعباً للبئر يومياً». 

لا يسمح التفاوت الكبير بين هذه التقديرات باستخلاص رقم موثوق لعدد الآبار، لكنه يكشف مشكلة أكثر جوهرية: غياب قاعدة بيانات رسمية حديثة وشاملة تتيح معرفة عدد الآبار والكميات التي تُستخرج منها. وفي غياب هذه المعلومات، يبقى جزء من المياه الجوفية، وهي مورد عام، خارج قدرة الدولة الفعلية على القياس والرقابة.

من يتحمل كلفة هذه الخصخصة المقنّعة؟

لا يلغي شراء المياه من السوق الخاصة ما تدفعه الأسرة للخدمة العامة، بل يضيف إليه كلفة ثانية لتأمين المياه التي لا توفرها الشبكة بالكمية أو الانتظام المطلوبين. ففي دراسة حالة شملت 105 أسر في عائشة بكار وفردان في بيروت، بلغ رسم الاشتراك السنوي في مؤسسة المياه نحو 200 دولار للأسرة، فيما وصلت الكلفة الفعلية لتأمين المياه من جميع المصادر إلى نحو 2,124 دولاراً سنوياً، أي أكثر من 10 أضعاف الاشتراك الرسمي. وفي هذه الدراسة، وفّرت المصادر غير الرسمية، مثل الصهاريج والآبار والمياه المعبأة، نحو 22% من كمية المياه التي استخدمتها الأسر، لكنها استحوذت على 88% من الكلفة الإجمالية. وتعود بيانات الدراسة إلى عام 2019، وهي تعكس واقع منطقتين في بيروت ولا تمثل متوسطاً حالياً لجميع الأسر في لبنان.

ولا تقتصر نتيجة هذه الكلفة على ارتفاع فاتورة المياه. وفي مسح عام 2024، خفّضت 58.5% من الأسر المشاركة استخدام المياه للحاجات المنزلية، بما فيها الاستحمام، فيما أفادت 16% بأنها أنفقت على المياه أموالاً كان يفترض تخصيصها لحاجات أخرى. أي إن تعويض نقص الخدمة العامة لا يقتطع جزءاً إضافياً من دخل الأسرة فحسب، بل قد يدفعها أيضاً إلى تقليل استهلاك المياه أو مزاحمة نفقات أساسية أخرى.

لكن هذه الكلفة لا تتوزع بالتساوي بين الأسر. ففي دراسة منطقتي عائشة بكار وفردان نفسها، أنفقت الأسر الأقل دخلاً في عائشة بكار نحو 10% من دخلها على المياه، مقابل نحو 4% لدى الأسر الأعلى دخلاً في فردان. وبذلك، دفعت الأسر الأقل دخلاً، نسبةً إلى دخلها، نحو 2.2 مرة ما دفعته الأسر الأعلى دخلاً. كما أن 55% من الأسر المشاركة في عائشة بكار أنفقت أكثر من 5% من دخلها على المياه، فيما تجاوز الإنفاق على المياه 10% من الدخل لدى 18% منها.

بلغ رسم الاشتراك السنوي في مؤسسة المياه نحو 200 دولار للأسرة، فيما وصلت الكلفة الفعلية لتأمين المياه من جميع المصادر إلى نحو 2,124 دولاراً سنوياً، أي أكثر من 10 أضعاف الاشتراك الرسمي

ولا تظهر اللامساواة في حجم الإنفاق وحده، بل أيضاً في القدرة على التعامل مع ضعف الخدمة. فبحسب جول حاتم، تستطيع الأسر التي تملك خزانات أكبر ومضخات وكهرباء مستقرة، ولديها القدرة المالية على شراء كميات إضافية من المياه، تحويل ساعات التغذية المحدودة إلى مخزون تستخدمه عند انقطاع الشبكة. أما الأسر التي لا تملك هذه الإمكانات، فتواجه الانقطاع بصورة مباشرة أكثر، وتضطر إلى شراء كميات أصغر بصورة متكررة أو إلى تقليل استهلاكها والاستغناء عن بعض الاستخدامات. وهكذا، قد تحصل أسرتان متصلتان بالشبكة العامة نفسها على مستويين مختلفين تماماً من الخدمة بحسب الموارد التي تستطيع كل منهما تخصيصها لتعويض أوجه قصورها.

ويمتد هذا التفاوت إلى جودة المياه أيضاً. ففي فردان، استخدمت 17% من المباني المشمولة بالدراسة أنظمة التناضح العكسي لمعالجة المياه، فيما لم تسجّل الدراسة استخدام هذه الأنظمة لدى الأسر المشاركة في عائشة بكار. كذلك، اشترى 96% من المشاركين في فردان المياه المعبأة من علامات تجارية مسجلة لدى وزارة الصحة، مقابل لجوء 39% من المشاركين في عائشة بكار إلى علامات أرخص وغير مسجلة. وبذلك، لا تحدد القدرة على الدفع كمية المياه المتاحة للأسرة فقط، بل تؤثر أيضاً في قدرتها على شراء مياه خاضعة للرقابة ولو الشكلية.

وحتى داخل السوق الخاصة، لا تشتري الأسر المياه بالسعر نفسه. فقد دفعت الأسر المشاركة في عائشة بكار نحو 0.0048 دولار لليتر من مياه الصهاريج، في مقابل نحو 0.0036 دولار في فردان. وتربط الدراسة الفارق بقدرة الأبنية الأكبر في فردان على استقبال صهاريج أكبر وتخزين كميات أكثر، بما يخفض كلفة الليتر. أما الأسر ذات الخزانات الأصغر أو السيولة الأقل، فتضطر إلى شراء كميات أقل وبوتيرة أكثر تكراراً، ما يرفع السعر الذي تدفعه عملياً للوحدة نفسها.

وهكذا، لا تعني خصخصة تأمين المياه أن الأسر تدفع أكثر فحسب، بل إنها توزع آثار ضعف الخدمة العامة بصورة غير متكافئة: فكلما ارتفعت قدرة الأسرة على الإنفاق، زادت قدرتها على شراء الاستمرارية والتخزين والمعالجة والجودة، فيما تتحمل الأسر الأقل دخلاً عبئاً أكبر نسبةً إلى دخلها وتحصل في الوقت نفسه على قدرة أقل على التعويض عن قصور الشبكة. 

من يستخرج المياه وبأي مقابل؟

في مقابل الكلفة المرتفعة التي تتحملها الأسر للحصول على المياه من السوق، يطرح توسع هذه السوق سؤالاً آخر: ما المقابل الذي يدفعه من يستخرج المياه من مورد عام ويستخدمها لأغراض خاصة أو تجارية؟

يعود الإطار الذي يحدد جانباً من رسوم التنقيب عن المياه واستعمالها إلى المرسوم رقم 14438 الصادر عام 1970 والمعدّل عام 1998. وبحسب النص المنشور، يبلغ الحد الأقصى للرسم السنوي المقطوع لرخصة التنقيب عن المياه 500 ألف ليرة في الأملاك الخاصة ومليون ليرة في الأملاك العامة. كما حُدد الحد الأقصى للرسم السنوي على استعمال المياه بـ100 ليرة عن كل متر مكعب للري و600 ليرة عن كل متر مكعب للصناعة والاستعمالات الأخرى. وهي مبالغ اسمية حُددت عام 1998 ولم تتغيّر حتى بعد انهيار العملة عام 2019. فبحسب المدير العام للموارد المائية والكهربائية في وزارة الطاقة والمياه، المهندس إلياس عقل «تعمل الوزارة حالياً على تعديل الرسوم المرتبطة بالآبار واستعمال المياه». 

ويمتد أيضاً الإطار التنظيمي إلى شروط الترخيص والاستثناءات التي تحدد متى يحتاج حفر البئر أو استعمال مياهه إلى رخصة. فلا تخضع جميع الآبار، وفق المرسوم نفسه، لشروط الترخيص نفسها. فإذا لم يتجاوز عمق البئر 150 متراً، يكتفي النص بإلزام صاحبها بإبلاغ الإدارة مسبقاً، فيما لا تتطلب بعض أشكال استعمال المياه رخصة إذا لم تتجاوز الكمية الممكن استخراجها 100 متر مكعب يومياً. ويعني هذا السقف إمكان استخراج ما يصل إلى 36,500 متر مكعب سنوياً. وتكتسب هذه الاستثناءات أهمية أكبر في ظل اتساع الاعتماد على المياه الجوفية وغياب بيانات دقيقة عن عدد الآبار والكميات التي تُستخرج منها.

حُدد الحد الأقصى للرسم السنوي على استعمال المياه بـ100 ليرة عن كل متر مكعب للري و600 ليرة عن كل متر مكعب للصناعة والاستعمالات الأخرى. وهي مبالغ اسمية حُددت عام 1998 ولم تتغيّر حتى بعد انهيار العملة عام 2019

لكن المشكلة لا تتعلق بمستوى الرسوم والاستثناءات القانونية فقط، بل أيضاً بغياب المعلومات التي تسمح بمعرفة ما يدفعه القطاع الخاص فعلياً مقابل استغلال المورد العام. فلا تنشر الجهات الرسمية، وفق البيانات المتاحة، معلومات موحدة توضح كميات المياه التي تستخرجها الشركات والمشغّلون التجاريون، أو قيمة الرسوم والضرائب التي يسددونها في مقابل استخراجها واستعمالها. كما لا تتوافر بيانات تسمح بمقارنة هذه المدفوعات بحجم المياه التي تدخل السوق الخاصة أو الإيرادات المتأتية من بيعها.

ويصبح هذا الغموض أكبر في الجزء غير المنظم من السوق. فالآبار غير المرخصة ومحطات التعبئة والصهاريج التي تعمل خارج الأطر النظامية قد تستخرج المياه أو تنقلها وتبيعها من دون أن تتمكن الدولة من معرفة الكميات المتداولة أو مراقبة مصدرها وجودتها أو تحصيل رسوم مرتبطة باستخدامها. وهكذا، لا يقتصر ضعف الرقابة على حماية المستهلك، بل يمتد إلى إدارة المورد نفسه ومعرفة من يستخرجه وبأي كمية وبأي مقابل.

وتكشف هذه الفجوة مفارقة أساسية في النظام القائم: تستطيع الأسرة معرفة، بصورة مباشرة، كم تدفع للحصول على المياه عندما تعجز الشبكة العامة عن تأمينها، لكن يصعب معرفة المقابل الذي يعود إلى الدولة عن استخراج جزء من المياه التي تُباع لها في السوق. وبذلك، تصبح خصخصة تأمين المياه مرتبطة ليس فقط بانتقال الكلفة إلى الأسر، بل أيضاً بضعف قدرة الدولة على تتبع استخدام مورد عام وتحديد القيمة التي تستردها مقابل استغلاله.

في النتيجة، لم تُخصخص مؤسسات المياه في لبنان رسمياً، لكن الامتناع عن تقديم الخدمة العامة نقل جزءاً متزايداً من كلفة تأمين المياه ومخاطرها إلى الأسر وفتح أسواقاً للقطاع الخاص المنظّم وغير المنظم لاستغلال الحاجة إلى المياه لجني الأرباح الطائلة. فباتت القدرة على الحصول على مياه كافية وآمنة ومنتظمة ترتبط أكثر بما تستطيع الأسرة دفعه، فيما تبقى رقابة الدولة على استخراج المورد واستخدامه محدودة. هكذا، لا تعوّض السوق الخاصة قصور الخدمة العامة فحسب، بل تعيد توزيع نتائجه بصورة غير متكافئة: من يملك القدرة على الدفع يستطيع شراء مستوى أعلى من الأمان المائي، فيما يتحمل الأقل دخلاً كلفة أكبر مقابل خدمة أضعف.

    ميرا القضماني

    طالبة في علوم الحوسبة والسياسات العامة في الجامعة اللبنانية الأميركية.