كيف صار سعر طنّ الترابة في السوق ثلاثة أضعاف السعر الرسمي؟
في أيار/مايو 2026، اقترب السعر الرسمي لطنّ الترابة من 91 دولاراً. لكن السعر المتداول في السوق كان مختلفاً تماماً، إذ وصل سعر الطن إلى نحو 250 دولاراً. وبعد يومين، تحدّثت تقارير عن ارتفاع السعر إلى 300 دولار. ما يعني أن الطن كان يُباع في السوق بما يقارب 3 أضعاف السعر الرسمي.
يشكّل هذا الفرق نقطة البداية. صحيح أنه لا يكفي وحده لإثبات أن شركات الإسمنت باعت فوق السعر الرسمي، خصوصاً أن السعر الرسمي هو السعر عند باب المصنع، بينما يتشكّل سعر السوق لاحقاً عبر النقل والتوزيع والوسطاء، لكنه كاف لإثبات أن السعر الذي تعلنه الدولة ليس هو السعر الذي يدفعه المستهلك.
فأين تنكسر السلسلة بين المصنع والمشتري؟ هل المشكلة في كمية الإنتاج أم في التوزيع أم في الوسطاء أم في ضعف الرقابة أم في طريقة إدارة السوق كلها؟
1. إعادة الإعمار تخلق سوقاً كبيرة للترابة
تأتي هذه الفجوة في لحظة حسّاسة. لم تخلّف الحرب الإسرائيلية المستمرّة على لبنان منذ عام 2023 دماراً فقط، بل فتحت أيضاً سوق إعادة إعمار كبيرة. وبالفعل قدّر البنك الدولي حاجات إعادة إعمار البنى المادية بما فيها المساكن والطرقات بنحو 3.4 مليار دولار في عام 2024. ويرجح أن تكون هذه الكلفة قد ارتفعت مع استمرار التدمير الممنهج من حينها وحتى اليوم.
لا يصف هذا الرقم الخسارة وحدها، وإنما يصف أيضاً حجم الطلب المقبل على الإسمنت والبحص والرمل والنقل والمقاولات وفرز الركام. فكل بيت مهدّم يعني حاجة جديدة إلى مواد البناء. وكل طريق متضرّرة، وكل مدرسة، وكل شبكة مياه، تضيف طلباً جديداً. لذلك لا تبقى الترابة مادة عادية في هذه اللحظة، وإنما تصبح مادة مرتبطة بالعودة إلى البيت، وإصلاح الضرر، وقدرة الناس على استئناف حياتهم.
يمكن قياس هذا الطلب بالأطنان. بحسب التقديرات المُعلنة لعدد الوحدات السكنية المدمّرة، قد تحتاج إعادة بناء أو ترميم المساكن المدمّرة وحدها إلى ما بين 188 ألفاً و442 ألف طن من الإسمنت. وهذا يساوي تقريباً بين 9.6% و22.7% من حجم سوق الإسمنت اللبناني في عام 2021. لا تشمل هذه الأرقام الأبنية المتضررة جزئياً، ولا الطرق، ولا المدارس، ولا المستشفيات، ولا شبكات المياه والكهرباء.
إذن، الطلب كبير. لكنه لا يمر عبر سوق واسعة ومفتوحة، وإنما عبر 3 شركات معنية تحتكر السوق اللبنانية، وهي شركة الترابة الوطنية-إسمنت السبع، هولسيم لبنان، وسبلين. لا توجد إحصاءات حديثة متعلقة بتوزع الحصص السوقية لكل منها، لكن بحسب دراسة قديمة تعود إلى عام 2010 صادرة عن «بلوم انفست»، تفيد أن سبلين تستحوذ على 16%-18% من السوق، في مقابل 43%-45% لهولسيم، و39%-41% لشركة الترابة الوطنية.
في سوق مركّزة مماثلة، لا يكون المواطن في موقع قوي. فهو لا يشتري من عشرات المنتجين المتنافسين، وإنما يشتري من سلسلة تبدأ بعدد محدود من الشركات، ثم تمر بالنقل والتوزيع والوسطاء. لذلك، عندما يرتفع الطلب، يصبح التحكم بالكميات والوصول إليها جزءاً أساسياً من تحديد السعر.
هنا يظهر معنى الفجوة بين 91 و300 دولار. السعر الرسمي موجود، لكنه لا يكفي وحده. إذا كانت الكميات لا تصل إلى السوق بشكل كافٍ، أو إذا كان التوزيع غير شفاف، أو إذا كان الوسطاء يبيعون بسعر أعلى، يصبح السعر الفعلي هو سعر الوصول إلى المادة. وبالنسبة إلى المواطن الذي يريد ترميم بيته، لا يهم أين تحديداً ارتفع السعر داخل السلسلة. ما يهمه هو أنه لا يستطيع شراء الطن بالسعر الرسمي.
2. الطريق إلى المقالع
في هذا السياق، يصبح توقيت القرارات الأخيرة الصادرة عن الحكومة المرتبطة بالمقالع مهماً. منذ مطلع 2025 توقفت معظم مقالع شركات الإسمنت عن العمل بسبب انتهاء أو تعليق التراخيص والخلافات القانونية حول تطبيق المراسيم المنظمة للمقالع. تقول الحكومة والشركات إن هذا التوقف يهدد إنتاج الإسمنت المحلي ويهدد الوظائف، خصوصاً مع توقع ارتفاع الطلب نتيجة إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب.
لذلك أقرّ مجلس الوزراء في 9 نيسان/أبريل 2026، القرار رقم 16/2026. وفّر القرار غطاءً قانونياً يُشَرعِن استمرار عمل شركات الإسمنت في الكورة عبر التمهيد لمنحها التراخيص لاستثمار مقالعها القائمة، حيث قضى بمطالبة المجلس الوطني بمنح البلديّات المعنيّة مهلة أسبوعين لإعطاء الموافقات المطلوبة على طلب التّرخيص لمدة 10 سنوات، على أن يُمنح الترخيص لمدّة سنة واحدة في حال عدم موافقة البلديّات. كما تضمّن القرار إقرار السير بمشروع تعديل المرسوم الناظم رقم 8823/2022.
بعد أسبوعين، ونتيجة الاعتراضات القانونية والإدارية التي أثارها القرار، جاء الإخراج الجديد في القرار 59/2026 في 23 نيسان/أبريل عبر تعديلَين أساسيَين هما إلغاء السير بتعديل المرسوم 8803/2002 بحجة أن وزارة البيئة تعمل على مشروع قانون جديد للمقالع، وإعادة إحياء المخطط التوجيهي الذي أقرّه مجلس الوزراء بموجب القرار رقم 40 بتاريخ 8/5/1997، أي قبل قرابة 30 عاماً، والذي كان يعتبر المقالع المطلوب العمل فيها من ضمن المناطق المخصصة لمقالع شركات الإسمنت. ما يعني أنه غير المسار القانون مع الإبقاء على النتيجة العملية نفسها التي تسمح للشركات بمواصلة أعمالها. مع ذلك، استمرّ إقفال معملي الترابة الوطنية وهولسيم في الشمال. وارتفعت الأسعار 3 أضعاف سعرها الرسمي.
بكلام أبسط: تغيّر القرار الجديد الطريق القانوني، لكن بقيت الوجهة نفسها. تشغيل المقالع بقي ممكناً. وهنا تظهر المشكلة في ترتيب الأولويات. في لحظة كان فيها السعر الفعلي للترابة يبتعد عن السعر الرسمي، ظهر التدخل الحكومي بوضوح عند مدخل الإنتاج، لا عند نهاية السلسلة حيث يقف المواطن والمقاول الصغير.
وهذا لا يعني أن لبنان لا يحتاج إلى إسمنت. فالحاجة حقيقية، خصوصاً أن إعادة الإعمار تحتاج إلى مواد بناء. لكن السؤال هو كيف تُدار هذه الحاجة. هل تبدأ الحكومة بضبط السعر والتوزيع والكميات؟ هل تكشف أين يذهب الفرق بين السعر الرسمي وسعر السوق؟ هل تفتح نقاشاً بشأن الاستيراد أو الرقابة أو هوامش الوسطاء؟ أم تبدأ بتأمين مسار للمقالع والشركات؟
3. من يربح؟ ومن يخسر؟
هنا يمكن تحديد المستفيد والخاسر بشكل أوضح.
المستفيد الأول هو شركات الإسمنت، حتى لو باعت بالسعر الرسمي، لأنها تحصل على مسار للوصول إلى المواد الأولية في لحظة يرتفع فيها الطلب. وفي سوق إعادة الإعمار، من يملك الإنتاج والمواد الأولية لا يكون طرفاً عادياً. هو يقف في بداية السلسلة التي يحتاج إليها الجميع.
المستفيد الثاني هو كل من يقف بين المصنع والمستهلك إذا كان يبيع بسعر أعلى من السعر الرسمي: موزعون، وسطاء، تجار، أو سوق موازية. هؤلاء قد يكونون من يلتقط الفرق بين سعر المصنع وسعر السوق. لذلك لا يكفي أن تسأل الحكومة الشركات عن السعر عند باب المصنع. عليها أن تسأل أيضاً عن مسار الطن بعد خروجه من المصنع.
المستفيد الثالث هو المقاول الكبير، إذا كان يستطيع الوصول إلى الكميات أو تمرير الكلفة إلى الزبائن أو إلى عقود إعادة الإعمار. أما المقاول الصغير وصاحب البيت المتضرر فلا يملكان القدرة نفسها. هما يشتريان بالسعر المتاح، أو يؤجلان الترميم.
في المقابل، الخاسر الأول هو المواطن. من خسر بيته، أو تضرر منزله، لا يشتري الترابة كسلعة عادية. هو يشتريها كشرط للعودة. لذلك يدفع مرتين: مرة من الحرب، ومرة من سعر إعادة البناء.
الخاسر الثاني هو الخزينة العامة. قدّرت دراسة وزارة البيئة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي مستحقات قطاع المقالع والكسارات للخزينة بحد أدنى يبلغ 2.394 مليار دولار، منها 370.2 مليون دولار مرتبطة بتجمعات الإسمنت تحديداً. ويطرح هذا الرقم سؤالاً أساسياً: قبل أن يحصل القطاع على تسهيلات جديدة، هل حُصّلت المستحقات القديمة؟ وهل ستعود أي منفعة فعلية إلى المال العام؟
الخاسر الثالث هو البلديات والسكان القريبون من المقالع. لا تنتج المقالع مواد بناء فقط. هي تنتج أيضاً غباراً وضجيجاً وحركة شاحنات وضغطاً على الطرقات وخطراً على المياه والزراعة. هذه الكلفة لا تظهر في سعر طن الترابة. لا يدفعها المنتج وحده، بل يدفعها من يعيش قرب مواقع الاستخراج.
بهذا المعنى، لا تعود قضية الترابة والمقالع ليست ملفاً بيئياً فقط، ولا ملفاً قانونياً فقط، وإنما مسألة توزيع. من يحصل على المواد؟ من يتحكم بالكميات؟ من يلتقط فرق السعر؟ ومن يدفع الكلفة النهائية؟
4. كيف تعمل السلسلة؟
السلسلة واضحة: الحرب تخلق دماراً. والدمار يخلق طلباً على الإسمنت. والطلب يمر عبر سوق مركّزة. والسوق المركّزة تجعل السعر الرسمي غير كافٍ إذا لم تضبط الدولة التوزيع. ثم تأتي قرارات المقالع لتفتح مساراً للشركات عند بداية الإنتاج، بينما يبقى المواطن عند نهاية السلسلة، يواجه السعر الفعلي.
هنا يصبح نقد الحكومة نتيجة لا مقدمة. المشكلة ليست أنها تدخلت في قطاع لا يحتاج إلى تنظيم. بل أنها تدخلت في المكان الذي يخدم استمرار الإنتاج قبل أن تتدخل في المكان الذي يحمي قدرة الناس على الشراء. وخلال الحرب، كان السؤال الاجتماعي الأكثر إلحاحاً هو: كيف لا تتحول إعادة الإعمار إلى عبء إضافي على من خسروا بيوتهم؟ لكن القرار الأوضح ذهب نحو المقالع، لا نحو السعر الذي يدفعه المواطن.
لذلك، السؤال ليس فقط كيف وصل طن الترابة إلى 300 دولار. السؤال الأدق هو: لماذا كان الطريق إلى المقالع أوضح من الطريق إلى السعر الرسمي؟